لم يكن جوهر النضال الفلسطيني يومًا بلوغ الدولة بوصفها الغاية القصوى، بل كان الهاجس الأصيل يتمثل دومًا في الانعتاق من نير الظلم عبر تحقيق الاستقلال. الفارق بين مفهومي الدولة والاستقلال هنا ليس تفصيلًا لغويًا عابرًا، بل هو فارق بنيوي ومعنوي يتعيّن استحضاره في خضم النشوة المفرطة التي أثارتها موجة الاعترافات الدولية الأخيرة بـ "الدولة الفلسطينية". فالدولة كأداة، شأنها شأن السكين: يمكن أن يُستخدم لإعداد الطعام كما يمكن أن يُستعمل لإيذاء الأصابع. وهذا ما يوضحه علماء السياسة والاجتماع حين يصفون الدولة بجهاز سيطرة وتنظيم وضبط، يمارس القوة القامعة بحق مواطنيه تحت لافتة رعاية الأمن والنظام وتطبيق القوانين لضمان السيادة. وهذه الممارسة قد تكون مشروعة إذا استمدت السلطة من الناس، كما قد تنقلب إلى استبداد إن جُرّدت من الشرعية.
لم يكن النضال الفلسطيني يومًا سعيًا تقليديًا وراء دولة بحدودها وإدارتها، بل هو في جوهره فعل مقاومة وجودي ضد السلب والظلم والمعاناة، مطبوعًا بروحه التحررية أكثر من كونه مشروعًا لتشييد كيان سياسي هش، مرتهن لعدوه ومفتوح على التشظي والانقسام من داخله. فكم من دول قامت شكلًا وبقيت فارغة المضمون، مسلوبة السيادة، تابعة في قرارها السياسي والاقتصادي والأمني لغير مواطنيها، بما يجعل الاستقلال المزعوم مجرد قشرة بلا جوهر، وواجهة تخفي استمرار الارتهان للغرباء. فالدولة ليست غاية بذاتها، بل أداة مزدوجة الوجه: قد تتجسد كوسيلة للتحرر وبناء السيادة، وقد تتحول إلى آلية لإعادة إنتاج التبعية وتكريس الارتهان، وهو ما يجعل فهمها بشكل معمق ضرورة لا مفر منها. غير أن الخطاب الفلسطيني الرسمي انزلق تاريخيًا إلى التعامل مع فكرة الدولة بوصفها عقيدة سياسية مقدسة اختزلت جوهر النضال إلى مطلب كيان سياسي، بينما جوهر القضية أعمق من ذلك، حيث يتصل بالحقوق الأصيلة والكلية للفلسطينيين، حقوق لا تختزلها جغرافيا دولة مرتهنة ولا تقنونها حدود سيادة منقوصة. من البديهي أن يغتبط الفلسطيني باعتراف العالم بوجوده وبألمه الممتد عبر عقود، غير أن هذا الاعتراف، مهما بدا مشفوعًا بالرمزية، لا ينبغي أن يربك البوصلة أو يزيحها عن هدفها الأصيل: الانعتاق الفعلي من استعمار إحلالي سلفي بكل ما يحمله من ظلم واضطهاد وعنصرية وبنى سيطرة. ولكي يصبح ذلك ممكنًا، لا بد من التنبه إلى مجموعة من المسائل الأساسية، أهمها:
أولًا، إنّ الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية لا تعني في جوهرها تراجعًا عن البنية الاستعمارية الغربية التي احتضنت المشروع الصهيوني تاريخيًا، إذ ما تزال موازين القوى تميل بوضوح لصالح المنظومة الغربية الراعية لإسرائيل. وغالبًا ما يُنظر إلى هذه الاعترافات كخطوة إنقاذية لإسرائيل من أزماتها البنيوية أكثر مما هي استجابة لحقوق الفلسطينيين، حتى وإن تزيّنت بخطاب صحوة ضمير متأخرة أملتها مشاهد الإبادة وصوت النضالات الحرة حول العالم. بهذا المعنى، يغدو الاعتراف آلية لإعادة إنتاج السيطرة وإعادة ترميز الشرعية الاستعمارية، لا استجابة لحق أصيل في التحرر والانعتاق. هكذا تُفرغ مفردة الاستقلال من معناها الجوهري لتُعاد صياغتها وفق حدود النظام الدولي القائم الذي تُشكّل إسرائيل جزءًا بنيويًا منه، وبما يتسق مع مصالح القوى المهيمنة، خصوصًا في ظل تحولات عالمية كبيرة لا تجري لصالح الغرب.
ثانيًا، رغم ما قد تحمله الاعترافات بالدولة الفلسطينية من رمزية، فإنها تظل قاصرة عن أن تكون ردًا أخلاقيًا أو سياسيًا متوائما مع الإبادة الجارية في غزة أو مع واقع الضفة الغربية وقد غدت فضاءً خانقًا لتطهير عرقي وقمع مُمأسَس. فكما لا يمكن اعتبار منح ضحية الاغتصاب "بيتًا آمنًا" معالجة مقبولة وعادلة لجريمة الاغتصاب، لا يمكن لاعتراف بدولة سيصوغ معظم تفاصيلها مُقترف الإبادة أن يُعد استجابة منطقية وعادلة لحق الفلسطينيين. هنا يتضح جوهر المأزق: عبثية وخطورة الرهان على تفاوض مع محتل أمعن في الإبادة، يقوم وجوده أصلًا على عنصرية متجذّرة. فجوهر الإشكال يكمن في منح مقترف الإبادة موقع المشرّع لشروط الحل وتفاصيله، تمامًا كما لو يُترك للمغتصب أن يحدد ملامح البيت الذي يفترض أن يكون آمنا ويؤوي ضحيته. وبذلك، يُفرغ الاعتراف من أي مضمون تحرري، ويتحول إلى تكريس للهيمنة في هيئة "منحة" سياسية تُضفي الشرعية على فعل النفي نفسه، بدل أن تواجهه أو تنقضه من أساسه.
