د.سراج أمين
كتب ستيفن كوك في فورين بوليسي مقالاً يحاول فيه قراءة التحولات الجارية في الشرق الأوسط من زاوية عودة التنافس بين القوى الكبرى، ولا سيما بين واشنطن وبكين. لكن المقال – رغم قوته في طرح الأسئلة – يعكس بالأساس قلقاً أمريكياً أكثر مما يقدم فهماً شاملاً لمشهد إقليمي شديد التعقيد.
من يقرأ النص يلاحظ أن الكاتب يركّز على الصين، باعتبارها تحوّلت من مجرد "تاجر نفط وبضائع" إلى لاعب أمني يعيد بناء ما تهدّم في إيران بعد المواجهة مع إسرائيل. هذا صحيح جزئياً، فالصين اليوم لم تعد قانعة بالاقتصاد وحده، بل صارت حريصة على حماية استثماراتها وتأمين نحو 13% من احتياجاتها النفطية القادمة من طهران. هنا، تبدو بكين براغماتية حتى العظم: إيران المستقرة والمستقوية أفضل لها من إيران منهكة أو متقلبة قد تنفتح على واشنطن.
المقال يضرب مثالاً بالبحر الأحمر، حيث تفاوضت الصين مع الحوثيين لحماية سفنها بينما ردت أمريكا بالصواريخ. بالنسبة لبكين، صفقة بلا دماء؛ بالنسبة لواشنطن، ضربة عسكرية تكلّف سمعتها أكثر مما تحمي مصالحها. هذه المقارنة تلخص الفارق بين قوة صاعدة تحسب خطواتها بدقة، وقوة مهيمنة تستهلك نفسها في صراعات استنزاف.
لكن المشكلة في المقال أنه يختزل الشرق الأوسط إلى ملعب تتنافس فيه القوى الكبرى، متجاهلاً تماماً الفاعلين المحليين. أين تركيا، السعودية، الإمارات؟ أين الفلسطينيون أنفسهم الذين لا يظهرون إلا كورقة تستخدمها الصين لمناكفة أمريكا؟ بهذا المنطق، نعيد إنتاج النظرة الكولونيالية القديمة: المنطقة ليست سوى "ساحة صراع"، وليست مجتمعاً حياً بفاعلين حقيقيين.
أما تشبيه اللحظة الراهنة بالحرب الباردة، فصحيح أنه يثير الدهشة، لكنه يظل تبسيطا للواقع .
العالم اليوم لم يعد ثنائياً كما كان بين واشنطن وموسكو، بل متعدد الأقطاب، متشابك اقتصادياً وتكنولوجياً. تجاهل هذا البعد يجعل التحليل ناقصاً، وكأنه يعيدنا إلى مسرحيات الماضي بينما النص الجديد يُكتب على نحو مختلف.
الخلاصة أن مقال ستيفن كوك في فورن بوليسي يعبّر أكثر عن قلق أمريكي من الصين، لا عن قراءة متوازنة لما يجري. وفي رأيي، ما نحتاجه نحن في العالم العربي ليس مقالات تنظر إلينا كـ"ساحة اختبار"، بل مقاربات ترى في شعوب المنطقة وفاعليها شركاء أساسيين في صياغة التوازنات المقبلة.
الشرق الأوسط لا ينتظر أن يقرر الكبار مصيره، بل هو اليوم – برغم الدم والدمار – يصنع معادلات جديدة قد تفرض نفسها على القوى العظمى قبل أن تفرض الأخيرة عليه أجنداتها.





Share your opinion
هل يعود الشرق الأوسط إلى حرب باردة جديدة؟