Sat 02 Aug 2025 8:03 pm - Jerusalem Time

غزو الكويت حين تنهض الذاكرة مدى الدهر .

في ذكرى غزو الكويت – 2 آب 1990

بقلم: ياسر أبو بكر


في الثاني من آب، لم تكن الكويت وحدها التي استُبيحت جغرافيًا، بل كانت الكارثة سقوطًا مدويًا لمنظومة كاملة من الأوهام العربية. لم يكن اجتياحًا عسكريًا فقط، بل زلزالًا في الوعي، كشف عمق التشققات في جدار ما ظنناه يومًا بيتًا عربيًا مشتركًا.


أنا شاهد على ذلك اليوم. كنت شابًا فلسطينيًا في العشرين، أتنقل بدراجتي النارية بين شوارع الكويت، أبحث عن الحقيقة في وجوه الناس، وفي أصوات الرصاص، وفي صمت الجدران. وما رأيته لا يمكن أن يُمحى. كان كل شيء يتداعى بسرعة مرعبة: المؤسسات، السيادة، الدولة، والناس. كانت الكويت تُقاوِم الذوبان، لا سياسيًا فقط، بل حتى على خرائط الطرق، وعلى أسماء الشوارع، وعلى أرقام لوحات المركبات.


دخلتُ الكراج في شركتي (شركة يوسف أحمد الغانم) في منطقة الشويخ، فرأيت الجنود العراقيين يسرقون السيارات، لا بزيّهم الرسمي فقط، بل بسلوك الغزاة الذين لا يشعرون أنهم في "أرضٍ شقيقة". رأيت حارسًا كويتيًا شبه عارٍ يرفع يديه مستسلمًا لجندي عربي شقيق ، ثم رأيت في الأحياء شرطيًا كويتيًا يخلع بدلته العسكرية ليتوارى بين الناس، لا خوفًا من الناس، بل من آلة الاحتلال.


تكسرت كل الصور، وسقطت كل الأقنعة دفعة واحدة.


لقد كانت النخوة الفلسطينية حاضرة رغم الخذلان. لم نكن نحمل جوازًا كويتيًا، ولا نحظى بكامل الحقوق ، لكننا حملنا السلاح، وقفنا على مداخل المخافر نحمي ما تبقى من رموز الدولة. سلاحنا كان بندقية واحدة ومسدس والدي ذو السبعة طلقات فقط ، وقبلها أخلاق علمتنا أن لا نخذل من احتضننا في طفولتنا.


كنا نحب الكويت، لا حبّ الطارئ العابر، بل حبّ الابن الذي ترعرع بين دفاترها، وكبر في شوارعها، وحفظ نشيدها الوطني قبل أن يفهم معاني النشيد. لم تكن علاقتنا بالكويت علاقة مصلحة، بل علاقة وفاء متجذر.


ما حدث بعد الاجتياح كشف كل شيء. رأينا بأعيننا كيف يُستبدل الجواز الكويتي بجواز مفروض، وكيف يُمحى اسم الكويت ويُفرض اسم "محافظة النداء"، وكيف يتحوّل الإعلام إلى سيرك سياسي سمج، يصنع جمهوريات كرتونية وحقائق بلا خجل.


لكن ما لن أنساه أبدًا هو كيف عشنا رعب اللحظة. كيف كاد صديقي يُعدم على يد جندي في مخفر، لأن والده رفض إزالة لوحة الأرقام الكويتية عن سيارته. كيف ركضنا ليلاً من الرصاص، واختبأنا خلف جدران المدارس، نبكي ونتساءل: هل نموت هنا؟ وهل حقًا {...وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ}؟


كنا نرى بأم أعيننا كيف يُنهَب بلد بأكمله: مطابع جريدة "القبس"، أرشيف الدولة، وحتى مخازن الطحين. لم يكن الاحتلال "وحدة عربية"  وعودة الفرع الى الأصل ،كما زعمت دعاية بغداد، بل كان سرقة مقنّعة، واغتصابًا للسيادة، وإهانة للتاريخ.


لم أكن وحدي من رأى ذلك. بل كل من بقي في الكويت وشهد كيف تحوّلت الدشداشة البيضاء إلى مئزر فزع، وكيف تحولت جداريات صدام إلى كوابيس على كل حائط.


المأساة لم تكن فقط في الغزو، بل في ارتباك المواقف العربية. كيف تاه بعض المثقفين بين صدام الغازي وصدام المقاوم، بين الوحدة المفترضة والاستعمار الحقيقي.


لكن التاريخ لا يُخدع طويلاً. بعد أشهر، انسحب الجيش العراقي كما دخل: تحت جنح الظلام، يجرّ وراءه هزيمته، ودماء لا تُنسى.



تعلمنا الدروس التي لا بد أن نحفظها:


1. لا قداسة لجيوش تغزو أرضًا شقيقة مهما علت الشعارات.



2. لا وحدة مع القهر، ولا قومية تُفرض بالدبابة.



3. التمييز والتراتبية في المجتمعات تصنع فراغًا خطيرًا وقت الأزمات.



4. السيادة لا تصان إلا بالعدالة، لا بالبطش ولا بالشعارات.



5. والفلسطيني... لا تُنكروا عليه مرة أخرى وقوفه حيث لم يقف كثيرون.


نحن اليوم في عالم يعيد إنتاج الكارثة: فوضى، استبداد، تطبيع بلا سيادة، وتخلٍّ عن الثوابت. 

من لم يتعلم من غزو الكويت، سيتورط في خيانات أكبر، وسيرى بلاده تُبتلع دون طلقة.


وهكذا بعد 35 عامًا على الغزو، لا يزال السؤال معلقًا في هواء الخليج: هل تعلمنا شيئًا؟


ها نحن نعيش أزمات تشبه تلك الأيام: حروب بالوكالة، جيوش تنهار، شعوب تُهجّر، وخرائط يُعاد رسمها فوق جماجم الأبرياء.


إن مستقبل الخليج والعالم العربي لا يُبنى على قواعد أجنبية، ولا على استثمارات مؤقتة، بل على:


وحدة المصير،


حماية الإنسان،


إعادة الاعتبار للقيم، لا للزعامة،


وبناء أنظمة قادرة على منع الاستبداد قبل أن يولد.



فالعراق غزا الكويت، لكنه هو من احترق.

والكويت استعادت علمها، ورفعت رأسها عاليًا، واحتضنت أبناءها وأصدقاءها، لكنها لم تنس من خذلها أو صمت.


أما نحن، فعلينا أن نعيد تعريف العروبة: لا كهوية رومانسية، بل كالتزام بالحق، والعدل، والحرية.


في الذكرى، نقف لا لنبكي، بل لنتذكر: أن الجغرافيا لا تحمي، إن لم يحمِ الإنسان كرامته أولًا.


وأننا لا نريد حربًا أخرى، ولا اجتياحًا جديدًا، لكننا نريد ذاكرة تحفظ، وموقفًا لا يُخون، وأمة لا تنكسر مرتين.


لكل دولة خليجية ولكل شعب عربي نقول:

لا تسلّموا مفاتيحكم لمن يبيعكم باسم السلام، ولا تستسلموا لمن يغزو أرواحكم بشعارات خاوية.

حافظوا على إنسانيتكم، واحترموا ذاكرة شعوبكم، فالوطن ليس خريطة فقط...

الوطن ما يبقى فينا بعد الحرب، وما نقف عليه حين يسقط كل شيء.

Tags

Share your opinion

غزو الكويت حين تنهض الذاكرة مدى الدهر .

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.