Fri 05 Sep 2025 10:02 am - Jerusalem Time

يا هند.. لو تعلمين ماذا فعل صوتك!

أمين الحاج

لم تكن هند رجب، ذات الست سنوات، طفلة عادية، بل صورة مختزلة لكل ما يعنيه أن تولد في غزة؛ حياة قصيرة محاصرة بالخوف، وبراءة تتنفس بصعوبة وسط الركام، طفولة عرفت الموت قبل ان تتذوق طعم الحياة، لكنها لم ترحل كما يرحل الآخرون بصمت، بل على الهواء مباشرة، بثلاثمئة وخمس وثمانين رصاصة اخمدت صوتها، قبل ان تمزق جسدها، في مشهد يفضح سادية جيش قيل انه "الأكثر أخلاقا في العالم". 

سمع العالم كلماتها الأخيرة المرتجفة، كانت متعثرة لكنها محمّلة بالأمل، قبل ان يحولها رصاص القتلة من الناجية الوحيدة وسط الجثث، الى جثة اخرى تضاف اليها، لم تكن هند قصة واحدة، بل تجسيدا لمعاناة عشرين الف طفل قتلهم جيش الاحتلال، هناك توقفت الحياة جسدا، لكن الروح بقيت، وكلماتها الاخيرة لم تختف، بل تحولت الى صدى يتردد، وشبح يلاحق القتلة ومن خلفهم. 

لكن القصة لم تتوقف هنا، بل خرجت من بين الركام لتواصل حياتها في فضاءات اخرى، حتى وصلت إلى منصات الفن والعدالة، فما ظنه القتلة سطرا عابرا في كتاب الدم، سرعان ما انقلب الى ذاكرة عالمية، هذا الأسبوع عُرض فيلم "صوت هند رجب" في مهرجان فينيسيا السينمائي، منافسا على جائزة "الأسد الذهبي"، لينتزع تصفيقا متواصلا، فكسر رتابة السرديات الهوليودية، وحظي بدعم نجوم السينما، ومرشح ليواصل طريقه نحو الاوسكار، لأنه لم يكن مجرد "عمل فني"، بل إعادة إحياء لنداء استغاثة سمعه العالم، ولم يستجب له احد. 

وفي بروكسل، التقط ابن الجنوب اللبناني "دياب ابو جهجه" صوت هند الذي انقطع، فكانت "مؤسسة هند رجب"، الذراع القانوني لحركة 30 مارس المناهضة للاحتلال، التي اسسها نشطاء فلسطينيون وعرب عقب "طوفان الاقصى"، لتوثيق جرائم الإبادة، مستلهمة اسمها من "يوم الارض"، في رمزية لحقوق الشعب الفلسطيني في ارضه وسيادته، وسرعان ما تحولت المؤسسة الى كابوس يلاحق مجرمي الحرب، فلم تكتف بالتوثيق، بل مضت ابعد، فحددت في أيار الماضي هوية القاتل، فتلاحقه والف مجرم آخر في الجنائية الدولية في لاهاي. 

واليوم، لم يعد اسم هند مجرد ذكرى، بل تحول الى طوفان من الملفات القضائية المفتوحة في المحاكم الوطنية حول العالم؛ فرفعت عشرات القضايا المعلن عنها ضد جنود وضباط الاحتلال بتهم الابادة وجرائم الحرب؛ من اثينا ولندن ولشبونة وليما ونيقوسيا، الى برازيليا وبوينس ايرس وسانتياغو، ومن بانكوك وستوكهولم وكولومبو، مرورا ببروكسل ومدريد وروما وامستردام وبرن، الى جانب قضايا لم يعلن عنها في برلين وفيينا وبلغراد وغيرها، بعضهم قصد اوروبا او اميركا اللاتينية وآسيا وغيرها كسائحين، ليجدوا انفسهم محاصرين بأدلة تكشف تورطهم في جرائم الإبادة المنظمة، انها لحظة فارقة؛ طفلة دفنت في غزة تستيقظ في أروقة القضاء حول العالم، لتقول ان العدالة قد تتأخر، لكنها لا تموت. 

جهد الاحتلال لإعاقة عمل المؤسسة دوليا، تارة بفرض العقوبات على ممثليها، وأخرى بتقييد النشر على وسائل التواصل الاجتماعي، او ازالة المحتويات المنشورة؛ في اقرار واضح منه بأنه يخشى الملاحقة الدولية لجنوده. 

ما يحدث اليوم يعكس تحولا عميقا في الوعي، فالقضية لم تعد مجرد سردية مظلومية، بل مسارا قضائيا منظما يسعى لتفكيك اسطورة الحصانة التي طالما احتمى بها الاحتلال، فالعدالة هنا لم تعد مفهوما نظريا، بل اداة سياسية واخلاقية تفضح المجرمين وتقوض شرعيتهم، نعم، المحاكم بطيئة ومكبلة بالسياسة، لكن قيمتها تكمن في تراكمها، فكل دعوى تشكل لبنة في جدار، وكل شكوى بذرة خوف تنبت في قلوب مجرمي الحرب، الذين باتوا يدركون ان العالم لم يعد مفتوحا كما كان. 

فهل خطر ببال القتلة ان جسدا صغيرا ممزق، يمكن ان يتحول الى شبح يطاردهم، وجدار يسد العالم في وجوههم؟ هند التي ارادوا اسكاتها صارت اقوى من صمتهم، وأعمق من خوفهم، اه لو تعلمين يا هند كيف تحولت كلماتك الأخيرة الى سلاح من نوع آخر، وكيف صار شبحك يقض مضاجع القتلة ويضيق عليهم فضاءات العالم، فهند لم تمت، بل خرجت من غزة لتصير شاهدة على الجريمة، قاضية في ذاكرة الانسانية، وعنوانا لمعركة العدالة، التي بالكاد تبدأ.


Tags

Share your opinion

يا هند.. لو تعلمين ماذا فعل صوتك!

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.