قبل العام ٢٠٠٦ كنا بحكومة، فصرنا بعدها بحكومتين، وقبل السابع من أكتوبر ٢٠٢٣ كنا برئيس، فصرنا برئيسين، واحد منتخب على ضفة النهر، وآخر منتدب على شاطئ البحر، وكانت لدينا جوهرة، فاستحالت مقبرة.
لعل أفضل ما في إعلان ترمب وقف نزيف الحرب، ليتسنى للناجين من المحرقة التقاط أنفاسهم، ومنحهم قسطًا من الراحة لمداواة جراحهم، والحزن على أحبائهم، والبكاء على أطلال منازلهم التي دُفنت تحت ركامها أحلامُهم، وحشاشاتُ أرواحهم، وشقاءُ أعمارهم.
لا تملك حركة "حماس" سوى الإمضاء على الاتفاق، فأكلاف الـ"لا"، إن حدثت لا قدّر الله، ستكون عاليةً عليها وعلى سكان غزة والقضية برمتها، التي باتت "بين قوسين" بعد أن استُبدل بند المسار إلى إقامة الدولة بـ"أفق سياسي" أتبعه ترمب بالقول: "إن المستقبل ما زال مجهولاً بالنسبة للفلسطينيين"، مثلما لا يستطيع نتنياهو عرقلته، أو العودة إلى الحرب بعد دخول الاتفاق حيز التنفيذ.
قد يقول قائل إن الشيطان يكمن في التفاصيل، وهذا صحيح، بيد أنّ الصحيح أيضًا أنّ الرفض تحت تلك الذريعة سيُعيد كل الشياطين لممارسة هوايتهم التي انتُدبوا إليها قبل عامين لإكمال مخططاتهم، وتحقيق أحلامهم التي تتسلط على عقولهم بأصوليةٍ توراتية حارقة، بضمانة إرخاء ترمب الحبل على غاربه للقتلة لمواصلة الإبادة.
انتهاء خطر التهجير، وإعادة التعمير، وإدخال الغذاء والدواء للمجوّعين، وانسحاب "عربات جدعون"، وسحب ذريعة المحتجزين، التي استحلبها ذئب الليكود حتى قطرتها الأخيرة بقتل أطفال غزة وتجويعهم، وإسقاط الأبراج، وتدمير المنازل فوق رؤوس ساكنيها.. نقاط مهمة، وهي الضرورات التي تبيح المحظورات.
بيد أن السؤال الموجع في هذه اللحظات الفارقة التي تسبق الموافقة على إنهاء المقتلة: كم طفلًا سيموت؟ كم أُمّاً ستُفجع بأحبائها من الأبناء والأحفاد؟ وكم طفلًا سيُفجع بفقد والديه؟ وكم منزلًا سيصبح مقبرةً لعائلةٍ تمت مساومتها بين تعاونها مع القتلة أو تعرضها للإبادة، كما حدث مع عائلة بكر التي دفعت دم أبنائها ثمن رفض مختارها تلك المساومة الظالمة.





Share your opinion
أصبح عندنا الآن رئيسان.. واحد منتخب.. وآخر منتدب!