Sat 31 May 2025 8:24 am - Jerusalem Time

"هل أستطيع أن أنزع الأرض من داخلي كأنها سدادة؟" شعرية الشر في نصوص هلا عليان: رحم ينزف وقمر عنكبوت

كتبت نداء يونس

في شعر هلا عليان- الشاعرة والطبيبة النفسية الفلسطينية التي ولدت في أمريكا لعائلة فلسطينية لاجئة، والتي تكتب بالإنجليزية مع تركيز واضح على ثيمات الهوية والمنفى والذاكرة والاضطرابات النفسية والروابط العائلية المعقدة، يمثّل "الشرّ" بنية لغوية وسياسية ونفسية لا تُعرّف مباشرة، بل تُفهم من خلال آثارها على الجسد والذات والذاكرة.

يتشكل الشر في نصوصها - التي ترجمتها (أنا) لأغراض إعداد هذا المقال - لا كمفهوم ميتافيزيقي، بل كقوة داخلية تمزّق المعنى وتعيد إنتاجه، في ظل هشاشة الهوية واللغة في المنفى، كما يظهر بوصفه تركيبة شعرية متحركة، تُعيد تفكيك ثنائية الخير والشر من خلال تواطؤ بينه وبين الذات والمنزل في الشتات، وتنسج سرديات ذاتية عبر توترات سياسية وهوياتية ومعرفية وجسدية تتشظى بين المنفى والبيت.

استعارات الشر العضوي: الجسد بوصفه أرشيفًا للكارثة

في شعرها، لا يظهر الشر فكرة مجردة أو كيانًا خارجيًا، بل يتجسّد داخل الجسد، يتسلل إلى مفاصله، ويعيد تشكيله من الداخل. تكتب عليان القصيدة كما يُكتب تقرير طبي، بأعراض متكررة وألم مزمن ونزيف لا يتوقف. تقول: "رحمي ينزف... القمر عنكبوت".  تربط هذه الاستعارات المزدوجة الجسد الأنثوي بالدورة القمرية وبالرعب الزاحف. وهذه ليست استعارات جمالية بقدر ما هي تشخيص وجودي لشرّ لا يمكن عزله عن الأعضاء، عن الدورة البيولوجية، عن النوم والطعام والحلم. الشر هنا ليس فكرة أخلاقية، بل التهاب مزمن.

بهذا، يتحول الجسد إلى ما يشبه الأرشيف العضوي للنكبة، ويحتفظ بالألم لا بوصفه حدثًا من الماضي، بل كحدث حاضر ودائم يعيد إنتاج ذاته. يمكن فهم هذه البنية من خلال تقاطعها مع ما تقترحه كاثي كاروث في نظريتها حول الصدمة و"أن تكون شاهداً في عالم من الرعب"، حيث تصف الأخيرة الصدمة لا كحدث ينتهي، بل كـ "لحظة تأسيسية" يتشكل فيها الوعي على حافة الخراب: "الذات لا تدرك وجودها إلا عبر الكارثة".

هنا، لا يصبح الألم شيئًا ينبغي تجاوزه، بل أصلًا معرفيًا، لحظة يبدأ عندها الإدراك، ويتأسس فيها معنى الهوية. ففي قصائد مثل "مُجَنَّسة"، و"نصف حياة في المنفى" يتحول الشرّ إلى كولاج من التشظي اليومي والكارثة الجمعية.  هذا ما نلمسه في سؤالها الممزق: "هل أستطيع أن أنزع الأرض من داخلي كأنها سدادة؟" — حيث تُختزل فلسطين في عضو داخلي، لا يمكن فصله دون التسبب بنزيف أو موت.

وعلى هذا النحو، تتحول استعارات الشر العضوي في شعر عليان إلى لغة ما بعد طبية — لغة تنبثق من الألم لا لتعالجه، بل لتمنحه معنى. إنها لغة تنتمي إلى ما تسميه أدبيات ما بعد الصدمة بـ "النمو من الخراب"، حيث لا يُفهم الألم بوصفه نهاية، بل كبنية منتجة للذات. تكتب عليان من هذا المكان الممزق، حيث لا تُنقَذ الذات من الشر، بل تتكون عبره. تستعين عليان بصورة النبتة التي "تنتظر النار لتنمو" والطفل الذي "يترقب صفارة الإنذار"، لتجسد الشر كشرط ضروري للنمو والتحوّل. هذه الاستعارة تحوّل الدمار إلى بيئة وجودية، حيث تولد الذات وتدرك وجودها عبر الانكسار والألم، ما يؤكد مأساوية الكارثة الحية التي تشكل تجربة الشعر لديها.

