تقى خضير الأولى بالفرع العلمي مكرر: علامات هذه السنة عالية وأدعو الطلبة إلى الاجتهاد والثقة بالنفس.. وربنا يفرجها على زملائنا في قطاع غزة
د. ثروت زيد: بنية امتحان التوجيهي رغم محاولات التكييف لا تزال ورقة واحدة مصيرية تُختزل فيها سنوات تعليمية ومصائر بشر
خالد الشحاتيت: إنجاز "التوجيهي" حدث وطني تربوي رغم الحرب والدمار ويجب إعادة الاعتبار لدور المدرسة في إعلان النتائج
جودت صيصان: نتائج هذا العام لا يمكن قراءتها فقط بالأرقام بل يجب فهمها كملحمة وطنية وتربوية وطلبة غزة قدموا أعظم شهادة
يوسف أبو راس: النتائج تُظهر أن الطلبة تمكنوا من تجاوز التحديات التي فرضتها الحرب على غزة والاجتياحات بالضفة
بعيون يملؤها الفرح، وبقلوب تحمل غصة، استقبل آلاف الطلبة في الضفة الغربية ونسبة قليلة من طلبة قطاع غزة نتائج الثانوية العامة لهذا العام، رغم حرب الإبادة في قطاع غزة والعدوان على الضفة الغربية، خاصة مخيمات الشمال.
"ے" التقت طلبة من مختلف الفروع، والتقت خبراء تربويين تستطلع آراءهم حول نتائج الثانوية العامة "التوجيهي" لهذا العام.
التفوق كان حليفاً لكثيرين، لكن الفرح بدا خجولاً أمام مشهد الغياب القسري لطلبة قطاع غزة، الذين حُرموا للعام الثاني على التوالي من خوض الامتحانات بسبب الحرب والحصار.
تنوعت مشاعر الطلبة، لكنها اتفقت على أن "التعب لم يذهب سدى"، فيما رأى معظمهم في النتائج انعكاساً للجهد والصبر، خاصة أولئك الذين عاشوا ظروفاً قاسية كالاقتحامات والنزوح.
ويرى خبراء تربويون، في أحاديث منفصلة مع "ے"، أن نتائج هذا العام تعكس صمود الطلبة الفلسطينيين وإصرارهم على التحصيل العلمي رغم الظروف الصعبة، من اقتحامات متكررة، ونزوح قسري، وبيئة تعليمية غير مستقرة، وسط حرب الإبادة المتواصلة.
علامات هذه السنة عالية وجاءت بفضل جهد الطلاب
رغم التحديات التي رافقت امتحانات الثانوية العامة في الضفة الغربية والقدس، برزت نتائج مبهرة هذا العام، تصدرت الطالبة تقى فضل حامد خضير من مدرسة طلائع الأمل الثانوية في نابلس، والتي حصدت المرتبة الأولى على مستوى الوطن في الفرع العلمي بمعدل مكرر 99.7%.
تقى، التي عبّرت عن سعادتها بالنتائج المبشرة، قالت في حديثها: "الحمد لله، علامات هذه السنة عالية وجاءت بفضل جهد الطلاب. الله لا يضيع تعب أحد".
وأضافت رسالة مفعمة بالأمل لزملائها في قطاع غزة الذين لم يتمكنوا من التقديم في العامين الأخيرين: "إن شاء الله ربنا بيفرجها عليهم، وبالسنة الجاية بيقدموا وبيجيبوا أعلى العلامات"، ودعت الطلبة في كل مكان إلى الاجتهاد والثقة بالنفس.
نتائج جيدة ورسائل دعم لطلبة غزة
الرسائل التي بعث بها أوائل طلبة الفرع العلمي هذا العام لم تكن مجرد تهنئة بالنجاح، بل كانت دعوات للاستمرار في طريق التعليم والمثابرة، وأصوات دعم وتضامن مع طلبة قطاع غزة، الذين حُرموا من تقديم الامتحانات بسبب الحرب، في انتظار فرج قريب يعيد لهم حقّهم في مقاعد الدراسة والنجاح.
