Sat 24 May 2025 9:06 am - Jerusalem Time

استهداف الدبلوماسيين.. رسائل بالرصاص بأن لا حصانة لأحد

رام الله - خاص بالـ "القدس" دوت كوم -

د. دلال عريقات: عدم ردع إسرائيل الآن سيسمح لها بتوسيع "إرهابها باسم الأمن" مهددة المبادئ الأساسية للمنظومة الدولية

عوني المشني: الخطوة ستزيد من أزمة إسرائيل وعزلتها الدولية والرد الأوروبي الحالي رغم أنه غير كافٍ يسير في الاتجاه الصحيح

د. جمال حرفوش: إسرائيل أرادت توجيه رسائل واضحة بلغة الرصاص بأن لا حصانة لأحد حتى لدبلوماسيي الاتحاد الأوروبي 

د. رائد الدبعي: قد نشهد تجميداً جزئياً لاتفاقيات ثنائية أو فرض شروط جديدة على التعاون مع إسرائيل خاصة في أوروبا

سليمان بشارات: إطلاق النار على الدبلوماسيين يهدف لإيصال رسالة واضحة بأن إسرائيل هي "صاحبة الوصاية والقرار" في الأراضي الفلسطينية

د. عمرو حسين: توقع خطوات أوروبية جريئة مثل تجميد التعاون الأمني ومراجعة الاتفاقيات التجارية أو دعم أقوى لتحقيقات جرائم الحرب

 

 لا تزال تداعيات حادثة إطلاق قوات الاحتلال الإسرائيلي النار على وفد دبلوماسي أوروبي وعربي في جنين الأربعاء، تلقي بظلالها على علاقاتها مع تلك الدول التي يمثلها الوفد، لكن الحادثة تعد مؤشراً خطيراً يدل على نهج إسرائيلي ممنهج يسعى لاستباحة القانون الدولي وتحدي الأعراف الدبلوماسية، في محاولة لفرض الرواية الإسرائيلية بلغة القوة والرصاص.

ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات في أحاديث منفصلة مع "القدس"، أن الحادثة لم تكن عشوائية، وتحمل رسائل سياسية وأمنية تهدف إلى ترهيب الجهات الدولية، خاصة مع تصاعد الانتقادات الأوروبية لانتهاكات إسرائيل في الضفة الغربية وقطاع غزة. 

وبحسب الكتاب والمحللين والمختصين وأساتذة الجامعات، تُظهر هذه الواقعة سعي إسرائيل لفرض سيادتها المزعومة، مؤكدة أن لا حصانة لأحد، حتى للدبلوماسيين، في محاولة لقمع أي جهد إنساني أو سياسي دولي يهدد روايتها.

ويشيرون إلى أن الحادثة تكشف عن استراتيجية إسرائيلية للسيطرة على السردية ومنع توثيق الانتهاكات، حيث تعتبر وجود أي طرف ثالث، سواء أممي أو دولي، تهديداً لروايتها الأمنية، ويعزز هذا التصعيد فكرة أن إسرائيل لا تخضع لرقابة أو مساءلة، مستغلة إفلاتها من العقاب بدعم قوى دولية كبرى، كما يوجه رسالة إلى الفلسطينيين مفادها أن القانون الدولي والهيئات الدولية لن توفر لهم الحماية، في خطوة تهدف إلى الضغط النفسي والسياسي. 

ومع ذلك، يرجحون أن يؤدي هذا الفعل إلى زيادة عزلة إسرائيل، خاصة مع تصاعد التنديد الدولي واستدعاء سفرائها في عواصم أوروبية، بينما تضع الحادثة المجتمع الدولي أمام مفترق طرق، حيث يتوقع مراقبون تصعيداً دبلوماسياً قد يشمل تجميد اتفاقيات ثنائية أو فرض شروط على التعاون مع إسرائيل، إلى جانب تحركات قضائية في المحكمة الجنائية الدولية.

 

الاعتداء على الوفد الدبلوماسي ليس حدثاً استثنائياً

 

تقول أستاذة الدبلوماسية وحل الصراعات في الجامعة العربية الأمريكية، د. دلال عريقات، إن إطلاق النار على وفد دبلوماسي أوروبي في جنين ليس حدثاً استثنائياً، بل يعد جزءاً من نهج إسرائيلي ممنهج يقوم على استباحة القانون الدولي وتجاهل الأعراف الدبلوماسية والإنسانية. 

