تتسارع التطورات التقنية والرقمية، وتتسلل معها قيم مستحدثة إلى عمق التجربة الانسانية، لتؤسس لتبدلات عميقة في المشاعر والسلوك والهوية، وتعيد تشكيل المعنى الإنساني بصمت رقمي كثيف.
فيما يلي ثلاث خواطر تتقاطع فيها التكنولوجيا الرقمية مع المجال المؤسسي (التعليم)، والمجال النفسي/الاجتماعي (الهوية)، والمجال الوجداني (الفرح).
التعليم؛ نحو تقارب العلامات وتفاوت المهارات
أحد أوجه التغيير الذي بات يؤثر من خلاله الذكاء الاصطناعي على التعليم يتمثل في إعادة تشكيل العلاقة بين العملية التعليمية من جهة وبين المدة الزمنية ودرجة التحصيل العلمي من جهة أخرى.
في التعليم التقليدي المراحل الزمنية ثابتة (مدة المحاضرة، مدة المساق، مدة الامتحان، مدة العام الدراسي، وغيره) بينما درجة التحصيل متغيرة (العلامات تتفاوت بين الطلبة)، ولكن مع التوسع المستمر للذكاء الاصطناعي في التعليم، وإمكانية تخصيص معلم افتراضي لكل طالب، يصبح الأمر أشبه بالمقلوب (العلامات متقاربة، الزمن متغير)، بما يتيح الوصول إلى درجات تحصيل متقاربة بين الطلبة من خلال إفساح المجال لكل طالب للتعلم بوتيرته الزمنية الخاصة.
هذا ما أصبح يعمل عليه نمط تعليمي جديد لا يزال في مراحله المبكرة، حيث لا يُسمح للطالب بالانتقال من مستوى معين إلى مستوى أعلى قبل التغلب على الثغرات التعليمية لديه من خلال أساليب قياس وتقويم يحددها الذكاء الاصطناعي. يأتي هذا بالتزامن مع تكريس أوقات أطول لتنمية مهارات التواصل والتفكير الابداعي والابتكار والتحليل. هنا يصبح دور المعلم التقليدي أشبه بالميسر والمرشد، وهذا يفرض بشكل متزايد واقعاً يخفت معه بريق العلامات الرقمية وتصبح معه المهارات والكفاءات هي الأساس الأهم للمقارنة والمفاضلة. في هذا الزحام، يبرز تحدي موضعة المهارات الاجتماعية والانسانية والمعيارية ضمن العملية التعليمية.
التراكبية؛ من الفيزياء إلى الواقع الاجتماعي والنفسي.
أحد المفاهيم التي يواجه العديد من الطلبة صعوبة في فهمها بشكل بديهي هو مفهوم التراكبية (Superposition) . هذه الكلمة تستخدم للتعبير عن حالة معقدة يكون فيها نظام فيزيائي ما في أكثر من حالة في الوقت نفسه، بحيث تكون الحالة الكلية هي مجموع الحالات الفردية؛ على سبيل المثال، يمكن للإلكترون أن يوجد في عدة حالات كمومية (في أكثر من مكان مثلاً) في آنٍ واحد، إلى حين أن يتم رصده.
مع التطورات المتتالية في التكنولوجيا الرقمية ووسائل التواصل، يمكن أن ينسحب مفهوم التراكبية على الفرد البشري بشكل مجازي. قد يتسنى القول مثلاً أن وسائل التواصل خلقت حالة هوياتية تراكبية في الواقع الاجتماعي والنفسي؛ حيث بات شائعاً، وبشكل يتحدى السيطرة بشكل متنامٍ، أن يعيش الفرد في أكثر من هوية أو دور في الوقت نفسه، متنقلاً بين شخصيات وأدوار متعددة عبر المنصات المتنوعة، يطلق النكات على تلك المنصة، ويناقش مواضيع جدية على أخرى، ويلعب ألعاباً بسيطة على ثالثة . الفرد ذاته متواجد ذهنياً في أماكن وأحداث متباعدة رغم وجوده الجسدي في مكان واحد.
وبالنظر إلى التوسع الهائل في تدفق المعلومات، ومع التضارب وحتى التضاد فيما بينها أحياناً متعددة، يصبح الفرد في حالة فكرية ونفسية وعاطفية غير متماسكة؛ اليقين يختلط بالشك، والتركيز يعتريه التشتت، والفرح يلازمه الحزن، والحضور يخالطه الغياب. هذه التراكبية المجازية تضحي سمة لواقع يفتقد بشكل متزايد عفويته وانسيابه الطبيعي لصالح واقع غير محسوم، يتصاعد تعقيده وهندسته ومتوالية إعادة تشكيله بقوة دافعة غير مرئية، تخلط حابل الوعي بنابله، وترفع من إلحاحية ووجاهة السؤال: إلى أين ..؟!
التكنولوجيا، ومعايرة طبقات الفرح
قضيت نصف النهار في الذهاب إلى مكتبة جامعة أخرى من أجل الحصول على نسخة من مقالة علمية صدرت في إحدى الدوريات التي لا تشترك فيها الجامعة التي أدرس فيها، وبعد العودة وقراءة المقالة بشكل متأن اكتشفت أن تلك المقالة لا ترتقي للتوقعات، وبالتالي يجب البحث مجدداً عن مصدر مناسب!
هذه كانت تجربة معتادة من طرف أجيال من الطلبة في عقود سابقة عند السعي لعمل مراجعة أدبيات أو كتابة واجب بحثي في موضوع ما. تقدمت التكنولوجيا الرقمية فأصبحت المقالات العلمية تتاح الكترونياً، وازداد تقدم التكنولوجيا فأصبح الذكاء الاصطناعي يعثر على المعلومات ويصوغ مراجعة الأدبيات أو الواجب البحثي في غمضة عين .
كان للفرح طبقات؛ فرحة عند الوصول للمعلومة المطلوبة، وفرحة عند الانتهاء من الواجب المطلوب، وفرحة عند الحصول على تقييم مرتفع. الفرح لا يحابي الروتين؛ مع تطور التكنولوجيا ثمة وصول أسهل وفرح أقل.
في المحصلة حسنت التكنولوجيا الوسائل ولكنها أربكت المعايير؛ أتت على طبقتي الفرح الأولى والثانية، ورفعت من متطلبات الطبقة الثالثة؛ أصبح استحقاق الفرح ليس باليسير، وإلا كان الفرح من ذلك النوع الذي حذر محمود درويش من خيانته، كونها قاسية.
في الختام، في خضم التحولات الرقمية المتسارعة التي باتت تؤثر في مساحات ومستويات متعددة من التجربة البشرية، ما أحوج الانسان إلى التفكر في الأدوات والمآلات، وبلورة وعي نقدي لا ينخدع ببريق التقنية على حساب جوهر الوجود الانساني. فالحاجة تتسارع بإلحاح إلى المحافظة على دفء التجربة، وتماسك الهوية، وصدق الفرح في زمن يُحشر فيه المعنى في مربعات الحوسبة وأقنعة المخاتلة.





Share your opinion
تبدلات بشرية في زمن رقمي.. خواطر في التعليم والهوية والفرح