Tue 26 Aug 2025 9:00 am - Jerusalem Time

غزة تحاكم العالم!

أمين الحاج

دخلت غزة مرحلة غير مسبوقة مع إعلان الأمم المتحدة تصنيفها منطقة مجاعة الجمعة، في أول حالة من نوعها في الشرق الأوسط منذ بدء تطبيق هذا المؤشر عالميا، هذا الإعلان لا يمثل مجرد توصيف إنساني لواقع كارثي، بل وثيقة إدانة تكشف طبيعة العدوان الذي يخوضه الاحتلال ضد الفلسطينيين، حيث لم يعد القصف وحده وسيلة التدمير، بل أصبح التجويع سياسة مقصودة لفرض الاستسلام على شعب محاصر منذ عقدين، شعب صمد أمام كل أشكال الحرب، لكنه يجد نفسه اليوم أمام حرب من نوع آخر عنوانها؛ الموت جوعا.

 المجاعة ليست نتاج ظرف طارئ او نتيجة حتمية لحصار طويل فقط، بل هي حصيلة مسار مدروس من الحرمان الممنهج، فقد عمدت حكومة الاحتلال على مدار العامين الماضيين إلى خنق غزة من الداخل عبر قطع شرايين الحياة؛ منع دخول الغذاء والدواء، تدمير المزارع والمخابز، قصف البنية التحتية، وتدمير مرافق الخدمات الأساسية، وإغلاق المعابر امام قوافل الإغاثة، هذا لم يكن فعلا عشوائيا او خطأ في إدارة أزمة، بل جزء من عقيدة عسكرية وسياسية ترى في التجويع وسيلة اكثر فاعلية من الرصاص في كسر ارادة الشعوب، وهو جوهر مشروع "اسرائيل الكبرى" الذي يهدف لإعادة هندسة الجغرافيا والديمغرافيا الفلسطينية، عبر تفريغ غزة وفلسطين من أهلها.

 لكن اعلان المجاعة لم يقف عند حدود غزة، بل هز العالم بأسره، لأنه كشف ان القوة القائمة بالاحتلال لم تعد تمارس حربا تقليدية، بل تنتهج ابادة بطيئة بوسائل اقتصادية وإنسانية، وبذلك وضعت نفسها في مواجهة مفتوحة مع القانون الدولي والرأي العام، وعرّت ازدواجية المعايير لدى القوى الغربية التي لطالما تغنت بحقوق الانسان بينما تغض الطرف عن مأساة غير مسبوقة.

 في الداخل، يعيش نتنياهو مأزقا متفاقما؛ من جهة، ضغوط حلفائه من اليمين المتطرف الرافضين لاي تهدئة قبل "القضاء على المقاومة"، ومن جهة اخرى تقديرات المؤسسة العسكرية التي تدرك استحالة الحسم العسكري، حتى لو جرى احتلال كامل القطاع، وبين هذين الموقفين يواصل نتنياهو المماطلة، متعمدا شراء الوقت على حساب جوع مئات الآلاف من المدنيين، هذه السياسة قد تؤجل الانفجار الداخلي، لكنها تسرع اتساع الفجوة بين الاحتلال والعالم، وتزيد من عزلته السياسية والاخلاقية. 

ورغم شراسة العدوان، لا تزال المقاومة متمسكة بشروطها؛ وقف العدوان والانسحاب، ورفع الحصار وضمان مستقبل مختلف لغزة، هذا الثبات فضح محدودية المشروع الصهيوني برمته، الذي طال دولا في الاقليم، فأرعب أخرى او أسكتها، لكنه يقف عاجزا امام نموذج غزة، فجيش الاحتلال يواجه خسائر متزايدة، وحالات انتحار متصاعدة بين جنوده، واستنزافا اقتصاديا، هذه الوقائع تعكس تناقضا جوهريا، دولة تزعم امتلاك القوة المطلقة، لكنها تعجز عن تحقيق أهدافها رغم استخدام أقصى أشكال القتل والتجويع.

 إعلان المجاعة يعيد صياغة صورة الاحتلال في الوعي الدولي، ويدفع باتجاه عزلته المتزايدة. فالتجويع، مهما غلف بحجج أمنية، سيبقى وصمة عار أخلاقية وسياسية، وفي المقابل، يشكل لحظة اختبار للمجتمع الدولي؛ هل يظل عند حدود بيانات الإدانة أم يتحرك نحو الفعل الحقيقي؟ وأقلها فتح المعابر دون قيود، وتأمين ممرات إنسانية، وفرض عقوبات رادعة على مجرمي الحرب لوقف استخدام التجويع كسلاح حرب.

 غزة اليوم تختصر مأساة القرن الحادي والعشرين؛ شعب يتعرض للتجويع والإبادة البطيئة، لكنه يكشف في الوقت ذاته حدود القوة العسكرية، ويبرهن أن إرادة البقاء أقوى من كل أشكال القهر، فقد يظن الاحتلال أنه يمهد لمشروعه التوسعي عبر سحق غزة، لكن الحقيقة أن إعلان المجاعة يكتب شهادة سقوطه، ويؤكد أن قوة لا تنكسر أمام الموت جوعا قادرة على قلب الطاولة في النهاية... لتغدو المجاعة وثيقة إدانة للاحتلال ولصمت البشرية

Tags

Share your opinion

غزة تحاكم العالم!

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.