وشاركت الطالبة أمامة رضوان محمد ثابت، من مدرسة بيت دجن الثانوية المختلطة في نابلس، بالفرع العلمي تجربتها قائلة إن "نتائج هذا العام كانت جيدة، وشعرت أن التعب ما راح هدر، وكل جهدنا أخذ نصيبه".
أمامة أهدت نجاحها لعائلتها ومعلميها، متمنية التوفيق لزملائها، لا سيما من لم يحالفهم الحظ هذا العام.
ومن محافظة الخليل، قال الطالب معاذ خالد عمرو من مدرسة ذكور المجد الثانوية بالفرع العلمي، إن نتائجه جاءت "حسب التوقع"، واصفاً الامتحانات بأنها تراوحت "ما بين المتوسطة والصعبة".
ووافقه الطالب طارق حمدان من مدرسة ماجد أبو شرار بالفرع العلمي، الذي حصل على معدل 80%، واصفاً الامتحانات بـ"المتوسطة والدقيقة"، ونتيجته بـ"المتوقعة".
أما الطالب فيصل خلدون من مدرسة ذكور شهداء بلعا الثانوية بالفرع العلمي، والحاصل على معدل 95.3%، فقال: إن الامتحانات كانت "رائعة"، ووجّه رسالة لأهالي غزة قائلاً: "ربنا بفرجها وبصبرهم"، كما دعا الطلاب إلى التسلح بالعلم لحصد نتائج مميزة.
من المدرسة نفسها، تحدث الطالب محمد عمار، الحاصل على معدل 99.6% بالفرع العلمي، قائلاً: إن "النتائج كانت مميزة جداً"، موجّهاً تحية دعم وثبات لأهالي قطاع غزة، ودعوة للطلبة الجدد: "تحدوا الظروف واحصدوا أعلى العلامات كما فعلنا هذا العام".
فرحتنا منقوصة..
بين الفرح الغامر بنتائج الثانوية العامة لهذا العام، والوجع المشترك لما تمر به غزة، عبّر طلبة التوجيهي بالفرع الأدبي عن مشاعر متباينة، تلامس النجاح والتفوق من جهة، وتفيض تضامناً مع زملائهم المحرومين من تقديم الامتحانات في قطاع غزة للعام الثاني على التوالي.
الطالب مصعب برغال من الفرع الأدبي في المدرسة الصلاحية بنابلس، كان من بين المتفوقين، وقد جاءت نتيجته "فوق التوقعات"، كما وصفها.
وقال مصعب: "الحمد لله، النتيجة كانت أحسن مما كنت أتوقع، أكثر مما كنت أطمح له".
لكن مصعب، رغم فرحته، لم يخفِ شعوره بالحزن لما يحدث في غزة، مضيفاً: "فرحتنا منقوصة... نشوف أهل غزة بموتوا كل يوم. إن شاء الله بيرجعوا يقدّموا زينا ويعيشوا زينا".
ظروف صعبة بسبب النزوح في جنين
غزل محمود جميل حمده، وهي طالبة نازحة من مخيم جنين وتدرس في مدرسة بنات الزهراء الثانوية بالفرع الأدبي، تحدثت عن معاناتها الشخصية وظروف النزوح: "عشنا ظروفاً صعبة، لكن كنت قدها أنا وغيري من الطلبة".
حصلت غزل على نتيجة مرضية، كما تقول، مشيرة إلى أن النجاح لا يعتمد على الفرع بقدر ما يرتبط بالجهد الشخصي، مضيفة: "ما في شيء اسمه مستحيل، آخر التعب فرحة".
إعلان نتائج دون سابق إنذار..
أما الطالبة رناد أبو راس من الخليل، الحاصلة على معدل 94.4% في الفرع الأدبي، فقد رأت أن الامتحانات كانت بين السهلة والمتوسطة، لكن التوتر كان بالنسبة لها في يوم إعلان النتائج الذي جاء دون سابق إنذار.
وناشدت أبو راس وزارة التربية بـ"إبلاغ الطلبة مسبقاً بموعد النتائج للتجهيز النفسي"، ووصفت الضغط الذي رافق تلك اللحظات بأنه كبير جداً.
