Tue 23 Sep 2025 10:25 am - Jerusalem Time

الاعتراف الغربي بالدولة الفلسطينية... لفتة رمزية أم خطوة فارغة؟

Said Erikat

Opinion Writer

واشنطن- سعيد عريقات - "القدس" دوت كوم

في تحول ملحوظ، أعلنت كل من فرنسا وبلجيكا ولوكسمبورغ ومالطا وموناكو وأندورا يوم الاثنين اعترافها الرسمي بدولة فلسطين، وذلك بعد يوم واحد فقط من خطوات مماثلة صدرت عن بريطانيا وكندا وأستراليا والبرتغال. جاء هذا الاعتراف المتزامن في سياق دولي متوتر، حيث تعاقب قادة وممثلو الدول في مؤتمر "حل الدولتين" الذي عُقد في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، على إدانة المجازر المستمرة التي ترتكبها إسرائيل في قطاع غزة منذ قرابة عامين.

وفي كلمته خلال افتتاح المؤتمر، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن بلاده لم تعد قادرة على تأجيل الاعتراف بالدولة الفلسطينية، مؤكدًا أن المجتمع الدولي يتحمّل مسؤولية جماعية عن الفشل في تحقيق السلام العادل في الشرق الأوسط. ماكرون أشار إلى أن الوعد التاريخي بإقامة دولة عربية في فلسطين لم يتحقق، وأن الوقت قد حان لرسم طريق حقيقي نحو السلام على أساس حل الدولتين.

ومع تزايد عدد الدول الغربية التي تعترف بفلسطين، يبرز سؤال محوري: هل يكفي الاعتراف وحده لإحداث تغيير حقيقي على الأرض؟ فرغم أن هذا المسار تصاعد في الأشهر الأخيرة، بعد اعتراف دول مثل إسبانيا وإيرلندا والنرويج، فإن تأثير هذه الخطوة لا يزال رمزيًا إلى حد كبير. فقد استمرت إسرائيل في توسيع المستوطنات، ورفضت الدخول في أي مفاوضات جدية بشأن حل الدولتين، بينما ظل الموقف الأمريكي ثابتًا في رفضه لأي اعتراف أحادي الجانب بفلسطين.

يُجمع عدد من المراقبين والخبراء على أن الاعتراف، من دون خطوات مرافقة، يُفقد معناه السياسي ويصبح مجرد إرضاء للضمير الغربي، لا أكثر. فحتى الآن، لم تمارس هذه الدول ضغطًا فعليًا على إسرائيل، سواء عبر العقوبات، أو من خلال تقييد العلاقات الاقتصادية، أو ربط التعاون السياسي بوقف الانتهاكات في الأراضي المحتلة. والأسوأ أن بعض هذه الاعترافات قد تخدم حسابات سياسية داخلية، تهدف إلى تهدئة الرأي العام الغاضب من جرائم الحرب في غزة، من دون التزام حقيقي بتغيير جذري في الموقف السياسي الخارجي.

في ظل استمرار الانقسام الفلسطيني، وتدهور الأوضاع الإنسانية والأمنية في كل من غزة والضفة الغربية، يزداد القلق من أن تتحول هذه الاعترافات إلى غطاء سياسي لتكريس واقع الاحتلال، بدل أن تكون وسيلة لمواجهته. فاعتراف بدولة لا تملك سيادة فعلية على أرضها، ولا أدوات الحكم والإدارة الكاملة، قد يُفضي في النهاية إلى ترسيخ واقع الدولة المقطعة والمحاصرة، بدلًا من إقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة.

أما إسرائيل، فقد رفضت هذه الاعترافات بشكل قاطع، ووصفتها بأنها "عديمة القيمة"، بل وذهبت بعض الأصوات داخل الحكومة الإسرائيلية إلى اعتبارها "مكافأة للإرهاب"، في إشارة إلى سيطرة حركة حماس على قطاع غزة. هذا الرفض الإسرائيلي يكشف بوضوح أن الاعترافات، في شكلها الحالي، لا تشكل أي ورقة ضغط حقيقية، طالما لم تترافق مع خطوات عملية ومواقف حازمة تؤثر في جوهر المعادلة السياسية.

