Thu 03 Jul 2025 9:45 am - Jerusalem Time

لا عزاء للضعفاء

رفعت قسيس

في أوائل القرن الحادي والعشرين، كانت الشرائع والأعراف الدولية التي تنظم استخدام القوة تحت ضغط متزايد واختراقات وتجاوزات فعلية، خاصة من الدول الكبرى القوية. لكن الحملة والضربة العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، التي نُفذت دون تفويض من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، شكّلت قطيعة خطيرة ليس فقط مع السوابق القانونية، بل مع النظام العالمي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية نفسه. لم تكن هذه الحرب مجرد هجوم على دولة ذات سيادة وعضو في الأمم المتحدة، بل كانت هجومًا مباشرًا على مفهوم الأمن الجماعي والقانون الدولي ذاته.
منذ تأسيس الأمم المتحدة عام 1945، اعتُبر استخدام القوة العسكرية من قبل دولة ضد أخرى قانونيًا فقط في حالتين: الدفاع عن النفس بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، أو بموجب تفويض صريح من مجلس الأمن. ومن الأمثلة البارزة على تدخلات عسكرية تمّت بموافقة مجلس الأمن كانت الحرب الكورية في العام 1950 والذي تم بتفويض استخدام القوة لصد ما سمىّ بـ "العدوان" الكوري الشمالي، وحرب الخليج الأولى في العام 1991 ضمن القرار 678 الذي خوّل تحالفًا تقوده الولايات المتحدة لطرد القوات العراقية من الكويت. اما حرب الناتو في البلقان في التسعينيات، ورغم أن التدخل في كوسوفو عام 1999 لم يحظَ بتفويض رسمي، إلا أنه بُرّر من قبل العديدين باعتباره استثناءً إنسانيًا، ومع انه لا يزال مثيرًا للجدل، لكنه على الأقل أُطّر في سياق جماعي. أما الحرب على ليبيا في العام 2011 فجاءت ضمن القرار 1973 الذي فوض "جميع الإجراءات اللازمة" لحماية المدنيين، ما أدى إلى الحرب المدمرة بقيادة الناتو. ورغم تنوع الدوافع والشرعية، وتحفظاتنا الكبيرة على الهيمنة الأمريكية على هيئة الأمم فإن هذه التدخلات مرّت على الأقل عبر مجلس الأمن، حيث دارت نقاشات، وتم التصويت، وحُفظ شكل من أشكال "الشرعية" ضمن التعددية.
على النقيض من ذلك، شُنّت الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران دون أي مداولات أو نقاشات ولم يصدر أي قرار من مجلس الأمن، ولم تجرِ مشاورات متعددة الأطراف، ولم تُقدَّم حجج جدية عن الحاجة لعملية "دفاع عن النفس وشيك". بُررت الحملة بمفاهيم أيديولوجية، كتغيير النظام، او نزع السلاح النووي، او"الحرب الوقائية"، وهي أصداء لغزو العراق عام 2003، الذي كان لحظة مثيرة للجدل في تآكل الأعراف الدولية. ومع ذلك، حتى في حالة العراق، حاولت واشنطن الحصول على غطاء أممي وطرحت حججًا قانونية (رغم كون بعضها ضعيفة للغاية وبعضها مفبرك). أما في حالة إيران، فلم يُبذل حتى هذا الجهد.
طبعا وللتوضيح، لم تكن هذه المرة الأولى التي تتصرف فيها الولايات المتحدة خارج إطار الأمم المتحدة ففي العام 1983 غزت الولايات المتحدة دولة غرينادا دون موافقة الأمم المتحدة، مبررة ذلك بحماية المواطنين الأميركيين. وفي العام 1989 ومرة أخرى، تصرفت الولايات المتحدة بشكل أحادي، وغزت بنما مبررة التدخل باستعادة الديمقراطية. اما الكذبة الكبرى فكانت العراق والتي شارك بها العديد من السياسيين وعلى رأسهم مجرما الحرب؛ الأمريكي كولن بأول والبريطاني توني بلير، واللذين كذبا علنا ودون خجل عن امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل. لكن ورغم الجدل الواسع، زعمت واشنطن أن القرارات السابقة تبرر الحرب.