وتصف عريقات الحادثة بأنها رسالة مركبة تحمل إهانة متعمدة وتحدياً سافراً للمجتمع الدولي، وتعكس استمتاع إسرائيل بإفلاتها من العقاب، بدعم من قوى دولية كبرى سمحت لها بتجاوز المساءلة.

وتوضح عريقات أن إسرائيل، من خلال هذا التصعيد، تسعى لإيصال رسائل واضحة أنه لا حصانة لأحد، بما في ذلك الدبلوماسيون، مما يعكس محاولتها قمع أي جهد إنساني أو سياسي دولي في الأراضي الفلسطينية. 

وتوضح عريقات أن إسرائيل تعتبر وجود أي طرف ثالث، سواء كان دولياً أو أممياً، تهديداً لروايتها المزيفة، وبالتالي تمارس "إرهاباً منظماً" لمنع كشف جرائمها. 

وتشير عريقات إلى أن هذا الفعل يندرج ضمن حرب إسرائيلية على الحقيقة، حيث تسعى للسيطرة على السردية ومنع أي توثيق لانتهاكاتها.

وتؤكد عريقات أن تصرفات إسرائيل لا تهدد الفلسطينيين فحسب، بل تعرض النظام الدولي برمته للخطر، حيث ترتقي جرائمها إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية، وتنسف أسس القانون الدولي والجهود الدبلوماسية. 

وتصف عريقات الحادثة بأنها جرس إنذار للمجتمع الدولي، محذرة من أن استمرار الصمت سيؤدي إلى مزيد من العنف والفوضى، معتبرة أن القوة العسكرية الإسرائيلية ليست مصدر استقرار، بل مصدر دائم لعدم الاستقرار الإقليمي.

 

رد فعل العالم سيحدد المسار القادم

 

وحول السيناريوهات المستقبلية، تشدد عريقات على أن رد فعل العالم سيحدد المسار القادم، حيث دعت الدول إلى اتخاذ مواقف حاسمة، تتجاوز الإدانات إلى إعلان إسرائيل كدولة خارجة عن القانون، ومعاملتها ككيان يمارس إرهاب دولة منظم، كما أن استمرار التغاضي الدولي سيفاقم العنف، ولا بد من إعادة تعريف العلاقة مع إسرائيل، عبر مساءلتها أمام المحاكم الدولية والمحلية، ووقف التعاون السياسي والعسكري معها حتى تلتزم بحقوق الإنسان والقانون الدولي. 

وتؤكد عريقات على ضرورة وجود تحرك دبلوماسي فوري يشمل استدعاء الدبلوماسيين الإسرائيليين في العواصم المعنية، وإعلان حالة توتر دبلوماسي مع إسرائيل، للضغط عليها لوقف انتهاكاتها.

وتعتقد عريقات أن عدم ردع إسرائيل الآن سيسمح لها بتوسيع "إرهابها باسم الأمن"، مهددة المبادئ الأساسية للمنظومة الدولية، وداعية إلى استثمار هذه اللحظة لمحاسبة إسرائيل وإنهاء إفلاتها من العقاب.

 

تصاعد المواقف الأوروبية المناهضة للإبادة الجماعية

 

من جانبه، يقول الكاتب والمحلل السياسي عوني المشني إن إطلاق النار على الوفد الدبلوماسي في جنين ليس حادثاً عابراً، بل جزء من سياسة إسرائيلية ممنهجة تهدف إلى منع تدخل الهيئات الأممية والإقليمية في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. 

ويوضح المشني أن هذه السياسة تتجلى في هجمات إسرائيل على وكالة الغوث (الأونروا)، ومنع وفود منظمات حقوق الإنسان من دخول الأراضي الفلسطينية، وتجاهل لجان التحقيق الدولية، إضافة إلى الحملة ضد محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية. 

ويشير المشني إلى أن إطلاق النار على الوفد الدبلوماسي يأتي في سياق تصاعد المواقف الأوروبية المناهضة للإبادة الجماعية والتجويع في غزة، والمطالبة بوقف الحرب، مما دفع إسرائيل إلى التصعيد لتؤكد أنها لا تخضع لرقابة أو مساءلة دولية، حتى من الاتحاد الأوروبي. 

ويوضح المشني أن الحادثة تحمل رسالتين: الأولى موجهة إلى المجتمع الدولي بأن إسرائيل تملك القدرة على فعل ما تريد دون عواقب، والثانية للفلسطينيين بأن القانون الدولي والهيئات الدولية لن توفر لهم الحماية، في خطوة تهدف إلى الضغط عليهم نفسياً وسياسياً.

