أمين الحاج
عندما قال الإمام الشافعي "تموت الأُسدُ في الغابات جوعاً"، ظن كثيرون أنه ترف قول لا يمت للواقع بصلة، لكن غزة اليوم، بأسودها الجائعة وأطفالها ونسائها تعيد صياغة النص من دم ووجع، حيث الضحايا هم أصحاب الحق، بينما تأكل.. من حولهم، وتتفرج على موتهم.
في هذه الأيام العصيبة، تعود غزة الى صدارة الوجع الانساني، أهوال المجاعة تتصدر نشرات الأخبار، صور الأطفال هياكل تتناقلها الشاشات والمنصات، ومشاهد البحث عن رغيف الخبز او جرعة ماء اصبحت العنوان الأبرز، وامام هذا الواقع، تتعالى الأصوات السياسية، وتتوالى التصريحات الدبلوماسية، وكأن أزمة الجوع ستحل بكلمات او قرارات على الورق.
ففي حين تتوالى التقارير عن تصاعد المجاعة، يصر العالم، او لنقل المنظومة الدولية، على اختزال الكارثة في مربع "الأزمة الإنسانية"، لكن الحقيقة تتجاوز ذلك بكثير؛ فنحن امام ازمة الانسانية كلها، بكل ما تحمله من دلالات على الانهيار الأخلاقي للنظام العالمي، وعجزه عن مواجهة مأساة هي الأبشع في التاريخ الحديث.
فما يجري اليوم ليس مجرد نقص في الإمدادات، او فشل في ادارة المساعدات، بل سياسة تجويع متعمدة، يستخدم فيها الاحتلال الحصار والاغلاق والقصف الممنهج، ضمن سياسة عقاب جماعي تهدف الى كسر إرادة السكان ودفعهم للاستسلام او النزوح القسري. سابقاً راينا كيف ان عشرات التقارير كشفت عن استهداف مخازن المساعدات، واتلافها عند المعابر، وتعطيل شبكات الاغاثة، ومنع دخول الغذاء والدواء، كل ذلك يحدث وسط صمت دولي مخجل، واكتفاء غالبية الحكومات ببيانات ادانة باهتة، او وعود فارغة، فكل قصف لمخزن طحين، او منع لقافلة مساعدات، وكل صاروخ أصاب بئراً أو مشفى أو مخبز، هو جريمة متعمدة وموثقة، ومسجلة باسم جيش الاحتلال، تحدث أمام عيون العالم.
ان أخطر ما في مشهد المجاعة في غزة ليس عدد ضحاياها ولا حجم المأساة فقط، بل في انه يكشف عن عجز المنظومة الدولية عن حماية القيم الانسانية التي قامت عليها، فلم تعد المواثيق الدولية ولا القانون الانساني اكثر من شعارات امام التجويع، وسط عجز المؤسسات الاممية، وانشغال الدول الكبرى بحسابات الربح والخسارة في سوق السياسة.
وعلى الجانب الآخر، مشهد حزين في الضفة الغربية، بينما يموت أطفال غزة جوعاً، ينشغل جزء من الفلسطينيين بقضية هامشية، على أهميتها في الوضع الطبيعي، الإيداع النقدي في البنوك، او منافع اقتصادية آنية، بينما يسرح المستوطنون ويمرحون دون رادع او حسيب، وكأن الأرض ليست لنا، والكرامة ليست لنا، والجوع يصيب شعبا من كوكب اخر.
رسميا، الفلسطينيون منتشون بنية الاعتراف الفرنسي بدولة فلسطين، لكن ماذا يعني أن تعترف فرنسا بدولة لا وجود لها الا في كلمات السياسيين وخطابات الدبلوماسيين، شعبها يقتل كل يوم بلا حماية ولا سيادة ولا غذاء؟! ماذا يعني أن تعترف بفلسطين اكثر من مئة واربعين دولة اذا كان رجل واحد في البيت الأبيض قادر على ان يوقف العالم على قدم واحدة، بينما يبقى الفلسطينيون وحدهم يواجهون مصيرهم المجهول؟
الاعتراف بالدولة، مهما حمل من رمزية واهمية سياسية وقانونية، يبقى خطوة غير مكتملة ما لم يحقق الحماية، ويرفع الحصار، ويمنح الفلسطينيين حقوقهم الكاملة، وفي مقدمتها العيش بحرية وكرامة وامان، اما الاكتفاء بالخطابات او الانجازات الرمزية، يعني بقاء السلطة في دائرة الانتظار، حيث الدولة حلم مؤجل او مستحيل، والمعاناة يومية متجددة.
ويبقى السؤال؛ الى ان تقام الدولة التي تعترف بها باريس والعواصم الاخرى، هل سيبقى لشعبها وجود على ارضه؟ ام ان الدولة ستعلن يوما، بينما يحاصر أبناؤها بالجوع والألم؟
ما احوج العالم اليوم الى ان يعيد الاعتبار للإنسان، لا للحدود او الخرائط فقط، وما أحوج الفلسطيني الى ان تبقى ارادة الحياة اقوى من كل التحديات، فغزة اليوم ليست مجرد مساحة محاصرة، بل مشروع موت بطيء يدار بدم بارد، وعلى العالم أن يختار بين الانحياز للإنسان أو الاستمرار في مقاولة الجريمة.
Powered by Froala Editor





Share your opinion
غزة.. مقاولة الموت البطيء!