وفي ظل حيث ارتباط الشرّ والتاريخ الشخصي، تتفكُّك الذاكرة والأمومة كصدى لانهيار النسب، تقول عليان: "كانت لي جدّة يومًا... وكانت لها ذاكرة، فسدت مثل الحليب..." تتحول الذاكرة إلى كيان فاسد، عاجز عن حفظ الاستمرارية، ويتجلى الشر بوصفه انقطاعًا في السلالة، وانهيارًا في العلاقة مع الماضي، حيث لا يعود التاريخ ملاذًا، بل عبئًا يتعفن في الذات. أما في "نصف حياة في المنفى، تقول الشاعرة: "أعيش إلى الأبد بين نيسانين". هنا، يتكرر الزمن بلا نهاية، ويتحوّل الربيع إلى دائرة وهمية لا تنبت سوى رماد.

 

الشر كسلطة لغوية ومؤسساتية: المنفى بوصفه جهازًا بيروقراطيًا

 

هنا يتجلى الشر بوصفه إنتاجًا للصمت، لا من خلال المنع، بل عبر فرض بلد المنفى لغة بديلة تُقصي اللغة الأم، وتعيد تشكيل الذات وفق مقاييس المركز "الأبيض". تتحول اللغة الإنجليزية إلى وكيل ثقافي للهيمنة، وتُعيد تشكيل الفرد معرفيًا ورمزيًا، فيصبح غريبًا عن ذاته، ممزقًا بين ما يتعلمه وما ينساه. وبهذا، يصبح الشر مؤسسة لغوية، لا تنفي الصوت، بل تُعيد تركيبه بطريقة تضمن صمته داخل البنية، وتفرغ الوطن من معناه، وتُحوّل الانتماء إلى جهاز إداري لا يسمع سوى صدى السلطة. كما يتحول من مفهوم أخلاقي إلى بنية مؤسساتية-لغوية، تسلب الإنسان لغته، وذاكرته، وصوته، وتجعل من الانتماء إلى البيت طقسًا أجوف.

ففي قصيدة "قَسَمُ الولاء"، لا يظهر الشر كعنف مباشر أو قمع بوليسي، بل يتموضع في البنية الرمزية للانتماء، حيث تتحول الدولة التي يعيش فيها اللاجئ إلى سلطة لغوية تحتكر تعريف "الذات الوطنية"، وتصوغها عبر طقوس مفروضة. يُصبح "قَسَمُ الولاء" لحظة تمثيل قسري، يُختزل فيها المنزل في المنفى إلى أداء لغوي فارغ، يُملى على الجسد لا ليُعبِّر، بل ليُخضع. بالتالي، لا يتحول المنفى إلى أرض أو ذاكرة، بل إلى صيغة لغوية تُفرض وتُكرّر - رغم أن اللاجئ يسميه وطنًا، ما يُفرغ معنى البيت من محتواه. تقول الشاعرة: "بلدي شبح، فم يحاول الاعتذار... كل ما يخرج هو ضباب ومواطن ورصاصة".

بهذه العبارة، تُختزل حياة المنفى إلى جهاز إطلاق: ضباب للمحو، ومواطن كمُنتج للبيروقراطية والهيمنة، ورصاصة كخاتمة إما للانتصار على شبح الوطن الأم فلسطين، أو ردّاً على محاولات فاشلة للتمرين على وطنية جديدة. الشر هنا لا يكمن في المنع، بل في فرض شكل لغوي جامد، حيث تُؤمم اللغة عبر خطاب رسمي لا يحتمل التعدد، وتُستلب حرية التعبير عبر ما تسميه جوديث بتلر بـ "أداء الانتماء القسري". وهنا يجب التشديد على أن هذه السلطة لا تمارس على الجسد كعنف مادي، بل عبر اللغة وعلى المخيلة، فتُحاصر الذات داخل معجمٍ لا تملكه، وتُختزل علاقتها بالوطن إلى وثائق ونُظم وشعارات.

يتقاطع هذا مع ما تطرحه غاياتري سبيفاك في سؤالها الشهير: هل يمكن للتابع أن يتكلم؟ (Can the subaltern speak؟) ، لتشير إلى أن المهمشين والمستعمَرين لا يُمنحون الحق في الكلام، بل يُعاد تشكيل صوتهم ضمن أنظمة خطابية تعمل على تمثيلهم ومصادرة أصواتهم، وإعادة إنتاج صمتهم بلغة الآخر التي لا تعترف بهم.  وفي هذا السياق، لا يُفهم النسيان اللغوي بوصفه انقطاعًا بريئًا، بل استراتيجية ناعمة للهيمنة. تقول القصيدة: "أعني أنني أتعلم الإنجليزية / أعني أنني أنسى العربية". لا يتحول هذا الفقد إلى مجرد تغير في اللسان، بل يُصبح قسرًا معرفيًا يتمثل بإعادة تشكيل الذات وفق منطق الآخر، عبر مؤسسات التعليم، والإعلام، والإدارة. إن اللغة الأجنبية، في هذا السياق، لا تُكتسب فحسب، بل تُصادر، وتُعيد تعريف الوعي، وتحول اللاجئ في المنفى إلى نسخ مطابقة من خلال خطاب لا يعترف بجراحه.

