Mon 12 May 2025 9:38 am - Jerusalem Time

الاعتراف المزعوم والهراء المعلن

أمين الحاج

ضجّت وسائل الإعلام مؤخراً بتقارير وتحليلات تشير إلى احتمال أن يفاجئ الرئيس الأمريكي ترامب المنطقة والعالم بخطوة استثنائية، وهي الاعتراف بالدولة الفلسطينية خلال زيارته المرتقبة للسعودية، ورغم أن هذا الطرح لم يكن رسمياً، بل مجرد تحليلات وتكهنات لا تدعمها أيّ من الوقائع على الأرض، إلا أن الرد الأمريكي لم يتأخر كثيراً، وجاء على لسان السفير الأمريكي في تل أبيب "مايك هكابي"، الذي وصف الأمر بـ"الهراء".

بالطبع فإن الرد الأمريكي لم يكن مفاجئاً، بل كان استمراراً لمسار طويل جداً وقديم من الإقصاء والتهميش للحقوق الفلسطينية، فليس هذا التصريح مجرد استبعاد لفكرة سياسية، بل هو تعبير فاضح عن الازدراء الأمريكي المتواصل للحقوق الفلسطينية، والرفض الواضح لأي محاولة لإعادة إدراج القضية الفلسطينية على جدول الأعمال الإقليمي والدولي.

التعامل العدائي من السفير الأمريكي مع تحليل سياسي، لا مع موقف رسمي، يؤكد حجم الخوف الأمريكي من إعادة بعث فكرة الدولة الفلسطينية، حتى على مستوى الخطاب، فهذا الرفض لا ينبع من تقييم موضوعي للمصلحة الأمريكية، بل من تبن عميق وكامل للرواية الإسرائيلية اليمينية التي ترى في أي اعتراف بفلسطين - حتى لو كان رمزياً - تهديداً للمشروع الصهيوني، ولذلك جاء الرد الأمريكي "حاسما"، وكأن واشنطن تريد أن تضع حداً حتى للتفكير في فلسطين، شعباً ودولة وقضية.

في المقابل، وكعادتها، تظهر القيادة الفلسطينية تمسكها برؤيتها الثابتة، ومواقفها التي لا تتزحزح، وانخراطها في مشاريع إعادة تشكيل المنطقة وفق المقاربة "الأمريصهيونية" الرافضة لحقوق الفلسطينيين، أو من خلال البحث عن فرص لاستكشاف توجهات سيد البيت الأبيض، والانتظار، ثم الشكوى، دون أن تلوح - ولو رمزياً - بأي أوراق ضغط، سياسية كانت أم ميدانية، ولم يستخدم هذا الحدث لبناء خطاب تعبوي، أو حتى السعي لتدويل المسألة، ولا حتى لتحريك الداخل الفلسطيني خلف مطلب الاعتراف.

هذا الجمود ليس جديداً، بل يعكس عقلية سياسية "متجددة" تعتبر أن الورقة الوحيدة هي رضا "الوسيط الأمريكي"، حتى وهو يزدري المشروع الوطني الفلسطيني علناً، فلا مراجعة للعلاقات، ولا حتى تلويح بتغيير قواعد اللعبة.

قد يجادل البعض بأن الخيارات محدودة، وقد يكون هذا صحيحاً إلى حد ما، لكن الحقيقة أن خيارات القيادة الفلسطينية هي المحدودة، وليس خيارات الفلسطينيين، كما أن التاريخ القريب يكشف لنا أن القيادة الفلسطينية لم تستنفذ الأدوات المتاحة، بل ولم تجربها أساساً، فأين التلويح بسحب الاعتراف؟ وأين الجهد الحقيقي لإعادة بناء منظمة التحرير على قاعدة وحدة وطنية؟ لماذا لا يتم استثمار اللحظات السياسية ولو بخطاب رمزي يربك المنظومة الأمريكية-الإسرائيلية، بدل إرباك الساحة الفلسطينية؟

ففي عالم السياسة، يعد التلويح أحيانا خياراً، وأحياناَ لا يقل أهمية عن الفعل، أما الجمود فيعني أن الطرف الآخر يواصل الهجوم، دون أن يواجه أي مقاومة، حتى ولو رمزية.

والأخطر في كل ذلك، أن القيادة الفلسطينية، القديمة والجديدة، والتي تجهد -حالياً- بالبحث لها عن مكان تحت "الشمس الأمريكية"، أو موضع قدم في خضم هذا التزاحم الإقليمي على رضا "السيد الامريكي"، لم تحرك ساكناً، وكأن الأمر لا يعنيها، مواصلة التمسك بـ "رؤية واحدة" لم تثمر منذ عقود، فهذا الصمت، بلا تكتيك، وبلا مناورة، وبلا خطة، وكأن القيادة تكتفي بمشاهدة المشهد، ثم تحميل "المجتمع الدولي" مسؤولية الفشل وحده.

وخلاصة الأمر، أنه آن الأوان لإنهاء سياسة الرؤية الواحدة، ولبناء استراتيجية فلسطينية جديدة، متعددة الأدوات، تؤمن بأن من لا يستخدم أوراقه يخسرها، ومن ينتظر اعتراف الآخر بوجوده، ينتهي به الأمر بلا وجود.

Tags

Share your opinion

الاعتراف المزعوم والهراء المعلن

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.