Sun 31 Aug 2025 9:10 am - Jerusalem Time

متراس واشنطن!

أمين الحاج

الرئيس عباس اليوم خلف متراس دبلوماسي أقامته واشنطن، حين قررت منعه ومعه عشرات المسؤولين الفلسطينيين من المشاركة في اجتماعات الجمعية العامة في نيويورك، هذا المتراس ليس مجرد قرار إداري، بل هو محطة جديدة في مسار طويل من الرهان على واشنطن.

منذ انشئت المنظمة عام 1964 لم تحظ بأي اعتراف رسمي من واشنطن، بل سُمح لها بمكتب إعلامي صغير تحت مظلة الجامعة العربية، إلى أن جاء عام 1975، حين وضع "كيسنجر" قاعدة "ذهبية" للعلاقة؛ فكانت بمثابة الرد على لاءات الخرطوم؛ لا اعتراف ولا تفاوض مع المنظمة إلا إذا اعترفت بالاحتلال، وقبلت بقراري مجلس الأمن 242 و338، ونبذت المقاومة المسلحة، أو ما أسماه بالعنف حينها، و"الإرهاب" لاحقاً، فتحول هذا الشرط إلى قانون في الكونغرس، وأصبح قيداً دائماً على أي محاولة لفتح قنوات اتصال مع المنظمة. 

لاحقاً ذهب الكونغرس أبعد من ذلك بكثير، فرد على كل محاولات فتح قنوات اتصال مع المنظمة بتصنيفها منظمة إرهابية عام 1987، وبقي التصنيف ذاته إلى يومنا هذا، حينها أُغلقت مكاتبها وفُرضت عليها عزلة كاملة، ولم تنجح المنظمة في كسر هذا الطوق إلا حين قبلت بالشروط الأمريكية لاحقاً، فمهدت لها بانعقاد الدورة 19 للمجلس الوطني، والقبول بتسوية سياسية على قاعدة قرارات مجلس الأمن سالفة الذكر، ثم كان إعلان الجزائر يوم 15 تشرين الثاني 1988، إلا أن الإدارة الأمريكية منعت الراحل ياسر عرفات من إلقاء خطابه أمام الجمعية العامة في نيويورك، وليعلن ذلك للعالم بعد نحو أسبوع، أي يوم 26 تشرين الثاني، وأمام الرفض الأمريكي، نقلت الجمعية العامة اجتماعها إلى جنيف، فألقى أبو عمار خطابه الشهير يوم 13 كانون الأول 1988، وفي اليوم التالي، أي يوم 14 كانون الأول، أعلن وزير الخارجية الأمريكي "شولتز" أن المنظمة استوفت الشروط الأمريكية، وسيفتح معها قناة اتصال بعد يومين في تونس، أي يوم 16 كانون الأول. 

ثم كان أوسلو عام 1993 لتكرس هذه المعادلة، فاعترفت منظمة التحرير بدولة الاحتلال، بينما اكتفى "رابين" حينها بالاعتراف الشكلي بالمنظمة، كممثل للشعب الفلسطيني، ورفض الاعتراف بدولة فلسطينية، أو حتى مشروع دولة.  

في العام التالي، العام 1994، فتح مكتب للمنظمة في واشنطن بصفة بعثة أجنبية، لا تتمتع بأي صفة تمثيلية، فلم يسمح لها باستخدام اسم فلسطين أو رفع علمها، وبقي الأمر على هذا الحال، إلى أن رفع الرئيس "أوباما" تمثيلها إلى مفوضية، أي بعثة دبلوماسية من الدرجة الثانية عام 2010، فسمح لها حينها برفع العلم، قبل أن يغلقه "ترمب" نهائياً عام 2018، بذريعة ملاحقتها للاحتلال في المحاكم الدولية. 

خلال هذه العقود سلمت المنظمة رقبتها لواشنطن، أملاً في أن يقود ذلك إلى اعتراف بدولة فلسطينية مستقلة، لكنها بعد أربعة عقود على "لاءات كيسنجر"، وبعد أن أصبحت فلسطين دولة غير عضو في الأمم المتحدة عام 2012، وبالرغم من اعتراف 149 دولة بالدول الفلسطينية، وأُخرى في الطريق لذلك، لا تزال بلا سفارة في الولايات المتحدة، وقائمة الشروط تطول، وليضاف إليها هذه المرة شرط التوقف عن ملاحقة الاحتلال في المحاكم الدولية، والدخول في مفاوضات مباشرة معه. 

وبالتالي، فإن قرار المنع اليوم ليس حادثاً عابراً، بل هو تتويج لمسار طويل من التنازلات، الذي لم يمنح الفلسطينيين إلا الخيبات، مكّن واشنطن من استخدام سلاح الاعتراف والتمثيل كأداة ابتزاز، واليوم تلجأ له من جديد، لتحرم القيادة الفلسطينية حتى من الوصول إلى منبر الأمم المتحدة، في مخالفة لكل القوانين ذات العلاقة.  

إن رحلة العلاقة الفلسطينية الأمريكية من "الإرهاب" إلى الاعتراف، وبينهما المنع والإقصاء، تكشف بوضوح أن هذا المسار لا يقود إلى الدولة، بل إلى المزيد من الحصار، وإذا كانت القيادة الفلسطينية جميعها خلف المتراس اليوم، فإن المعركة لا ينبغي أن تكون دفاعية فقط، بل يجب أن تتحول إلى هجوم سياسي ودبلوماسي، يعيد تعريف القضية الفلسطينية باعتبارها قضية تحرر، وحقوقاً غير قابلة للمساومة. 

لكن المتراس الذي يقف خلفه الرئيس عباس اليوم يمكن أن يتحول إلى منصة لمراجعة جذرية، فما خسرته المنظمة والسلطة على مدار عقود من التعويل على واشنطن، يمكن أن تعوضه فقط بتوسيع تحالفاتها، داخلياً وخارجياً، وبتجديد الشرعيات، وبناء دولة مؤسسات حقيقية، وبإعادة بناء الوحدة الوطنية على قاعدة "نتعاون فيما اتفقنا عليه"، ووضع الخلافات جانباً، وهي الكفيلة بأن تضع كلاً من الاحتلال ومعه واشنطن في موقع العزلة.


Tags

Share your opinion

متراس واشنطن!

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.