د. رائد أبو بدوية: تراجع زمن الحصانة السياسية لإسرائيل وبداية مرحلة قد تُجبرها على مراجعة سياساتها حتى وإن استمرت في خطاب المكابرة
نور عودة: الخطاب "رسالة تحدٍّ واضحة ضد محاولات وقف الإبادة وإنهاء الاحتلال" ما يضع إسرائيل في مواجهة مع المجتمع الدولي
د. عمر رحال: مغادرة الوفود شكلٌ من أشكال العزل السياسي والأخلاقي ورسالة لنتنياهو بأنه بات مرفوضاً ومرفوعاً عنه الغطاء دوليّاً
د. دلال عريقات: ظهور نتنياهو وهو يخاطب قاعة شبه فارغة حوّل خطابه من حدث دبلوماسي إلى مشهد فاضح للعزلة والاستخفاف بما يقوله
نعمان توفيق العابد: منع نتنياهو من الخطاب كان ينبغي أن يكون الخطوة الطبيعية خاصة بعد أن قام مندوبه بتمزيق ميثاق الأمم المتحدة
د. قصي حامد: الانسحاب الجماعي لعدد من المندوبين الدوليين خلال خطاب نتنياهو شكّل إدانة علنية غير مسبوقة لسياسات الاحتلال
لم يكن خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هذا العام على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة سوى مشهد مكشوف على الهواء مباشرة، لانقلاب المعادلات التي طالما راهن عليها، وينذر بميلاد مرحلة جديدة من تراجع مكانة إسرائيل على الساحة الدولية، بعد أن ظهر بخطاب دفاعي يتكئ على بروباغاندا قديمة في ظل واقع عالمي متغير، وترك في القاعة وحيداً بعدما انسحبت الوفود الدولية.
ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات، في أحاديث منفصلة لـ"ے"، أن نتنياهو الذي اعتاد أن يخاطب العالم بثقة المهاجم، وجد نفسه هذه المرة محاصرا بتحولات دولية تُضعف نفوذه وتكسر سرديته القديمة.
ويؤكد الكتاب والمحللون والمختصون وأساتذة الجامعات أن اللحظة الأكثر تعبيرًا لم تكن في كلماته، بل في المقاعد التي فرغت من حوله بانسحاب الوفود، واحدًا تلو الآخر، حيث لم يُقرأ كمشهد احتجاجي تقليدي، بل كصفعة دبلوماسية علنية أظهرت أن الحضور لم يعد مجاملة، وأن صمت العالم لم يعد خيارًا.
ويلفتون إلى أن الصورة التي بثتها الكاميرات كانت أبلغ من الخطاب نفسه: متحدث معزول يخاطب فراغًا متعمّدًا، كما أن هذا الخروج الجماعي لم يكن حادثًا بروتوكوليًا، بل إعلانًا عن تراجع زمن الحصانة السياسية لإسرائيل، وتحوّل في طريقة تعامل المجتمع الدولي مع روايتها.
تحوّل غير مسبوق في موقع إسرائيل الدولي
يرى أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية في الجامعة العربية الأمريكية د. رائد أبو بدوية أن خطاب رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا العام عكس تحولًا غير مسبوق في موقع إسرائيل الدولي، سواء على مستوى الخطاب أو مستوى ردود الفعل.
ويوضح أن نتنياهو، الذي اعتاد استخدام منبر الأمم المتحدة للهجوم وتبرير سياساته، وجد نفسه هذه المرة في موقع دفاعي تحاصره العزلة والضغوط، وعلى رأسها الضغوط الأميركية.
ويشير أبو بدوية إلى أن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب قبل يوم واحد من خطاب نتنياهو ــ-التي رفض فيها السماح لإسرائيل بضم الضفة الغربية، ولوّح بضرورة إنهاء الحرب على غزة- شكّلت تحولًا مهمًا في نبرة الخطاب الأميركي تجاه إسرائيل، وفرضت خطوطًا حمراء على أي خطاب رسمي إسرائيلي في المحافل الدولية.
