Wed 06 Aug 2025 8:18 am - Jerusalem Time

التهديد باحتلال القطاع.. مناورة أم تصعيد؟

خاص بـ "القدس" و"القدس" دوت كوم-

د. عقل صلاح: تهديدات نتنياهو باحتلال غزة ليست جديدة وتهدف للضغط على "حماس" عبر تأليب الشعب الفلسطيني ضدها

فايز عباس: "خطة احتلال قطاع غزة بالكامل" خدعة من نتنياهو لتبرير فشل جيشه وفي محاولة لإنقاذ نفسه سياسياً

د. سهيل دياب: الخطوة الإعلامية من مكتب نتنياهو حول إمكانية احتلال غزة مناورة وليست قراراً فعلياً والمشاورات تدور في إطار إدارة الأزمة لا حسمها

فراس ياغي: من يفكر في تحقيق نصر على غزة يتورط في وحلها واليوم بات الاحتلال متورطاً في أنفاقها أيضاً

د. ريهام عودة: نتنياهو يخطط لاحتلال مؤقت لقطاع غزة في ظل مساعٍ لتمهيد الطريق أمام نشر قوات دولية بقيادة أمريكية

ياسر مناع: نتنياهو لا يسعى لاحتلال كلاسيكي بل لفرض صيغة ترتكز لإعادة تشكيل القطاع جغرافياً وديموغرافياً وسياسياً

 


في ظل تعثر المفاوضات وتصاعد الضغوط الداخلية والخارجية، جاء تلويح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بخيار احتلال قطاع غزة بالكامل، في خطوة قد تكون "مناورة سياسية" تهدف إلى تحميل حركة "حماس" مسؤولية فشل التوصل إلى اتفاق، وربما تكون تمهيداً لمرحلة دموية أكبر.

ويوضح كتاب ومحللون سياسيون ومختصون، في أحاديث منفصلة مع "ے"،  أن ما يتم الترويج له بالاحتلال الكامل لقطاع غزة تشير الوقائع إلى أن هذا التوجه يفتقر للإجماع داخل المؤسستين السياسية والعسكرية، ويصطدم بواقع ميداني معقد.

ويذهب بعض المحللين والمختصين إلى القول إن الحديث عن "نصر حاسم" لم يعد سوى محاولة لإعادة إنتاج رواية انتصار وهمي، بعد فشل الأهداف المعلنة للعملية العسكرية، خاصة في ظل استمرار المقاومة الفلسطينية وصمودها الميداني والسياسي. 

وبينما تتعدد السيناريوهات المحتملة، من الاحتلال المؤقت إلى فرض مناطق عازلة، يؤكد الكتاب والمحللون والمختصون أن الهدف الإسرائيلي الأوضح هو محاولة فرض واقع جديد على قطاع غزة يعيد تشكيله ديموغرافياً وسياسياً، دون تحمل مسؤوليات الاحتلال التقليدي.

 

امتداد لخطاب قديم متجدد

 

يرى الكاتب والباحث السياسي د. عقل صلاح أن تهديدات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو باحتلال قطاع غزة بالكامل ليست بالجديدة، بل تمثل امتداداً لخطاب قديم متجدد، يهدف إلى ممارسة ضغط سياسي وعسكري مكثف على حركة "حماس"، وتحديداً لتأليب الشارع الفلسطيني ضدها، وتصويرها على أنها الجهة الرافضة للاتفاق السياسي، في حين أن الواقع مغاير لذلك تماماً.

ويؤكد صلاح أن هذا التوجه الإسرائيلي يأتي في إطار اتفاق أمريكي– إسرائيلي غير معلن، يهدف إلى تحميل حركة "حماس" مسؤولية تعثر المفاوضات، في وقت تتغاضى فيه الولايات المتحدة عن تراجع نتنياهو المستمر عن أي اتفاقات كانت على وشك التوقيع، بمنحه ضوءاً أخضر للانقلاب عليها. 

ووفقاً لصلاح، فإن الهدف من هذا السيناريو هو إجبار "حماس" على القبول بخطة مفصّلة على مقاس نتنياهو، وهو ما يدفعه إلى شن عمليات عسكرية متكررة، بالتوازي مع التصعيد السياسي، على أمل كسر إرادة الحركة وتليين موقفها التفاوضي.

ويشير صلاح إلى أن الجيش الإسرائيلي، المنهك من المعارك، بات يرفض فكرة احتلال قطاع غزة بالكامل، حيث أعرب رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي إيال زامير عن اعتراضه على هذا النهج، واقترح خطة بديلة تقوم على محاصرة القطاع بدلاً من اجتياحه الكامل. 

