د. أحمد الطيبي: فيصل الحسيني كان يحظى باحترام المحافل الدبلوماسية في العالمين العربي والغربي وكان بيت الشرق محطةً للعمل الوطني في القدس
عبد القادر الحسيني: فيصل الحسيني آمن بأن الفلسطيني قادر على تحويل أي فعل ميداني أو دبلوماسي لصالحه بالعمل على كسب الرأي العام على أربع جبهات
حاتم عبد القادر: فيصل هو من حوّل بيت الشرق إلى عنوان وهوية سياسية للقدس وفلسطين، وشكل الواجهة المقدسية المتمسكة بعروبة المدينة
حجازي الرشق: فيصل الحسيني حالة لن تتكرر حباً وعطاءً للوطن والقدس خاصة فكان قائداً ميدانياً وسياسياً بارعاً واجتماعياً مخلصاً
سلوى هديب: فيصل الحسيني أسس جمعية الدراسات العربية في "بيت الشرق" وقد أصبحت مركزًا ثقافيًا وسياسيًا مهمًا للفلسطينيين في المدينة
جودت مناع: فيصل الحسيني ترك وراءه تاريخاً وطنياً مشرفاً ضحماً يتطلب التوقف عند مراحله ومراجعته بموضوعية والعمل الجاد لاستنهاض التجربة
صلاح الزحيكة: وهو يخوض مع شعبه المعركة تلو المعركة استشرف فيصل المستقبل وطالب العرب والمسلمين بشراء زمن في القدس
جهاد أبو زنيد: فيصل الحسيني كان رمزًا للوحدة والتحرير وكان بمثابة وطن كبير يحتضن الجميع
في 31 أيار/ مايو 2001 رحل فيصل الحسيني "أبو العبد" خلال زيارة قام به لدولة الكويت الشقيقة. غاب نجم القدس عن سماء مدينته التي أحب، خسرت فلسطين ابناً مخلصاً وقامة عالية، وخسر الشعب الفلسطيني، مناضلاً كبيراً ومحارباً عنيداً كرس كل حياته للدفاع عن وطنه وشعبه ومدينته وقضيته العادلة.
يعرفه الصغير والكبير في مدينته القدس، لنسبه أولاً، فهو سليل عائلة مناضلة، فوالده هو الشهيد القائد عبدالقادر الحسيني الذي روى بدمه أرض القسطل، وجده موسى كاظم الحسيني الذي شغل منصب رئيس بلدية القدس في أوائل القرن العشرين، ولفعله أيضاً فقد كان مناضلاً وصاحب فكر ورؤية سياسية وثقافية استثنائية، وقائداً سياسياً واجتماعياً تشهد له ساحات العمل الميداني وسجون الاحتلال، وكافة الميادين في مدينته المقدسة.
سياسيون وكتاب وشخصيات اعتبارية ورفاق درب الراحل الكبير فيصل الحسيني تحدثوا لـ"القدس"، قالوا
إن فيصل الحسيني حوّل بيت الشرق إلى عنوان وهوية سياسية للقدس وفلسطين، وشكل الواجهة المقدسية المتمسكة بعروبة المدينة، وقد كان يؤمن بأن الفلسطيني قادر على تحويل أي فعل ميداني أو دبلوماسي لصالحه بالعمل على كسب الرأي العام على كافة الجبهات.
وأوضحوا أن فيصل الحسيني ترك وراءه تاريخاً وطنياً مشرفاً ضحماً يتطلب التوقف عند مراحله ومراجعته بموضوعية والعمل الجاد لاستنهاض التجربة، منوهين إلى أن فيصل الحسيني كان يحظى باحترام المحافل الدبلوماسية في العالمين العربي والغربي وكان بيت الشرق محطةً للعمل الوطني في القدس.
اللقاء الأخير والتظاهرة الأخيرة
قال النائب الدكتور أحمد الطيبي رئيس الحركة العربية للتغيير: "ما زلت أذكر تلك المظاهرة الأخيرة في القدس التي شاركنا فيها معًا، وكان على رأسها فيصل الحسيني. أُطلق علينا وابل من قنابل الغاز، فتم إسعافنا في عيادة، وتحديدًا الأخ أبو العبد، الذي كان يعاني من الربو. ما زالت هذه الحادثة راسخة في الذاكرة، فهي كانت آخر مرة نلتقي به، قبل أن يغادر إلى الكويت، وهناك فارق الحياة."
