قال أجدادنا سابقا، وهو ما لا يخفى على أحد اليوم، إن تجريب المجرب عبث محض، وهذه الحكمة تختصر تماما حالة الرهان المتكرر على ترامب كـ"صانع سلام”. فحصيلة سنواته في الحكم لم تترك وراءها سوى سلسلة من التناقضات والقرارات التي عمقت الأزمات، بدلا من حلها، فلم يكن يوما رجل سلام، بل رجل صفقات، يوظف القضايا التاريخية المعقدة لخدمة مكاسب مادية وانتخابية، على حساب حقوق الشعوب واستقرار المنطقة، بل والعالم.
مع عودته الى المشهد السياسي، يسوق ترامب لنفسه كقادر على “إعادة النظام" و"ضبط الإيقاع"، متكئا على صورة التاجر المتمرس. غير ان الوقائع تكشف عكس ذلك تماما، فمنذ دخوله البيت الابيض، ارتبط اسمه في الشرق الاوسط بقرارات قلبت موازين الصراع لصالح دولة الاحتلال، وأغرقت المنطقة في إرباك واستقطاب.
في خطوة استفزازية، كسرت الإجماع الدولي، اعترف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال، ونقل السفارة الامريكية اليها، ثم شرعن الاستيطان، وهكذا تحولت شعارات السلام الى مجرد غطاء لتكريس هيمنة الاحتلال وتعميق قبضته.
هذه العقلية التجارية ظهرت جلية ايضا في "صفقة القرن"، التي طرحها ترامب، فقد اختزلت القضية الفلسطينية في مشاريع اقتصادية، مقابل التنازل عن الحقوق الوطنية، مقدما بذلك وصفة لتصفية القضية لا لحلها، فأي سلام يمكن ان يقوم على انكار التاريخ والهوية والحقوق الثابتة؟ ومع ذلك، ظل ترامب يبيع الوهم باعتباره فاتحا لباب سلام شامل، بينما ترك وراءه تجربة كاشفة للخيبة.
تأثير سياساته تجاوز فلسطين، ليطال الاقليم والعالم بأسره، فقد دفع نحو موجة تطبيع بين بعض العواصم العربية وتل أبيب، في مسار تم فرضه بالترغيب والترهيب، يفتقد لأي شرعية شعبية، او عدالة حقيقية، والنتيجة لم تكن استقرارا، بل مزيدا من الانقسام داخل المجتمعات العربية، وفتح الباب أمام صراعات جديدة حول الشرعية والهوية.
أضف إلى ذلك، ان سلوكه السياسي الذي يكشف شخصية متقلبة، لا تلتزم بوعد، ولا برؤية استراتيجية، فتجده يطلق تعهدات، ثم ما يلبث ان يتراجع عنها، يوحي بالتهدئة اليوم، ثم يشعل المواجهة في اليوم التالي، ولا يتردد في السماح بمهاجمة بلد ما، ليزعم لاحقا انه لم يكن على علم، ثم لينتهي الامر باتصال عابر او اعتذار، هذا النمط يفضح عقلية الاستعراض والمناورة التي تحكم قراراته، وتؤكد ان وصفه برجل سلام، ليس سوى وهم سياسي ساذج.
على المدى القريب، اعادة انتاج خطاب ترامب عن السلام تعني المزيد من الخلط بين القوة والشرعية، وبين المكاسب اللحظية والحقوق الثابتة، اما على المدى البعيد، فهي تفتح الباب أمام أجيال فلسطينية جديدة فقدت ثقتها ليس فقط في الولايات المتحدة، بل في العملية السياسية برمتها. فكيف يمكن لفلسطيني يعيش تحت حصار خانق وتجويع، او قصف متكرر من جيش الاحتلال، ان يصدق ان السلام يمكن ان يولد من تحت عباءة ترامب، تلك التي تمد الاحتلال بمصادر القوة، العسكرية والسياسية؟
من الناحية العملية، إذا كان ثمة حديث عن سلام حقيقي، فلا بد ان يقوم على ثلاث مرتكزات؛ الاعتراف بالحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، وقف الاستيطان والانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة، وضمانات دولية ملزمة، تترجم هذه المبادئ إلى وقائع ملموسة على الأرض، أما اختزال القضية في عوائد اقتصادية، او وعود أمنية، فهو ليس سوى وصفة لسلام يولد ميتا، والتجارب السابقة كافية لتؤكد أن الرهان عليه ليس الا تكرارا للخطأ، وتجريبا لما ثبت فشله، وقد دفع الفلسطينيون والعرب ثمنه باهظا، من الدماء والأوهام.





Share your opinion
ترامب.. صانع السلام المزعوم أم الفوضى الدائمة؟