إذا كانت الدول الغربية جادة في دعم حل الدولتين، فإن الاعتراف وحده لا يكفي. لا بد من سلسلة خطوات ملموسة تعيد التوازن للعملية السياسية وتضع حدًا لسياسات الاحتلال والضم. في مقدمة هذه الخطوات، استخدام الأدوات الدبلوماسية بشكل فعال، من خلال استدعاء السفراء الإسرائيليين للتنديد بالانتهاكات، وخفض مستوى العلاقات مؤقتًا كوسيلة للضغط السياسي. كما يجب على هذه الدول دعم مبادرات الأمم المتحدة الهادفة إلى فرض رقابة دولية على الأراضي الفلسطينية، ومقاومة أي محاولات لعرقلة عمل المنظمات الدولية.

من جهة أخرى، فإن العقوبات الاقتصادية المحددة يمكن أن تكون أداة فعّالة، مثل حظر استيراد منتجات المستوطنات، أو فرض قيود على الشركات المتورطة في أنشطة الاحتلال. ويشمل ذلك أيضًا مراجعة شاملة للدعم العسكري والتقني المقدم لإسرائيل، لضمان عدم استخدامه في استهداف المدنيين أو تعزيز منظومة الاحتلال.

كما أن دعم جهود المساءلة الدولية يجب أن يكون في صلب الإستراتيجية الغربية. من الضروري تمكين المحكمة الجنائية الدولية وغيرها من الهيئات المستقلة من التحقيق في الانتهاكات دون عرقلة، مع رفض محاولات التشويه والتضييق على عمل منظمات حقوق الإنسان، سواء الفلسطينية أو الدولية.

دعم الدولة الفلسطينية لا يقتصر على الجانب السياسي فحسب، بل يتطلب أيضًا تمكين مؤسساتها الإدارية والاقتصادية، ومساعدتها على بسط سيادتها الفعلية، وتعزيز استقلالها المالي والسياسي. الاعتراف يجب أن يترجم إلى تمويل مباشر للمؤسسات، وتوقيع اتفاقيات ثنائية قائمة على مبدأ الندية، لا الرعاية أو التبعية.

وإلى جانب ذلك، فإن تقوية المجتمع المدني الفلسطيني من خلال دعم المنظمات الحقوقية والتعليمية والثقافية يُعد عاملًا جوهريًا في بناء دولة مستقرة وديمقراطية. يجب حماية الناشطين وتمكينهم من الوصول إلى المنصات الدولية، بدل تركهم عرضة للقمع أو العزلة.

ولا يمكن أن تُترك هذه الخطوات لمبادرات فردية متفرقة، بل ينبغي أن تتكامل ضمن موقف جماعي داخل الأطر الدولية، مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، مع الضغط من أجل توسيع رقعة الدول المعترفة بفلسطين، وبناء تحالف دولي يُعيد الاعتبار للقانون الدولي ويواجه نظام الاحتلال الاستثنائي.

في المحصلة، فإن الاعتراف بدولة فلسطين هو خطوة أولى ضرورية، لكنه لن يُحدث التغيير المنشود ما لم يترافق مع إجراءات ملموسة تُضعف منطق الاحتلال، وتُعزز فرص قيام دولة فلسطينية حقيقية. الأهم من ذلك كله، أن تقف هذه الدول مجتمعة وتستخدم ما تمتلكه من نفوذ سياسي واقتصادي ودبلوماسي لوقف حرب الإبادة التي ترتكبها إسرائيل في قطاع غزة، والتي تواصل حصد الأرواح بلا رادع. الاعتراف لا يجب أن يكون نهاية المطاف، بل بداية لتحرك فعّال يعيد الاعتبار للعدالة والحقوق في قلب السياسة الدولية.

Tags

Share your opinion

الاعتراف الغربي بالدولة الفلسطينية... لفتة رمزية أم خطوة فارغة؟

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.