 

الجسد والوطن مرآة متبادلة للشرّ: نزيف التاريخ وشبح الهوية

 

في شعر عليان، لا يقتصر الشرّ على العنف الظاهر أو القمع المؤسسي، بل يغوص في عمق الجسد الأنثوي ليصبح ميدانه الأساسي، حيث يتجسد التاريخُ المؤلمُ والذاكرة المشوّهة. هنا، يتقاطع الجسد مع ذاكرته لتنتج تجربة معقدة من الألم والهوية المشلولة. تُبرز الشاعرة الجسد كحامل لـ "رحم ينزف"، و"فم لا ينطق"، في إشارة إلى الألم المستمر والامتناع عن التعبير الكامل. يتماشى هذا مع رؤية الباحثة الفرنسية لوسي أوجييه (Lucie Augé) التي ترى في الجسد "مخزنًا للذاكرة الجسدية"، حيث لا تُخزّن فقط الأحداث أو التجارب، بل تُعيد إنتاجها على شكل آلام وشكوك وتشوهات تؤثر على وجود الذات. فالجسد سجل حيوي للتاريخ الشخصي والجماعي، حيث تتداخل ذاكرة الألم والاحتلال والاغتراب. وعندما تقول الشاعرة: "رحمي ينزف من أثينا إلى إسطنبول... مضادات حيوية لفكي المصاب...."، لا تشكل هذه الصورة استعارة جسدية فقط، فهي تلتقط هذه الذكرى الجسدية العميقة التي تُعيد إنتاج التاريخ على مستوى حيّ، حيث يصبح الجسد "نصًا مؤلمًا" يُقرأ ويُفسّر، لكنه في الوقت ذاته يعاني من صمت اللغة، فالفم "لا ينطق" أو يتلعثم، كأن الشر يتغلغل داخل الذات.

في قصيدة "قَسَمُ الولاء"، يتجلّى الوطن بوصفه "طقساً سيئاً" و"رقماً"، أما في النصوص الأخرى، تتجسد هشاشة الجسد وتأثير الشر في صور عديدة، منها الأسماء المتناقضة في العائلة: "جدتي تسمي أمي حنين والأخرى تسمي أبي مسدس". هنا تندمج الرموز الحميمية مع آليات المقاومة، فيتغير الجسد من موضع دافئ للألفة والحنان إلى ساحة مشحونة بالصراعات الرمزية والسياسية التاريخية. 

من هذا المنطلق، يصبح الجسد والوطن مرآتين متبادلتين تعكسان الشرّ كشكل معقد من القمع والتشويه. الجسد يعاني من نزيف يمتد عبر التاريخ والمنفى، والوطـن يُعيد إنتاج هذا النزيف في ألوانه وصمته، ليشكلا معًا فضاءً مفعمًا بالحيرة، الألم، والمقاومة المحتملة. بهذا، يصبح الجسد الأنثوي مهدداً، مشوّهاً، ومُفرغاً من طاقته الحيّة، كما لو أنه أصبح "وثيقة عبور" تُسجل مأساة المنفى، لكنّه عاجز عن التعبير عن ذاته بحرية، ما يعكس عجز اللغة والذات عن التعبير الكامل عن التجربة. يتجلى ذلك في استعارة اللون الأحمر الذي يحمل في طياته دلالات متشابكة الألم والاحتكاك والخصوبة والمقاومة في آنٍ معًا، والتي تُعيد صياغة العلاقة بين الجسد والوطن عبر نسيج من الدلالات المتشابكة: "أعني أن هذا البلد يحبني باللون الأحمر". لا يصبح الجسد الأنثوي، بهذا المعنى، موقعًا للعنف، بل خارطة للصراع والتوتر الرمزي، حيث تتصارع دلالات الهيمنة والرغبة والاحتجاج، ويتحول إلى مرآة للوطن الممزق: يعكس جراحه، ويُخفي في طياته إمكانية التمرد.

 

تواطؤ الذات مع الشرّ: بين الذنب، النقد، والسخرية

 

تُظهر قصائد عليان علاقة معقدة ومتناقضة بين الذات والشر، حيث لا تُطرح الذات دائمًا كضحية أو متفرجة، بل أحيانًا كطرف متواطئ أو مسؤول بطريقة ضمنية. في جملة حاسمة تقول الشاعرة: "عام 2003 وأنا في بيروت أشاهد بغداد تحترق بسبب أمريكا، أعني أنني في بلدي أشاهد بلدي يحترق بسبب بلدي."تتجلى في هذه العبارة ذروة المفارقة والازدواجية في موقع الذات: فالوطن هنا ليس فقط ضحية عدوان خارجي يتمثل بأمريكا، بل هو في الوقت نفسه ساحة صراع داخلي، تتشابك فيها قوى متصارعة من داخلية وخارجية، ما يجعل الذات القومية شاهدةً ومذنبةً في آنٍ واحد. تتحول الجغرافيا والهوية إلى مساحة تواطؤ، حيث الشر ينبع من الصراعات الداخلية قبل أن يكون غزوًا خارجيًا.