 

إمكانية الاعتراف الأوروبي بدولة فلسطين

 

ويرى المشني أن هذه الخطوة ستزيد من أزمة إسرائيل وعزلتها الدولية، مشيراً إلى أن الرد الأوروبي الحالي، رغم أنه غير كافٍ، يسير في الاتجاه الصحيح. 

ويوضح المشني أن الحملة الدولية ضد السياسات الإسرائيلية بدأت تنتقل من التنديد إلى فرض عقوبات، وإن كانت شكلية في بعض الأحيان، فهي تمثل بداية مشجعة. 

ويؤكد المشني أن استمرار هذه العقوبات وتعميقها سيترك تأثيراً كبيراً، خاصة مع تزايد إمكانية الاعتراف الأوروبي بدولة فلسطين كترجمة سياسية لتحول المواقف الأوروبية.

ويوضح المشني أن إطلاق النار على الوفد يوفر مبرراً لتكثيف الفعل الأوروبي الرافض للسياسات الإسرائيلية، لكنه يشدد على ضرورة تحرك فلسطيني وعربي ودولي منسق لتعزيز هذا الزخم. 

ويؤكد المشني أن الطريق نحو تحقيق عقوبات أوروبية مؤثرة طويل ومليء بالتحديات، لكنه يبقى في الاتجاه الصحيح، مشدداً على أن استمرار الضغط الدولي سيجبر إسرائيل على مواجهة تبعات سياساتها الإجرامية.

 

 

اعتداء يحمل دلالات سياسية واستراتيجية عميقة

 

بدوره، يقول البروفيسور جمال حرفوش، أستاذ مناهج البحث العلمي والدراسات السياسية في جامعة المركز الأكاديمي للأبحاث في البرازيل، أن إطلاق النار على وفد دبلوماسي في جنين ليس حادثاً عرضياً أو خطأً فردياً، بل فعل مقصود يحمل دلالات سياسية واستراتيجية عميقة. 

ويوضح حرفوش أن إسرائيل، التي تقوم على منطق القوة بدلاً من القانون، أرادت توجيه رسائل واضحة إلى المجتمع الدولي بلغة الرصاص، مؤكدة أن لا حصانة لأحد، حتى لدبلوماسيي الاتحاد الأوروبي والدول العربية، وأن سيادتها العسكرية المزعومة فوق أي اعتبار.

ويحدد حرفوش ثلاث رسائل رئيسية وراء الحادثة؛ الأولى رفض إسرائيل أي رقابة دولية على ممارسات جيشها في الضفة الغربية، خاصة في جنين، التي أصبحت رمزاً للمقاومة الشعبية. 

والرسالة الثانية وفق حرفوش، محاولة تحييد الأدوات الدبلوماسية ومنع أي تحقيق مستقل في الانتهاكات عبر ترهيب الوفود الدبلوماسية، بينما الرسالة الثالثة فهي فرض منطق الحصار والعنف على العالم، حيث يصبح أي دبلوماسي يدخل مناطق العمليات الإسرائيلية هدفاً محتملاً، في خرق صارخ لاتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961 التي تحمي سلامة البعثات. 

 

إسرائيل لأوروبا: "لا تأتوا شهوداً على جرائمنا

 

ويشير حرفوش إلى أن رسالة إسرائيل لأوروبا واضحة: "لا تأتوا شهوداً على جرائمنا، وإلا ستواجهون مصير من يعيشون هذا الجحيم اليومي".

ويرى حرفوش أن الحادثة قد تشكل نقطة تحول في المشهد الدولي تجاه إسرائيل، التي لم تكتف بممارسة الإبادة ضد الفلسطينيين، بل باتت تهدد النظام الدولي نفسه. 

ويتوقع حرفوش ثلاثة سيناريوهات مستقبلية: الأول تصعيد دبلوماسي من الاتحاد الأوروبي، قد يشمل تجميد اتفاقيات التعاون أو مراجعة العلاقات الثنائية، مع طرح قرار أممي لتشكيل لجنة تحقيق.

والسيناريو الثاني، تحرك قضائي دولي عبر فتح ملف في المحكمة الجنائية الدولية بموجب المادة (8) من نظام روما، لتصنيف الحادث كانتهاك لقوانين الحرب. 

