اليوم دولة الاحتلال في حالة من "التغول" و"التوحش" غير المسبوقين، وبات يسيطر على مفاصل قرارها السياسي، والتحكم بحكوماتها بقاءً وصعوداً قوى الصهيونية الدينية والقومية، حيث نجحت في التقدم من أطراف المشروع الصهيوني الى قلبه، وهذه القوى المعرّفة بالجيل الخامس من الصهيونية، والمتسلحة بخلفية تلمودية توراتية، تقوم على نفي الوجود الفلسطيني، ورفض أي صيغة لحل سياسي معه، وهي لا تريد الوجود الفلسطيني إلا خارج حدود فلسطين، وهي ترى بأن الضفة الغربية، هي أرض “يهودا والسامرة وأرض الميعاد".
ومع سيطرة هذه القوى على مفاصل القرار السياسي في دولة الاحتلال، ونجاحها في الصراع المحتدم مع القوى العلمانية الصهيونية "المتغربنة" في حسم هوية الدولة كدولة شريعة "هالاخاه"، ورفعها درجة الصراع مع الشعب الفلسطيني الى أعلى درجات الصراع الوجودي.
صراع يقوم على النفي والطرد والتهجير واستخدام أعتى وأشرس انواع القوة المجردة من كل القيم والمعايير الأخلاقية والقانونية في جرائمه العدوانية، ولا تتورع عن استخدام أسلحة التجويع والإبادة الجماعية والتطهير العرقي فيه، مستندة الى حالة من التماهي بين حكومتها والإدارة الأمريكية الحالية، تماهٍ يقوم على تحالف اليمين التلمودي التوراتي الصهيوني المتطرف مع اليمين الأنجليكاني المسياحي الأمريكي المتطرف.
نحن نشهد تجليات هذا التماهي والتحالف، في الدعم العسكري والمالي اللامحدودين والتغطية والحماية السياسية والقانونية في المؤسسات الدولية، وفرض العقوبات على كل من تحاول منها المس بـ” البقرة المقدسة"، حتى على مستوى الانتقاد اللفظي، وقضاة محكمة الجنايات الدولية ورئيسها كريم خان تعرضوا لعقوبات مالية وشخصية على خلفية اصدار مذكرة اعتقال بحق رئيس الوزراء الإٍسرائيلي نتنياهو ووزير حربه السابق يؤاف غالانت، بتهم ارتكاب جرائم حرب، وكذلك الدول والكيانات والمؤسسات التي دعمت تحويل ملف الجرائم الإسرائيلية إلى محكمة العدل الدولية بتهم الإبادة الجماعية، هي الأخرى تعرضت للعقوبات الأمريكية، ومنها مؤسسات الحق والميزان والمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان.
ما نشهده اليوم من مخططات ومشاريع استيطانية ومصادرة أراضٍ وطرد وتهجير للفلسطينيين في الضفة الغربية ومدينة القدس، يقول بشكل واضح بأن الضفة الغربية والقدس مقبلتان على نكبة جديدة. فالضفة تُزرع بالمستوطنات والمستوطنين، والوجود الفلسطيني فيها يُحاصر وتُصادر أرضه، وتجري عملية ممنهجة لتقطيع أوصال الضفة الغربية، ومنع التواصل بين سكانها، بتحويل كل قرية وبلدة ومدينة فلسطينية الى وحدة اجتماعية معزولة عن بقية الوحدات الاجتماعية الأخرى مدناً وقرى وبلدات فلسطينية، وتحويل الضفة الى معازل و"غيتوهات"، بحيث يتم نصب بوابات وحواجز ثابتة على مداخل القرى والبلدات والمدن الفلسطينية، ولن يسمح لسكانها بالدخول او الخروج إلا من خلال تلك البوابات، والتي سيجري لاحقاً تحويل التحكم فيها الى وحدة الكترونية إسرائيلية متخصصة، تتحكم في فتحها واغلاقها عن بعد، بما يخدم الأهداف الأمنية والعسكرية الإسرائيلية.
واحد من اهداف هذه البوابات التي تجاوزت في محيط القدس لوحدها 88 بوابة، وفي مجموعها في الضفة مع الحواجز الثابتة، تصل الى 1200 بوابة وحاجز، من شأنها ليس فقط تقطيع الأوصال جغرافياً والعزل ديمغرافياً، وجعل الحركة والتنقل الفلسطيني تُضبط على مواعيد فتح وإغلاق تلك البوابات والحواجز، وهذا قاد ويقود الى إنشاء صفحات الكترونية من قبل سكان القرى والبلدات الفلسطينية، لكي تتابع حركة تلك الحواجز ومواعيد فتحها واغلاقها، وهذا يندرج في إطار "كيّ” و"تطويع" الوعي الفلسطيني.
هذه البوابات والحواجز ستكون لها انعكاسات خطيرة على حركة السوق والسلع والاقتصاد، فهي تدمر الاقتصاد الفلسطيني، وتدفع الى افلاس واغلاق العديد من المؤسسات والشركات التجارية، بسبب ارتفاع تكاليف نقل البضائع، وكذلك القوة الشرائية تتراجع، ليس بسبب ارتفاع نسب ومعدلات الفقر والبطالة فقط، بل نتيجة انخفاض حركة وعدد المتسوقين، ارتباطاً بوجود البوابات والمخاطر المتعلقة بها.
وكذلك هذا البوابات لها مخاطر اجتماعية وتولد ضغوطا نفسية، فهي تشتت الأسر والعائلات، وتصعب التواصل فيما بينها، وتزيد من نسبة تفشي الجريمة والمشاكل الاجتماعية.