توقع بنتيجة أفضل ولكن..
من جنين، عبّر وديع مناصرة، من مدرسة حطين الثانوية بالفرع الأدبي بمعدل 77%، عن خيبة أمله قائلا: "كنت متوقع أجيب 85... ما حسيت أنهم راعوا ظروفنا".
ووجّه وديع رسالة لأهالي غزة قائلاً: "هاي السنة الثانية اللي ما بقدروا يقدموا فيها. إن شاء الله بقدموا بأحسن حال".
تألق بالفرع الصناعي رغم الصعوبات
في الفرع الصناعي، تألقت لبنى أبو عرقوب من مدرسة بنات دورا المهنية بمعدل 95.8%. وصفت الامتحانات بأنها تراوحت بين السهلة والمتوسطة، وقالت: إن "النتائج كانت مرضية إلى حد كبير".
بينما حصل غيث ماجد سليط، من سكان جنين، على معدل 98.6% في مدرسة جنين الثانوية الصناعية.
ورغم كل الظروف الصعبة، قال غيث بثقة: "ربنا وفقنا، لا بد من الاجتهاد".
ويطمح غيث لدراسة البرمجة أو الذكاء الاصطناعي، مؤكداً: "نحن باقون ومتجذرون، والحياة هنا باقية".
خبراء: النتائج انعكاس حاد للواقع الفلسطيني
بين تفوق طلاب نازحين، وتغيّب قسري لآلاف الطلبة في غزة، شكّلت نتائج الثانوية العامة هذا العام انعكاساً حاداً للواقع الفلسطيني الممزق بين التحدي والحرمان.
ومع تباين الظروف بين المناطق، لم تكن القراءة الأكاديمية وفق خبراء تربويين، لهذه النتائج ممكنة دون التوقف عند السياق السياسي والاجتماعي الذي رافق العام الدراسي.
من هنا، ينظر التربويون إلى هذه النتائج لا بوصفها أرقاماً فقط، بل كمؤشر دقيق على صمود المنظومة التعليمية من جهة، وضرورة التدخل العاجل لسد الفجوات من جهة أخرى.
النتائج ليست حقائق رقمية باردة
في قراءة متعمقة لنتائج الثانوية العامة "التوجيهي" لعام 2025، أوضح الخبير التربوي د.ثروت زيد أن هذه النتائج ليست حقائق رقمية باردة، بل "مرآة واقع هش" يُعكس فيها أثر الاحتلال، والحصار، والتفتيت التعليمي، وعلى وجه الخصوص قطاع غزة.
وأكد زيد أن الامتحانات تحولت إلى "حدث وجودي"، تقاس فيه إرادة الطلبة أكثر من معرفتهم الدراسية، فالثبات أصبح أكثر وزناً من القدرة على الإجابة ضمن الزمن المحدد.
وقال زيد: "رغم ما وُصف بـ(التخفيف النسبي في صيغ الأسئلة)، لم يكن ذلك خياراً تقنياً بحتاً، بل كان رداً تربوياً على صدمة استثنائية، حيث أن النظام التربوي بما تعانيه غزة وظروف الاعتقال والتشريد التي عاشها الطلبة، سعى للاحتضان لا للابتزاز التربوي، كمن يربّت على كتف طفل يحاول الكتابة (في العتمة)".
من جهة أخرى، أكد زيد أنه رغم ثبات نسب النجاح بين العامين الماضي والحالي، مع ارتفاع طفيف، لكن تلك النسب لا تدل على تقدم حقيقي، بل تثبيت لصمود مؤقت ضمن أزمة بنيوية مستمرة.
النتيجة –وفق زيد– لا تعبّر عن تطور أو تحسين، بل عن قدرة الطلبة على المقاومة بوجه منظومة تقييم جامدة، لا تراعي السياق، بل تُعيد إنتاج التحدي نفسه، دون إعادة النظر في آليات التعليم أو التقييم.