ويؤكد أبو بدوية أن نتنياهو ظهر كأنه يحاول التمسك برواية قديمة في لحظة دولية تغيّرت معادلاتها، ولم يعد العالم يتعاطى مع الاحتلال بذات التساهل.
وحول ردود الفعل داخل قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة، يؤكد أبو بدوية أن مغادرة وفود دولية عدة أثناء خطاب نتنياهو لم تكن تصرفًا رمزيًا عابرًا، بل خطوة سياسية تعكس انتقالًا فعليًا من حدود الإشارة الدبلوماسية إلى ممارسة ضغط مباشر.
ويلفت أبو بدوية إلى أن تغير المزاج الدولي، وتراجع الغطاء الأميركي غير المشروط، جعلا الانسحاب من الجلسة إعلانًا بأن إسرائيل لم تعد تتمتع بالحصانة السياسية التي اعتادت عليها.
ويبيّن أبو بدوية أن الحرب على غزة، وما رافقها من جرائم بحق المدنيين، دفعت الرأي العام العالمي، ومعه حكومات عديدة، إلى عدم القبول بأي خطاب يكرّس الإنكار أو يبرر العنف. وبحسب أبو بدوية، فإن الانسحابات جاءت كرسالة مزدوجة: رفض لغة سياسية منفصلة عن الواقع، واستعداد للانتقال من الإدانة الكلامية إلى الضغط العملي.
وفي قراءته للمشهد الدولي الأوسع، يؤكد أبو بدوية أن تزامن الخطاب الدفاعي لنتنياهو مع الانسحابات وتصريحات ترامب المقيّدة، يعكس تحولًا حقيقيًا في النظام الدولي.
إسرائيل أصبحت عاجزة عن فرض سرديتها
ويشدد أبو بدوية على أن إسرائيل أصبحت عاجزة عن التحكم بالرواية أو فرض سرديتها كما في السابق، وأن واشنطن باتت تنظر إلى استمرار الحرب باعتباره عبئًا استراتيجيًا وليس مكسبًا سياسيًا.
وبحسب أبو بدوية، فإن ما جرى في الأمم المتحدة وانسحاب الوفود خلال خطاب نتنياهو ليس لحظة بروتوكولية عابرة، بل إشارة إلى بداية تراجع زمن الحصانة السياسية لإسرائيل، وبداية مرحلة جديدة قد تُجبرها على مراجعة سياساتها حتى وإن استمرت في خطاب المكابرة.
"كذب وتلفيق وعنصرية وازدراءٌ للآخر وتفاخر بالعدوانية"
توضح الكاتبة والمحللة السياسية المتخصصة في الشؤون الدبلوماسية والعلاقات الدولية نور عودة أن خطاب رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة شكّل مزيجًا من "الكذب والتلفيق والعنصرية وازدراء الآخر والتفاخر بالعدوانية"، مؤكدة أنه حمل إصرارًا على استمرار الإبادة والتحريض العلني ضد الشعب الفلسطيني.
وتشير عودة إلى أن نتنياهو اعتمد خطابًا مسمومًا "يحطّ من إنسانية الشعب الفلسطيني بأكمله"، معتبرة أن هجومه على حكومات غربية صديقة بسبب اعترافها بالدولة الفلسطينية، إلى جانب مغازلته اليمين العنصري المعادي للمسلمين في تلك الدول، يعكس "انعدام الخيارات السياسية لديه، وافتقاده أي أفق دبلوماسي".
وتوضح أن نتنياهو بات يخاطب "اليمين المتطرف والعنيف في أوروبا والعالم"، بعدما لم تعد رسائله "العنصرية والعدوانية مقبولة لدى غالبية الأطراف السياسية المؤثرة دوليًا".
