اختتم المؤتمر الدولي حول تسوية القضية الفلسطينية وتنفيذ حل الدولتين في نيويورك، برئاسة مشتركة بين السعودية وفرنسا، بإعلان يهدف إلى إنهاء الحرب في قطاع غزة وتحقيق تسوية للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، استنادًا إلى نزع سلاح المقاومة وبناء دولة فلسطينية منزوعة السلاح. رغم التنازلات التي تضمنها الإعلان، قاطعت الولايات المتحدة وإسرائيل المؤتمر، حيث وصفت الأولى الإعلان بأنه "حيلة دعائية"، واتهمته الثانية بأنه "مهادنة للإرهابيين والمتطرفين". من المتوقع أن يواجه تنفيذ هذا الإعلان تحديات كبيرة قد تعرقل تحقيق أهدافه، خاصة في ظل غياب اعتراف دولي شامل بدولة فلسطين.
حظي الإعلان بإجماع عربي نادر، حيث أدانت الدول العربية العدوان الإسرائيلي في السابع من أكتوبر، وطالبت بنزع سلاح المقاومة، وتحقيق حيادية حركة حماس، ودعم مسار التطبيع بين الدول العربية وإسرائيل. يأتي ذلك بعد عامين من حرب الإبادة على غزة، وسياسة التجويع الممنهجة، واستمرار التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، واقتحامات المستوطنين لباحات المسجد الأقصى، في ظل دعم أمريكي إسرائيلي لمخطط التهجير، دون إجراءات عملية لمنع ذلك.
يُعدّ هذا الإجماع العربي على الرؤية الأوروبية في إعلان نيويورك خطأ استراتيجيا، إذ يفرط في الثوابت الفلسطينية ويضعف موقف المقاومة، كما يهدد توازنات القوى في المنطقة. فالكيان الصهيوني يحتل موقعًا وسط العالمين العربي والإسلامي، ويفصل بين جناحيه الشرقي والغربي، وهو ما أكد عليه هنري كيسنجر بقوله: "لا يمكنك خوض حرب في الشرق الأوسط دون مصر، ولا صناعة سلام دون سوريا".
مصر تواجه مخاطر كبيرة من تداعيات إعلان نيويورك، وتتطلب استراتيجيات شاملة لتعزيز قدراتها والدفاع عن مصالحها الوطنية
على الجانب السوري، دمرت إسرائيل بين 70 إلى 80 في المئة من قدراتها العسكرية بعد سقوط الأسد، عبر أكبر عملية جوية في التاريخ، شاركت فيها 350 مقاتلة، ما أضعف قدرة سوريا على الردع، في ظل صراع داخلي معقد يعيق ولادة دولة جديدة. ومع تراجع قدرات سوريا، تتركز التهديدات على مصر، خاصة مع تدهور قدراتها الذاتية، وتراجع نفوذها الإقليمي والدولي، نتيجة سوء التقدير، وانغلاق المجال السياسي، وانتشار الفساد، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، مما يهدد أمنها القومي بشكل متزايد.
أشار مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة، أسامة عبد الخالق، إلى أن "مصر تخشى حدوث خطأ عسكري إسرائيلي يجبرها على الرد"، في ظل تسليح الجيش المصري بشكل مكثف، رغم غياب تهديدات مباشرة. وتبرز المخاطر التي تهدد مصر من تداعيات إعلان نيويورك، وتفرض عليها بناء استراتيجية شاملة تراعي محددات الأمن القومي، مع التركيز على إصلاحات داخلية لتعزيز القدرات الذاتية، من خلال حكم رشيد، ومحاربة الفساد، وتمكين الكفاءات، واستعادة الثقة المجتمعية.
إن مواجهة التهديدات الإسرائيلية تتطلب أكثر من أدوات تقليدية، ويجب أن تعتمد على تعزيز عناصر القوة الداخلية، من خلال تنمية مدنية وعسكرية مستقلة، لا تتأثر بالمشاريع الخارجية أو الأجندات الأجنبية. فقط عبر هذه المقاربة الشاملة، تستطيع مصر أن تعيد تموضعها الإقليمي، وتحمي أمنها، وتستعيد دورها التاريخي كضامن لتوازنات المنطقة، بدلاً من أن تكون مجرد متلقٍ لنتائج الصراعات.





Share your opinion
مصر في "إعلان نيويورك": المخاطر والخيارات