هذا التواطؤ المضمَر يتخطى حدود لوم الآخر إلى نقد الذات الجمعية، وهو نقد يتسرب بلطف لكنه لاذع، يعكس حالة من الوعي العميق والمرارة. لا تكتفي الشاعرة بتحميل الآخر المسؤولية، بل تدعو إلى مراجعة الذات على مستوى القومية، السياسة، والمجتمع. تتخذ هذه المرارة بعدًا ساخرًا حين تُفرغ جماليات الحزن من معناها، فتقول: "هل كان الحزن يستحق القصيدة؟ لا... الجميع يحب القصيدة". هنا، يعبر تفكيك المجاز الشعري عن رفض تزيين المأساة أو استجداء التعاطف عبر التجميل الفني، في موقف نقدي صارم تجاه صناعة الحزن الشعري الذي قد يتحول إلى شكل من أشكال التجميل أو التذوق السلبي للألم.

 

اللغة بوصفها حاملًا للشرّ ومجالًا لتفكيكه

 

تتجاوز اللغة في خطاب عليان وظيفتها التقليدية كوسيلة تواصل إلى موقع مركزي في التعبير عن الشرّ، لكنها في الوقت ذاته مسرح لتفكيكه ومقاومته. فاللغة ليست فقط مفقودة أو متضررة، بل مسروقة ومشوّهة، تعكس حالة الاغتراب الداخلي والخارجي. يُسرق الخطاب من اللهجة الأصلية، تُخطّأ الأسماء، ويُتهم المجاز بـ "الغباء" كرمز لفقدان الصدق والعمق. هذه الإشارة إلى المجاز كـ "غباء" ليست هجومًا عشوائيًا، بل رفض لكيفية استغلال اللغة في تكريس الوهم أو تطبيع العنف. في قولها: "سأفرد أسناني لتصير بلداً"، تنتقل اللغة من مستوى الفضاء الشعري المجرد إلى الجسد العضلي واليومي، حيث يتحول الوطن إلى امتداد عضلي متشنج، إلى مساحة انقباض وألم، لا إلى مساحة جغرافية أو رمزية تقليدية. الوطن هنا حالة جسدية ملموسة لكنها متوترة، تعبير عن الألم الفردي والجماعي، تذكير بمدى تداخل الجسد واللغة والوطن.

من جهة أخرى، تستخدم الشاعرة كلمات تجارية وعلامات تجارية مثل "سي-مارت" و"بانتين" لتُشير إلى استهلاك المعنى وفقدان البعد الرمزي، في نقد اجتماعي للثقافة الاستهلاكية التي تسرق اللغة من معناها وتحولها إلى سلعة. هذه الإشارات التجارية هي أيضًا استعارة لفقدان الهوية والتاريخ، حيث تصبح اللغة والهوية مجرد صوت فارغ، بلا روح، مجرد أدوات تُستخدم لإخفاء المأساة والنكبة.

 

الذات المتكلمة من داخل الشرّ: تمزقات اللغة وصراعات الوجود

 

الذات في شعر هلا عليان ليست كيانًا موحدًا أو مستقرًا، بل هي "متكلم متشظٍّ"، يتخلله التردد والشك، ينطق ثم يتراجع، يعبّر ثم يتناقض مع ذاته. هذه الذات لا تمارس خطابًا حاسمًا أو تُقدّم مواقف قطعية، بل تعيش حالة من التمزق المستمر بين الأضداد، حاملةً اللغة في تمزقها وتناقضها كمرآة لصراعها الداخلي. الدوال المحورية مثل "الأم"، "الأرض"، "الجدة"، و"الجسد" لا تستقر في ثبات أو معنى ثابت، بل تُعاد صياغتها وتُقرأ من زوايا مختلفة داخل نص مفتوح على إعادة التأويل اللانهائية. هنا، الذات لا تفصل نفسها عن الشرّ، بل هي موجودة فيه، متماهية معه، بل وتتكلم من داخله، تعيد إنتاجه وتعيد تشكيله لتظهره كـ "كائن لغوي" حي ينبض بالتمزقات والصراعات.

لا تقدم هلا عليان في نصوصها "نظامًا أخلاقيًا" واضحًا أو "رسالة سياسية" معلنة، وإنما تكتب من موقع مسافة وانفصال، من فجوة عميقة داخل الذات والعالم. الشرّ في شعرها ليس حالة مطلقة أو ظاهرة خطرة واحدة، بل مركّب متوتر متعدد الأوجه، يتداخل فيه الحب والخوف، الذنب والتواطؤ، المرارة والجمال، في لوحة متشابكة من المشاعر المتعارضة.

إنها لا تكتب "عن" الشرّ كموضوع خارجي يمكن فصله، بل تكتب "به" ومن "داخله" و"عبره". فالقصيدة عندها ليست مجرد بيان، بل صدى لطيف مستمر لشرّ دائم يسكن اللغة كما يسكن الذاكرة، يلتف حول الذات ويصوغها من جديد في كل لحظة نطق، كأن الشرّ والذات نسختان مترابطتان لا يمكن فصلهما، بل ينسج كل منهما الآخر داخل نسيج اللغة.

