Fri 19 Sep 2025 2:12 pm - Jerusalem Time

بين الأتباع والأسياد: مصيدة أكثر إحكاماً

محمد الميتمي

يتبجح اليوم مفكرو الصهيونية وسياسيوها أمام العالم وعليه بوصفهم كما يظنون أسياده ومصمميه، وبأن لا أحد بمقدوره إيقافهم عما يبتغون ويهدفون إليه. وما على هذا العالم قادة وشعوبا سوى الانصياع والطاعة والمباركة. فتارة يطل علينا رجل سياسة كنتناياهو بالقول إنه ماضي في صياغة شرق أوسط جديد وتارة أخري كصحفي مثل إيدي كوهين يصف قمة الرياض حسب تعبيره ".. قمة الرياض مهزلة ... ما بتكشوا ولا بتنشوا" وهي بجاحة مبتذلة وصفاقة ما بعدها صفاقة. كل هذا يطرح سؤالا فلسفيا وفكريا: كيف يُحكم هذا العالم ومن يحكمه؟ 

منذ أن عرف الإنسان معنى السلطة، ظلّت الأرض تدور بين قطبين: أسياد يتوهّمون امتلاك المصائر، وأتباع يرضون لأنفسهم أن يكونوا أدوات في يد غيرهم. تتبدّل الأسماء، لكنّ المشهد يتكرّر في صورة مصيدة متقنة، تزداد إحكاماً كلما بدا أنّ الأبواب مشرعة نحو الحرية.

في عالم السياسة والفلسفة والاجتماع، تتكرّر الثنائية الأزلية: الأسياد والأتباع. أسياد يصوغون الواقع بمعايير القوة والمصلحة، وأتباع يسيرون في فلكهم بدافع الخوف أو الحاجة أو الطموح. لكنّ المفارقة أن هذه العلاقة، التي تبدو للوهلة الأولى تبادلية أو حتى طبيعية، غالباً ما تتحول إلى مصيدة محكمة لا تسمح بخروجٍ سهلٍ لأحد الطرفين.

يبتكر الأسياد، في سعيهم لتثبيت الهيمنة أدوات للسيطرة: المال، الإعلام، الأيديولوجيا والقوة المسلحة، وحتى الإغواء بشعارات التحرير والتنمية. أما الأتباع، فهم يظنون أنهم يحصدون مكاسب صغيرة: حماية، نفوذ محليا، أو مجرد فرصة للبقاء،  لكنهم في الحقيقة يساهمون، من حيث لا يدرون، في بناء جدران السجن الذي يحيط بهم وبمجتمعاتهم.

إنها علاقة تقوم على التبعية المركبة والمعمقة: فكلما زادت الوعود بالتقدّم، زادت التبعية إحكاماً. وكلما حاول التابع أن يحرر نفسه عبر باب يظنه منفذاً، وجد أنه بابٌ آخر إلى دهليز جديد من السيطرة. هكذا تصبح المصيدة أكثر ذكاءً، وأكثر قدرة على الاستمرار. ففي هذا السياق العالمي والإقليمي والمحلي نرى تجليات هذه الثنائية بشكل صارخ: قوى محلية تتنافس على ولاءات الخارج، وأسياد دوليون يعيدون هندسة الأوضاع بما يضمن استمرار ضعف الداخل. لا الأتباع قادرون على الفكاك من سطوة الدعم ونهم السلطة ولا الأسياد مستعدون لترك فرائسهم تفلت نحو استقلال حقيقي. فخد مثلا الدول الأوربية التي قررت أن تستجيب لتعالي صرخات شعوبهم بوقف الحرب والابادة في غزة سرعان ما يشرّع الاسياد في وجوهم سيف معاداة السامية والعقوبات المحتملة. 