إسرائيل تتجه نحو فقدان الحلفاء التقليديين
وتعتبر عودة أن هذا التحول مؤشر خطير على أن إسرائيل تتجه نحو مزيد من العزلة وفقدان الحلفاء التقليديين الذين لم يعودوا قادرين على تبرير سياساتها أو التماهي معها.
وتصف عودة هذه العزلة بأنها "غير مسبوقة"، مشيرة إلى أن الأسلوب الاستعراضي والاستعلائي الذي ظهر به نتنياهو خلال الخطاب "كان منفّرًا وأثار استياءً واسعًا".
وتعتبر عودة أن الخطاب يمثل "رسالة تحدٍّ واضحة ضد محاولات وقف الإبادة وإنهاء الاحتلال"، ما يضع إسرائيل في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي، ويمنح المزيد من القوة للأصوات المطالبة بفرض عقوبات عليها.
وحول مشهد مغادرة الوفود أثناء الخطاب، تشدد عودة على أنه حدث تكرر سابقًا، "لكن ليس بهذا الحجم والوضوح".
وتصف عودة الانسحاب بأنه "غير مسبوق"، ويعبر عن رفض عالمي لسياسات الاحتلال، ورفض لمنح نتنياهو أي شرعية دبلوماسية، حتى من باب المجاملة الشكلية.
وتؤكد عودة أن هذا المشهد يبعث برسالة قوية حتى إلى الولايات المتحدة، التي لا تزال ترفض فرض العقوبات على إسرائيل أو الاعتراف بدولة فلسطين.
وتشير عودة إلى أن هناك "ديناميكية جديدة تتشكل سياسيًا على مستوى العالم"، يصعب تجاهلها، وقد تدفع باتجاه "عزل إسرائيل، ومحاسبتها، وفرض عقوبات عليها، ووقف الإبادة دون انتظار موافقتها".
وتشدد عودة على أن إسرائيل "قوية لأن بعض العالم تسمح لها بأن تكون قوية"، مشيرة إلى أن التحدي الذي فرضه نتنياهو على المجتمع الدولي سيستدعي إجراءات عملية، خصوصًا فيما يتعلق بوقف الضم وإنهاء الاحتلال واحترام حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني.
نتنياهو يوجه رسائل إلى الخارج والداخل
يؤكد الكاتب والمحلل السياسي د. عمر رحال أن خطاب رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة لم يكن مجرد مشاركة بروتوكولية، بل جزء من محاولة مدروسة لإعادة صياغة الرواية الإسرائيلية التي تضررت بشدة، في ظل تفوق الرواية الفلسطينية واهتزاز صورة الاحتلال على المستوى الدولي.
ويشير رحال إلى أن نتنياهو يستثمر كل منصة دولية لتعزيز السردية التي تحاول إظهار إسرائيل كضحية، مشيراً إلى أن خطابه ارتكز على ادعاء أنه في حالة "دفاع عن النفس" ويقاتل "الشر والإرهاب والتطرف" بالنيابة عن العالم، ولا سيما أوروبا والولايات المتحدة.
ويبيّن رحال أن نتنياهو يحاول من خلال هذا الخطاب أن يقول للمجتمع الدولي إن إسرائيل ضحية وليست معتدية، وإنها تخوض حرباً دفاعية تمثل "الخير" أمام "الشر".
ويلفت رحال أن مهمة نتنياهو لم تقتصر على مخاطبة الخارج، بل وجّه رسالة للداخل الإسرائيلي أيضاً، للمعارضة والرأي العام، بأنه الزعيم والقائد الأول الذي يتحدث باسم الدولة ويعرض ما يجري أمام العالم، وبأنه يحمل قضية الأسرى ويطالب المجتمع الدولي بتحمل مسؤوليته حيالهم.