 

الشر في الشعر كاختناق لغوي وبنية وجودية

 

تتجاوز تمثلات الشر في شعر هلا عليان الأطر التقليدية للعنف السياسي أو الاحتلالي، لتتسلل إلى مستويات أعمق وأكثر تعقيدًا: داخل اللغة، في علاقات الحب، في الجسد، وفي الذاكرة العائلية. لا تسعى الشاعرة إلى تدمير هذا الشر أو تجاوزه، بل إلى تحويله إلى مادة لغوية حسّاسة، تمنح القصيدة طاقتها الحيوية. الشر هنا ليس غيابًا للأمل، بل محرك وجودي للكتابة ذاتها، كأن الشعر لا يُولد إلا من صدمة، ولا يتجلى إلا في مساءلة مستمرة للذات في علاقتها مع عالمٍ يتصدّع باستمرار. بالتالي، لا يُنظر إلى الشرّ ككيان خارجي أو فكرة ثابتة، بل كبنية شعورية وجمالية ولغوية تتشظّى داخل النص. الشر نسبي، والذات المتكلمة ليست متماسكة، بل هي صوت يتردد بين القول والشك، يتكلم من داخل الشر، ويعيد إنتاجه بوصفه "كائنًا لغويًا" يعانق الذاكرة والجسد واللغة في تمزق دائم.

القصيدة نفسها تُنتقد كأداة عاجزة أمام شرّ الواقع، إذ يقول النص: "الجميع يحبون القصيدة... لكنها لم تفعل شيئًا من أجل فلسطين"، معلنة عجز اللغة أمام صوت القصف الذي يعلو، ولا يمكن سماع الكلمات تحته. هذا الشرّ هنا هو اختناق لغوي، حيث تتحول اللغة من وسيلة تعبير إلى تمثُّل للعجز.

تُبرز القصيدة "قواعد قسرية" تمليها السياسة والإعلام، وتجبر المتكلم على طريقة وأسلوب محدد في الحديث، ما يعكس عنفًا مزدوجًا: عنف اللغة المفروضة، وعنف الواقع السياسي الذي يضيق على الهوية الأصلية. وفي هذا التواطؤ بين الذات والعالم، يظهر الشر معقدًا ومتشابكًا، لا يمكن فصله عن الهوية والذاكرة.

ورغم كل هذا، يتحول الشر إلى شرط وجودي، كما في استعارة النباتات التي "لا تنمو إلا بعد الحرائق"، ليصبح الألم والدمار بيئة شعرية ووجودية لا مهرب منها، حيث القصيدة تتعامل مع الشر ليس كنقيض للحياة، بل كجزء من بنية النجاة والذاكرة. هكذا، في شعر هلا عليان، الشرّ هو اختناق اللغة وتوتر الذات التي لا تنفصل عن الجرح والذاكرة، وهو حضور دائم يجعل من القصيدة صدى لطيف شرّ مستمر، يقيم في اللغة كما يقيم في الذاكرة، مستدعياً تساؤلات لا تنتهي عن القدرة على القول والاحتجاج.

 

..................

 

لا يصبح الجسد الأنثوي، بهذا المعنى، موقعًا للعنف، بل خارطة للصراع والتوتر الرمزي، حيث تتصارع دلالات الهيمنة والرغبة والاحتجاج، ويتحول إلى مرآة للوطن الممزق: يعكس جراحه، ويُخفي في طياته إمكانية التمرد.

 

 

 

 

 

2-

 

سيّد الكون بوذا

له الفيلُ رمزُ البياضِ، وللشعب ثوبُ السواد

المتوكل طه

***

أرديةُ الزعفرانِ على صدرِ بوذا تغطي الهدوءَ السماويَّ،

من يوم أن رَوّعتهُ التعاساتُ في الأرضِ،

يمضي إلى سُبحة الكهنوتِ لئلا تموتَ الشموع،

وينعفُ في الصلواتِ البخور،

وينصبُّ ماءُ القداسةِ عند التراتيل..

بوذا الرئيسُ الذي قاوم المجدَ والنهدَ 

تعبقُ عيناهُ في اللبّ، يدخلُ ضوءَ السعادةِ والكَشْفِ،

حتى يتمّمَ "الدّاما بادا، ليحفظَها الخَلْقُ في كلّ حين.

وبوذا الرئيسُ الذي علّق الصورَ الخاشعاتِ على الصدرِ،

لا يشتهي امرأةً في السرير،

ويفرشُ معبده بالخشونةِ والمُخلَصين.

له الفيلُ رمزُ البياضِ، كما الفلّ رمز العذارى،

- وللشعب ثوبُ السواد الحزين -

                       **   **   **

وبوذا يُعلّمنا أن نقاومَ إغراءَ شَعْرِ الفَرَس،

لئلا تهبّ على مدخل الغابةِ البكْرِ ريحُ الجَرَسْ،

وتهجرَ أنهارنا ضفةٌ أو حَرَسْ،

وعلّمنا أنْ نصلّي بمحرابِ موقدنا للقَبَس،

إنّه الروحُ تسمو على شُعلةٍ من شفافية الماس،

نار المحاريب في أرض بوذا بلا فحمةٍ أو دُخان.