النجاح اليوم في فلسطين –حسب زيد– هو نجاح "الإنسان الفلسطيني" الذي يقاوم تحت أنقاض بيته ومقعده المدرسي ومقيد الجغرافيا بكل ما فيها.
وفيما يتعلق في غزة، أكد زيد أنه لم يتمكن معظم الطلبة من الوصول إلى قاعات الامتحان، فمن تمكنوا –قلّة منهم– أجروا الامتحانات خارج القطاع.
وقال زيد: "في قلب قاعات امتحانية اختلطت دفاتر الإجابة بأنقاض البيوت، وانطلقت نغمات القذائف مع نبضات قلب الطلبة، بات الامتحان فعل مقاومة فيزيائية ونفسية واجتماعية".
وشدد زيد على أن نجاح طلبة غزة ليس معدلاً بل بقاءً ومعنى وسط النسيان، وتقدير للإنسان الفلسطيني الذي انتزع لحظة أمل من ثقب في العتمة المفرطة.
وأكد زيد أنه بهذا المعنى، أي مقارنة كمية بسيطة بين طلبة غزة وسواهم، "تفقد عدالتها" ما لم تعترف بالعدالة المجروحة، تلك التي لم يُنصف السياق ولم تُدرج الفرق النفسي أو الاجتماعي في تقدير الأداء.
على صعيد آخر، أكد زيد أن بنية امتحان التوجيهي، رغم محاولات التكييف، لا تزال: ورقة واحدة، مصيرية، تُختزل فيها سنوات تعليمية ومصائر بشر مفصول عن السياق.
وبحسب زيد، فإن هذه البنية لا تراعي الفروق الفردية ولا تتكيف مع حالة الطوارئ أو تشوّهات المنظومة، بل تعيد تصنيف البشر ضمن صلب رقمي (ناجح/راسب)، في حين (التقييم الحقيقي) يجب أن يُراعي السياق والضغط والوسط.
واشار زيد إلى أنه حين السؤال لماذا نُمتحن؟ ولأي غاية؟ ومن يحدد مفهوم النجاح؟ تبرز مشكلة أكبر: امتحان يُصمّم ضمن مقاييس بيروقراطية لا تُتقِن قراءة الأزمة، ولا تصنع معنى حقيقياً للتربية أو المعرفة في فلسطين.
وأكد زيد تحول نجاح الطلبة أو الرسوب في امتحان التوجيهي إلى مرآة دقيقة لإظهار مدى ارتباط الدولة والمجتمع بحق التعليم.
وقال زيد: "من نال معدلات عالية يستحق التهليل، ولكن أولئك الذين لم يُسمح لهم بدخول القاعة أصلاً – بسبب السياسة أو التعبئة أو الحصار – يستحقون الشهادة ذاتها بل أكثر، لأنهم يعيشون (امتحان الوجود بكل حواسه)".
ولذلك انتقد زيد أي نظام يختزل سنوات التعليم في ورقة، أو يعلّق النجاح على رقم يُعلق على الجدران دون قلب ينبض أو ذاكرة تحافظ على حلم.
وقال زيد: "لقد بُذلت مبادرات لتعزيز امتحان الثانوية بالفيديو الرقمي أو تقييمات نظامية، لكن الجوهر ظل عالقاً في بنية امتحانية متهالكة".
المطلوب –من وجهة نظر زيد– أن يعاد تشكيل امتحان الثانوية العامة ضمن رؤية تربوية فلسطينية، تنتمي لأرض فلسطين وليس لموروث تقييمي بيروقراطي، نظام يقيس المعرفة ويرعى الكرامة ويرفع مستوى الكينونة، وليس مجرد رصيد في دفتر رسمي يُحصى ويُحتفل به مرة في السنة.
ودعا زيد إلى عقد تربوي جديد قائم على المشاركة والمسؤولية التشاركية، يعيد الاعتبار للعدالة المكانية والنفسية، ويؤمن أن حق النجاح هو حق وطني لا امتياز فردي، وأن الامتحان ينبغي أن يكون مفتاحاً لمستقبل، وليس باباً يُغلق أمام الأمل.