ويشير حرفوش إلى أن السيناريو الثالث وهو تسريع موجة الاعتراف بدولة فلسطين وتعزيز التأييد الشعبي الغربي لحركة المقاطعة (BDS)، خاصة بعد الاعتداء على دبلوماسيين يمس سيادة دولهم.

ويدعو حرفوش المجتمع الدولي إلى الانتقال من الإدانات إلى المساءلة والمقاطعة، محذراً من أن التهاون يمثل تواطؤاً مع الإبادة، ومؤكداً أن الحادثة تكشف طبيعة دولة تستبيح الحصانات وتهدد أسس النظام الدولي.

 

 

أيديولوجية دينية متطرفة تشكل جوهر السياسات الإسرائيلية

 

من جهته، يعتبر رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية، د. رائد الدبعي، إن حادثة إطلاق النار على وفد دبلوماسي دولي في جنين تعكس تحولاً خطيراً في سلوك حكومة اليمين الديني الإسرائيلي، التي باتت تعتمد أيديولوجية دينية متطرفة تشكل جوهر سياساتها العسكرية والأمنية. 

ويوضح الدبعي أن جيش الاحتلال لم يعد مجرد أداة أمنية تقليدية، بل أصبح وعاءً لأفكار توراتية متشددة تكرس ثنائية "المقدس اليهودي مقابل الآخر الدنيوي"، مما يمنح الجنود، خاصة أولئك القادمين من المستوطنات ذات الخلفية العقائدية، شعوراً بالتفوق الأخلاقي والحق المطلق في استخدام العنف دون مساءلة.

ويرى الدبعي أن الحادثة تحمل دلالات رمزية وعملية مزدوجة، فهي رسالة ترهيب موجهة للدبلوماسيين الدوليين بهدف ثنيهم عن زيارة المناطق الفلسطينية المحاصرة، خاصة تلك التي تشهد انتهاكات إسرائيلية موثقة، وكذلك تمثل تأكيداً صريحاً على ادعاء إسرائيل بالسيادة المطلقة على الأراضي الفلسطينية، مع رفض أي رقابة دولية أو محاسبة قانونية. 

ويشير الدبعي إلى أن هذا التصرف، رغم هدفه فرض الهيمنة، قد ارتد سلباً على إسرائيل، حيث أدت التغطية الإعلامية الواسعة للحادثة وتزامنها مع توقيت حساس إلى تصاعد التنديد الدولي، فقد استدعت عواصم أوروبية سفراء إسرائيل، وأصدرت دول عربية مركزية، مثل السعودية ومصر، بيانات إدانة غير مسبوقة. 

 

انتهاك غير مسبوق لمبدأ الحصانة الدبلوماسية

 

ويؤكد الدبعي أن الحادثة تأتي في سياق تصاعد المطالبات الأوروبية بإعادة تقييم اتفاقية الشراكة مع إسرائيل بسبب انتهاكاتها المستمرة لحقوق الإنسان والقانون الدولي، كما تزامنت مع بيان مشترك بريطاني-فرنسي-كندي يطالب بإدخال المساعدات الإنسانية إلى غزة، ووقف الحرب، وإنهاء الجرائم في الضفة الغربية، مع تهديد باتخاذ خطوات عملية ضد إسرائيل لأول مرة. 

ويؤكد الدبعي أن استهداف وفد دبلوماسي يعد انتهاكاً غير مسبوق لمبدأ حصانة البعثات الدبلوماسية، مما يعزز عزلة إسرائيل السياسية والأخلاقية دولياً، خاصة في ظل الأدلة الأممية على جرائم قد ترقى إلى الإبادة الجماعية في غزة.

وحول السيناريوهات المستقبلية، يتوقع الدبعي تصعيداً دبلوماسياً قصير المدى، قد يشمل تجميداً جزئياً لاتفاقيات ثنائية أو فرض شروط جديدة على التعاون مع إسرائيل، خاصة في أوروبا. 

وعلى المدى المتوسط، يرى الدبعي بوادر تشكل محور دولي جديد، يضم قوى أوروبية ودولاً من الجنوب العالمي، يتبنى مواقف أكثر حدة تجاه الاحتلال. 

لكن الدبعي يشدد على ضرورة تحرك فلسطيني فاعل لاستثمار هذه اللحظة التاريخية، من خلال تقديم شكاوى للمحكمة الجنائية الدولية، وتفعيل الضغط في الأمم المتحدة، وتوحيد الفعل الشعبي لإنهاء الإبادة وتحقيق الاعتراف الكامل بدولة فلسطين.