- وللشعب (هذا الرعاعُ البذيءُ) الدخانُ وثوبُ الرمادِ اللعين -

                       **   **   **

والأرضُ تحمل أضواءَ بوذا إلى عتمةِ النائمين الكسالى،

إلى ظلمةِ الآثمين الذين ارتووا من لهيب الأفاعي أو الخمرِ،

حتى يطهّرهم من سُموم النساء المليحات،

لا بدّ من توبةٍ قاسيةْ، تُباعدهم عن نبيذِ الجسدْ،

وآثامه المُسرفاتْ،

لأن السعادةَ تقضي بأن نُطْلقَ الروحَ من سجنِ أضلاعنا للأبدْ،

وأن لا نُحب أحدْ،سوى سيّد الكون بوذا.

- وللشعب أنْ يحبسَ الروحَ في ثوبِ شهوتهِ،

لا يليقُ به غير ثوبِ التوالد والجنسِ والآثمين -

                       **   **   **

وفي كلّ بيت لبوذا تماثيلُ شمعٍ ودمعٍ،

وصوتُ الهديلِ الجميلِ الحرام،

وإيقاعُ أغنيةٍ من حريرِ الرخام،

إلى أن يقوم النيام، من الشيخِ حتى حليب الفطام،

يُصلّون عند الحذاءِ المذهّبِ،

لا ينظرون إلى وجهِ حكمتهِ،

هكذا تقتضي خشية العابدين، الذين

 لهم جنّةٌ من نَبيِّ التبتّل بوذا.

- وللشعبِ نارُ الوقاحةِ والكُفرِ والخاملين -

                       **   **   **

وبوذا له زُخرفُ الشهدِ لـمّا يُمَدّ الطعامُ المنوّعُ؛

من سمكِ البحرِ حتى النعاج الطرّية والطير،

لكنّه صائمٌ كلّ يوم،

ولا يأكل اللحمَ والشحمَ،فالطيرُ روحٌ،

ولا يشربُ الزهرَ والخمرَ،فالخمرُ روحٌ،

ولا يبتدي أكله دون أن يذكر الجائعين الذين

 ينادونه من وراء الحصار.

- وللشعب أن يمتطي الجوعَ عاماً،

وعاماً ليبقى من الجائعين -

                       **   **   **

ولا يلبسُ القزَّ بوذا أو القطنَ أو بدلةً من حرير،

له بردةُ الصوف في البرِّ والبحرِ والقرِّ والحرّ،

زرقاء، حمراء، بيضاء، يلبسها..

والكتابُ المقدس زنّارهُ في السفرِ،

يقلّبه كلّما داهمته الليالي وغابَ القمر.

يضيءُ كما النجم لـّما تصادمهُ ظلمةٌ أو حجرْ،

ولا يعرف البْرد بوذا، فإيمانه مثل شمسِ الظهيرةِ،

والصوفُ دفءُ الحنان الدفين.

- وللشعب أن يصطلي بالبرودةِ والقيظِ،

أو يكتوي بالنجاسةِ والشرّ والكافرين -

                       **   **   **

وبوذا استوى في البلادِ الإله،

ورمزَ الصلاة،

وشمناهُ تحت الزنودِ القويةِ،

أو فوق أقواس بيتِ الحياة،

لبوذا النشيدُ المجيدُ المقدّسُ..

بالاسم نُطلقُ روحَ النواة،

لبوذا اشتعلنا وجُعنا وكنّا أميناً يبلّغ قولَ الأمين.

- وللشعب أنْ يرتدي ثوبَ عارِ الخيانةِ 

والبيعِ والعِرضِ والخائنين – 

** ** **

 تعقيب-1-

يقولون: بوذا يُحبّ الدمقسَ على ساحل الصدرِ

 لمّا تلوّحهُ الشمسُ في شاطئِ النّفطِ.

يعوي إذا ما ترقّ المرايا على الساق،

يبكي على سُكّر البطنِ والغابتين،

إذا ما يجننّه ثلجُ نارِ الرواق.

وبوذا يحبُّ النساءَ الصغيراتِ والغنجَ 

لمّا يسيلُ على شَفَةِ التوت.

لا يرتضي غيرَ لحمِ الزغاليل والصيد.

يعطي الزبانيةَ الطائعين الهدايا،

وما قال "لا" للتي فرشت جِسْرَها سُلّماً للعناق.

وبوذا له جلساتٌ من اللؤلؤ الحرّ يصطاف فيها

 الغريب المقرّبُ بالسرّ جهراً،

وبعضُ الذين اشتكى الشكّ من حالةٍ لا تطاق.

وبوذا يرى في المخنّث إبداعَ خلقٍ جديدْ،

وفي الجوعِ لعبةَ موتِ العبيدْ،

وفي القمع مدرسةً للشعوبِ التي خُلقت كي تراه الوحيدْ،

ليعلو على ظهرها في المسا،

ثم ينهل من دمِها إنْ أفاق.

