(1) ظلال اللهب
وقد كان في العام الثالث والعشرين بعد الألفين، أن هبّت النار من خاصرة الأرض، حيث غزة، المدينة التي لا تنام إلا على ضوء القنابل، ولا تصحو إلا على صدى الأنين. ففي فجرٍ مشحونٍ بالرمال والغضب، اخترقت كتائب المقاومة أسواراً ظنّ العدو أنها عصية، وأحدثوا زلزالاً زلزل أركان الدولة العبرية، وأسقط الأسطورة الأمنية التي بُنيت على أعمدة الخوف.
لكن ما ظنّه المقاومون نصراً، كان بوابة لجحيم لم يعرف له الناس مثيلاً. فهطلت على غزة صواريخ الأرض والجو، ونزل الحديد والنار على الأحياء كما الطاعون، لا يفرق بين شيخ ورضيع، بين مأوى وملجأ، بين كفن ووسادة. قُصفت البيوت فوق ساكنيها، وشُطبت أحياء بأكملها من خرائط المدن، كأنها لم تكن.
وسُجّل في دفاتر الزمان أن دولة إسرائيل، وقد انجرحت كبرياؤها، مارست انتقاماً جاوز حدود المعقول، حتى قال بعض حكماء عصرهم: "لم يكن القتل سبيلاً للردع، بل طقساً من طقوس التدمير". فيما وقف العالم، الذي ملأ الدنيا حديثاً عن حقوق الإنسان، صامتاً أو متلعثماً، إلا من احتجاجات شعوب لم تعد تؤمن بسياسييها.
أما حماس، وإن أظهرت وجهاً من الجرأة لم يُر من قبل، فإنها وقعت في غفلة التاريخ. لم تزن حجم الفاجعة التي ستنهمر، ولا صدقت الوعود المرسلة من بعيد، من طهران وبيروت ودمشق. كانت وحدها في الميدان، تتلقى الضربات، وتُدفن معها أحلام الناس الذين احتموا بها.
وفي تلك الأيام، هناك من مشى كشبح باهت، يسير بين ركام المواقف، صامتا حين وجب الصراخ، متردداً حين استدعى الواجب الثبات. لم يعمل على جمع الشتات، غاب حين طلبه التاريخ، وكتب عنه المؤرخون: "تاه في دروب الحسابات، بينما كان الوطن يُسحق حجراً حجراً."
لكن من رحم الرماد، وُلد وعي جديد. صرخت المدن البعيدة باسم غزة، وارتفعت راياتها في شوارع لم تعرف اسمها من قبل. وصار الدم، وإن أُهدر، حبراً في صحف الضمير، يكتب أن غزة لم تكن فقط ساحة قتال، بل مرآةً لحقيقة هذا العصر: حيث تسقط الدول، وتعلو المآذن في القلوب، وحيث يقاوم الشعب لا ليهزم عدواً فقط، بل ليُثبت أنه ما زال حياً..
(2) كامل
كان كامل واحداً من أبرز الصحفيين في قطاع غزة. عاش في حي الرمال بغزة مع زوجته سارة وطفليه آدم (8 سنوات) ولين (5 سنوات)... كان يعمل مراسلاً لقناة تلفزيونية عربية، يحظى باحترام واسع بين زملائه لما يتمتع به من مهنية عالية وإنسانية دافئة. بيته كان بسيطاً لكنه مفعم بالحياة، وكان يحلم بمستقبل أفضل لأطفاله في مدينة لا يعرف فيها الأطفال أصوات الطائرات أكثر من أصوات الطيور.
لكن بعد السابع من أكتوبر 2023، تغيّر كل شيء.
مع بداية العدوان الإسرائيلي العنيف على غزة، وجد كامل نفسه أمام معادلة صعبة: بين واجبه المهني في نقل الحقيقة، وواجبه الإنساني في حماية أسرته. حمل كاميرته بيد، وأمسك بيد "آدم" و"لين" في الأخرى، وهو يقود عائلته في رحلة نزوح أولى نحو الجنوب، حيث كان يُعتقد أن المنطقة أكثر أماناً.
في أيام النزوح، لم يكن الصحفي في داخله قادراً على السكوت. بدأ ينقل للعالم مشاهد الدمار، بكاء الأمهات، وصراخ الأطفال تحت الركام. كان صوته يرتجف، لكنه لم يتوقف. نقل معاناة الناس كما هي، من دير البلح إلى رفح، ومن غزة إلى خان يونس والى بيت لاهيا وجباليا..
توالت النزوحات، بيت بعد بيت، ملجأ بعد ملجأ، حتى انتهى بهم المطاف في خيمة قرب مدرسة في خان يونس. ورغم التعب، كان ينهض كل صباح ليغطي الأحداث مع فريق قناته... وفي أحد الأيام، وبينما كان يصور تقريراً عن المجزرة التي ارتكبتها الطائرات الإسرائيلية في حي سكني، باغتتهم طائرة مسيّرة بصاروخ مباشر.
في لحظة، ساد الصمت. استُشهد كامل وكل من معه.