وأضاف الطيبي: "ليست صدفة أن يُسمى فيصل الحسيني بـ(أمير القدس)، فقد كان ملتصقاً بكل زاوية وشارع وزقاق في هذه المدينة. كان قريباً من الناس، ملمًّا بقضاياهم وهمومهم، وكان مُحبًّا للقدس، يرفع شأنها وشأن فلسطين عاليًا في كل مكان".
وأكد الطيبي أن المرحوم فيصل كان يحظى باحترام المحافل الدبلوماسية في العالم العربي والغربي، وكان بيت الشرق محطةً للعمل الوطني في القدس، حيث أحاط أبو العبد نفسه بكوكبة من الفرسان في هذا الميدان.
وأشار إلى أن وجوده آنذاك، وغيابه اليوم، بارز وواضح، فقد ترك فراغًا كبيرًا.
واستذكر النائب الطيبي المرحوم فيصل الحسيني في مؤتمر مدريد، وقال: "أتذكر مكانته العالية، ورغبته الدائمة في التشاور وسماع الرأي. كان دائم الالتصاق بالثوابت، ومستعدًا لأن يكون ليِّنًا في الأمور الثانوية أو الشكليات، لكنه كان متمسكًا بفلسطين، وبشعبها، وبحق تقرير المصير، وإقامة الدولة، وإنهاء الاحتلال، وحق العودة. رحم الله الأخ والصديق فيصل الحسيني، أمير القدس."
أوضاع بالغة المأساوية
من جانبه، قال عبد القادر الحسيني، نجل الراحل فيصل الحسيني: "أعتقد ان لا أحد يختلف على أننا نعيش هذه الأيام أوضاعاً بالغة المأساوية وأود في هذا السياق طرح فكرتين آمن بهما فيصل الحسيني، علّنا نقيس عليهما، ونحن نبحث عن مخرج من هذه المأساة:
وأضاف: على صعيد التفكير الاستراتيجي، آمن فيصل الحسيني بأن الفلسطيني قادر على تحويل أي فعل سواء في الميدان أو على الصعيد الدبلوماسي لصالحه من خلال العمل بالتوالي على كسب الرأي العام على أربع جبهات رئيسية، ابتداء بالجبهة الفلسطينية الداخلية، ثم الانتقال إلى جبهة العمل العربي، فجبهة العمل الدولي، وانتهاء بالرأي العام الإسرائيلي.
وأضاف: هذا لا يزال مناسباً ليس فقط للعمل وإنما أيضاً لفحص وقياس الأداء الحالي والإجابة على سؤال اين أخطأنا، واستيضاح ما يمكن عمله في المستقبل.
وأوضح عبد القادر أن فيصل الحسيني كان يرى أن تسلسل العمل هذا أساسي "لأنك لن تتمكن من فرض وجودك القوي على ساحة العمل العربي مثلاً إن خضت العمل فيها وأنت منقسم على نفسك، ولن يكون بإمكانك الإقلاع والإنجاز في الساحة الدولية، ولا توظيف الرأي العام العالمي إن تعثرت في ساحة العمل العربي، وإذا فشلت في الساحات الثلاث السابقة فإنك لن تتمكن من التأثير في الرأي العام الإسرائيلي ولن يسمع صوتك هناك أحد.
نظرية تحييد القوة وصولاً إلى تحقيق توازن
وعلى صعيد موازين القوى، قال عبدالقادر: أدرك فيصل الحسيني مبكراً أن القوى الدولية لن تسمح لنا سواء كفلسطينيين أو كعرب ببناء قوة عسكرية لتحقيق توازن قوى عسكري مع إسرائيل كمقدمة للوصول إلى حل شامل وعادل ودائم، لذلك فقد آمن بطريق آخر يحقق الهدف، آمن بنظرية تحييد القوة، وصولاً إلى تحقيق توازن في القوى.