وبوذا له الريحُ والبحرُ والنارُ والصخرُ بالمال..

والنبضُ في نطفةِ الخَلْقِ والخالِقين.

تعقيب-2-

وللشعبِ طُهْرُ الدمِ المستباح،

ونجمُ الصباح،

وصدقُ العيونِ الملاحِ الملاح،

له الكفُّ تكسر مخرزها في المساءِ،

وتبعث أقمارَها من فضاءِ الجراح.

له عطرُ كلّ الأغاني الشهيدةِ،

والطِّيبُ من جمرةِ الاجتراح.

له نورُ هذا الفضاءِ الملوّنِ بالطير

 والطائراتِ الصغيرةِ والياسمين،

والمجدُ والحقُ والباسمين،

ومعرفةُ الشهداء الذين

 أتوا من ثياب المخيّم سرّاً إلى أَلَقِ الفاتحين،

وللشعبِ بوصلةٌ لا تحيدُ عن الأنبياءِ العظامِ،

وتمضي بعيداً عن المُدَّعين.

 

 

 

3-

 

"BYPA": صوت غزة وفلسطين إلى العالم

كتبت زهرة سعيد

 

في قلب مدينة لوس أنجلوس، وعلى بعد آلاف الأميال من غزة، نُصبت خيمة فلسطينية رمزية، على مدار يوميّ 25 و26 نيسان/أبريل الماضي، في جاكسون ماركت، كاليفورنيا - أكثر الأماكن صخباً، لكنها حملت صمتاً ثقيلاً ومشهداً لا يُنسى، ليقدم للزوار تجربة بصرية وإنسانية غير مسبوقة، تعبر عن معاناة غزة وشعبها من قلب المأساة إلى العالم.

صُمّمت الخيمة من أقمشة بالية وأكياس طحين ممزقة تابعة للمساعدات الدولية، حيث عايش الزوار تفاصيل النزوح القسري الذي شهدته شواطئ غزة خلال حرب الإبادة الإسرائيلية المستمرة ضد القطاع المحاصر، وغُطيت أرضية الخيمة برمال البحر الحقيقي.

هناك، عُرضت غزة كما لم تُعرض من قبل؛ لا عبر الشاشات ولا الأخبار العاجلة، بل من خلال تجربة حسّية كاملة، تحاكي الواقع بكل تفاصيله الموجعة.

"ما بين السماء والبحر" ليس مجرد معرض فوتوغرافي تركيبي، بل شهادة بصرية، استخدمت الصور والصوت والفيديو ليقدم للزائرين تجربة متكاملة تربطهم مباشرةً بواقع أهالي غزة ولحظات النزوح: أزيز الطائرات، هدير البحر، وبشاعة الحرب، ووجوه النازحين التي حملت ذاكرة أوسع من الزمن.

لكن خلف عدسة هذا المعرض، تقف قصة شخصية مؤثرة لمخرج ومصور فلسطيني عاش الحرب بجسده، لا بعدسته فقط. إنه إسماعيل أبو حطب، الذي أصيب إصابة خطيرة في 2 تشرين الثاني/نوفمبر عام 2023 خلال عمله الصحفي في برج الغفري في غزة، وقرر أن يقيم معرضاً مستوحى من تجربته الشخصية.

لم تكن إصابة أبو حطب عابرة. إذ فقد القدرة على المشي لفترة طويلة، واضطر إلى خوض تجربة النزوح والتنقل داخل القطاع بنفسه، كمدني هذه المرة، لا كمصوّر ومخرج.

 

رحلة إسماعيل من النزوح إلى التعافي، ومن الألم إلى تأسيس منصة "BYPA"، تلخّص روح المعرض: صوت لا يُخمد، وصورة لا تُكسر.

هكذا تأسست منصة BYPA - By Palestine، لتكون منصة إبداعية فلسطينية مستقلة، متخصصة في رواية القصص الفلسطينية عبر الصورة، الفيديو، والفنون المتعددة. وتسعى لجعل الأصوات الفلسطينية مسموعة عالمياً، عبر نقل روايات الفلسطينيين بألسنتهم.

أسس أبو حطب المنصة بعد أن بدأ يستعيد عافيته تدريجياً، لتكون صوتاً فلسطينياً حراً، ينقل القصص من الداخل الفلسطينين بوسائط متعددة، بعين من عاشها، لا من سمع بها.

في هذا الإطار شكل معرض "ما بين السماء والبحر" أول إنتاجات هذه المنصة، وجاء كترجمة فنية لتجربة أبو حطب الشخصية ولواقع جماعي تعيشه غزة، وليس فقط شهادة على النزوح، بل للحديث عن النهوض بعد السقوط، واستعادة الكاميرا كأداة حياة، لا مجرد توثيق.

نجح المعرض في تحويل الألم إلى صورة، والمأساة إلى ذاكرة بصرية حية، والانقطاع إلى وصال جديد بين غزة والعالم، هو رسالة أمل وصمود يحملها الفلسطينيون إلى العالم عبر الفنون. في تلك الخيمة، لم يكن البحر مجرد خلفية، بل شريك في الحكاية. أما غزة، فكما عهدناها، تحكي... وتُسمع.