ثالثًا، جوهر النضال الفلسطيني لا ينبغي أن يقاس بالاعترافات الدولية أو بمكانة رمزية في المحافل، بل بقدرته على زعزعة البنية الاستعمارية التي قامت على نفي الفلسطيني وإقصائه، وما زالت تعيد إنتاج هذا النفي عبر العنف المؤسس، والهيمنة الرمزية، واقتصاد التبعية. ومن هنا، فإن التحرر لا يكمن في علم أو نشيد أو مقعد في المنظمات، بل في التصدي لمنظومة السيطرة التي تقيّد الفلسطيني وتكرّس اغترابه جيلًا بعد جيل. على هذا الأساس، تصبح الحقوق الفلسطينية غير قابلة للاختزال أو التبسيط، فهي كلية في معناها: حق العودة، وحق التحرر من الاستعمار، وحق تقرير المصير بالمعنى الوجودي لا الإداري والاجرائي. وأي اختزال لها في جغرافيا مرتهنة أو سيادة منقوصة لا يعدو كونه تفريغًا لهذه الحقوق من جوهرها، وتحويلها إلى "منحة" يَمِنّ بها النظام الدولي، بدل أن تظل حقًا أصيلًا غير قابل للانتقاص.
رابعًا، حين يُطرح مشروع الدولة خالياً من سيادة فعلية، فإنه قد يتحول بسهولة إلى جهاز للضبط بالوكالة يعيد إنتاج أطر السيطرة الاستعمارية بدل تفكيكها. والأسوأ أن هذا المشروع، في ظل انقسام فلسطيني متجذر، قد يتحول إلى أداة لتأجيج الصراع الداخلي وتعميقه بدلًا من أن يكون قوة تمكّن من مقاومة العدو الخارجي. وقد يُستغل لتشييد وعي عام يسوّق لحماية "السلم" و"السلام" كبدائل للمقاومة والتصدي، ما يستلزم عمليًا محاربة قوى المقاومة، تحديدًا حركتي حماس والجهاد فكريًا وعمليًا من الحياة العامة؛ تمامًا كما حدث في "العراق الجديد" بعد غزوه عام ٢٠٠٣حين اعتمدت سياسة اجتثاث البعث كوسيلة لإعادة هندسة الحقل السياسي وإقصاء تيارات بأكملها. فهل فلسطين محصّنة ضد سيناريو مماثل؟ لا أرى ذلك؛ فهشاشة البنية السياسية وتعمق الانقسامات القائمة اليوم والتي برأيي ستتجذر أكثر فأكثر مستقبلا يجعل هذا الاحتمال أقوى وأكثر تهديدًا مما ينبغي تجاهله.
خامسًا، إن الحفاظ على البوصلة التحررية يقتضي إعادة بناء الوعي السياسي الفلسطيني على أسس أكثر متانة، تتجاوز وهم "الدولة-الغاية" إلى أفق "التحرر-المشروع"، بحيث يُعاد تعريف النضال الفلسطيني لا كبحث عن قشرة سيادة شكلية، بل كسعي جاد إلى عدالة تاريخية حقّة وكرامة إنسانية. فذلك وحده ما يضمن ألا تتحول الدولة إلى فخ سياسي جديد يشرعن الهيمنة أو إلى كيان بلا روح يستبطن آليات السيطرة التي يفترض أن يواجهها. هذه الرؤية الفكرية لا تنفصل عن نافذة تاريخية تزداد تساعًا يومًا بعد يوم: فقضية فلسطين اليوم تعولمت ولم تعد شأنًا محليًا أو إقليميًا فحسب، بل غدت قضية كونية تُختبر من خلالها معايير العدالة والحرية والكرامة؛ فهي بمثابة "المحك الكاشف" لمصداقية المواقف تجاه قضايا التحرر في العالم وآفاق إنسانية الوجود البشري ذاته في عصر التوحش. هذا يضع على عاتق الفلسطينيين مهمة الارتقاء بفكرهم السياسي وخطابهم عمومًا ليتموضعوا ضمن سياق عالمي يتجاوز العرب والمسلمين في صراع كوني بين قوى الانعتاق والتحرر من جهة، وقوى الاستعمار والهيمنة من جهة أخرى. وبذلك، لا تكون فلسطين مجرد قضية تبحث عن اعتراف فقط، بل تكون مركزًا معرفيّاً وأخلاقيّاً ومعنويّاً لقيادة العالم في مقاومة الظلم والاستعمار.





Share your opinion
من وهم الدولة إلى أفق الاستقلال: فلسطين بين قشرة السيادة وعدالة التحرر