وأضاف: كان فيصل يقول وهو يصف الانتفاضة الأولى "بأننا عندما تبنينا مستوى أدنى من العنف سقفه الأعلى هو الحجارة، فقد حيدنا الطائرة الحربية والدبابة والمدفع والرشاش وأجبرنا إسرائيل على التعامل معنا بالبندقية طلقة- طلقة وبالطلقات المطاطية وأحياناً بالحجارة. والحقيقة أن هذا المستوى من المواجهة أتاح المجال للمشاركة الشعبية الواسعة الغائبة تماماً اليوم.
ودعا عبد القادر الحسيني في ختام حديثه مختلف القوى والناس بشكل عام في ذكرى رحيل فيصل الحسيني للوقوف دقيقة والتفكير في النقطتين أعلاه "علنا ننجح في تقييم ما مررنا به والبناء على هذا التقييم قبل فوات الأوان".
سيرة قائد وفارس ورمز من رموز العزّة والمقاومة
بدوره، قال وزير شؤون القدس السابق حاتم عبد القادر إنه، في الذكرى الرابعة والعشرين لرحيل "أمير القدس"، القائد الوطني الكبير الشهيد فيصل الحسيني نستحضر سيرة قائد وفارس كان رمزًا من رموز الثبات والعزّة والصمود والمقاومة، في وجه محاولات طمس الهوية العربية لمدينة القدس، وفي وجه محاولات القفز فوق منظمة التحرير الفلسطينية.
وأضاف: لقد ناضل فيصل واعتُقل، وعاش حياته كلها من أجل القدس وفلسطين، حتى آخر نفس له. حمل فيصل القدس في قلبه جُرحًا وأملًا، وطاف بها في الفيافي والقفار، مناديًا: من يشتري زمنًا للقدس؟ من يشتري عرضًا للقدس؟
وتابع عبد القادر: إلا أنه – للأسف – وجد هناك من يشتري زمنًا آخر، وعرضًا آخر، في مكان آخر.
وأشار إلى أن فيصل كان هو من حوّل بيت الشرق إلى عنوان وهوية سياسية للقدس وفلسطين، وشكل الواجهة المقدسية المتمسكة بعروبة القدس، لم يساوم، ولم يتنازل.
وتابع فكل زاوية من زوايا القدس ما زالت تهمس باسمه، وتشهد على كفاحه ومآثره الوطنية.
وأكد عبد القادر: فيصل الحسيني زرع فينا معنى الانتماء، وعلّمنا أن القدس ليست مجرد مدينة، بل هي قضية وهوية وكرامة أمة بأسرها.
وختم عبد القادر بالقول: "لا يسعنا، في هذه المناسبة الحزينة، إلا أن نقول لفيصل: سنظل الأوفياء السائرين على دربك، وسنظل نؤمن بما كنت تقوله لنا دائمًا: القدس لن تكون قضية خاسرة. سلام على روحك الطاهرة."
جولات أسبوعية في أسواق القدس
من جهته، قال أمين سر الغرفة التجارية حجازي الرشق: "بحكم مرافقتنا اليومية للمرحوم فيصل الحسيني عرف بعشقه وحبه لأسواق القدس ومتاجرها، فلا يمر أسبوع إلا وله جولة في أسواق القدس حيث يلتقي تجارها ويجلس معهم ويستمع إلى مشاكلهم ومعاناتهم، ويعمل ما أمكن على تحقيق مطالبهم .
وأضاف "كانت لفيصل مواقف كثيرة، كدعم التجار وترميم محلاتهم وتطوير أعمالهم والعمل بكل ثقله في منع تسريب المحلات، بكل الطرق القانونية، وحل النزاعات بين أصحاب وملاكي المحلات التجارية وخاصة ما يتعلق بالوقف الذري، أو نزاعات الورثة على حصص الملكية ."
وأكد الرشق أنه لكثرة اهتمامه بالقطاع التجاري أوعز فيصل بتشكيل لجنة تجار القدس لتكون مساندة للغرفة التجارية الصناعية العربية بالقدس. ولدعمه واهتمامه بالقطاع التجاري في المدينة كان أول مهرجان تسوق في عهده عرف بـ (مهرجان القدس للتسوق).