 

عن "الميادين"

...........

"ما بين السماء والبحر" ليس مجرد معرض فوتوغرافي تركيبي، بل شهادة بصرية، استخدمت الصور والصوت والفيديو ليقدم للزائرين تجربة متكاملة تربطهم مباشرةً بواقع أهالي غزة ولحظات النزوح..

 

 

3-

 

رائد عيسى... مقاومة ورسم بخامات الحياة اليومية

 

كتب يزن التميمي

 

بين الثاني عشر والسادس عشر من مايو/أيار الجاري، انتظم في مدينة بازل السويسرية معرض فني شارك فيه الفنّان الغزي رائد عيسى إلى جانب عدد من فنّاني قطاع غزّة، تحت عنوان "الفنّ في غزّة: كي نقوى على التنفُّس"، بتنظيم من تجمّع التضامن مع فلسطين.

 يأتي المعرض ضمن فعاليات جماعية نظّمتها مجموعة "التقاء" الفنية، وتضمّ فنانين فلسطينيين من غزة، من بينهم: محمد أبو سل، ومحمد الحواجري، وسهيل سالم.

شكّل المعرض محطة جديدة في جولة أوروبية لأعمال عيسى، بدأت من العاصمة النمساوية فيينا منتصف إبريل/نيسان الماضي، حيث عُرضت لوحاته في "غاليري شبيكتاكيل" تحت عنوان "رائد عيسى: الفن تحت النار". وركّز المعرض على الأعمال التي أنجزها الفنان خلال الحرب الأخيرة على غزة، باستخدام مواد بديلة مثل القهوة والكركديه، في ظل شحّ الألوان وندرة الأدوات الفنية نتيجة الحصار. وإلى جانب العرض الفني، احتضن معرض فيينا ورشة عمل بإشراف الفنانة الفلسطينية عالية سلامة، شارك فيها الزوّار بمحاكاة أسلوب الرسم بهذه المواد البديلة، في تجربة فنية تفاعلية تعكس واقع الفن في زمن الحصار والدمار.

من بين أكثر ما يميز تجربة عيسى الفنية في السنوات الأخيرة، هو تحوّل مرسمه من مساحة تقليدية إلى خيمة في قلب المدينة المنكوبة. يواصل الفنان نشر لوحاته الجديدة عبر صفحته على فيسبوك، مصحوبة بتعليقات تشير إلى المواد التي استُخدمت في إنتاجها: "فحم وشاي على ورق"، أو "كركديه على نشرة طبية". فحتى الورق، لم يعد متاحاً دائماً، مما دفعه لاستخدام الجرائد وأغلفة الأدوية مساحاتٍ للرسم. هذا الإصرار على الإبداع رغم الفقد والدمار، جعل من تجربة عيسى شهادة بصرية على ما يعنيه أن يكون الفنان شاهداً وناجياً في آنٍ معاً، يُبدع من هشيم الحرب، ويحوّل أدوات الحياة اليومية إلى عناصر تعبير فني.

لوحات رائد عيسى لا تقدّم مشهداً واضحاً أو حدثاً بعينه، لكنها ترسم الألم كما يُختزن في الذاكرة الجمعية، وتحاكي الواقع الغزي بمجازات بصرية مكثفة. "لا يمكن رؤية المشهد الحقيقي، ولا يمكن إخفاؤه أيضاً"، هكذا يصف الفنان رؤيته، إذ تتكرّر في أعماله صور أجساد منهكة، ووجوه معصوبة الأعين، وصحافيين في مواجهة مباشرة مع آلة القتل. الصور ليست توثيقاً، بل صدى لما لا يمكن توثيقه: مشاهد معلّقة بين الرمز والواقع، بين الظل والحقيقة، تُعبّر عن الرعب الذي يتسلل إلى لاوعي الفنان، وتُجسَّد بخامات هي ذاتها جزء من البيئة التي نشأت فيها.

 

في حديث لـ"العربي الجديد"، يقول رائد عيسى بأنه، وبعد خروجه من قطاع غزة مؤخّراً، بدأ التواصل مع عدد من المتاحف والمؤسسات الثقافية في أوروبا وخارجها، لعرض أعماله ومناقشتها. ويعمل حالياً على تنظيم معارض جديدة بالتعاون مع جهات متضامنة مع القضية الفلسطينية. بهذا الحضور المتنقّل بين المدن الأوروبية، يُواصل الفنان رائد عيسى حمل رسالة الفن الفلسطيني، ليس بوصفه ترفاً جمالياً، بل فعل مقاومة وصمود، ولغة للبقاء وسط ركام الخراب.

 

عن "العربي الجديد"


 

 

 

Tags

Share your opinion

"هل أستطيع أن أنزع الأرض من داخلي كأنها سدادة؟" شعرية الشر في نصوص هلا عليان: رحم ينزف وقمر عنكبوت

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.