Tue 22 Jul 2025 9:39 am - Jerusalem Time

يا عمر..!

أمين الحاج

في تاريخ المسلمين، تظل صورة الحاكم العادل الذي يرتجف قلبه خشية جوع طير على قمة جبل، كرمز للمروءة والرحمة والمسؤولية الأخلاقية، كان "عمر بن عبد العزيز" يخشى أن تسأله الجبال عن طائر مات جوعاً، فيخجل من ربه وأمته، أما اليوم فقد انقلبت الموازين، وأصبح جوع شعب كامل لا يحرك الحكام، ولا يوقظ نخوة جيش مدجج بالعتاد والسلاح، لكنه يفتقر الى الإرادة.

 

يا عمر العادل، يا من كنت تخشى ان يقال جاع طير في بلادك، أترى اليوم فعل "أحفادك"؟ هل بلغك، فيما بلغ، ان شعبا يحاصر حتى الموت، واطفالا تذوب اجسادهم جوعا وعطشا، ونساء يودِّعن اكبادهن في المقابر، فرادى وجماعات؟ يا عمر، في غزة، لم يجع فقط الطير، بل البشر والشجر، واغلقت الامة قلبها وسمعها والبصر. 

غزة اليوم ليست مجرد جغرافيا او ازمة عابرة، غزة يا عمر كانت الكاشفة، فضحتنا جميعا، كشف الجوع زيف شعاراتنا، واسقط ورقة التوت عن عوراتنا، انظمة تجلس على بحار من الخيرات، تسلم اهل غزة للجوع والممات، تحوّل الحاكم الى تاجر، والمواطن الى رقم، والطفل الى صورة، والعار يتسع ويتسع، ليغرق الجميع في مستنقع لا قرار له.

اي لعنة هذه التي أصابت أوطاننا؟ غزة تُدفن تحت الركام، أطفالها يحفرون بأظافرهم بحثا عن فتات، وشيوخها يموتون صبرا وصمتا، او جوعا وكمدا، وانظمة تتذرع بالعجز، تنام على فراش الذل، واحزاب تتاجر بآلام الشعوب، وتزايد في الخطابات، ورجال مال لم يصلهم انين الامعاء الخاوية، ولا صرخات الحرائر. 

اي معنى للسيادة حين يتحول الحاكم الى شاهد على جريمة تجويع ابناء شعبه او امته؟ اي قيمة لاي سلطة لا تقوى على مواجهة حصار يفتك  بالناس؟ اليس من العار ان تخضع الحدود لإرادة الخارج، وتتحول السيادة الى شعار يُداس بأقدام المصالح؟ واي معنى للجيوش اذا كان صليل السيوف لا يُسمع الا في وجه شعوبها او لحماية نظام؟ الجيوش التي لطالما تغنت بحماية الوطن، صارت اليوم رمزا للخذلان، شاهدة على استباحة الارض، عاجزة  يوم تستنصرها الامة لاغاثة شعب يموت جوعا وقهرا.

 يا عمر، في زمانك كان الحاكم يرتجف خوفا من نواح طائر، اما اليوم، فلا يرتجف امام الف الف جثة، والف الف صرخة، وجوع يقطع الاوصال، وذل يغرس انيابه في الارواح، فكيف نصمت وامتنا تملك ما يكفي لإطعام الارض قاطبة، ثم لا تجد غزة لقمة تسد جوع كرامها وصغارها؟ 

كل مشهد في غزة اليوم سؤال مفتوح لحكام الامة؛ هل تملكون الشجاعة لتحرير ارادتكم من قيود الخارج ولو ليوم واحد؟ ولجيوشها؛ في وجه من تُرفع البنادق، لايّ معركة تتجهزون، واي عدو ترقبون؟ فتجويع غزة فضح الجميع؛ فلم تعد كلمات التبرير تسمن من جوع، ولا بيانات الشجب تغطي عورات العجز والركوع، الشعوب تدرك، والتاريخ يسجل، ولن يغفر لاحد هذا الصمت والخضوع.

اليوم، من واجب كل حاكم ان يثبت مسؤوليته امام شعبه وامته، ومن واجب الجيوش التي تتفاخر بقوتها، ان تحمي الانسان قبل الاوطان، والكرامة قبل المصالح، فغزة اليوم تحاكم الجميع، فبين عاجز عن فعل شيء ، وصامت على الجريمة، يبقى الجوع وصمة عار لا يمحوها الا فعل شجاع يعيد للإنسان قيمته، وللوطن هيبته، وللتاريخ كرامته، ولعمر حلمه الذي لم يتحقق، وامنيته التي باتت أمانة في أعناقنا جميعاً

Tags

Share your opinion

يا عمر..!

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.