وقال: "لقد استمر المهرجان مدة أسبوعين وتم تمديده لأسبوع ثالث من كثرة الإقبال عليه، ولقيمة الجوائز التي تم توزيعها على المتسوقين، وكان من بينها 7 سيارات نوع بيجو ".
وأوضح الرشق أن الحديث عن أمير القدس يطول ويطول ويطول، مشدداً على أن فيصل الحسيني حالة لم ولن تتكرر حباً وولاءً وعطاءً للوطن عامة والقدس خاصة، فكان قائداً ميدانياً وسياسياً بارعاً واجتماعياً مخلصاً.
قائد وطني ينتمي إلى عائلة مناضلة
وتحدثت عضو المجلس الثوري لحركة فتح سلوى هديب عن نشأة فيصل وقالت: وُلد القائد والمناضل فيصل الحسيني "أمير القدس" في 17 يوليو 1940 في بغداد، لعائلة فلسطينية وطنية عريقة. والده، عبد القادر الحسيني، كان قائداً ومؤسساً لجيش الجهاد المقدس واستُشهد في معركة القسطل عام 1948. جده، موسى كاظم الحسيني، شغل منصب رئيس بلدية القدس في عام 1918 وكان من أبرز الشخصيات الوطنية الفلسطينية.
وأضافت: تلقى فيصل تعليمه الابتدائي والثانوي في القاهرة، حيث التقى بالزعيم الفلسطيني ياسر عرفات. وانضم إلى حركة القوميين العرب عام 1957، وشارك في تأسيس المنظمة الطلابية الفلسطينية عام 1959، التي أصبحت لاحقًا نواة لمنظمة التحرير الفلسطينية.
وأشارت إلى عمل فيصل في منظمة التحرير الفلسطينية. وقالت: لقد عمل في قسم التنظيم الشعبي في منظمة التحرير الفلسطينية بين عامي 1964 و1965، ثم تلقى تدريباً عسكرياً في الكلية العسكرية في دمشق، وانضم إلى جيش التحرير الفلسطيني عام 1967.
وأضافت: في عام 1979، أسس جمعية الدراسات العربية في "بيت الشرق" بالقدس، والتي أصبحت مركزًا ثقافيًا وسياسيًا مهمًا للفلسطينيين في المدينة.
عمليات اعتقال وإقامة جبرية
ونوهت هديب إلى تعرض فيصل للاعتقال والإقامة الجبرية من قبل السلطات الإسرائيلية عدة مرات بين عامي 1982 و1989، بسبب نشاطه السياسي ودوره في الانتفاضة الأولى.
وبخصوص مؤتمر مدريد للسلام قالت: إنه شارك كعضو بارز في الوفد الفلسطيني في مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، حيث لعب دورًا مهمًا في المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي.
ونوهت هديب إلى أن فيصل عُين وزيرًا لشؤون القدس في السلطة الوطنية الفلسطينية، وكان يُعرف بلقب "أمير القدس" لدوره البارز في الدفاع عن المدينة ومكانتها العربية. مشيرة إلى أنه توفي في 31 مايو 2001 في الكويت إثر نوبة قلبية، أثناء زيارة تهدف إلى تحسين العلاقات بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الكويتية. بعد وفاته، أغلقت السلطات الإسرائيلية مقر "بيت الشرق" في القدس.
وأشارت إلى أنه جرى تكريم فيصل بجائزة برونو كرايسكي لحقوق الإنسان وقد حصل على هذه الجائزة عام 1991 تقديرًا لجهوده في تعزيز حقوق الإنسان.
كما سُمي ملعب كرة القدم في بلدة الرام شمال القدس باسمه تكريمًا له.
وقالت هديب: إن مؤسسة فيصل الحسيني تأسست بعد وفاته بهدف مواصلة عمله في دعم القدس وتعزيز الهوية الفلسطينية.
وختمت هديب حديثها بالقول: "لقد تشرفتُ بالعمل معه في التنظيم السري والنشاط العلني السياسي والإجتماعي وتعلمتُ منه فن الاشتباك والحل السلمي".
فيصل الحسيني لم يكن مناضلاً خلافياً بل كان جامعاً
وقال الإعلامي جودت مناع منسق الحملة الدولية للدفاع عن القدس إن فيصل الحسيني استطاع بهمته وكفاحه الدفاع عن الوجود الفلسطيني في مدينة القدس وأكنافها بروافده التعليمية والثقافية والكفاحية، وكان رهانه الكبير وطنياً وكل شيء في حياته قبل وبعد أن يغلق بيت الشرق في حياته.