ويبدو بأن الأهداف الإستراتيجية من تلك البوابات، تستند إلى تجربة البوابات الإلكترونية على أبواب المسجد الأقصى في عام 2017، لكن الحركة الشعبية والجماهيرية الواسعة نجحت في اقتلاع وإفشال مشروع البوابات تلك.
وفي ظل حرب التجويع والإبادة الجماعية التي تجري بحق شعبنا في القطاع، وفي إطار الخطط والمشاريع الاستيطانية لتصفية القضية الفلسطينية من كل جوانبها، يسعى الاحتلال لوضع الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس أمام ثلاث خيارات: الموت في ساحة القتال، الطرد والتهجير إلى خارج فلسطين، ومن يتبقى منهم يحشر في معازل و"جيتوهات" في ظل محيط استيطاني صهيوني واسع، ويترتب على ذلك قيامهم بالعمل الأسود لصالح الإسرائيليين، سقائين وحطابين، وفق الفكر التوراتي.
الهدف الاستراتيجي
واضح بأن من ضمن السيناريوهات، هي شطب وإنهاء وجود السلطة الفلسطينية، ضمن رؤية صهيونية تقوم على رفض نشوء أي كيانية فلسطينية، تقود الى دولة فلسطينية مستقلة على أي جزء من فلسطين التاريخية، ومنع نشوء أي اغلبية فلسطينية سكانية ما بين النهر والبحر، تمنع قيام دولة يهودية نقية. وفي ظل ما نشاهد من تصريحات ومواقف إسرائيلية وأمريكية، حول قيام “إسرائيل الكبرى" التي تمتد على مساحة واسعة من الجغرافيا العربية، حيث قال نتنياهو بأنه منخرط في معركة روحانية تاريخية، وفي قلب المعركة إقامة “إسرائيل الكبرى".
ولعل التماهي نجده في الخرائط والمواقف التي عبر عنها قادة إسرائيل وأمريكا حيث أن ترامب يقول إسرائيل دولة صغيرة على الخارطة، يجب أن تتوسع جغرافياً، ونتنياهو وموقع وزارة الخارجية الإسرائيلية عرضوا خرائط لدولة الاحتلال، تضم جزءا من أراضي الأردن وسوريا ولبنان والعراق وصولاً لمصر والسعودية، وسموتريتش نفى وجود شعب فلسطيني. وقال إنه اختراع عمره أقل من مئة عام.
الأقاليم السبعة الهدف الاستراتيجي والبديل:
صاحب هذا المشروع والمخطط، المستشرق والباحث وصاحب الأفكار اليمنية المتطرفة مردخاي كيدار، الذي يحمل دكتوراه في الدراسات العربية والإسلامية، ومحاضر سابق في الدراسات العربية في جامعة بار ايلان في تل أبيب، وعمل في مركز بيغن السادات للأبحاث الاستراتيجية، والذي لا يعترف بوجود شعب فلسطيني، ويعيد هذا المشروع "إمارة الخليل" الذي تناقلته وسائل الإعلام وتقارير اعلامية، الحديث عن مخططات اسرائيلية لانشائها وتنصيب عدد من رجالات العشائر في المحافظة، ما يعيد الى الاذهان ما كان اقترحه الاكاديمي اليميني المتطرف مردخاي كيدار قبل نحو عامين.
وتعرف خطة كيدار هذه باسم "خطة روابط القرى" (بالإنجليزية: The Emirate Plan أو Village Leagues)، وهي خطة سياسية قديمة/حديثة الطرح تتعلق بمستقبل الضفة الغربية.
تستند فكرة كيدار إلى تقسيم الفلسطينيين في الضفة الغربية إلى "كيانات عشائرية محلية" بدلاً من كيان سياسي وطني موحد.
كيدار يرى أن محاولة إنشاء دولة فلسطينية قومية موحدة في الضفة وغزة قد فشلت، وأن الحل البديل هو تفكيك المجتمع الفلسطيني إلى كيانات عشائرية محلية تحكم نفسها ذاتيًا، مستندًا إلى البنية الاجتماعية التقليدية في بعض المدن والقرى.
فكرة "روابط القرى" تقوم على منح كل مدينة أو منطقة فلسطينية (مثل الخليل، نابلس، جنين، بيت لحم الخ...) حكمًا ذاتيًا محليًا، بإدارة زعماء عشائريين أو محليين، وتكون هذه "الكيانات" مرتبطة بإسرائيل بشكل مباشر أمنيًا واقتصاديًا.
ومردخاي كيدار يحمل نفس الفكرة التي تتبناها الأحزاب الإسرائيلية الدينية والقومية والأحزاب اليمينية من “ليكود” وغيرها، بأن الفلسطينيين، ليسوا شعبًا قوميًا بل تجمعات عشائرية؛ لذلك فإن تقسيمهم إلى إمارات أو روابط عشائرية هو الحل الوحيد المستقر، حسب زعمه.
حسب الخطة "الكيدارية" يجري تقسيم الضفة الغربية الى ثماني إمارات: الخليل ، بيت لحم، رام الله، اريحا، نابلس، جنين، طولكرم وقلقيلية. وتتبع هذه الإمارات القرى المحيطة بها، ولكن دون المنطقة “ج” والتي تشكل 60% من مساحة الضفة الغربية، حث سيتم ضمها لإسرائيل بشكل كامل "دولة يهودا والسامرة".
Tue 23 Sep 2025 1:06 pm - Jerusalem Time
البوابات الحديدية أهداف مباشرة وأخرى استراتيجية
راسم عبيدات





Share your opinion
البوابات الحديدية أهداف مباشرة وأخرى استراتيجية