ويشير رحال إلى أن نتنياهو سعى من خلال خطابه للضغط على المجتمع الدولي عبر تصوير إسرائيل كدولة تتعرض لهجمات واعتداءات، ودعوته الضمنية للدول للوقوف إلى جانبها في مواجهة ما يسميه بالإرهاب الفلسطيني، مؤكداً أن هذه اللغة جزء من استراتيجية الضغط السياسي والدبلوماسي.
ويبيّن رحال أن جانباً مركزياً في خطاب نتنياهو كان محاولة تشتيت الانتباه الدولي عن الجرائم الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية، من خلال إثارة ملفات إيران، والحوثيين، والعراق، وملفات "الإرهاب" خارج الساحة الفلسطينية، بهدف حرف الأنظار عن واقع الاحتلال واعتداءاته على الشعب الفلسطيني من رفح حتى جنين.
وفيما يخص مغادرة وفود دولية لقاعة الأمم المتحدة أثناء إلقاء نتنياهو خطابه، يعتبر رحال أن هذه الخطوة تحمل رسالة سياسية ودبلوماسية واضحة مفادها أن نتنياهو المتحدث شخص غير مرغوب فيه، وأنه كاذب ومخادع ومتهم بجرائم ومطلوب للعدالة الدولية.
ويرى رحال أن مغادرة الوفود كانت بمثابة إعلان رفض للاستماع إلى من يرتكب الجرائم، وهو شكل من أشكال العزل السياسي والأخلاقي يتجاوز حدود الاحتجاج التقليدي.
مغادرة الوفود تُذكّر بحوادث تاريخية
ويشير رحال إلى أن ما جرى يُذكّر بحوادث تاريخية، مثل انسحاب وفود كثيرة في الستينيات عندما تحدث مندوب إسرائيل بعد انسحاب الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر.
ويشدد رحال على أن الانسحاب الجماعي يُضعف شرعية الخطاب الإسرائيلي ويُظهر عزلة نتنياهو على المستوى الدولي.
ويوضح رحال أن هذه الخطوة ليست مجرد إدارة للظهر أو تعبير رمزي محدود، بل فعل يتضمن رسالة عميقة تتعلق بالعزلة السياسية، وبالرفض القاطع لسياسات الإبادة والإجراءات الإسرائيلية.
ويصف رحال انسحاب الوفود خلال خطاب نتنياهو بأنه رسالة "احتجاج يتجاوز الاحتجاج التقليدي"، يقوم على سحب الشرعية ورفض الاستماع، ويفتح الباب أمام المطالبة الضمنية بالمحاسبة والمساءلة الدولية.
ويؤكد رحال أن رفض الاستماع لخطاب شخص متهم ومطلوب للجنائية الدولية يعني عملياً دعم التوجه نحو محاسبته، ورفض التعامل معه.
ويعتبر رحال ذلك رسالة شخصية لنتنياهو بأنه بات مرفوضاً ومرفوعاً الغطاء عنه.
ويؤكد رحال أن هذا الموقف الدبلوماسي من الوفود يعكس دعماً للقضية الفلسطينية وحقوق شعبها، ورفضاً لجرائم الاحتلال وسياساته.
ويرى رحال في ذلك رسالة سياسية وقانونية وحقوقية ودبلوماسية متكاملة، تؤكد الوقوف إلى جانب الحق الفلسطيني في مواجهة الانتهاكات الإسرائيلية، وتكشف اتساع دائرة العزلة الدولية التي تحاصر نتنياهو وروايته.
حالة دفاعية يائسة وبروباغاندا توراتية وتحريضية
تؤكد أستاذة الدبلوماسية وحل الصراعات في الجامعة العربية الأمريكية د. دلال عريقات أن خطاب رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عكس حالة دفاعية يائسة، وارتكز على بروباغاندا توراتية وتحريضية تهدف إلى التغطية على الجرائم الإسرائيلية، بدل تقديم أي رؤية سياسية أو التزام بالقانون الدولي.