في جميع هذه الحالات، كانت هناك على الأقل محاولة للتفاعل الخطابي الوهمي، مع الأمم المتحدة. اما في حالة إيران، فلم تُقدَّم أي حجة قانونية جادة، او حتى محاولات للتمويه. لقد أُعلن ببساطة أن الأمر ضروري، ثم نُفّذ.
لم تقتصر الحملة العسكرية على استهداف البرنامج النووي الإيراني. بل دمرت البنية التحتية المدنية، وقصفت مؤسسات حكومية، وشلّت الخدمات الأساسية بما في ذلك المستشفيات وشبكات الكهرباء. لم تكن الحرب موجهة فقط ضد النظام السياسي، بل ضد قدرة الأمة الإيرانية على العمل والبقاء، في انتهاك صريح لمبادئ اتفاقيات جنيف. إيران، رغم كونها عضوًا في الأمم المتحدة وموقعة على معاهدات دولية، عوملت ككيان خارج عن الحماية.
كما تجاهلت الحرب الآليات الدولية المصممة لتسوية النزاعات سلميًا، مثل الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومحكمة العدل الدولية. فقد كانت إيران تخضع لتفتيش الوكالة، وكانت حتى في حوار، وصف بالجدي، مع الولايات المتحدة وكان بالإمكان حل الخلافات دبلوماسيًا. لكن كل هذه القنوات تم تجاوزها بالكامل.
من خلال تجاهل الأمم المتحدة والشرعية الدولية، أعلن ترامب ونتنياهو أن القوة، وليس القانون، هي من يحدد الشرعية. وأكّدا بذلك أن امتلاك القوة يكفي بحد ذاته كمبرر، وهو موقف ارتبط تاريخيًا بالغزو الإمبريالي، لا بالديمقراطية الليبرالية. لم تكن الحرب على إيران مجرد مقامرة جيوسياسية؛ بل كانت إشارة إلى العالم بأن النظام الدولي لم يعد يعمل كما هو مفترض. فقد تم تهميش مجلس الأمن، وتجاهل المعاهدات الدولية، واعتُبرت الرأي العام العالمي بلا أهمية او قيمة.  
وفي ذلك، لم تستهدف الولايات المتحدة وإسرائيل إيران فحسب، بل قوضتا البنية الهشة أصلًا للقانون الدولي. وقدّمتا نموذجًا جديدًا للعلاقات الدولية تحكمه القرارات الأحادية، وتقوم تحالفاته على التفوق العسكري الدائم، وتزدري الإجماع العالمي.
ستُذكر الحرب على إيران ليس فقط لما سببته من دمار، بل لما دمرته خارج حدود إيران: مصداقية القانون الدولي وهشاشة الدول الفقيرة والضعيفة وامكانيات الاستقواء عليها وحتى طحنها إذا ما شكلت عبئا ولو بسيطا على مشاريع الدول القادرة. لقد شكلت تحوّلًا حاسمًا من نظام عالمي، رغم عيوبه، كان يطمح إلى الحوكمة القانونية، إلى عقيدة خطيرة تقوم على سياسة القوة. إننا نشهد نهاية النظام القانوني لما بعد الحرب العالمية الثانية، وصعود ما يمكن تسميته بـ"عصر رعاة البقر"، حيث تتصرف الدول بدوافع ثأرية وبدون شرعية قانونية، وتُبنى التحالفات على القوة الغاشمة، وتُكتب قوانين الحرب في الميدان من قبل المنتصرين. وليس هناك للضعفاء من مخرج الا البحث عن وسائل لحماية أنفسهم، حتى لو تتطلب الامر امتلاك الأسلحة النووية او الكيماوية او البيولوجية! أي عصر هذا وأي عالم سيعيش به أبناؤنا وأحفادنا؟
ليس هذا مجرد خيانة لميثاق الأمم المتحدة، بل خيانة للأمل في أن القانون، لا العنف، يمكن أن يحكم العالم. لا مكان في عصر رعاة البقر للمعاهدات، ولا للمفاوضات، ولا للعدالة، بل فقط للرابحين الاقوياء، وللركام الذي يخلّفونه وراءهم.

Tags

Share your opinion

لا عزاء للضعفاء

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.