تتلبد سماءنا بسحاب أسود، وصوت الصواعق والرعد في كل مكان. سماءنا تمطر دما وتدق باب الحرية بالأيدي المضرجه بالدماء. رياح موسمية تهب علينا جميعاً وتمطر دماً لتكون الحكاية، فلو استبدل حبر أقلامنا بماء البحار فإنها لا تكفي لنقل معاناتنا، فالمجد يكمن في سحر الحكاية، فذات الصورة وذات المشهد يتكرر كل يوم، مجازر لا تعد ولا تحصى، وأصوات تئن وأخرى يصدح صداها في كل الأرجاء..
فقدت أشقائي، فقدت أبنائي، فقدت طفلي الوحيد، طفلي نام ليله كاملة في حضني بعد الشهادة.. كنت أرضع طفلتي التي لم تتجاوز خمسة أيام، كنت أهاتفه وما زال حيا، كانت أنفاسه الأخيرة عبر الهاتف، والدتي المسنة هي الناجية الوحيدة. رن الهاتف من مقربين كلهم، كل العائلة في كنف الرحمن، كلهم استشهدوا. هل أصبحت الشهادة حياة؟؟ أصبحت حياة جديدة ينتظرها الجميع. إستودعتك -----بناتي الخمسة---- من لا تضيع عنده الودائع، لا تألفوأ الصورة الموت في الطرقات وعلى أسرة المستشفيات وفي كل ركن وزاوية، جثث الشهداء في الشوارع، الفزع في وجوه النساء والأطفال، السحاب يمطر دما، والشوارع تغرق بالدماء. أجساد الصغار تتطاير مع كل ريح عاتية٠ أين -----يلجاؤون، الوضع أشبه بيوم الحشر ، اكتظاظ الجميع في الطرقات، لا مفر، لا يعلمون أين يلجاؤون----- فالمجد يكمن في سحر الحكاية. قل لنا يا أيها المجد ماذا تشتهي لنقدم لك، فلم نعد نلثم الثرى ولم نعد نحمل حفنه التراب بأيدينا نحن نحمل دمائنا ونرنو للفجر، فمن دمائكم نكتب صفحات تاريخنا الجديد، من دماء شهداء النصيرات وشهداء رفح وشهداء المواصي ودير البلح وحي الرمال ومخيم جباليا، من الشجاعية والشاطئ، من خان يونس ومن كل شبر في قطاعنا الحبيب. من شهداء الأونروا، وشهداء البريج، فأي حكاية فجر ينحني لها الجميع.
ماذا نضيف إلى سجلاتنا في صفحات التاريخ الجديد، لأم ستة أطفال استحمت بدمائهم على قارعة الطر يق، لشهيد في حضن أمه على سرير المستشفى، لطفل في بطن أمه لم ير النور، لأم طفل أنهك الجوع جسده فصعدت روحه الى بارئها. أم لشهيد احترق جسده في خيام التهجير داخل الوطن المحاصر، ماذا، ماذا نضيف إلى سجلاتنا. تهزني صور الشهداء في الوطن المحاصر، تؤرقني دماؤهم وأجسادهم المتناثره وأشلاؤهم المبعثرة، لكن حين يكون الدم مدادا، وحين ينقش التاريخ بالصخر فإلى هذا الحد بلغت الصورة التي ولدت لتحيا وتحدث لتستمر، حينها تصبح أقلامنا عاجزة عن الوصف، تتيه في خضم هذا العطاء الزاخر، ليفوق الوصف لأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، لأن الشهيد ملكا لأهله وشعبه فهو يخاطبنا جميعا، لتتجسد صورة الشموخ والاباء، موقف الشهداء الأبرار في ظلمة الليل، لقد أتعبنا فراقكم، وعزاؤنا أنكم أحياء عند ربكم ترزقون، ورغم الألم الذي يعتصر قلوبنا على فراقكم إلا أن شهدائنا تاجاً فوق رؤوسنا مدى الحياة، وبكل ما أوتينا من إيمان بعدالة قضيتنا، وما بين دموع الحزن وزغاريد الفرح ودعنا شهداءنا من أقصى الوطن الى أقصاه في قطاعنا الحبيب، لقد تعلمنا معنى الإباء والقوة والحزم، ليقودنا نبراسكم إلى طريق النصر ولا ندري هل نعزي أنفسنا أم نبارك لأنفسنا في عرس الانتماء، فلا تحزني يا أم الشهيد وأرفعي يديك إلى السماء، واسجدي وتغني بابنك فقد أصبح يوم الشهيد طوال العام. تنادينا أرواحهم الزكية وتعطر المكان ذكراهم فأي فجر ينتظرنا؟؟حينها نهضت كلماتهم رجولة تغني للفجر في الحكاية التي نعيشها في الوطن المحاصر لتهرب الكلمات وتلوذ بالفرار من قداسة الموقف لعشاق الأرض. تنادينا أرواحكم في النصيرات، تنادينا مجازر خان يونس ومجازر المواصي، تنادينا مجازر رفح ومجازر دير البلح والبريج وجباليا، ينادينا شهدائك يا غزة، تنادينا أرواح الشهداء والكلاب تنهش أجسادهم.. ما زال ماثلا أمام عيوننا ليل نهار. فلسطين تمطر دما من جنين إلى طولكرم من الخليل ورام الله، من جبل النار حتى غزة، فمع كل نبضة قلب في وطني شهيد، يرسم جدارية الصمود.
وعد سنعيد بناءك يا وطني، وبشر الصابرين، من هنا تأتي الحكاية، من حضرة الشعب المقاوم فسلام لأرواح الطفولة، سلام للأمهات الصابرات، سلام لكم جميعا، سلام لشهداء الفجر، سلام لأرواحكم٠





Share your opinion
سماء غزة تمطر دماً