ويُرجّح صلاح أن الجيش الإسرائيلي يخشى من تكرار سيناريوهات الخسائر السابقة، لا سيما إذا تمكنت المقاومة من أسر جنود جدد، الأمر الذي من شأنه أن يقلب الرأي العام الإسرائيلي ضد حكومة نتنياهو.

ويوضح صلاح أن إحدى الغايات الأساسية لهذا التصعيد الإسرائيلي، تتمثل في محاولة "تبريد الساحة الداخلية الإسرائيلية"، التي تشهد احتجاجات متصاعدة تطالب بصفقة تبادل أسرى، حتى وإن استمرت "حماس" في الحكم. 

وبحسب صلاح، فقد أظهرت استطلاعات رأي إسرائيلية أن نحو 80% من الإسرائيليين يدعمون التوصل إلى اتفاق مع "حماس" وإطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين، مقابل انسحاب الجيش الإسرائيلي من غزة.

ويشير صلاح إلى أن نتنياهو يحاول أن يبرر للشارع الإسرائيلي عدم التوصل إلى اتفاق، عبر الزعم بأن "حماس" هي الجهة الرافضة، بينما هو يمارس ضغوطاً عسكرية لإجبارها على القبول. ويؤكد صلاح أن كل ذلك يجري بضوء أخضر من الإدارة الأمريكية، التي تمارس بدورها ضغوطاً على الوسيطين القطري والمصري.

ويعتقد عقل صلاح أن الضغط القطري هذه المرة قد يكون أكثر فاعلية من الضغط المصري، بسبب وجود قيادة "حماس" السياسية في الدوحة، ووجود مركز الحركة هناك، لكنه يشير إلى أن "حماس" تعاملت مع هذا الضغط بذكاء، حين سربت نيتها بنقل مكتبها السياسي إلى إيران، في خطوة استباقية تهدف إلى تخفيف الضغط القطري، وإحراج كل من إسرائيل والولايات المتحدة، بل حتى الوسطاء، إذ إن ذهاب الحركة إلى طهران سيعقد الموقف السياسي ويضعف فرص الضغط عليها مستقبلاً.

ويحذر صلاح من أن السيناريو المقبل قد يتضمن اغتيالات لقادة المقاومة، في الداخل والخارج، بإيعاز أمريكي مباشر، لإجبار "حماس" على تقديم تنازلات أكبر. فنتنياهو، حسب صلاح، لا يريد أن يسجَّل في تاريخه أنه انهزم في غزة، بل يسعى لتثبيت نفسه بأنه "هزم حماس" وفرض معادلات جديدة في الشرق الأوسط، وهو مشروع تدعمه واشنطن بشكل واضح.

 

غباء استراتيجي

 

ورغم كل ذلك، يرى صلاح أن الإدارة الأمريكية وإسرائيل تتعاملان بغباء استراتيجي، قائلاً: "بعد أكثر من 78 عاماً من الاحتلال، ما زالت المقاومة الفلسطينية قائمة، وما دام الاحتلال موجوداً فالمقاومة ستستمر، وكل مشاريع الولايات المتحدة وإسرائيل فشلت أمام تمسك الفلسطينيين بحقوقهم".

ويحذر صلاح من محاولات إسرائيل "تفريغ" حدث "السابع من أكتوبر 2023" من مضمونه، عبر خلق رواية مضادة تظهر "الاستسلام الفلسطيني"، وكأن المقاومة لم تحقق أي إنجاز يُذكر، بهدف إحباط الشعب الفلسطيني وإقناعه أن كل تضحياته لا معنى لها.

ويؤكد صلاح أن أي صفقة محتملة تشمل إطلاق سراح 300 أسير من ذوي الأحكام المؤبدة، ستكون نقطة تحول خطيرة بالنسبة لإسرائيل، لأن هؤلاء الأسرى يمثلون الصف الأول والثاني من قيادة حركة حماس، ويملكون كفاءة عالية قد تُعيد "حماس" إلى موقع القوة والتماسك بعد خسائرها في القيادات. 

ويوضح صلاح أن نتنياهو يقاتل على جبهتين: محاولة فرض "اتفاق على مقاسه"، وفي نفس الوقت إنقاذ مستقبله السياسي الذي يواجه خطر السقوط، خاصة في ظل تصاعد الاحتجاجات الداخلية ورفض الجيش الإسرائيلي للمغامرات غير المحسوبة في غزة.