إن المصيدة لا تتحطم إلا حين يتحول الوعي الجمعي من عقلية التابع الباحث عن حماية آنية أو مصلحة تافهة عابرة إلى عقلية الانسان الحر الدي يرى في الكرامة والسيادة والإنسانية شرطا لوجوده الإنساني ولمستقبله الآمن الثري بمعنى الحياة. فالأسياد لا يصبحون أسيادا إلا بوجود أتباع، وحين تنكسر هذه المعادلة تنفتح الطريق نحو وجود إنساني أكثر توازنا وعدلا وانسجاما. لا توجد منطقة وسطى بين الأسياد والاتباع. إما أن يظل التابع مستسلما، أو أن يختار لحظة الانعتاق مهما كانت التضحيات، لا تتحطم المصيدة وتتفكك بالقوة وحدها، بل بالفكر والوعي معا وإرادة التحرير.

منذ أن وُجد الإنسان في رحلته مع السلطة، ظلّت الأرض مسرحاً لصراعٍ قديم: أسيادٌ يلوّحون بعصا القوة أو بجزرة الوعد، وأتباعٌ يلهثون خلف سراب الأمان. وكأنّ التاريخ لا يملّ من إعادة المشهد ذاته، لكن بديكورٍ مختلف، حتى غدت العلاقة بين الأسياد والأتباع مصيدة تتفنّن في إغلاق أبوابها كلما ظنّ الداخل أنّه اقترب من منفذٍ للحرية.

في زمن الاستعمار، لم تدخل الجيوش الأجنبية بأشرعتها وحدها، بل وجدت من الداخل من فتح لها الأبواب طلباً لحماية أو طمعاً في سلطة. وحينما ارتحلت المدافع، بقيت آثارها في النفوس والمؤسسات، كما قال ابن خلدون في مقدمته: “المغلوب مولعٌ أبداً بالاقتداء بالغالب”، فصارت التبعية عادة نفسية قبل أن تكون قيداً سياسياً.


في الجغرافيا العربية والإسلامية، يتكرر المشهد منذ قرون: شعوب تبحث عن الخلاص، ونخب محلية تائهة بين الولاء للخارج والبحث عن سلطة في الداخل، وأسياد عالميون ينسجون خيوط المصالح بخبرة الصياد الماهر. هذه العلاقة الملتبسة بين الأسياد والأتباع ليست مجرد لعبة سياسية عابرة، بل هي مصيدة فلسفية واجتماعية واقتصادية تتعمق جذورها مع كل جيل جديد.

الأتباع، سواء كانوا حكومات ضعيفة أو جماعات تبحث عن غطاء خارجي، يظنون أنهم يحصّلون حماية أو دعماً يمكّنهم من البقاء. لكنهم، في الحقيقة، يرسخون وضعية التبعية ويكرّسون عجزهم عن صناعة مصيرهم. أما الأسياد، فكلما منحوا دعماً أو أغدقوا وعوداً، أحكموا قبضتهم أكثر، حتى تتحول التبعية إلى جزء من البنية الذهنية والسياسية للشعوب. تتجلى هذه الجدلية في العالم العربي والإسلامي في ثلاثة صور:    ١) دول تبحث عن “مظلّة أمنية” فتجد نفسها رهينة قواعد عسكرية وصفقات سلاح •    ٢) حركات سياسية ترفع شعارات الاستقلال لكنها تنتهي مقيدة بتمويلات الخارج. ٣) شعوب تلهث وراء وعود الحداثة والتنمية، لكنها تصحو على مزيد من الارتهان والتجزئة.

أجل إن مصيدة التبعية هنا ليست سياسية فقط، بل حضارية وفكرية ونفسية: فهي تعيد صياغة وعي الناس، وتزرع فيهم شعوراً بالعجز والاحتياج المستمر للآخر. هكذا تتحول المجتمعات إلى “أتباع دائمين” يبحثون عن سيد جديد كلما غاب سيد قديم. الأسياد يشبهون صائدي الطيور، يرمون الحبوب على قارعة الطريق، بينما تمتد الشباك في الخفاء. والأتباع، في غمرة الجوع أو اللهاث، يظنون أنّهم يلتقطون رزقاً أو يقتربون من حماية، فإذا بهم في لحظةٍ واحدة يجدون أجنحتهم معلّقةً في مصيدة محكمة.