وقال زيد: "لا يُبنى وطنٌ من دون تعليم، ولا تُصان كرامة من دون وعي، ولا يُصاغ الغد إلا بتربويين يملكون شجاعة أن يقولوا: حان الوقت لنُبدّل سؤال الامتحان، ونصوغ سؤال الوطن".
بهذا التحول، وفق زيد، يصبح التعليم جبهة المعنى الأخيرة في وطن يحاصَر فيه الحلم ويُقصف فيه الكتاب، بينما يظل القلم الفلسطيني موصولاً بالذاكرة والحياة، إلى أن تُفلح رؤية تربوية وطنية بإعادة تعريف النجاح كحق جماعي لا عمل فردي مقتصر على درجات.
إنجاز وطني وتربوي بامتياز
أكد الخبير التربوي ومدير مدرسة ذكور الشهيد ماجد أبو شرار الثانوية في مدينة دورا بمحافظة الخليل، خالد الشحاتيت، أن نتائج امتحانات الثانوية العامة "التوجيهي" لهذا العام تشكل إنجازاً وطنياً وتربوياً بامتياز، تحقق في ظل ظروف قاسية وغير مسبوقة، وعلى رأسها حرب الإبادة في قطاع غزة، والحرب الشاملة على مختلف المدن والبلدات والمخيمات الفلسطينية، إلى جانب الوضع الإقليمي المتوتر.
وقال الشحاتيت: "نعيش في أجواء حرب مستمرة، اجتياحات يومية للمدن والمخيمات في شمال الضفة الغربية، عربات عسكرية إسرائيلية تقتحم بشكل متكرر ويومي، والبيئة العامة كانت قمعية ومليئة بالتخويف والترويع، هذا كله جعل من إجراء الامتحانات وإنجازها إنجازاً يُحسب لكل من ساهم فيه، وفي المقدمة الطلبة ووزارة التربية والتعليم، والمدارس وإداراتها، والأهالي الذين تحملوا الضغط، والمعلمين الذين ثبتوا في مواقعهم، ومراكز التصحيح التي أنجزت مهامها رغم الصعوبات".
وأكد الشحاتيت أن طلبة الثانوية العامة خاضوا الامتحانات وسط "الحرب المعلنة وغير المعلنة" على المجتمع الفلسطيني، بدءاً من العدوان على غزة، مروراً بالتصعيد في الضفة الغربية، وصولاً إلى الظروف النفسية الصعبة التي عايشها الطلبة.
واعتبر الشحاتيت أن ما تحقق "إنجاز استثنائي بكل المقاييس، ويجب أن يُرفع له القبعة".
وفيما يتعلق بإعلان النتائج، أكد الشحاتيت أن اللحظات الأخيرة من الترقب التي يعيشها الطلبة وذووهم كانت مرتبكة ومشحونة.
وقال الشحاتيت: "أتمنى ألا نعيش هذه اللحظات من الإرباك في المستقبل. لا يجوز أن يتم الإعلان عن النتائج في اللحظات الأخيرة بهذه الطريقة، نأمل أن تُدار العملية بشكل أكثر احترافية في السنوات المقبلة".
وأكد الشحاتيت أنه لو كان وزيراً للتربية والتعليم، لكان أصرّ على أن تُعلن النتائج من داخل المدرسة، لا عبر رسالة إلى الهواتف النقالة، موضحاً أن هذا الشكل من الإعلان يجب أن يراعي البعد الأخلاقي والتربوي، حيث يجب احترام المدرسة التي درّست الطالب 12 سنة، وأن يكون الإعلان من داخلها بحضور الهيئة التدريسية.
ضرورة تطوير مراكز التصحيح
وفي حديثه عن العدالة في التصحيح، أشار الشحاتيت إلى ضرورة تطوير مراكز التصحيح وضمان تحقيق العدالة بين الطلبة، قائلاً: "رغم وجود اتفاق على بعض البنود العريضة في التصحيح، إلا أن هناك تفاوتاً كبيراً بين مراكز التصحيح، وهذا أمر يجب أن يُعالج بشكل عاجل لضمان مبدأ تكافؤ الفرص".
