شهدت الأيام الأخيرة تصاعد ظاهرة تسليع المآسي، حيث يتم تحويل معاناة الفلسطينيين في غزة إلى مادة استهلاكية عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، في إطار نظام اقتصادي يستفيد من الحروب والكوارث لتحقيق أرباح مادية وسياسية.
تظهر مشاهد الأطفال الجوعى والدمار الهائل، بينما تتواصل تغطيات المحللين والخبراء العسكريين، في حين تتكرر مشاهد الفيديوهات التي تثير المتعة والشفقة، مما يعكس ظاهرة تسليع الألم الإنساني بشكل متزايد.
يُعرف مفهوم "تسليع المعاناة" بأنه تحويل الألم والموت إلى منتج قابل للاستهلاك، حيث تُجمّل الكوارث والوفيات الجماعية في برامج تلفزيونية وأفلام وروايات، وتُعرض كجزء من ترفيه الجماهير العالمية، بهدف تعزيز الشعور بالتفوق أو البقاء.
وفي سياق السياحة المظلمة، يزور السياح أماكن الموت الجماعي مثل أوشفيتز، بهدف تفسير محدوديتهم من خلال معاناة الآخرين، وهو نمط يعكس استغلال التاريخ المأساوي لأغراض تجارية، ويؤكد كيف استغلت الرأسمالية معاناة الشعوب عبر التاريخ.
تُظهر الدراسات أن زوار أماكن الموت لا يهدفون دائمًا للتعاطف، بل يسعون لتأكيد مكانتهم، وهو ما يكرس استمرار وضع الفقر والمعاناة كسلعة، ويخفي الأسباب الحقيقية التي تؤدي إلى تلك المآسي، ويعزز هياكل السلطة غير العادلة.
وفيما يخص الاحتلال الإسرائيلي، يُظهر تقرير حقوق الإنسان أن الكيانات التجارية استفادت بشكل مباشر من الاحتلال والفصل العنصري، حيث ساهمت شركات تصنيع الأسلحة والتكنولوجيا والبنوك في تدمير غزة، وتشريد الفلسطينيين، وتحقيق أرباح من معاناتهم المستمرة.
تسليع المعاناة يحول الألم والموت إلى سلعة تستهلك وتُربح منها، مما يعمق الاستغلال ويقوّض القيم الإنسانية.
تُبرز الأبحاث أن شركات عسكرية كبرى، مثل لوكهيد مارتن وبوينغ ورايثيون، حصلت على عقود بمليارات الدولارات من وزارة الدفاع الأميركية، وتستفيد من عمليات نقل الأسلحة والمساعدات العسكرية، في حين تواصل الولايات المتحدة تقديم مئات المليارات لدعم إسرائيل وأوكرانيا، مما يعكس ارتباط المصالح الاقتصادية بالحروب المستمرة.
كما أن صناعة التكنولوجيا العسكرية، مثل شركات Palantir وSpaceX، تروج لأسلحة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، التي قد تتخذ قرارات قتالية دون تدخل بشري، مما يهدد بتحويل الحروب إلى عمليات أكثر فتكا وأقل إنسانية.
وفي سياق أوسع، يُستخدم تسليع الكوارث كأداة لتعزيز الشعور بالنرجسية والتفوق، حيث يستهلك الجمهور مشاهد الدمار والمعاناة، ليشعر بأنه جزء من نظام يختبر قوته على حساب معاناة الآخرين، وهو نمط يعمّق التفاوتات ويقوّي مراكز القوة على حساب الشعوب المقهورة.
وفي المنطقة العربية، تُستخدم "ثقافة الخوف" كوسيلة للسيطرة، حيث تُبرر السياسات القمعية من خلال تصوير الأوضاع الأمنية والتهديدات، مما يشتت الانتباه عن المشاكل الأساسية ويعزز استمرار الاستبداد والتهميش.
وفي النهاية، يُظهر هذا النظام كيف أن تسليع الموت والمعاناة يساهم في إدامة الصراعات، ويحولها إلى أدوات لتحقيق الأرباح، مما يفرض ضرورة المساءلة الأخلاقية والإنسانية، ويؤكد على أهمية مقاومة هذا النموذج الذي يهدد القيم الإنسانية ويقوض العدالة.





Share your opinion
"اقتصاد الموت" وتسليع الإبادة الجماعية في غزة