Wed 11 Jun 2025 10:23 am - Jerusalem Time

مؤسسات التغيير التي لا تتغير!

أمين الحاج
 
تتقدم مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني، لا سيما تلك ذات التوجهات اليسارية التقدمية، الصفوف في الدعوة إلى استعادة الحياة الديمقراطية، وإنهاء حالة الجمود السياسي التي تعصف بالنظام الفلسطيني منذ سنوات، وهي في بياناتها ومؤتمراتها لا تكف عن المطالبة بإجراء الانتخابات وتجديد الشرعيات، وتتخذ لنفسها موقع المدافع الشرس عن الحقوق والقيم الديمقراطية.
لكن المراقب عن قرب لا يحتاج إلى كثير من الجهد ليرى التناقض البيّن بين الخطاب والممارسة، فالمؤسسات ذاتها، التي ترفع راية الديمقراطية، غالبا ما تتحول بنيتها الداخلية إلى نقيض ما تدعو إليه؛ إذ تدار بأسلوب مركزي فردي، تتركز فيه السلطة بيد شخص واحد، أو "زعيم" ظل في موقعه لسنوات طويلة دون تغيير او مساءلة، حتى باتت بعض هذه المؤسسات تشبه أنظمة حكم مصغرة، وأصبح تداول القيادة فيها أشبه بانقلاب، فتغيير رأس المؤسسة يعد حدثاً استثنائياً لا يقل صعوبة عن تغيير نظام سياسي متجذر.
ولا تقتصر مظاهر الانغلاق على البنية الداخلية لكل مؤسسة على حدة، بل تمتد إلى نمط تبادلي في تشكيل مجالسها القيادية العليا، بل وتعير بعض المؤسسات "كوادرها" لمجالس مؤسسات أخرى، في تبادل يبدو أحياناً أقرب إلى اتفاق غير مكتوب على توزيع النفوذ لا الكفاءات، في ما يشبه "زواج البدل المؤسسي"، فيتم تبادل المواقع القيادية كما تبادل المصالح، فرئيس هذه المؤسسة عضو في مجلس إدارة تلك، ومدير تلك مستشار دائم في هذه، وهكذا دواليك، مما يفرغ فكرة الرقابة من مضمونها، ويحول المؤسسات إلى حلقات مغلقة من المجاملات المتبادلة، وبهذه الطريقة، تدار المنظومة المؤسسية المدنية بعقلية تقاسم النفوذ لا بالشراكة التعددية، ويعاد إنتاج الجمود والمحاصصة تحت شعارات الشفافية والحكم الرشيد.
هكذا، تحولت بعض مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني إلى ما يشبه "ملكيات خاصة"، تورث فيها المناصب ضمن دائرة ضيقة، وتقصى منها الأصوات المخالفة، وتصاغ قراراتها بعيداً عن الآليات المؤسسية الواضحة، بل إن الدعوات إلى التغيير داخل هذه المؤسسات غالباً ما تقابل بخطاب يصل حد الاتهام بخيانة المبادئ أو الرجعية أو التخريب، تماماً كما تفعل الأنظمة عند انتقادها.
وما يضاعف هذا التناقض أن كثيراً منها لا يكتفي بفقدان آليات الديمقراطية داخلياً، بل يعيد إنتاج ذلك في مواقفه العامة، بما يتناقض أحياناً مع شعاراته المعلنة، وغالباً ما تستخدم هذه الازدواجية لتبرير مواقف محافظة من التغيير، أو رفض قوى شعبية صاعدة لا تنسجم مع التوجهات الإيديولوجية للنخب المسيطرة، وإن تم ذلك، فغالباً ما يتم بلغة ناعمة، تختبئ خلف شعارات "الوحدة" و"المصلحة الوطنية"، وبالتالي، فإنه يتحول - في الجوهر- إلى اصطفاف "ناعم" خلف توازنات لا تنتج تغييراً حقيقياً.
وفي هذا السياق، تظهر أزمة أعمق، أزمة النخب مقابل القواعد الشعبية، وفي حال تحركت الجماهير مدفوعة بمطلب التمثيل الحقيقي، نجد هذه المؤسسات تتراجع، أو تبرر الجمود، أو ترفع صوتها فقط في المساحات الآمنة.
فهي لا تنزل إلى الشارع، ولا تسمح للشارع بالدخول إلى دوائر قرارها، وبينما تنادي بالتعددية، فان أخشى ما تخشاه هو التعدد داخل بنيتها، وبينما تطالب باحترام الإرادة الشعبية، لا يفوتها التحذير من نتائجها، خاصة إذا لم تكن متوافقة مع تصوراتها الإيديولوجية المسبقة.
إن المطلوب اليوم ليس فقط الدفاع عن الديمقراطية، بل قبل ذلك، تجذيرها داخل مؤسسات المجتمع المدني نفسها، من خلال تجديد آليات التمثيل، والانفتاح على التعدد والاختلاف، واحترام مبدأ تداول السلطة والقيادة، ففاقد الشيء لا يعطيه، ومن لا يمارس الديمقراطية داخل مؤسسته، لن يكون مؤهلاً للدفاع عنها حين يكون الرهان أكبر، وحين يكون الوطن هو القضية.
 
.............
 
تحولت بعض مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني إلى ما يشبه "ملكيات خاصة"، تورث فيها المناصب ضمن دائرة ضيقة، وتقصى منها الأصوات المخالفة، وتصاغ قراراتها بعيداً عن الآليات المؤسسية الواضحة.

Tags

Share your opinion

مؤسسات التغيير التي لا تتغير!

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.