خبر استشهاده تصدر شاشات الأخبار، لكن زوجته سارة لم تسمعه من التلفاز، بل من جارتها. وقفت مذهولة، تحاول احتضان طفليها بينما تنهار بصمت.. رحل كامل، وترك وراءه كاميرا مكسورة، وحلم وطن، وأسرة تواجه قسوة الحياة بلا مأوى ولا معيل !!
مثل آلاف العائلات في غزة، أصبحت عائلة كامل رمزاً للفقدان، وأصبحت عدسته التي سُحقت تحت الركام شاهدة على جريمة لم تكتمل روايتها بعد.
(3) نتنياهو وترامب
في مكتبه في تل أبيب، جلس بنيامين نتنياهو على كرسيه الجلدي المفضل، يحتسي قهوة سوداء كالواقع في اسرائيل، ويقرأ عنواناً على شاشة التلفاز:
"ترامب: حان وقت الحوار مع إيران، والسلام مع الحوثيين، واتفاق لوقف الحرب في غزة وتبادل للأسرى مع حماس بعد ان أطلقنا سراح عيدان ألكسندر".
سعل نتنياهو القهوة من أنفه. التفت إلى مستشاره وقال:
ـ "هل أنا في كابوس؟ أم هل فتحت أمريكا سفارة لها في طهران وأنا نائم؟"
مسح عرقه بمنديل مطبوع عليه شعار "لنستعيد قوة الردع مرة أخرى"، ثم تابع النشرة التي يظهر فيها ترامب مبتسمًا، يقول:
ـ "الإيرانيون طيبون .. الحرس الثوري رجال أعمال بسلاح! .. والحوثيون مجرد عشاق درونز!"
غمغم نتنياهو:
ـ "من هذا الرجل؟ أين ترامب الذي كنت أعرفه؟ أين ذلك الذي مزق الاتفاق النووي وهو يضحك كأنه يشاهد مسرحية في فيغاس؟!"
اقترب المستشار، وهمس:
ـ "سيدي، يقال إنه بدأ يقرأ كتباً... بعضها فيه كلمات أكثر من 280 كلمة."
شحب وجه نتنياهو.
ـ "يا إلهي، إنه يفكر؟!"
وفي اليوم التالي، تلقى مكالمة من ترامب:
ـ "بيبي، عزيزي، عندي صفقة قرن جديدة: إيران توقف تخصيب اليورانيوم، مقابل حصولها على كازينو تديره عائلتي في بندر عباس!"
ـ "و... الحوثيون؟"
ـ "نعطيهم تطبيقًا إلكترونيا لتوصيل الصواريخ بمسؤولية!"
ـ "و... حماس؟!"
ـ "أخذنا ألكسندر منها ... وأعطيناها تغريدتين عن الحرية!"
أغلق نتنياهو الهاتف. تنهد وقال:
ـ "الشرق الأوسط كان جحيمًا، لكنه على الأقل كان جحيمًا يمكنني فهمه."
(4) إسقاط نَجمِي
في سكون الليل، حين تنام الأجساد وتغفو الأرواح، انزلق وعيه بهدوء خارج جسده، متحرراً من قيود اللحم والدم. لقد دخل حالة "الإسقاط النجمي"، تلك الظاهرة الغامضة التي يفارق فيها العقل الجسد، مسافراً عبر خيوط الأثير إلى عوالم بعيدة، كما لو أنه طيف يسير بلا قيود، يرى ويسمع ويشعر، دون أن يُرى.
لم يعلم كيف ولماذا، لكن روحه قادته إلى حيث الألم يسكن في كل ركن، إلى قطاع غزة. هناك، فوق الخيام الممزقة، طاف بجسده الأثيري، متجاوزًا الركام والدخان. رأى وجوهاً منطفئة، عيوناً متعبة أكلتها الدموع، وأطفالاً يختبئون تحت أقمشة مهترئة لا ترد عنهم قصف الطيران، ولا أزيز الرصاص وهدير المدافع.
كان الليل هناك ليس ككل ليل. كانت أصوات الانفجارات تمزق سكينته، والنار تبتلع أطراف الخيام، فيما تسابق الأمهات الزمن لإنقاذ أبنائهن. رأى جسداً صغيراً، ممدداً دون حراك، وعيناً مفتوحة على اتساعها، كأنها تسأل: "لماذا؟".
مرّ قرب مستشفى ميداني، بالكاد يقف على عتباته، تئن الجدران من قلة الدواء، والمرضى يتزاحمون على سريرٍ لا يكفي إلا لواحد. الجوع في العيون أوضح من أي وصف، والعطش ناطق في الشفاه المتشققة. الأمراض تفترس الأجساد التي هزلتها الحرب والحصار، ولا دواء يُسعف، ولا يدٌ تمتد إلا لتربت على وجع لا ينتهي.
لم يكن جسده هناك، لكنه شعر بكل شيء، بالألم، بالخوف، بالعجز، وكأن كل روح تصرخ داخله. أراد أن يصرخ، لكن صوته عالق في مكانٍ ما بين السماء والأرض.
ثم، وفي لمح البصر، عاد إلى جسده، فزعاً، والدموع تغسل وجهه النائم. فتح عينيه، لكن غزة لم تخرج من قلبه. لقد رآها، وعرف. وعندما يعرف القلب، لا يعود كما كان!!!





Share your opinion
سِــفر الآلام