وتوضح عريقات أن الخطاب جاء "مشبعًا بالتحريض والأدلجة الدينية"، إذ حاول نتنياهو تغليف سياسات حكومته بالأساطير التوراتية لتبرير ممارسات الاحتلال، في إطار "بروباغاندا مكشوفة" تسعى إلى تبرئة إسرائيل من اتهامات الإبادة الجماعية التي تلاحقها أمام المحاكم الدولية.
وتبيّن عريقات أن خطاب نتنياهو اعتمد التحريض الممنهج عبر شيطنة إيران وربطها بمحاور الشر في اليمن وسوريا والعراق، في محاولة لصرف الأنظار عن كون إسرائيل مصدر عدم الاستقرار الحقيقي في المنطقة.
وتؤكد عريقات أن ما قدمه نتنياهو يرقى إلى "خطاب كراهية وتحريض يعاقب عليه القانون الأمريكي"، مستغلاً منبر الأمم المتحدة لتأجيج الصراعات بدل الإسهام في حلّها.
وتعتبر عريقات أن بث الأحقاد وشيطنة الشعوب والدول يكشف كيف يستخدم نتنياهو المنابر الدولية لتغذية العنف وشرعنته.
وفي ما يتعلق بالمضمون، تشير عريقات إلى أن نتنياهو كرّر عملية "قلب الحقائق وتشويه الواقع"، من خلال الإصرار على تصوير إسرائيل كضحية، متجاهلًا الجرائم المرتكبة في غزة والمتهم بها جيشه.
وتصف عريقات خطاب نتنياهو بأنه نسخة واضحة من "الهاسبارا" الإسرائيلية التي تقوم على التضليل والاستخفاف بعقول الجماهير وقيادات العالم.
خطاب نتنياهو.. انفصام عن الواقع
وترى عريقات أن بنية خطاب نتنياهو عكست "انفصامًا عن الواقع"، إذ ظهر نتنياهو بمظهر "مجرم حرب يتحدث بنبرة تحدٍّ"، رغم إدراك العالم لما تواجهه حكومته من اتهامات بارتكاب جرائم حرب وإبادة ضد الشعب الفلسطيني. وتشير عريقات إلى أن معادات نتنياهو للسلام بدت واضحة، خاصة أن 90% من أعضاء الكنيست يعارضون إقامة الدولة الفلسطينية، ما يفضح زيف أي حديث عن تسويات سياسية.
وفي تعليقها على مغادرة عدد من مندوبي الدول أثناء الخطاب، تعتبر عريقات أن هذا المشهد يحمل دلالات سياسية ورمزية عميقة، أبرزها الاحتجاج العلني على منح الشرعية لخطاب تحريضي، وإظهار حالة العزلة التي تواجهها إسرائيل.
الانسحاب رسالة تضامن مع ضحايا الإبادة
وتلفت عريقات إلى أن الانسحاب يُعدّ رسالة تضامن مع ضحايا الإبادة في غزة، ورفضًا للتضليل وتشويه الواقع.
وتؤكد عريقات أن ظهور نتنياهو وهو يخاطب قاعة شبه فارغة حوّل خطابه من حدث دبلوماسي إلى "مشهد فاضح للعزلة والاستخفاف الدولي بما يقوله".
وتشير عريقات إلى أن الخطاب بدا كأنه "خطاب الوداع" لنتنياهو على هذا المنبر، إذ لم يحمل سوى مزيج من التحريض والكراهية والتزوير، في مقابل مشهد دولي يزداد رفضًا للرواية الإسرائيلية وممارساتها الإجرامية.
عزلة سياسية حادة وتناقض صارخ مع مبادئ المؤسسة الدولية
يؤكد الكاتب والباحث السياسي والمختص في العلاقات الدولية نعمان توفيق العابد أن خطاب رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عكس عزلة سياسية حادة وتناقضًا صارخًا مع مبادئ المؤسسة الدولية.