 

كذبة جديدة

 

يرى الكاتب المختص بالشأن الإسرائيلي فايز عباس أن الحديث عن نية إسرائيل احتلال كامل قطاع غزة لا يعدو كونه "كذبة جديدة" من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، تهدف إلى خداع الرأي العام الإسرائيلي والتغطية على فشل الجيش في تحقيق أهدافه خلال الحرب المستمرة، وإنقاذ نتنياهو شخصياً.

ويعتبر عباس أن هذه المزاعم مجرد محاولة من نتنياهو لادعاء أن "الجيش لم يُكمل مهمته" وبالتالي تحميله مسؤولية أي إخفاق قادم، لا سيما في ملف المحتجزين الإسرائيليين.

وبحسب عباس، فإن نتنياهو استغل توقيت نشر فيديوهات لاثنين من المحتجزين لدى المقاومة في غزة – والتي أثارت موجة غضب داخل الشارع الإسرائيلي وطالبت بالتوصل إلى صفقة عاجلة – ليعلن نيته "احتلال القطاع بالكامل بحجة إنقاذهم"، رغم أن وضعهم الإنساني بات مهدداً بسبب انعدام الغذاء والماء والدواء. 

 

محاولة لتوظيف معاناة المحتجزين سياسياً

 

هذه الخطوة، كما يرى عباس، ليست سوى محاولة لتوظيف معاناة المحتجزين سياسياً، والظهور بمظهر القائد الحازم، في حين أن الواقع يُظهر تخبطاً استراتيجياً واضحاً داخل منظومة الحكم الإسرائيلية.

ويشير عباس إلى تصاعد التوتر بين المؤسسة السياسية والعسكرية، خاصة مع موقف رئيس أركان الجيش الذي يعارض اقتحام المناطق التي لم يدخلها الجيش سابقاً، خشية على حياة المحتجزين. 

ويعتبر عباس أن هذا الخلاف يعمق الفجوة بين القيادتين السياسية والعسكرية، خاصة مع عدم اعتماد نتنياهو لخطط الجيش، ما يخلق حالة من الإرباك. 

ويذكّر عباس بتصريحات القيادة السياسية التي تلمّح إلى إمكانية استقالة رئيس الأركان إذا لم ينفذ تعليمات الحكومة.

 

حالة غير مسبوقة من التخبط والارتباك

 

يرى أستاذ العلوم السياسية والمختص بالشأن الإسرائيلي د.سهيل دياب أن إسرائيل تعيش حالة غير مسبوقة من التخبط والارتباك، هي الأكبر منذ بداية عدوانها على قطاع غزة في أكتوبر 2023، مشيراً إلى أن ما وصفته صحيفة "معاريف" الإسرائيلية بـ"المشهد الأكثر ضبابية وفوضى في القيادتين السياسية والعسكرية"، يُعد توصيفاً دقيقاً لما يجري داخل المؤسسة الإسرائيلية اليوم.

ويوضح دياب أن إسرائيل خسرت خلال الأسابيع الأخيرة استراتيجيتين رئيسيتين دفعت من أجلهما ثمناً باهظاً، الأولى هي استراتيجيتها العسكرية في قطاع غزة، حيث لم تحقق العملية العسكرية المسماة "عربات جدعون" أهدافها المعلنة، وفشلت في كسر المقاومة أو القضاء عليها، ما يعني – حسب دياب – انتهاء فاعلية هذه الاستراتيجية عسكرياً وسياسياً.

أما الاستراتيجية الثانية التي خسرتها إسرائيل، بحسب دياب، فهي محاولتها الترويج لكونها طرفاً يقدم "مساعدات إنسانية" عبر ما يسمى بالبرنامج الأمريكي-الإسرائيلي، والذي تضمن إنشاء "مدينة إنسانية" في القطاع، وهي الخطة التي فشلت فشلاً ذريعاً، وأدت إلى مزيد من العزلة والضغط السياسي الدولي على إسرائيل، حتى من أقرب حلفائها، وخاصة الترويكا الأوروبي، وقد ظهر ذلك جلياً في مخرجات مؤتمر نيويورك الأخير.

ويعتبر دياب أن زيارة المبعوث الأمريكي الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف إلى إسرائيل لم تكن بهدف الضغط عليها لاتخاذ موقف معين، بل جاءت أساساً للبحث عن مخرج مشترك للأزمة المتفاقمة التي يواجهها الحليفان الأمريكي والإسرائيلي، لا سيما مع بدء الولايات المتحدة بدفع ثمن مواقفها في مجالين أساسيين.