وأضاف: في الذكرى الـ (24) لرحيله أتساءل: هل رحيل الحسيني كان نهاية؟ مشيراً إلى أنه في نظر أبناء القدس خاصة وفلسطين عموماً، طبعا لا. لقد رحل فيصل الحسيني ولم يحمل حياته معه. اسم كبير ملأ زمانه صخباً ونضالاً ومواقف وطنية يتذكرها رفاق دربه في كل يوم.
وأكد مناع أن فيصل الحسيني لم يكن مناضلاً خلافياً بل كان هادئا ومتحركاً. ببساطة، كان جامعاً لغير انتماء لحركة "فتح" كغيره من القادة المخلصين، بكبر المواجهات اليومية التي نظموها في مسيرة نضال شاقة ومتنوعة المراحل. من مركز الدراسات العربية والأبحاث ومركز الخرائط واللقاءات القيادية والجولات التضامنية التي تجاوزت حدود القدس لمواساة ضحايا بطش الاحتلال وجرائمه.
وقال: إن فيصل كان الأب لحفيد جده عبد القادر الحسيني يشق طريق مناضل دمث الأخلاق بين أبناء شعبه، ارتبط بوطنه وبقضايا حركة التحرير الوطني "فتح".
وتابع: لقد كان الحسيني المناضل أكبر من ذلك كله، فقد ظلت سيرته النضالية، من بداياتها حتى في حالاتها الفردية بدءاً من تجربة بيت الشرق وانتهاء بمراسم جنازته ومواراة جسده في مأواه الأخير برحاب الأقصى المبارك.
وأشار مناع إلى أن الحسيني ترك وراءه تاريخاً وطنياً مشرفاً ضحماً يتطلب التوقف عند مراحله ومراجعته بموضوعية والعمل الجاد لاستنهاض التجربة.
وقال: لقد ظل إلى آخر أيامه مقتنعاً بجدوى الشراكة بالمشروع الوطني ودافع عنه باستماتة مع كل ما يمكن أن يتركه من تضحيات وردود فعل.
لقاءات وذكريات من سيرة الراحل أبو العبد
وأضاف: في مناسبة جمعتنا معاً إبان عملي محاضراً في قسم الصحافة بجامعة بيت لحم دعوته إلى مؤتمر صحفي يعقده في الجامعة كي يطلع طلبة الصحافة على تفاصيل الاستيطان الصهيوني في القدس المحتلة. كانت تلك فرصة للطلبة وللصحفيين معاً لأن يكون "أبو العبد" بيننا في الجامعة، وحظ استثنائي؛ إذ نادراً ما نجد رمزا كفاحياً على قيد الحياة، نسأله في مؤتمر صحفي ونستمع إليه. مواقفه وتجربته النضالية في مناهضة الاستيطان في المدينة المقدسة منحته هذه الخاصية التي لا تمنح لكل الناس. لبى فيصل دعوتي له للمشاركة في المؤتمر الصحفي. كان يوما عملياً مميزا لطلبة الصحافة في جامعة بيت لحم.
وأضاف: في قصة أخرى نسقت معه لقاء في منزله الكائن في طلعة الصوانة لإجراء لقاء صحفي خاص بصحيفة عكاظ التي عملت بها مراسلاُ منذ لقائي برئيس تحريرها الأستاذ أيمن حبيب إبان انعقاد مؤتمر مدريد، حيث كلفت بمهمة إعلامية بمرافقة الوفد الأردني – الفلسطيني آنذاك. لدى وصولي المنزل أطل الراحل فيصل مبتسماَ من غرفة مقابلة لصالة الضيوف. تقدم نحوي وصافحني وقال: توقعت أن ألتقي جودت بثياب سعودية تقليدية "دشداشة وقطرة وعقال". ضحكنا معاً بصوت على غير العادة.
