ابنتي المعاقة أكلت يدها من الجوع، إنها صرخة أم في شمال قطاع غزة، ولأول مرة في تاريخ الحروب المأساوية يأكل الناس أنفسهم من الجوع حتى يبقوا أحياء ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.
أطفال غزة يستشهدون بسبب الجوع الشديد، دون أن تلامسهم القذائف، يضمحلون ويتآكلون، تتوقف قلوبهم الصغيرة، يموتون بصمت في حضن أمهاتهم أمام عدسات الكاميرا.
أكلت يدها... إنه الجوع المرعب، أقدم سلاح للأبادة، سلاح الدمار الشامل للآلة الصهيونية، سلاح التجويع والتعطيش لقتل الحياة في غزة.
نحن في غزة نأكل أعلاف الحيوانات والأعشاب والأطعمة الفاسدة، الجوع كافر، هو أكثر الأسلحة خسّة في التاريخ، نبحث عن الطعام وسط البيوت المدمرة، ربما نجد معلبات أو مجمدات لنأكل إذا ما نجونا من مصائد القناصين والرصاص.
أكلت يدها، ونحن لم نعد نعرف من يأكلنا، الوحش المفترس، الصهيونية الإبادية، أميركا الرأسمالية المتوحشة، شركات الأسلحة، خبراء تجويع الجغرافيا والكائنات الحية، غزة أكبر مختبر في التاريخ، هنا كل النظريات الاستئصالية.
أكلت يدها، والكلاب الضالة تأكل جثثنا الملقاة في الشوارع وعلى الأرصفة، الجوع يأكلنا، القذائف تأكلنا، غلاء الأسعار يأكلنا، فزع الليالي يأكلنا في الخيام البائسة، الشهداء يموتون جوعى، لا طعام في الأرض ولا طعام في السماء، السماء أيضاً جائعة.
"عربات جدعون" تتدحرج فوق أجسادنا في غزة، عملية عسكرية تهرس الجثث والمنازل والجوعى والعطشى، وما زالت آلاف الشاحنات المكدسة بالأغذية وراء معبر رفح واقفة، لا أحد يدفعها، لا أحد يفتح البوابة، لا أمة عربية ولا إسلامية، أبو ذر الغفاري ليس هنا، لا المسيح ولا جمال عبد الناصر في المدينة.
أكلت يدها، وأنت أيها العابر للحدود والفنادق الفاخرة، ومراكز السياحة في العالم ماذا أكلت؟ وكأني اسمع من يقول: دعهم يجوعون، سيذوبون ويتلاشون ويتقلصون ويهلوسون ويحسبون القنابل أرغفة، دعهم يجوعون، سيتروضون ويستسلمون ويزحفون ويتحولون من مقاتلين إلى مستهلكين مشطوبين مذلين بلا كرامة وذاكرة.
ابنتي المعاقة أكلت يدها من الجوع، هل سمعها الشبعانون المجتمعون في مؤتمر القمة؟ لقد صدر بيان ناشف بلا ماء وذخيرة، شكراً، لقد شبعنا كلاماً هبط في سلة غذائية فوق رؤوسنا المتناثرة.
غزة مدينة شواء للحم الفلسطيني، تفضلوا تعالوا إلى أشهى شعب مذبوح ومطبوخ على الطريقة الأمريكية- الإسرائيلية، تعالوا إلى أكبر وألذ مائدة بشرية.
تفضلوا، هنا إصبع طفلي طري، هنا جمجمة طازجة، كلوا واشبعوا، برطعوا وانتفخوا، استخدموا أسنانكم وأظافركم وأياديكم، تذوقونا واهضمونا وابلعونا، كروشكم واسعة.
بائع القهوة الصغير كمال مريش 12 عاماً، استشهد في مجزرة دموية استهدفت مطعماً وسوقاً شعبياً في غزة، سقط وهو يحمل الدلة وفنجان القهوة، اختلطت القهوة بالدماء النازفة.
أطفال غزة قتلوا بسبب الجوع الشديد والخوف، قتلوا وهم يركضون فزعين بلا مأوى يحميهم، الجوع هو الخوف.