ويوضح دياب أن المجال الأول هو اتساع الفجوة بينها وبين أوروبا الغربية فيما يتعلق بقضايا المساعدات الإنسانية وحل الدولتين، أما المجال الثاني، والأخطر فهو أن "نيران الإبادة الجماعية في قطاع غزة بدأت تصل إلى داخل الحزب الجمهوري الأمريكي"، مشيراً إلى أن النقاشات داخل هذا الحزب بدأت تُحدث تصدعات فكرية وسياسية، وليس فقط داخل الحزب الديمقراطي، وهو ما يشكل ضغطاً داخلياً على إدارة ترامب.

ويرى دياب أن زيارة ويتكوف جاءت كزيارة استراتيجية وليست عملياتية، تهدف إلى إيجاد معادلة تخفف من وطأة الأزمة لدى الطرفين: أمريكا من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى. 

ويشير دياب إلى أن نتنياهو يلوّح بخيار احتلال قطاع غزة كاملاً، لكنه لا يملك الإرادة أو القدرة على تنفيذه، نظراً لتقديرات الجيش التي تؤكد أن هذا الخيار يحتاج من 3 أشهر إلى سنتين، ويتطلب تضحيات بشرية جسيمة، وقد يهدد حياة الأسرى الإسرائيليين المحتجزين في القطاع.

 

مناورة سياسية– أمنية

 

ويوضح دياب أن الخطوة الإعلامية الأخيرة من مكتب نتنياهو حول إمكانية احتلال غزة ليست إلا مناورة سياسية– أمنية، وليست قراراً فعلياً تم اتخاذه داخل "الكابينت" الإسرائيلي المصغر، مشيراً إلى أن المشاورات الجارية مع الجيش والأجهزة الأمنية تدور في إطار إدارة الأزمة لا حسمها.

ويعتقد دياب أن واشنطن تسعى حالياً لإعطاء إسرائيل "وقتاً إضافياً" للتموضع عسكرياً في غزة، تحت غطاء المفاوضات بشأن "اليوم التالي" في القطاع، في حين تعمل في الوقت ذاته على تهدئة الرأي العام الغربي والأمريكي، عبر خطوات شكلية لزيادة المساعدات الإنسانية. 

ويشير دياب إلى أن ما يجري هو تناغم أمريكي– إسرائيلي هدفه كسب الوقت وتخفيف الضغوط، أكثر من كونه مساراً حقيقياً نحو حل شامل أو تسوية سياسية.

 

 

لحظة حاسمة لا يمكن تأجيلها

 

يرى الكاتب والمحلل السياسي فراس ياغي أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بات أمام لحظة حاسمة لا يمكن تأجيلها، في ظل صمود المقاومة الفلسطينية والشعب في غزة، مشيراً إلى أن الخيار الوحيد المتاح أمام نتنياهو لتحقيق ما وصفه بـ"النصر المطلق"، هو الذهاب نحو احتلال قطاع غزة بشكل مباشر، وهو القرار الذي حاول تفاديه منذ بداية الحرب المستمرة منذ أكتوبر الماضي.

ويؤكد ياغي أن نتنياهو عادةً ما يعمد إلى تسريب قراراته عبر مكتبه قبل الإعلان الرسمي عنها، وذلك لاختبار ردود الفعل الداخلية والدولية، موضحاً أن قرار احتلال غزة بحاجة إلى تصويت داخل "الكابينت" الإسرائيلي، ويبدو أن نتنياهو بات يمتلك الأغلبية اللازمة لتمرير القرار، مشيراً إلى أن تحديد موعد جلسة الكابينت سيشكل نقطة التحول في القرار النهائي.

وبحسب ياغي، فإن زيارة المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط ستيف ويتكوف مؤخراً إلى إسرائيل جاءت لوضع اللمسات الأخيرة على خطة احتلال غزة، بتنسيق أمريكي– إسرائيلي، تهدف إلى الحسم العسكري ونزع سلاح المقاومة، وهو ما يتماهى مع الرؤية الأمريكية الحالية التي تدفع نحو إنهاء ملف غزة بالكامل لصالح إسرائيل، ضمن رؤية أوسع لتصفية القضية الفلسطينية.