وختم مناع بالقول: "في الذكرى الـ 24 تجدد أجيال فلسطين المتعاقبة العهد للمناضل الراحل فيصل الحسيني في مأواه الأخير بفناء المسجد الأقصى المبارك وتمضي قدماً للدفاع عن القدس حتى التحرير الرحمة والسلام لروح المناضل فيصل عبد القادر الحسيني الخالد فينا أبداً."
القدس باقية والطارئون زائلون
وقال رئيس مجلس أمناء جمعية القدس للتطوير صلاح الزحيكة إنه لم يكن في بال فيصل أن يغادر مبكرا، ولم يكن في بالنا أن نغادره.. وللعلم فإن فيصل وهو يخوض مع شعبه في القدس المعركة تلو المعركة وعلى جميع الجبهات لصد من يسرق الزمن في غفلة من الزمن، استشرف المستقبل وطالب العرب والمسلمين بشراء الزمن ليس لأجله أو لأجل أحد من الناس وإنما للقدس، لماذا؟ لادراكه أن القدس باقية والطارئون عليها زائلون والزمن هو الحقيقة الثابتة المستمرة التي لا تحتاج إلى برهان أو دليل وفق رؤية شمولية لإدارة الصراع وخوض معارك التصدي للاحتلال .
وتساءل الزحيكة: ما الحكمة فيما رمى إليه فيصل "اشتر زمناً في القدس"؟ هل لإدراك منه أن الزمن يباع ويشترى؟! وقال: بالتأكيد لا ، ليس كذلك، بل لإدراكه بأن الزمن لا يقدر بثمن وأن القدس لا تقدر بثمن .
الحسيني كان يدرك أن دوام الحال من المحال
وأشار إلى أن دعوته لشراء الزمن معناه ومغزاه هو إثبات الوجود، إنه حين يساهم العرب والمسلمون في شراء الزمن فهو يعني مقدار إصرارهم على البقاء والوجود في هذه المدينة التي يطمع بها الآخرون ويعملون على إيقاف الزمن عند حافة نزوة غرورهم ووهمهم بأنهم يستطيعون الوقوف في وجه الطبيعة، طبيعة الأشياء وإيقاف عجلة الزمن عند مشارف عصرهم وانتصارهم الواهي في غفلة من الزمن على هذه المدينة التي تسخر من زمنهم ومن نصرهم الزائف.
وأضاف: كما كان لإدراك فيصل ويقينه أن دوام الحال من المحال وأن الزمن لن يتوقف عند من يتوهم أنه أوقف عجلته لحين. نظرته الثاقبة ورؤيته المستشرفة لخصها بمعادلة شراء الزمن في القدس.
وخلص الزحيكة إلى القول: "رحمك الله يا فيصل في ذكرى بقائك في زمن القدس الخالدة ..لتبقى دعوتك قائمة حتى نستعيد الزمن المسلوب من عمر هذه المدينة".
أنبل ظاهرة عرفتها القدس
من جهتها، وصفت جهاد أبو زنيد عضو المجلس الوطني القيادي الراحل فيصل الحسيني بأنه "أنبل ظاهرة عرفتها القدس"، مشيرة إلى أنه كان بمثابة وطن كبير يحتضن الجميع.
وقالت أبو زنيد إن فيصل الحسيني كان حضن الوطن الغالي، وريحته نبض الحياة للمقدسيين، مضيفة أنه عشق القدس وعلّمنا القوة والعطاء، وكان كل خطوة من خطواته نحو الحرية.
وأكدت أن الحسيني كان رمزًا للوحدة والتحرير في زمن صعب، مضيفة: "علّمنا أن عشق الوطن أغلى من عشق الأم لابنها، وعلّمنا أن نعيش بكرامة وحرية".
وأشارت أبو زنيد إلى أن "أبو العبد" كان من أبرز الشخصيات الوطنية، وقد لعب دورًا محوريًا في الدفاع عن القدس وتعزيز صمود أهلها في وجه الاحتلال.
Mon 02 Jun 2025 9:00 am - Jerusalem Time
في الذكرى الـ 24 لرحيله.. فيصل الحسيني الذي لم ولن يغيب
رام الله - خاص بالـ "القدس" دوت كوم -





Share your opinion
في الذكرى الـ 24 لرحيله.. فيصل الحسيني الذي لم ولن يغيب