ويرى العابد أن السماح لنتنياهو باعتلاء المنصة الأممية كان خطأ جسيمًا، خصوصًا بعد التهجم المتواصل لحكومته على الأمم المتحدة وهيئاتها.
ويوضح العابد أن حكومة نتنياهو هاجمت مرارًا الأمم المتحدة، وأمينها العام، ووكالة الأونروا، وكذلك المحاكم الدولية مثل محكمة العدل الدولية ومحكمة الجنايات الدولية، إلى جانب التطاول الواضح على القانون الدولي.
ويشير العابد إلى أن منع نتنياهو من الخطاب كان ينبغي أن يكون الخطوة الطبيعية، خاصة بعد أن قام مندوبه بتمزيق ميثاق الأمم المتحدة والدعوة لهدم مبناها.
ويلفت العابد إلى أن نتنياهو ألقى خطابه وهو يدرك حجم "المأزق" الذي وضعت به حكومته دولة الاحتلال، في ظل "الثورة العالمية" المتنامية بالاعتراف بالدولة الفلسطينية من قِبل دول كانت تاريخيًا حليفة لإسرائيل، مثل بريطانيا وفرنسا.
ويبيّن أن هذه التطورات أظهرت انحسار الدعم السياسي لحكومة الاحتلال، وعمّقت من عزلتها الدولية.
ويشير العابد إلى أن نتنياهو استمر في خطابه بإنكار حقوق الشعب الفلسطيني والتنصل من مبادئ الأمن والسلام التي تأسست عليها الأمم المتحدة، فضلاً عن التهجم على شعوب ودول المنطقة، وتهديدها، ومحاولة تسويق أفكار توسعية تحت شعار "إسرائيل الكبرى".
المضي في سياسة "الإبادة والفوضى وعدم الاستقرار"
ويعتبر أن نتنياهو يمضي في سياسة "الإبادة والفوضى وعدم الاستقرار" التي تطال الإقليم والعالم.
ويؤكد العابد أن العزلة ظهرت جليًا خلال خطاب نتنياهو عندما غادر معظم ممثلي ودبلوماسيي دول العالم القاعة، ولم يتبقَّ سوى وفود محدودة جدًا من ضمنها وفد الاحتلال ووفد الولايات المتحدة الأمريكية.
وبحسب العابد، فإن مشهد نتنياهو وهو يخاطب مقاعد شبه فارغة شكّل رسالة أممية قوية ترفض سياساته العدوانية.
ويرى العابد أن مغادرة الوفود يعكس عدم ترحيب المجتمع الدولي بإسرائيل داخل المؤسسة الأممية، ما كان يستدعي التوجّه نحو تجميد عضويتها في الأمم المتحدة خلال الدورة الحالية للجمعية العامة، إلى أن تلتزم بقرارات الشرعية الدولية، وتوقف حربها ضد الشعب الفلسطيني في غزة والقدس والضفة الغربية، وتقبل بالجلوس إلى طاولة مفاوضات تحقق الأمن والسلام وفق مبدأ حل الدولتين.
ويشير العابد إلى أن أكثر من 80% من دول العالم باتت تعترف بالدولة الفلسطينية، وأن هذه المعادلة السياسية الجديدة تضع حكومة الاحتلال أمام واقع لا يمكن تجاهله دوليًا.
إدانة دولية علنية غير مسبوقة
يؤكد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس المفتوحة د. قصي حامد أن خطاب رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة حمل جملة من الرسائل الخطرة المبنية على التضليل ونزع الإنسانية عن الفلسطينيين، مشيرًا إلى أن الانسحاب الجماعي لعدد من المندوبين الدوليين خلال خطاب نتنياهو شكّل إدانة علنية غير مسبوقة لسياسات الاحتلال.
ويشير حامد إلى أن أبرز ما ارتكز عليه نتنياهو هو ما وصفه بـ"تبرير الحرب باعتبارها مهمة أخلاقية"، إذ حاول تقديم العدوان على غزة، وما يتضمنه من قتل جماعي وتجويع ومنع للمساعدات، على أنه ضرورة للقضاء على حماس.
