في كل مرة يُسفك فيها الدم الفلسطيني، وتُهدم البيوت، وتُغتال الأحلام، نواجه سؤالاً مريراً في ضميرنا الجمعي، فهل نحن - كفلسطينيين - أقل قيمة في نظر العالم؟ ولماذا يعتبر الدفاع عن حقوق اليهود نُبلاً إنسانياً، بينما يوصف دفاع الفلسطيني عن أرضه بالإرهاب والتطرف؟ لماذا تُجرم الكراهية تجاههم، وتشرعن تجاهنا؟
منذ سنوات والعالم يدين كل ما يمس اليهود سواء كإثنية او ديانة تحت شعار "معاداة السامية"، لقد قولب الغرب هذه التهمة بعد قرون من اضطهاد اليهود على أرضه، وبات من المسلّم به - في الخطاب السياسي الغربي - أن أي خطاب نقدي تجاه الاحتلال، يفسر فورا، كعداء للسامية، حتى وإن صدر من ضحاياه، أي نحن الفلسطينيين.
ولان الغرب يحمل هذا الإرث من الاضطهاد، فقد حول عقدة ذنبه إلى سياسات خارجية، تحصن الاحتلال من أي نقد، وبهذا، أصبح مشروعه الاستعماري قائم على آلام ضحايا آخرين، وهنا يظهر الخلل الأخلاقي، فذلك لا يمنحه تفويضاً لصناعة ضحايا جدد، وبذلك تحولت السامية إلى هوية سياسية مرتبطة بالاحتلال، تستخدم لتأمين امتيازات سياسية ودبلوماسية، بينما السامية التي ننتمي إليها، لا تترجم إلى حقوق أو حماية، بل إلى شبهة دائمة، وإدانة مسبقة، وحين نعبر عن غضبنا، نوصم بالتطرف، وحين نطالب بالعدالة، نتهم بالتحريض، ما جعل من "معاداة السامية" درعاً فولاذياً يحتمي به الاحتلال من أية مساءلة، أما معاداة الفلسطيني، فلا تجد لها تعريفاً، ولا قانوناً يجرمها، ولا إعلاماً يدينها، بل صار من الطبيعي أن ينعت الفلسطيني بـ"الإرهابي"، وبـ"التهديد الديموغرافي"، أو بأنه "عقبة" في وجه قطار السلام، فلا أحد يعاقب على الدعوة إلى تهجيره، أو قتله، أو محوه من الجغرافيا والتاريخ.
فماذا عنّا نحن أبناء سام أيضا؟ من ننتمي للسامية في أصولنا، ولغتنا، وثقافتنا، وتاريخنا، أليس من المفارقة أن تسخر "السامية" لسحق ساميتنا؟ فترى العالم يختنق - غضباً - إذا نشر رسم يمس اليهود، ويقف صامتاً، بلا حراك جاد، حين يجوّع اكثر من مليوني إنسان، او تهدم المستشفيات، ويحرق الأطفال أحياءً، أو يقتل الصحفيون على الهواء، أو تدفن تحت الركام النساء، فهذا الصمت ما عاد حياداً، بل تواطؤ.
فلو كان المعيار إنسانياً، لرأينا ذات الإدانة، لكن المنظومة الغربية اختزلت حقوق الإنسان في "إنسانها"، و"روايتها"، واستبعدت كل من لا يجيد النطق بلغتها، ولا يخدم مصالحها.
ولأن الإعلام اداة طيعة بيد هذه المنظومة، فقد لعب دوراً محورياً في إعادة إنتاج التمييز، وسخرته في سبيل ذلك، فلا يروي الحدث فقط، بل يعيد تشكيله، ويحمّله دلالات سياسية وأخلاقية، فالكلمات ليست محايدة، وحين يختار وصفاً دون آخر، يتموضع "أخلاقيا"، فيقرر من "الضحية" ومن "المجرم"؟ وبالتالي من يستحق التعاطف؟ ومن "يجرد" من إنسانيته؟ فالإسرائيلي "يقتل في هجوم.."، والفلسطيني "يقضي عليه" او "يتم تحييده" او "يقتل في اشتباك"، وكذا جنوده "يسقطون في معارك..." أما الفلسطيني فيتم "القضاء عليه" أثناء "إحباط تهديد ..."، ذاك جندي دولة وهذا مسلح، في تعزيز لسردية "دولة القانون"، وإظهار الفلسطيني كـ"خارج على القانون"، لغة تعيد إنتاج عنصرية مغلفة بـ"المهنية الصحفية"، وهذا لا يقتصر على إعلام الغرب، بل أيضا، على إعلام يحمل أسماءنا، او ينطق لغتنا.
فهل ساميتهم خير من ساميتنا؟ أم أن معيار الإنسانية يوزع وفق خريطة المصالح؟ وهل حقهم في الحماية من الكراهية مقدس؟ وحقنا في الحياة قابل للنقاش؟ هل دمهم أغلى من دمنا؟ وهل الألم لا يعترف به إلا إذا صاح بلغة غربية؟
نعم، نحن ساميون، وساميتنا ليست أقل شأنا، ولا إنسانيتنا كذلك، لكن يبدو أن "ساميتهم" مدعومة مسلحة بالدبابة، أما ساميتنا، فتذبح بصمت، أو تدفن في بيان شجب.





Share your opinion
هل ساميتهم خير من ساميتنا ؟