في غزة لا ينزل الحليب من أثداء الامهات الجائعات، لا رضاعة، سوء تغذية وأمراض ونزوح وأوبئة، الأطفال لم يعودوا يحلمون بالدراسة واللعب والتلوين، وحش الجوع يطفئ عيونهم، وأحلامهم تتلاشى في الفحم.
أكلت يدها، الكاتب زياد خداش لم يعد يرسل الشوكلاتة من رام الله الى غزة للطفلة جمانة ابنة الشهيد الشاعر سليم النفار، غارة دموية نسفت البيت ودفنت العائلة..
الجوع في غزة لم يعد هو ألم الغريزة في طبيعة البشر وهو يصارع الجسد، إنه يخترق ذواتنا وعقولنا، يدربنا على الموت البطيء، يدربنا على أن نلتهم أنفسنا بصمت.
أكلت يدها، والأسرى في السجون والمعسكرات الإسرائيلية أكلوا أنفسهم حكّاً وجوعاً ومرضاً، السكابيوس هو مرض الجرب اللعين يمارس الإبادة على أبدانهم، يمتص الدم والأمعاء الخاوية.
استشهد الأسير خضر عدنان جائعاً، أكله السجان والوقت، كان وحيداً في الزنزانة مضرباً عن الطعام، شهقة حرية وصلاة في الركعة الأخيرة، ولا يزال جائعاً بعد الموت محجوزاً في تلك الثلاجة الباردة.
القوات النازية كانت أول من استخدم سلاح التجويع في الحرب العالمية الثانية، وتتماهى الصهيونية الجشعة مع النازية في حرب الإبادة على غزة، وقد استيقظ الجنرال الإسرائيلي يائير غولان أخيراً عندما قال أن إسرائيل في طريقها لأن تصبح دولة مجذومة بين الأمم، النازيون الجدد يقتلون الأطفال كهواية.
أكلت يدها، والطفل عبد الرحمن النبهان (5 سنوات) يصطف على الطابور الطويل أمام إحدى التكايا التي تقدم الطعام في غزة، تدافع وازدحام وجوعى، سقط داخل قدر الطعام الذي كان يغلي على درجة حرارة عالية، لفظ أنفاسه جائعاً، فالجوعى هم أهل الهاوية.
التجويع هو أكبر فضيحة في هذا العالم، جريمة ضد الإنسانية، ثقافة الكابوي الأمريكي الذي يركب حصانة وينهب ثروات الشعوب والذهب، أهلاً بالرئيس الأمريكي ترامب في ديارنا ومدننا المالحة، أهلاً بالنظام الحيواني الذي يأكل لحوم البشر.
أكلت يدها، والجرافات الإسرائيلية تأكل الأرض والشجر، إنها جغرافيا الجوع والمستوطنات، الدولة الفلسطينية الموعودة عضلاتها ضامرة وجائعة، تأكلها المساومات والصفقات والشركات والمصالح عابرة الوطن بجوازات أجنبية.
الطفل المعاق محمد بهار أطلق عليه الجنود الإسرائيليون كلباً مفترساً، أكل لحمه حياً، نزف حتى الموت، رأى الموت المتوحش سكيناً ينحره ويقشره حتى جاع الموت.
الجوع يسجننا، الجوع السياسي هو الأخطر، الجوع الذي يستهدف العقل والإرادة، اسألوا الكاتب زكريا تامر لقد جوّع النمر المحبوس في القفص، تروض النمر وفقد قوته وعنفوانه، صار مطيعاً، أليفاً، مطبعاً، خانعاً يستجيب لأوامر السجن.
ابنتي المعاقة أكلت يدها من الجوع، هذا الجوع الذي قال عنه الشاعر العربي عبد الرازق عبد الواحد رحمه الله، يمشي عارياً بين الجميع ولا يلام، والنفط يملأ أرضنا والناس تبحث عن طعام، يا ويلها الأطماع تخلع جلدها باسم السلام، وتمد للحب المخالب كي يبادلها احترام.





Share your opinion
أكلت يدها