في ظروف تفتقر لأدنى مقومات التعليم، وبعزيمة وإصرار قل نظيرهما، يجلس طلبة وطالبات الثانوية العامة ممن حالفهم الحظ في فتح "مدارس" لهم، على مقاعدهم داخل فصولهم الدراسية في الخيام والدفيئات الزراعية، يعوضون ما فاتهم من دروس وهي أكثر بكثير مما يسمح به الوقت الممنوح لهم (حتى شباط المقبل)، على الرغم من أن آلة الحرب الإسرائيلية لم تهدأ وتواصل القصف والتدمير والقتل في غير مكان من قطاع غزة، إضافة إلى الأجواء الباردة والماطرة والنقص الفادح في الطعام والشراب والعلاج، وانعدام الكهرباء.
وأما من لم يحالفهم الحظ بالالتحاق بمدارس بديلة فإنهم يدرسون بالاعتماد على أنفسهم، في البيوت ومراكز الإيواء والخيام التي لجأوا إليها، في بيئة تفتقر لأبسط المقومات اللازمة للدراسة، في ظل غياب الخصوصية والازدحام والضجيج والبرد وانعدام الإضاءة المناسبة ليلاً، عدا عن المخاطر المحدقة بهم كباقي أبناء القطاع.
وقد استعاض طلبة الثانوية العامة في قطاع غزة بالخيام والدفيئات الزراعية كغرف صفية في "مدارس افتراضية"، لاستدراك ما فاتهم خلال خمسة عشر شهراً من حرب الإبادة المسعورة التي تشنها دولة الاحتلال عليهم بلا هوادة، وذلك ضمن برنامج تعليمي خاص أعدته وزارة التربية والتعليم لنحو 35 ألف طالب وطالبة، لم يتمكنوا من أداء امتحاناتهم العام الماضي.
واعتمدت وزارة التربية والتعليم لطلبة الثانوية العامة "التوجيهي" الموجودين في القطاع نظام الرزم التعليمية التي نشرتها على صفحتها لكافة الفروع، حيث من المقرر عقد امتحان خاص بهم خلال شهر شباط المقبل. لكنّ الوزارة لم تحدد كيفية تنظيم الامتحانات في ظل استمرار الحرب، مفضّلة الانتظار لحين اتضاح الصورة، من دون أن تستبعد إمكانية عقدها "إلكترونيا".
في الحروب، كل الخسارات التي لا تقترن بالموت والفقدان، ولا تأخذ لون الدم، لا يتم الالتفات إليها أو التوقف عندها، ولا تثير انتباه أحد، ويصبح الحديث عنها نوعاً من الترف، فالأولوية وسط هذه الكارثة الطامة وهذا الجحيم المفتوح زمناً ومساحة هي فقط للبقاء على قيد الحياة.
قطاع التعليم هو الثاني من حيث الاتساع بعد المجتمع والذي شهد خسارات فادحة فيما يخص حياة ومستقبل مئات آلاف التلاميذ والطلبة في المدارس والجامعات والمعاهد، لكنه لم يحظ بالأولوية لا محلياً ولا دولياً في جهود الإغاثة والمتابعة طالما أن حياة أكثر من مليوني إنسان، بمن فيهم طلبة المدارس والجامعات في خطر داهم في ظل القصف والتشريد والتجويع والأمراض، والمطلوب بالدرجة الأولى هو أن ينجوا بأرواحهم، قبل أية اعتبارات أخرى.
لكن حرب الإبادة الهوجاء التي تشنها دولة الاحتلال دون اكتراث بالأصوات المنادية لوقفها، طالت وصادرت معها مستقبل مئات آلاف التلاميذ الذين انقطعوا عن الدراسة طيلة خمسة عشر شهرا، فكان هذا التحرك/ المبادرة من قبل وزارة التربية والتعليم ووكالة الغوث الدولية استجابة لنداءات المواطنين في قطاع غزة، حتى لا يضيع المزيد على أبنائهم حتى لو كان ذلك في هذه الظروف الكارثية.
وكان أكثر من 625 ألف طالب وطالبة، توجهوا في 26 آب/ أغسطس 2023 إلى مقاعد الدراسة في جميع محافظات قطاع غزة، لكن حرب الإبادة التي شنتها دولة الاحتلال الإسرائيلي في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر وما تخللها من قصف وتدمير وتشريد، حرم كل هؤلاء فرصة استكمال تعليمهم منذ ذلك الوقت ولغاية الآن، وتسبب في استشهاد أكثر من ١٢ ألف طالب و٦٣٠ من الكوادر التعليمية في إحصائية لوزارة التربية والتعليم مطلع العام الجاري، إلى جانب تدمير العديد من المدارس وتحول البقية إلى مراكز إيواء.
وأما الطلبة المتواجدون خارج قطاع غزة تكون الدراسة لهم وفق المنهاج المقرر العام 2025 وليس وفق الرزم التعليمية. وأعلنت وزارة التربية والتعليم عن برنامج امتحانات الثانوية العامة / الدورة الثالثة لطلبة غزة الموجودين في الخارج وعددهم 523 طالباً وطالبة يتوزعون على (22) دولة ويتركز جلهم في جمهورية مصر العربية. ومن المقرر أنْ ينطلق الامتحان بتاريخ 25-1-2025 وحتى تاريخ 5-2-2025 .





Share your opinion
"طلبة التوجيهي" في قطاع غزة لم يفقدوا أملهم ببلوغ غايتهم