كانت ليلة 15 تموز / يوليو 2016 منعطفا حاسما ليس على صعيد تركيا فحسب بل وفي تاريخ الديموقراطية العالمية كذلك. فقد كشفت ما عرفته تلك الليلة من أحداث مروعة حجم ما قد تتعرض له الديموقراطية من تهديدات دموية ووحشية بالغة الخطورة. وقد أظهر الشعب التركي خلال تصديه للانقلابيين مجددا؛ مدى عمق إيمانه بالديموقراطية؛ ومدى صلابته وشجاعته وثباته وأعلن للعالم بأسره أن الإرادة الشعبية في هذه البلاد لن تنكسر ابدأ ولن ترضخ لأي طغيان أيا كان. وقد برهن شعبنا من خلال استجابته الرائعة للنداء الذي وجهه فخامة رئيس الجمهورية السيد رجب أردوغان على تلاحمه ووحدة صفه متجاوزا كل الاختلافات السياسية والفوارق الفكرية وهب مدافعا عن الديموقراطية والحرية والوطن مقدما للعام نموذجا فريدا في الوحدة والصمود.
لقد كانت الغاية الخبيثة لهذا الاعتداء الغادر؛ المدبر من قبل منظمة "فتو" الإرهابية لفتح الله غولن والذي تم تنفيذه باستهداف مؤسسات الدولة الرئيسية بشكل متزامن في العديد من المدن التركية؛ هو بث الفوضى العارمة في تركيا وتهديد استقرارها، غير أن شعبنا بتلاحمه ووحدة صفه قام سداً منيعاً وتمكن من دحر الانقلابيين وإفشال هذه المحاولة الدنيئة. وقد بادر الشعب التركي العظيم الى القيام بتلك الهبة النضالية المجيدة انطلاقا واستجابة للواجب الوطني المقدس وحماية للمكتسبات الديمقراطية وللإرادة الشعبية وضمان استقلال الوطن. وقد قدمنا تضحيات جسام حيث سقط في أثناء ذلك 252 شهيدا وأصيب ألفان و 740 من أبطالنا الكرام، وسنذكر مدى الأيام هذه التضحيات العظيمة والبطولية التي قدمها شعبنا العظيم، وسيظل هذا النصر الذي تحقق بفضل دماء شهدائنا الزكية وسام شرف ومصدر اعتزاز تتناقله الأجيال القادمة جيلا بعد جيل.
وبعد هذه المحاولة الانقلابية الفاشلة، واصلت تركيا جهودها بكل عزم وإصرار لإعادة ترسيخ النظام العام وجعله أقوى مما كان عليه قبلها، ودون أن تحيد قيد أنملة عن مبدأ سيادة القانون، فباشرت بإجراءات قضائية ضد من أرادوا النيل من مستقبل البلاد والأضرار بمقدراتها، معززةً بذلك ديمقراطيتها. وهنا من الواجب أن نؤكد بكل وضوح أن التهديدات الموجهة للديمقراطية لم تعد قضية تخص بلداً بعينه، بل تعدت ذلك لتصبح قضية مشتركة على الصعيد العالمي. وبالتالي فان التحدي الحقيقي إنما يكمن في القدرة على الوقوف صفاً واحداً وبحزم وصرامة في وجه كل هذه التهديدات.
ومن المعروف أن وفاة فتح الله غولن زعيم تنظيم فتو الإرهابي قد أسهمت في تسريع تفككه، وأسرعت من وتيرة انهياره الوشيك. لكن بالرغم من كل ذلك، لا نزال نرى بعض القوى الأجنبية تقدم له أشكالا من الدعم العلني أو الخفي، وهو ما يستدعي تكثيف الضغط الدولي. ولا يفوتنا في هذه المناسبة أن نوجه رسالة تذكير إلى الدول التي تدعم أو تؤوي أو تتعاطف مع الجماعات الإرهابية: إن تركيا ليست تلك الدولة التي يمكن بسهولة رسم مسارها باستغلال أدوات أو دُمى إرهابية. واننا لن تتغاضى أبدا عن أي تهديد يستهدف ديمقراطيتها ووحدتها الوطنية؛ بل ليكن واضحاً للجميع؛ إن كفاحنا ضد الإرهاب سيستمر بعزم لا يلين، سواء في الميدان أو عبر السُبل الدبلوماسية.
وبينما تواصل دولتنا، بقيادة فخامة رئيس الجمهورية، محاربة الإرهاب في الداخل والخارج دون إن تحيد ولو لبرهة عن هذا الهدف، فإننا في دائرة الاتصال، نواكب بشكل متواصل تلك الجهود وعلى المستويين الوطني والدولي من خلال توثيق وسرد أمجاد تلك الملحمة التي كتبها شعبنا في ليلة 15 يوليو/تموز وكشف الوجه المظلم "فتو الإرهابي"، وفضح جرائمه وأنشطته التخريبية.
باختصار، فإن إفشال محاولة الانقلاب الدموية في 15 يوليو/تموز يمثل تحدياً كبيراً لشعبنا في مواجهة نظام الاستكبار والإرهاب العالمي. واليوم، تدافع تركيا عن العدالة العالمية كما تدافع عن ديمقراطيتها. ويتعزز هذا النضال بإرادة شعبنا والقيادة القوية لرئيس جمهوريتنا. ويدرك العالم الآن جيداً أن لتركيا كلمتها المسموعة في القضايا الإقليمية والعالمية، ميدانياً وسياسياً. ويعد بلدنا طرفا فاعلا قويا يدافع عن السلام والاستقرار ليس فقط من أجله، بل من أجل المنطقة والعالم أيضاً. ويعتبر دور تركيا الوسيط في حل النزاعات والأزمات الدولية مصدر أمل حقيقي للشعوب المضطهدة التي تواجه مختلف التحديات.
لا ينبغي أن ننسى أن الديمقراطية ليست قيمة عائدة إلى بلد ما، بل هي قيمة مشتركة للإنسانية. إن روح 15 يوليو/تموز دليلٌ يُنير درب المستقبل ويُؤكد مجدداً التزامنا بالديمقراطية. إن ذكرى شهدائنا الذين ضحوا بأرواحهم من أجل الديمقراطية تُعدّ من أقوى مصادر الإلهام لالتزام تركيا بالقيم الديمقراطية اليوم. ستواصل تركيا اليوم حماية ديمقراطيتها وحريتها واستقلالها، كما فعلت بالأمس. ولهذا السبب تعد " تركيا اسماً للنصر".





Share your opinion
الرسالة العالمية لملحمة 15 تموز