الإهداء في ذكرى الثورتين اليمنيتين الخالدتين: إلى أحرار اليمن الذين استشهدوا والذين بقوا والذين سيولدون
الحديث عن “الانقراض السكاني” في اليمن لم يعد مجرد استعارة أو بلاغة لغوية، بل حقيقة تترسخ كل يوم بوصفها تهديد وجودي. فاليمن اليوم يعيش على تخوم الفناء السكاني، في مفارقة قاسية بين تاريخه الحضاري العريق وحاضره القاتم المُهَدَّد. في أيرلندا عبرة من عبر التاريخ تحكي لنا قصة كيف أبادت جرثومة طارئة واحدة فقط أصابت بذرة البطاطا - الغذاء الرئيسي للإيرلنديين - نصف سكان إيرلندا في الفترة ما بين (1901-1841). فما بال اليمن الذي تتأزر على فنائه حزمة من قوى الطبيعة الفتاكة وشرور البشر.
إن جُلّ ما يطلبه اليمن اليوم من جيرانه وأشقائه ومن العالم أجمع ـ ومن نخبه الداخلية قبل ذلك ـ أكثر من مجرد شفقة عابرة؛ إنه يطلب مشروع إنقاذ وجودي. وقف الحرب هو المدخل، لكنه لا يكفي. لا بد من استعادة الحق في الغذاء، في الدواء، في التعليم، في الكرامة الإنسانية وقبل كل ذلك في نظام حكم ديموقراطي عادل يقبل به كل اليمنيون، قبل أن يبتلع الفقر والأوبئة آخر ما تبقى من بشر. كنا قد تعرضنا لهذه القضية الحرجة في معرض مقال لنا بعنوان المصيدة الديموغرافية في اليمن نشر في ديسمبر 2020 في صحيفة عدن الغد، وذلك في سياق مناقشتنا للعوامل والخصائص الديموغرافية وديناميتها الصاخبة اليوم التي تنقش وجه اليمن في زمن الحرب.
لم يعد الحديث عن الحرب في اليمن اليوم مقتصراً على الخراب العمراني وانهيار مؤسسات الدولة، بل امتدّ ليطال جوهر الوجود الإنساني ذاته، حيث يلوح في الأفق شبح “الانقراض السكاني” نتيجة استمرار الحرب، وانتشار الأوبئة، ودوامة البطالة والفقر التي لا ترحم، والنزوح البشري للسكان إلى حيث يقدرون، والعطش المائي والسطوة الساحقة لشجرة القات على الانسان والأرض - ذلك الأمام الأخضر الذي يعيث فسادا في اليمن ويجرف كل ما تبقى من آمال في الإفلات من قبضة المصيدة الديموغرافية القاتلة. في خواتم العقد الثامن من القرن العشرين قمنا نحن ثلة صغيرة من شباب اليمن المتعلم بتأسيس جمعية أهليه أُطلق عليها اسم " يمنٌ بلا قات" تحت قيادة المرحوم الأستاذ احمد جابر عفيف وذلك في مسعانا لوقف زحف هذا الشيطان الأخضر اللعين، الذي تسلل بمهارة واتقان وخسة إلى نفوس اليمنيين وعقولهم فافقدهم توازنهم النفسي ووجودهم الإنساني، ليقوم القات وفريقه بهجمة مُرتَدّة مسعورة تحت شعار “قاتٌ بلا يمن" وكسب الرهان. لقد علّقت ذات يوم قناة السي إن إن الامريكية في أحد برامجها الخاصة عن الحال في اليمن مع هذه الشجرة الخبيثة بعنوان كل شيء في اليمن يدور حول القات (Yemen is all about Qat). لقد شلّت هذه الشجرة الملعونة عقل الأمة وروحها واستنزفت الموارد المائية وجعلت اليمن واحداً من بين أكثر أربع دول في العالم تعاني شدة الحرج المائي، وابعدتها بنحو أكثر من مائة ضعف إلى الحضيض عن متوسط نصيب الفقر المائي العالمي (7500 م٣) ليصبح اليوم نصيب الفرد الواحد من الماء 80 متر مكعب، أي ما يعادل – إذا جاز التشبيه - ملعقة شاي صغيرة مقابل لتر من الماء للمتوسط العالمي.