ويلفت ياغي إلى أن نتنياهو يمنح "أياماً قليلة إلى أسبوع" للوسطاء للضغط على حركة حماس، على أمل أن ترفع الراية البيضاء دون الحاجة إلى تدخل بري واسع، موضحاً أن الاحتلال الكامل بدون حرب هو ما يسعى إليه نتنياهو، لكن المقاومة تدرك هذه النوايا جيداً وتُصر على الصمود، ما يُبقي خيار الحرب مفتوحاً.

 

 كابوس دائم يطارد نتنياهو وجيشه

 

ويؤكد ياغي أن غزة تحولت إلى كابوس دائم يطارد نتنياهو وقيادة الجيش الإسرائيلي، مشيراً إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي قلق ويعاني من الأرق بسبب انعدام الحسم الميداني رغم الكارثة الإنسانية التي سببتها الحرب. ويقول ياغي: "من يفكر في تحقيق نصر على غزة يتورط في وحلها، واليوم بات الاحتلال متورطاً في أنفاقها أيضاً".

ويشير ياغي إلى أن نتنياهو يسعى لتحقيق "بصمة انتصار" تمحو وصمات فشله، مستشهداً بتصريحاته عن "الانتصارات" في سوريا ولبنان وإيران، في مقابل عجزه عن تحقيق أي إنجاز في غزة، لكن ياغي يستدرك بالقول: "غزة لم تخسر يوماً... وقد قبلت الرهان من جديد".

 

محاولة لحسم المعركة

 

ترى الكاتبة والمحللة السياسية د.ريهام عودة أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعتزم تنفيذ احتلال عسكري مؤقت لقطاع غزة كخطوة تهدف إلى حسم المعركة مع حركة حماس ميدانياً، عبر استراتيجية تمشيط بري شامل للمربعات السكنية داخل محافظات القطاع، بدلاً من الاكتفاء بالضربات الجوية التي فشلت حتى الآن –بحسب ما تراه إسرائيل – في القضاء على البنية التحتية للحركة أو الوصول إلى مواقعها المحصنة.

وتوضح عودة أن الهدف من هذا الاحتلال المؤقت هو تمكين الجيش الإسرائيلي من دخول مناطق مأهولة ومكتظة لم يتمكن من الوصول إليها سابقاً، لا سيما بعض الأنفاق والأماكن التي يُعتقد أن عناصر حماس يتحصنون بداخلها، وهو ما يتطلب –بحسب القراءة الإسرائيلية– تواجداً برياً مباشراً لتسهيل تنفيذ عمليات عسكرية دقيقة وخاصة.

وتشير عودة إلى أن الاحتلال المؤقت قد يشمل أيضاً تنفيذ عمليات بحث بالتعاون مع ميليشيات عشائرية محلية، في محاولة للعثور على الأسرى الإسرائيليين، سواء أكانوا أحياء أم من القتلى، مشيرة إلى أن هذا التعاون مع العشائر يُعد جزءاً من استراتيجية إسرائيلية لتقليل الاحتكاك المباشر مع السكان المدنيين، وترك مهمة إدارة الوضع الإنساني لـ"الميليشيات العشائرية" المحلية.

وتلفت عودة إلى أن الاحتلال لن يكون بغرض تحمّل مسؤولية السكان أو إدارة الشؤون المدنية، بل ستقوم الميليشيات المحلية مؤقتاً بملء الفراغ، وهو ما يتيح للجيش الإسرائيلي التركيز على "العمليات الجراحية" ضد المقاومة، وفي الوقت ذاته، ستقوم إسرائيل بإغراق القطاع بالمساعدات الإنسانية بهدف كسب الرأي العام العالمي وتفادي الانتقادات الدولية المتزايدة حول طول أمد الحرب.

 

احتلال مؤقت.. وسيناريو حرب استنزاف

 

وتتوقع عودة أن السيناريو المحتمل سيكون احتلالاً مؤقتاً لمدة تتراوح بين 6 أشهر إلى عام، دون نية لتحمّل مسؤولية السكان، في ظل مساعٍ إسرائيلية لتمهيد الطريق أمام نشر قوات دولية بقيادة أمريكية، بالتعاون مع لجنة مدنية مستقلة لإدارة القطاع في مرحلة ما بعد حماس.

ولم تستبعد عودة سيناريو آخر، يتمثل في حرب استنزاف طويلة الأمد تستمر فيها عمليات المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، وتؤدي إلى استنزاف الجيش الإسرائيلي وإبقاء الوضع معلقاً دون حسم، في ظل فوضى أمنية تشجع على هجرة السكان من غزة بطرق غير مباشرة.