وتوقف الشحاتيت عند السياق الزمني الذي مر به هذا الجيل من الطلبة، قائلاً: "هذا الجيل عاش أصعب خمس سنوات تعليمية، بدأت من جائحة كورونا، مروراً بالإضرابات، وانتهاءً بالحروب والاقتحامات، وهذا الجيل من أكثر الأجيال التي عاشت ظروفاً تعليمية مضطربة، ورغم ذلك اجتاز التحديات ونجح في عبور هذه المرحلة المهمة".
وشكر الشحاتيت كل من ساهم في هذا الإنجاز الوطني بإتمام امتحانات الثانوية العامة، قائلاً: "لا بد من توجيه التحية والتقدير للوزارة ودوائرها، والمديريات، والأقسام، والمعلمين، والمدارس، وكل من عمل على تحقيق هذا النجاح، كما لا ننسى الإعلام الفلسطيني الذي تابع الامتحانات لحظة بلحظة، وخاصة جريدة القدس التي رافقت الطلبة منذ اليوم الأول وحتى إعلان النتائج".
هذا الإنجاز، بحسب الشحاتيت، لا يخص جهة واحدة، بل هو تعبير جماعي عن صمود المجتمع الفلسطيني وإصراره على التقدم رغم الألم، وعلى التمسك بالتعليم كأداة مقاومة وكرامة.
أسف بالغ لغياب أسماء طلبة غزة عن المراتب الأولى
يؤكد الخبير التربوي ومدير مركز "يوسمارت" للتدريب التربوي، جودت صيصان، أن نتائج الثانوية العامة لهذا العام لا يمكن قراءتها فقط بالأرقام، بل يجب فهمها كملحمة وطنية وتربوية بكل المقاييس، نظراً للظروف الاستثنائية القاسية التي مر بها الطلبة، وخاصة في قطاع غزة.
وفي تعليقه على قائمة أوائل الطلبة، أعرب صيصان عن بالغ أسفه لغياب أسماء طلبة غزة عن المراتب الأولى، وهو ما اعتبره نتيجة طبيعية للظروف الصعبة التي يعيشها القطاع. وقال صيصان: "افتقدنا هذا العام طلبة غزة الذين كانوا دائماً في القمة، لكن ما قدموه يفوق كل إنجاز أكاديمي، إنهم قدموا أعظم شهادة في تاريخ التربية الفلسطينية: شهادة الصبر والكرامة والحق والحرية".
وأكد صيصان أن هؤلاء الطلبة لم يُحرموا من أداء الامتحانات فقط، بل فقدوا منازلهم ومدارسهم ومستقبلهم وحتى نومهم الآمن، ومع ذلك لا يزال الأمل قائماً بأن تعود غزة لتبني مدارسها من بين الركام، وتكتب شهادة شرف على جبين التاريخ.
وأوضح صيصان أن هذا العام الدراسي لا يُقاس بالنتائج فحسب، بل يُعد ملحمة من التحدي والصمود، حيث واجه النظام التعليمي استهدافاً ممنهجاً في غزة، أدى إلى تدمير عشرات المدارس واستشهاد الآلاف من الطلبة ومئات المعلمين، ورغم كل ذلك، واصل الطلبة والمعلمون التعليم بإصرار، حتى أن بعض الامتحانات أُجريت في قاعات داخل المستشفيات، وبعضها أُجري لطلبة كانوا رهن الاعتقال.
التعليم كفعل مقاومة وصمود
وأشار صيصان إلى أن هذا يعكس فلسفة تربوية فلسطينية عميقة، تُجسد التعليم كفعل مقاومة وصمود، وتُؤكد أن الاستثمار في الإنسان الفلسطيني لا يمكن أن يُقيّد بالجغرافيا أو تُوقفه الحرب.
وأشار صيصان إلى أن من بين 52 ألف طالب وطالبة تقدموا لامتحانات الثانوية العامة، كان هناك نحو 2000 طالب خارج الوطن، معظمهم من غزة، لكنهم أصروا على خوض الامتحانات ضمن النظام التعليمي الفلسطيني.