في اليمن، لا يحتاج الإنسان إلى رصاصة ليُقتل؛ قطرة ماء إن وُجدت فهي مُلوّثة تكفي للقيام بمهمّة القتل. منذ 2017 وحتى اليوم سُجّل أكثر من 2.5 مليون حالة كوليرا مشتبه بها، في أكبر موجة عرفها العالم المعاصر. حمى الضنك، الملاريا، كوفيد-19، وسوء التغذية الحاد يفتكون بالأجساد، خصوصاً أجساد الأطفال. تقارير اليونيسف تشير أن نحو 2.2 مليون طفل يعانون من سوء تغذية حاد، منهم ما يقارب 540 ألفاً في حالة تهدد حياتهم مباشرة، كما أفات المنظمة أن نسبة التقزّم بين الأطفال دون سن الخامسة بلغت اليوم نحو 50% وهي أرقام منذرة بالفزع. فالتقزم ليس مجرد نقص في النمو البدني، بل يؤثر على النمو العقلي والإدراكي للأطفال، مما يعيق قدرتهم على التعلم والإنتاجية في المستقبل. هنا تصبح سوء التغذية والعطش والوباء شركاء الحرب في مشروع إفناء الإنسان اليمني. كما جعل الانهيار شبه الكامل للنظام الصحي في اليمن بفعل الحرب مرتعاً للأمراض التي اندثرت في معظم بلدان العالم، مما يرفع معدلات الوفيات بشكل صادم ويهدد الأجيال القادمة بالانقراض.
أنه تكالب شرس لمصيدة سداسية الاضلاع متآزرة تفني هذا البلد وتخرجه من سياق التأريخ البشري والوجود الإنساني. كما لو إن ذلك يأتي استجابة لقواعد الضبط الإيجابي الذي أعلنها الكاهن الإنجليزي ثوماس مالثوس في نهاية القرن الثامن عشر والمالثوسيون الجدد لتحرير الأرض من فائض السكان ودعوتهم المتحيزة نحو الإبقاء على المليار الذهبي من السكان ليس أكثر.
في جغرافيا كانت تُسمّى يوماً أرض العرب السعيدة، يتناقص البشر كما تتناقص قطرات الماء في إناء مثقوب. ليس بفعل كارثة طبيعية عابرة، بل نتيجة حرب مُمتدّة عقداً من الزمن، وأوبئة تتناسل كالأشباح، وفقر يحوّل الحياة إلى انتظار بطيء للموت.
الحرب التي دخلت عامها الحادي عشر تقريباً لم تترك بيتاً إلا وأثخنته بالجراح، فمئات الآلاف من القتلى والجرحى، وملايين النازحين، ومجتمع يتآكل تحت وطأة الموت البطيء. اليمن اليوم يقف على حافة هاوية لا مثيل لها، حيث الحرب والأوبئة والفقر تتكالب لاقتلاع الإنسان من جذوره ويتحول المجتمع إلى كتلة هشّة، عاجزة عن تجديد طاقتها البشرية واستعادة توازنها النفسي. فإذا لم تتحرك النخب اليمنية لإيقاف النزيف، فقد نَصْحوا يوماً على يمنٍ بلا يمنيين، وحضارة تُمحى من على وجه الأرض لا بفعل زلزال أو كارثة طبيعية، بل بيد الإنسان ذاته. هنا، لا يعود السؤال: كيف يعيش الناس؟ بل هل سيبقى في اليمن ما يكفي من الناس ليستمر الوطن؟
هناك سيّاف آخر بغيض أسمه الفقر، لكنه يتلذذ بتعذيب ضحاياه وقتلهم ببطيء. ففي اليمن اليوم يعيش أكثر من 70% من سكان اليمن تحت خط الفقر، وفق تقديرات دولية. الفقر ليس مجرد نقص في الدخل، بل هو تجويع متعمد يقتل القدرة على البقاء ويهدر الكرامة الإنسانية. مئات الآلاف من الأسر تعيش على وجبة واحدة في اليوم، والأطفال يموتون من الجوع قبل أن يدركوا معنى الحياة. بهذا المعنى يصبح الفقر آلة قتلٍ بطيئة، لا تقل فتكاً عن المدافع والطائرات. ويتكفل التضخم الجامح بالتآزر مع الفقر والأمراض والأوبئة والمجاعات المتتابعة والجفاف والعطش بما لم تقدر عليه الطائرات والمدافع والدبابات من فتك واستئصال للبشر من على الأرض اليمنية.