 

تحجيم الدور الدبلوماسي الأوروبي

 

ويرى الكاتب والمحلل السياسي سليمان بشارات أن حادث إطلاق النار الذي استهدف وفودًا دبلوماسية أوروبية وعربية في محيط مخيم جنين الأربعاء، بمثابة رسالة إسرائيلية مدروسة تهدف إلى تعزيز السيطرة الإسرائيلية على الرواية السياسية في المنطقة وتحجيم الدور الدبلوماسي الأوروبي. 

ويشير بشارات إلى أن الحادث ليس عشوائيًا، بل يحمل أبعادًا سياسية وأمنية تهدف إلى إيصال رسائل متعددة إلى الأطراف الدولية، خاصة الدول الأوروبية التي بدأت تنتقد السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة.

ويوضح بشارات أن الوفود الدبلوماسية الغربية لا تتحرك في الأراضي الفلسطينية إلا بتنسيق كامل مع السلطات الإسرائيلية، مما يعني أن إسرائيل كانت على علم مسبق بإحداثيات الوفد وحجم وجوده وطبيعته.

ويرى بشارات أن إطلاق النار، الذي قد يكون غير مباشر وغير مقصود للإيذاء، يهدف إلى إيصال رسالة واضحة مفادها بأن إسرائيل هي "صاحبة الوصاية والقرار" في الأراضي الفلسطينية، وأن أي تدخل خارجي يجب أن يتم تحت مظلتها السياسية والأمنية. 

ويؤكد بشارات أن هذه الرسالة موجهة بشكل خاص إلى الدول الأوروبية التي بدأت تعبر عن انتقادات متزايدة للممارسات الإسرائيلية، مثل الاستيطان في الضفة الغربية أو الحصار المفروض على قطاع غزة.

 

إبقاء الرواية الإسرائيلية هي السائدة

 

ويشير بشارات إلى أن إسرائيل تسعى من خلال هذا الحادث إلى تحقيق أهداف متعددة، أبرزها تحجيم الدور الأوروبي في الأراضي الفلسطينية من خلال فرض قيود على حركة البعثات الدبلوماسية وجعل أي جولات ميدانية مشروطة بمشاركة الجيش الإسرائيلي.

هذا الشرط، وفقًا لبشارات، يهدف إلى ضمان بقاء الرواية الإسرائيلية هي السائدة، ومنع التواصل المباشر بين الدبلوماسيين الأوروبيين والفلسطينيين، مما يحد من قدرة الأخيرين على نقل واقعهم بشكل مباشر. 

ويرى بشارات أن الحادث يعزز فكرة أن الوجود الدبلوماسي الأوروبي في فلسطين أصبح غير آمن، مما قد يدفع بعض الدول إلى تقليص تحركاتها أو حتى سحب بعثاتها الدبلوماسية.

ويشير بشارات إلى أن إسرائيل كانت قد اتخذت خطوات سابقة للحد من الوجود الدبلوماسي الأوروبي، مثل إلغاء تأشيرات وتجديد إقامات لبعض الوفود الدبلوماسية قبل أشهر. 

ويعتبر بشارات أن هذه السياسات تعكس قلق إسرائيل من تحول المواقف الأوروبية من مجرد انتقادات إلى سياسات عملية قد تترجم إلى قرارات استراتيجية، مثل فرض عقوبات على إسرائيل بسبب انتهاكاتها لحقوق الفلسطينيين.

 

سيناريو تقليص البعثات الدبلوماسية

 

وفيما يتعلق بالسيناريوهات المستقبلية، يتوقع بشارات أن تنجح إسرائيل، في أحد السيناريوهات، في تحجيم الدور الدبلوماسي الأوروبي من خلال استغلال مخاوف السلامة الشخصية، مما قد يقتصر وجود البعثات الدبلوماسية على المكاتب دون التواصل الميداني مع الفلسطينيين، وهذا الوضع، وفقًا لبشارات، سيسمح لإسرائيل بفرض روايتها وتغييب الواقع الفلسطيني. 

أما السيناريو الآخر، يعتبره بشارات أقل احتمالاً في الوقت الحالي، وهو تصاعد المواقف الأوروبية المنتقدة لإسرائيل، حيث قد يشكل الحادث دافعًا لتكثيف المطالب بفرض عقوبات على الاحتلال الإسرائيلي. 