وبحسب حامد، فإن نتنياهو لجأ إلى المقارنة مع حروب أخرى لتقليل شأن عدد الضحايا الفلسطينيين، في محاولة لـ"نزع الإنسانية عن المدنيين" وإظهار إسرائيل كأنها تقدم المساعدات وتحمي الأبرياء، رغم أن الواقع يناقض هذه الصورة.
ويشير حامد إلى أن الخطاب "ربط الاعتراف بالدولة الفلسطينية بالتشجيع على الإرهاب"، إذ اعتبر نتنياهو أن الدول التي اعترفت بفلسطين قدّمت جائزة لحماس وشجّعت قتل اليهود. ويوضح حامد أن نتنياهو تعامل مع الاعتراف بدولة فلسطين كأنه وصمة عار، وسعى إلى تجريم الدول التي اتخذت هذا الموقف.
وبحسب حامد، فإن نتنياهو سعى لإظهار نفسه قادرًا على "تغيير وجه الشرق الأوسط" من خلال تحييد إيران وتقليص تأثير حزب الله، وتوجيه "ضربات قاصمة" للقيادة السياسية والعسكرية لحماس.
ويشير حامد إلى أن نتنياهو استدعى باستمرار رواية "الضحية" وربط الحرب بأحداث السابع من أكتوبر 2023 لتبرير استمرار العدوان.
ويؤكد حامد أن نتنياهو استخدم خطابه أيضًا لاستهداف المحتجزين الإسرائيليين، إذ تم بثه عبر مكبرات الصوت في غزة ليس من أجل السكان، بل لإيصال رسالة للأسرى الإسرائيليين بأنه يقاتل من أجل إطلاقهم، في محاولة لترسيخ صورته كبطل داخلي.
ويشير حامد إلى سعي نتنياهو لتصوير إسرائيل على أنها "تقاتل نيابة عن العالم المتحضر"، وهاجم الدول التي اعترفت بفلسطين متهمًا إياها بـ"معاداة السامية"، ما يعكس سعيه لابتزاز المجتمع الدولي عبر الخطاب العاطفي.
وفي تعليقه على مغادرة الوفود القاعة، يؤكد حامد أن الخطوة تحمل "رسائل واضحة"، أبرزها أن "الخطاب المزيف لنتنياهو لم يعد مقنعًا"، وأن الإبادة الجماعية في غزة باتت مكشوفة ولا يمكن تبريرها.
ويرى حامد أن الانسحاب يعكس رفضًا جماعيًا للسياسات الإسرائيلية، ويعبر عن احتجاج دبلوماسي ضد القتل والتجويع والحصار.
إحراج سياسي لنتنياهو
ويوضح حامد أن هذه الخطوة تؤكد "تعميق عزلة إسرائيل دوليًا"، خاصة مع اعتراف عدد من الدول الغربية بفلسطين، ما يشير إلى تحولات في المزاج الدولي، وإن كانت تدريجية.
ويعتبر حامد أن ما حدث يمثل "إحراجًا سياسيًا" لنتنياهو، الذي ظهر أمام قاعة شبه فارغة، في رسالة بأنه "منبوذ دوليًا ولم يعد العالم مستعدًا للاستماع إلى خطاباته الكاذبة".
ويؤكد حامد أن الانسحاب الجماعي شكّل أيضًا "رسالة تضامن مع الشعب الفلسطيني"، وإدانة لاستخدام التجويع والحصار كأدوات حرب، معتبرًا ذلك الحد الأدنى من المواقف التي يمكن أن تتخذها الدول الرافضة للعدوان وحرب الإبادة في قطاع غزة.





Share your opinion
نتنياهو يخطب والقاعة فارغة.. عزلة سياسية على الهواء مباشرة