تفعل كل هذه المآسي مجتمعة فعلها بنحت هرم السكان وإعادة هيكلته. فاليمن الذي كان يزهو بارتفاع نسبة الشباب، يواجه اليوم خطراً ديموغرافياً غير مسبوق. النزوح المستمر، والهجرة القسرية، وتراجع معدلات الخصوبة بفعل الفقر والأمراض والاوبئة والمجاعات، كلها عوامل قد تؤدي إلى تحولات جذرية في البنية السكانية، وتآكل تدريجي للوجود البشري. تشير تقارير الأمم المتحدة عن الديناميات الديموغرافية في اليمن إن معدل النمو السكاني سيشهد مع مطلع منتصف القرن الحالي نموا سلبيا للسكان مثله مثل البلدان التي يشيخ هرمها السكاني في أوروبا كإيطاليا وفرنسا واليابان المانيا مع الفارق الكبير في الأسباب، بما يعني أنه وبنهاية هذا القرن مقدر أن يهلك أكثر من تسعين مليون أنسان يمني، مع الأخذ في الحسبان المعدلات الطبيعية والميكانيكية للسكان، إذا داومت هذه المصائد والمصائب عملها كما هي عليها اليوم.
الحرب في اليمن لم تكن مجرد صراع على السلطة فقط، بل تعدت إلى أن تكون نهجا إيديولوجيا فتّاكاً ومعولاً عنصريا يضرب البنية السكانية نفسها ويُمزّق نسيجها الاجتماعي. أكثر من نصف مليون يمني ماتوا منذ اندلاع الصراع عام 2014 طبقا لتقارير دولية ومحلية، معظمهم بسبب آثار غير مباشرة: الجوع، الأمراض، وانهيار الخدمات. ملايين الأطفال بلا تعليم، وملايين الأسر بلا مأوى. هكذا يتشكل جيلٌ مبتور، نصفه ضائع في مخيمات النزوح والتشرد في مدن الشتات والفيافي المقفرة ومدافن الغربة الموحشة، ونصفه الآخر يتوه ويندثر ويتحلّل في جبهات القتال.
في الوقت الحاضر يعيش أكثر من 21 مليون يمني بحاجة إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية، أي ما يعادل ثلثي السكان. أكثر من 17 مليون يعانون انعدام الأمن الغذائي، فيما يهدد خطر المجاعة نحو 6 ملايين إنسان. الحياة في اليمن لم تعد مجرد نقص في الخبز أو غياب مظلة للأمان، بل فقدان لمعنى الحياة: شبابٌ بلا أفق، وأمهات يبعن ما تبقى من ممتلكات ليشترين حفنة دقيق. إنها صورة مأساوية لانقراض بطيء، لا يأتي بضربة واحدة، بل يتسرب كل يوم من الموائد الخاوية. ليس هذا أول امتحان يمرّ به اليمنيون. فقد عرفت البلاد مجاعات مروّعة أثناء حكم الأئمة، أشهرها “سنة الرمادة” التي ذكرها المؤرخون، حيث أجدبت الأرض حتى صار الناس يقتاتون أوراق الشجر. وكأن لعنة المجاعات تُطلّ من جديد لتقول: من يترك الإنسان وحيداً أمام الجوع، يترك الحضارة كلها على حافة الفناء.
الخاتمة:
في اليمن، حيث كانت الحضارات اليمنية العظيمة تُسطّر تاريخها على جدران المعابد، وحيث جرى ذكر سبأ وملكتها في القرآن الكريم، تتداعى اليوم الحياة ذاتها أمام حرب لا تعرف الرحمة، وميليشيات لا تضع قيمة لوطن ومواطنة، وفقرٍ يعصف بالبطون والعقول، وأوبئةٍ تسري في الجسد كما يسري الليل في العتمة. هنا يبدو السؤال وجودياً: هل يمكن لأرضٍ شَهِدت أزهى الحضارات أن تبقى بلا أنسان؟
اليمنُ ليس أرضاً فقط، بل ذاكرة وحضارة ضاربة في التاريخ. وإن ضاعت أرواح اليمنيين، ضاع معنى هذا الامتداد الحضاري. قد تبقى الجبال والبحار والوديان، لكن من سيروي الحكاية؟ الحرب، الأوبئة، الفقر والقات اليوم يتآمرون على إطفاء الشمعة الأخيرة. فهل يتدارك اليمنيون قبل غيرهم هذا الانحدار قبل أن نصحو يوماً على وطنٍ بلا أبناء، وأرضٍ بلا حياة.





Share your opinion
أرضٌ بلا أبناء ... هل يُفنى اليمن من داخله؟