ومع ذلك، يشير بشارات إلى أن هذا السيناريو يبقى رهينًا بالتقلبات السياسية الدولية، وليس بالضرورة مرتبطًا باستراتيجيات طويلة الأمد.

ويؤكد بشارات أن إسرائيل تدرك أن الانتقادات الأوروبية تشكل إزعاجًا متزايدًا، وأنها تخشى من تحول هذه الانتقادات إلى مواقف سياسية تؤثر على سياساتها في الأراضي الفلسطينية، وبالتالي، فإن مثل هذه الحوادث قد تكون جزءًا من استراتيجية إسرائيلية لتثبيت هيمنتها على الساحة الفلسطينية والحد من أي تأثير خارجي يهدد روايتها.

 

 

الاعتداء على الدبلوماسيين في جنين ليس خطأ ميدانياً

 

بدوره، يرى الكاتب والمحلل السياسي المصري والباحث في العلاقات الدولية والإستراتيجية، د. عمرو حسين أن حادثة إطلاق النار على دبلوماسيين أوروبيين في جنين ليست خطأ ميدانياً كما تدعي إسرائيل، بل جزء من استراتيجية سياسية وأمنية تهدف إلى إيصال رسائل داخلية وخارجية. 

ويوضح حسين أن إسرائيل تنظر إلى أي وجود دولي في الأراضي الفلسطينية، حتى لو كان رمزياً، كتهديد لروايتها الأمنية، خاصة مع تزايد التغطية الإعلامية المستقلة والتوثيق الدولي لانتهاكاتها في الضفة الغربية وقطاع غزة.

ويشير حسين إلى أن الحادثة تحمل رسالتين أساسيتين: الأولى موجهة إلى المجتمع الدولي، مفادها بأن "لا أحد فوق قواعد الاشتباك" التي تفرضها إسرائيل، حتى الدبلوماسيين الأوروبيين، في محاولة لترهيب الجهات الدولية التي بدأت تراقب الأوضاع الحقوقية والإنسانية عن كثب، خاصة مع تصاعد الضغوط الأوروبية لمحاسبة إسرائيل على جرائمها، أما الرسالة الثانية فهي موجهة للداخل الإسرائيلي، حيث تسعى حكومة بنيامين نتنياهو إلى تعزيز خطاب اليمين المتطرف الذي يرفض أي تدخل أو رقابة دولية، حتى من حلفاء إسرائيل الغربيين التقليديين. 

ويؤكد حسين أن هذه الحوادث تغذي الرواية الداخلية التي تصور أوروبا كمنحازة ضد إسرائيل، رغم دعمها التاريخي للاحتلال.

 

نقطة تحول في العلاقات الأوروبية-الإسرائيلية

 

ويعتبر حسين أن الحادثة قد تشكل نقطة تحول في العلاقات الأوروبية-الإسرائيلية، حيث يمثل استهداف دبلوماسيين أوروبيين خرقاً فاضحاً للأعراف والاتفاقيات الدولية. 

ويتوقع حسين أن تشهد الفترة المقبلة خطوات أوروبية جريئة، مثل تجميد التعاون الأمني، ومراجعة الاتفاقيات التجارية، أو دعم أقوى لتحقيقات جرائم الحرب. 

ويؤكد حسين أن الحادثة تضع أوروبا أمام اختبار مصداقية، إذ يجب عليها اتخاذ موقف مبدئي يتماشى مع شعاراتها الحقوقية، وإلا ستخسر مصداقيتها في العالم العربي والدولي.

ويحذر حسين من أن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية قد يؤدي إلى تصعيد دبلوماسي تدريجي، يشمل استدعاء السفراء، وفرض قيود على تصدير الأسلحة، أو تعزيز التحقيقات الدولية. 

ويوضح حسين أن إسرائيل "دولة إبادة" تعيش عزلة أخلاقية متزايدة، واستخدامها العنف ضد المدنيين والدبلوماسيين على حد سواء قد يعزز الضغوط الدولية إذا توفرت إرادة سياسية. 

ويؤكد حسين أن الحادثة تكشف طبيعة نظام إسرائيلي يتحدى النظام الدولي، مما يتطلب رداً حازماً لوقف تصاعد انتهاكاته.

 

 

 

Tags

Share your opinion

استهداف الدبلوماسيين.. رسائل بالرصاص بأن لا حصانة لأحد

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.