واعتبر صيصان أن هذه المشاركة تؤكد حرص الأسرة الفلسطينية على الارتباط بالتعليم الوطني أينما تواجد أبناؤها، مشيراً إلى أن تجربة التعليم الإلكتروني التي تم اللجوء إليها هذا العام تمثل "نجاحاً نوعياً" يمكن البناء عليه مستقبلاً، وخاصة في ظل التوجه العالمي نحو الرقمنة في العملية التعليمية.
ولفت صيصان إلى ملاحظة مهمة تتعلق بتركيبة قائمة الأوائل لهذا العام، حيث سجلت نسبة مرتفعة جداً للفتيات، وهو ما يعزز قضايا تمكين المرأة ويؤكد حضورها القيادي في الحقل العلمي والتنموي.
لكن صيصان في الوقت ذاته، حذر من الفجوة المتزايدة بين أداء الذكور والإناث في امتحانات الثانوية العامة، مشيراً إلى تراجع مستمر في معدلات الذكور المرتفعة، وهو ما وصفه بالمؤشر "المقلق" الذي قد تكون له تبعات تربوية واجتماعية واقتصادية خطيرة إذا لم يتم معالجته بجدية.
وأكد صيصان ضرورة الوقوف أمام هذه الفجوة بوعي ومسؤولية، وهي تحتاج إلى دراسة معمقة واستراتيجيات تدخل عاجلة للحفاظ على التوازن التعليمي والمجتمعي.
النتائج مُرضية وضمن المعدلات الحسابية الطبيعية
أكد الخبير التربوي يوسف أبو راس أن نتائج امتحانات الثانوية العامة للعام الحالي التي أعلنت أمس الأربعاء، كانت مرضية وجاءت ضمن المعدلات الحسابية الطبيعية مقارنة بالسنوات السابقة، رغم الظروف الاستثنائية القاسية التي عانى منها الطلبة والقطاع التربوي ككل، على خلفية الأوضاع الأمنية والمعيشية المتدهورة في الأراضي الفلسطينية.
وأشار أبو راس إلى أن القراءة الأولية لنتائج الطلبة في عدد من المناطق، خصوصاً شمال الضفة الغربية، تُظهر أن الطلبة تمكنوا من تجاوز التحديات التي فرضتها الحرب الشاملة على قطاع غزة، والاجتياحات المتكررة لمخيمات ومدن وبلدات الضفة الغربية، وما رافقها من تهجير وقصف طال المخيمات والبيوت والمدارس، موضحاً أن هذا الإنجاز يحسب للطلبة والأهالي والطواقم التعليمية رغم كل الضغوط.
ودعا أبو راس وزارة التربية والتعليم إلى إعادة النظر في آلية التقييم المعتمدة لامتحان التوجيهي، مشدداً على أهمية احتساب العلامات المدرسية في الصفوف العاشر والحادي عشر والثاني عشر ضمن العلامة النهائية.
واعتبر أبو راس أن هذه الخطوة من شأنها أن تُعزز من اهتمام الطلبة بمراحل التعليم المدرسي المختلفة، وتُخفف من الضغط النفسي والتوتر الكبير الذي يرافق امتحانات الثانوية العامة كل عام، سواء على الطلبة أو أولياء أمورهم.
وأوصى أبو راس واضعي أسئلة الامتحانات بأن يُراعوا مستوى الطلبة المتوسطين عند إعداد الأسئلة، مع تخصيص نحو 10 إلى 15% فقط من العلامة النهائية لتمييز الطلبة المتفوقين، مؤكداً أن ذلك يحقق العدالة التربوية ويُراعي الفروقات الفردية بين الطلبة.
وتمنى أبو راس للطلبة بالتوفيق في اختيار تخصصاتهم الجامعية بما يتناسب مع ميولهم وقدراتهم، مؤكداً أهمية التوجيه المهني الصحيح في بناء مستقبل أكاديمي ومهني ناجح.
Powered by Froala Editor





Share your opinion
نتائج "التوجيهي".. فرحة مكتومة على وقع الإبادة الـمستعرة