وتشير عودة إلى أن هناك احتمالاً –رغم ضعفه – لعقد هدنة طويلة الأمد، في حال استجابت حماس لضغوط تسليم الأسرى وربما لاحقاً السلاح، بما يسمح بتسليم إدارة القطاع إلى لجنة مدنية بدعم عربي ومصري، إلا أن هذا السيناريو لا يزال بعيداً إذا ما استمرت حماس في رفضها تسليم سلاحها.

 

فرض صيغة جديدة من السيطرة "الاستراتيجية"

 

يؤكد الكاتب الباحث بالشأن الإسرائيلي، ياسر مناع، أن إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن "عزمه احتلال قطاع غزة بالكامل" يجب عدم فهمه ضمن الإطار التقليدي لمفهوم الاحتلال، الذي يتضمن السيطرة العسكرية المباشرة وإدارة شؤون السكان المدنيين. 

ويوضح مناع أن نتنياهو لا يسعى لاحتلال كلاسيكي، بل لفرض صيغة جديدة من السيطرة "الاستراتيجية"، ترتكز إلى إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والديموغرافي والسياسي للقطاع بما يخدم مصالح الاحتلال.

ويشير مناع إلى أن نتنياهو يطرح سيناريو "احتلال مجزأ" يتضمن تعزيز التغلغل الأمني الإسرائيلي في مناطق محددة داخل غزة، مع السيطرة المحكمة على الممرات والمعابر الحيوية، خاصة محور صلاح الدين الحدودي مع مصر، لمنع أي تواصل خارجي مستقل أو سيادة فلسطينية فعلية على القطاع. 

وبحسب مناع، فإنه في الوقت نفسه، تستخدم إسرائيل العمليات العسكرية لتدمير البنية السكانية في مناطق وسط وشمال قطاع غزة، ودفع السكان قسراً نحو الجنوب، حيث تتحول المنطقة إلى ما يشبه "منطقة عازلة مكتظة" تخضع لتحكم إنساني وعسكري غير مباشر من قبل الاحتلال.

ويوضح مناع أن نتنياهو، الذي يعتبر نفسه شخصية تاريخية تسعى لتأسيس مرحلة جديدة في مسار "الدولة العبرية"، لم يحقق حتى الآن الأهداف التي أعلنها منذ بداية الحرب، ومنها تحرير الأسرى الإسرائيليين، والقضاء الكامل على بنية حركة حماس العسكرية، وتحقيق ما يُسمى بـ"الردع الاستراتيجي". 

ووفق مناع، لهذا، فإن إعلان نتنياهو نية "احتلال غزة" يمثل محاولة لإعادة إنتاج سردية نصر وهمية لتعويض الفشل السياسي والعسكري المتراكم.

لكن هذا التوجه لا يتم دون صراع داخلي عميق، بحسب مناع، مشيراً إلى أن المؤسسة الأمنية والعسكرية، وخاصة الجيش الإسرائيلي، ترفض فكرة الاحتلال الكامل، ليس فقط لتكلفتها البشرية والمالية العالية، بل لأن الجيش لا يرغب في تحمل عبء إدارة مليوني فلسطيني في بيئة معادية، أو مسؤولية الإعمار والخدمات، أو مواجهة تمرد مسلح طويل الأمد، كما يُفاقم مصير الأسرى الإسرائيليين هذا الخلاف، حيث يحذر الجيش من أن العمليات المكثفة قد تُهدد حياتهم، في حين يمضي نتنياهو نحو تصعيد مفتوح لا يراعي هذا القلق.

 

أربعة مسارات رئيسية

 

وفي قراءته للسيناريوهات المحتملة، يطرح مناع أربعة مسارات رئيسية: الأول، تثبيت وجود أمني طويل الأمد دون إدارة مدنية مباشرة، مع منع عودة النازحين، وتحويل غزة إلى منطقة منكوبة دائمة؛  الثاني، احتلال مؤقت يعقبه تسليم السيطرة إلى طرف ثالث، ربما قوة عربية أو دولية، رغم المعارضة السياسية لهذا الطرح؛ والثالث، استمرار الاستنزاف دون حسم؛ أما الرابع، فيتمثل في فرض واقع جديد عبر مناطق عازلة دائمة واستمرار التواجد العسكري في نقاط استراتيجية، بهدف تفكيك التواصل الجغرافي الداخلي الفلسطيني.

Tags

Share your opinion

التهديد باحتلال القطاع.. مناورة أم تصعيد؟

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.