المصيدة هنا ليست قيداً في المعصم ولا سيفاً على الرقاب، بل سلسلة خفية تُصاغ من أوهام العجز. الأسياد يوهمون الأتباع بأن بقاءهم لا يتمّ إلا بظلّ القوة الأجنبية، والأتباع يسلّمون بعجزهم حتى يغدو الوهم عقيدةً وناموساً. وهنا تكمن خطورة المصيدة: فهي لا تُبقي الجسد أسيراً فحسب، بل تأسر العقل والروح معاً.

اليمن على سبيل المثال، كان وما يزال مرآةً لهذه الجدلية. فمن الإمامة التي كانت وما زالت بشكلها المُتحوِّر اليوم تستمدّ ظلّها من إيران الفارسية، إلى عدن التي عاشت زمناً تحت علمٍ غريب، إلى زمن الحرب الباردة الذي قسّم الجغرافيا بين معسكرين شرقي وغربي؛ واليوم تثخن جسده مخالب القوى الإقليمية والدولية بالجراح العميقة وتسلبه القدرة على الإقلاع والتحليق. اليمن غدى أشبه بعصفور جريح، كلّما حاول أن يرفرف، شدّته خيوط الصيادين من جناحيه إلى الأرض. لقد غدى هذا البلد العريق بتأريخه وحضاراته وثقافته الإنسانية الحرة رهينة لتجاذبات الخارج وصراعات الداخل. عديد من النخب المحلية تتوزع على موائد القوى الإقليمية والدولية، تبحث عن مكاسب آنية بينما تتآكل الدولة وتضيع السيادة. والمحصلة: مصيدة أكثر إحكاماً، حيث لا الخارج مستعد لترك اليمن ينهض مستقلاً، ولا الداخل امتلك بعدُ إرادة التحرر الكاملة.

 لكن، وكما تُخبئ الأرض في رَحِمها بذور الربيع حتى في أقسى مواسم الشتاء، فإنّ تاريخ الشعوب يثبت أنّ المصيدة ليست أبدية. اليمن في مطلع ستينات القرن العشرين فجرت ثورتين عارمتين ضد المستعمر البريطاني والحكم الامامي مُقدِّما الاف الضحايا، والجزائر دفعت الدم بسخاء لتحطّم قيد الاستعمار، والهند انتزعت حريتها رغم ثقل التاج البريطاني، واليابان أطلقت نهضتها من رماد العزلة، والصين حققت القفرة الكبرى في النهضة والتقدم والاستقلال بعد قرن من المهانة والمذلة. كلّها دروس تقول لنا: إنّ السيد ليس سيداً إلا بقدر ما يُمنح من طاعة، والتابع ليس تابعاً إلا ما دام يرضى بالدور.

إن كسر هذه المصيدة يبدأ من الوعي الفلسفي بأن العلاقة بين الأتباع والأسياد ليست قدراً محتوماً. الأسياد لا يصبحون أسياداً إلا حين يقبل الأتباع بدور التابع. والانعتاق لا يتحقق بالاستقواء بالخارج، بل بإرادة داخلية ترى في الكرامة والسيادة جوهر وجودها. نحن اليوم إذن أمام سؤال وجودي: هل نبقى أسرى في مصيدة تتجدد كل يوم، أم نصنع طريقاً نحو الحرية مهما كانت التضحيات؟ الجواب لا يكتبه الأسياد، بل يكتبه الأتباع حين يقررون أن يكونوا أحرارا.

Tags

Share your opinion

بين الأتباع والأسياد: مصيدة أكثر إحكاماً

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.