Mon 23 Jun 2025 9:21 am - Jerusalem Time

ترمب.. الطبع غلب التطبع!

أمين الحاج

في بداية ولايته الثانية، روّج الرئيس الأمريكي ترمب أن الولايات المتحدة ستدخل عهداً جديداً من السلام، وأن مبدأ “أمريكا أولاً” لا يعني فقط التوقف عن الحروب والقتل، بل والتفرغ لبناء الداخل الأمريكي، بعيداً عن مغامرات الخارج، في مسعى لجعل أمريكا "عظيمة" مرة أخرى، أو ما يُعرف الآن اختصاراً بـ(MAGA).

فخُيل للعالم -بل حتى لجزء من النخب الأمريكية ذاتها- أن واشنطن تبدل جلدها، دون أن تغسل يدها بعد من دماء الشعوب، أو أنها تعيد رسم سياسة خارجية مختلفة، تتزين بقناع السلام بينما تُخفي خلفه خريطة مرسومة للفوضى، أو أنها تسعى للتخلص من ارث التورط المزمن في نزاعات الشعوب، وان "الرجل القوي" في البيت الابيض عازم على كسر حلقات النفوذ التقليدي، خاصة تلك المتمثلة في اللوبيات، والشركات الأمنية والعسكرية، فضلا عن الاعلام الموجه. 

لكن سرعان ما انكشف زيف هذا الخطاب، وتبين صدق المقولة الشعبية المتوارثة: "الطبع غلب التطبع". 

فترمب الذي بدأ عهده بإشارات انعزالية، كإعادة التفاوض على الاتفاقيات التجارية، والانسحاب من بعض المؤسسات الدولية، ما لبث أن عاد إلى الحظيرة القديمة ذاتها، حيث الدولة العميقة، ومصالحها، وشبكة ارتباطاتها التي لا فكاك منها، حيث تُحرك السياسة الخارجية الأمريكية من خارج حدودها. 

وفي مقدمة هؤلاء، يبرز "المايسترو" في الشرق، الذي يقود اللحن الأمريكي في جوقة الحروب المزمنة، فما ان يُلوّح بالعصا من هناك، حتى تنطلق الأوتار في واشنطن بعزف منضبط، تتحرك معه الجيوش والدبلوماسية الأمريكية وفق "نوتة" أُعدت في تل أبيب. 

ففي ظل عهد ترمب، الأول والثاني، وما بينهما، برز بشكل فج حجم التبعية الأمريكية لتل أبيب، ليس فقط من خلال نقل السفارة إلى القدس، أو الاعتراف بالجولان كـ"أرض" إسرائيلية، بل أيضاً عبر "صفقة القرن" التي شرعنت الاحتلال، وقوضت ما تبقى من وهم "حل الدولتين"، ووقف تمويل الأونروا، واغلاق بعثة منظمة التحرير الفلسطينية، وشرعنة الاستيطان، وسلسلة من الفيتوهات الامريكية في مجلس الامن، ذلك المجلس الذي وُجد أساساً لحماية الأمن والسلم الدوليين، لا لرعاية الفوضى والقتل باسم الشرعية الدولية. 

هذا فضلاً عن رعاية موجة تطبيع غير مشروطة مع العرب، والانخراط الفعلي في اجندة حروب لا تخدم سوى تل ابيب، تحولت معها أمريكا إلى أداة طيّعة في يد مشروع استيطاني استعماري، يدفعها إلى توتير الساحات، ويورطها في صراعات تمتد من غزة إلى إيران، ومن اليمن إلى سوريا ولبنان، وكلها تصّب في مصلحة دولة الاحتلال، دون اعتبار للكلفة الأمريكية، أو القيم التي تزعم واشنطن أنها تمثلها. 

اللافت أن واشنطن، ومعها القوى الغربية الاستعمارية، لا تزال تكرر الأخطاء ذاتها، وكأنها لم تتعلم شيئا من تجاربها الماضية، فالتاريخ السياسي والعسكري الحديث يعجّ بالأمثلة على فشل استخدام القوة في كسر ارادات الشعوب، من فيتنام حيث خرج الجنود الأمريكيون اذلاء من سايغون، الى العراق الذي لم يعرف الاستقرار، وصولا الى الانسحاب المُذل من الصومال وافغانستان تحت جنح الظلام، كلها محطات تذكر بان "النصر" العسكري لا يعني الهيمنة الدائمة. 

وهنا تظهر المفارقة، كيف لدولة تدعي قيادة "العالم الحر" أن تقع مراراً وتكراراً في فخ الحروب غير المحسوبة؟ الجواب يكمن في خضوعها لإرادات ليست نابعة من مصلحة الشعب الأمريكي، بل من تحالفات تستخدم واشنطن –عن سابق رغبة- كدرع وسيف في آنٍ معاً. 

إن الشعوب التي قاومت الاحتلال عبر التاريخ لم تُهزم نهائياً، فكل "نصر" حققته قوى الاستعمار كان مؤقتاً، وكل هدوء في وجه الاستعباد مؤجل إلى حين، وثورات الشعوب، حتى إن تأخرت، فهي آتية لا محالة، وربما تكون الولايات المتحدة اليوم بصدد تكرار النمط ذاته من الفشل، مدفوعة بتحالفاتها غير الأخلاقية، لكن، وكما لفظت الشعوب، من قبل، قوى الاستعمار الإنجليزي والفرنسي والإيطالي، فإن ساعة الطرد الكبرى تقترب، ولسان حال الشعوب يقول: السيف قد يُشهَر ألف مرة، لكنه لا بد أن ينكسر... ولو مرة.

Tags

Share your opinion

ترمب.. الطبع غلب التطبع!

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.