تشهد الساحة الفكرية العربية حالة من الصدمة الجماعية مع تساقط الأقنعة عن نخب فكرية وفنية بنت أمجادها على قضايا الشعوب. وفي السنوات الأخيرة، تحول هؤلاء المؤثرون إلى أدوات ناعمة في ماكينات الترويج السياسي، مما أدى إلى خريف متسارع للوعي العربي المعاصر.
تبرز حالة الدكتور عدنان إبراهيم كنموذج تراجيدي فريد في هذا السياق، حيث يرى مراقبون أنها حالة منزوعة الأعذار التقليدية. فبينما يعيش في أمان العاصمة النمساوية فيينا، اختار طواعية الانخراط في مسارات سياسية تخدم أنظمة الثورة المضادة التي وأدت أحلام الربيع العربي.
إن التحول الذي طرأ على خطاب عدنان إبراهيم لم يكن وليد الصدفة أو زلة لسان عابرة، بل جاء كمسار تشكل بهدوء وصيغ بدم بارد. بدأ هذا المسار بتنقية الطروحات الفكرية لتلائم هوى السلطة، وانتهى بتوقيع عقود رسمية لتولي منصب مستشار في العاصمة الإماراتية أبوظبي.
حتى الحادث المروري المروع الذي تعرض له في عام 2019، والذي أبعده عن الساحة لعامين، لم يشفع له في القراءات الأخلاقية لخياراته اللاحقة. فبينما كسر الحادث عظام الجسد، يرى منتقدوه أن خياراته السياسية اللاحقة كانت بمثابة بيع للروح في سوق النفوذ والمناصب.
يستحضر هذا التحول قصة 'بلعام بن باعوراء' التاريخية، حيث تلتقي الشخصيتان في منحدر نفسي واحد رغم تباعد الأزمان. فكلاهما حظي بعلم غزير وفصاحة تخلب الألباب، لكنهما اختارا في لحظة فارقة وضع هذا العلم في خدمة الطغيان طمعاً في عرض الدنيا الزائل.
إن المعضلة الفلسفية تكمن في كيفية تحول 'التنوير' من أداة لتحرير العقول إلى وسيلة لتبرير سياسات الأنظمة. ويظهر هذا بوضوح في الانتقائية الأخلاقية التي تمارسها بعض النخب، حيث تنفتح أعينهم على شعارات التسامح وتغلق أمام دماء المستضعفين والحروب الإقليمية.
يشير التحليل اللغوي لاسم 'بلعام' إلى ارتباطه بـ'البلعوم'، في إشارة رمزية لتقديم المصالح المادية والوظائف الرفيعة على المبادئ. وكأن كل تلك الخطب الرنانة التي سحرت الملايين تم اختزالها في نهاية المطاف لتخدم المكاسب الشخصية والمناصب السلطوية.
الحق لا يُعرف بالرجال، بل يُعرف الرجال بالحق؛ تذوب الوجوه الفصيحة وتبقى المبادئ ثابتة في وجه عواصف التغيير.
أما اسم 'عدنان إبراهيم' فيحمل في طياته مفارقة مريرة؛ فبينما يشتق الاسم الأول من لزوم الحق والثبات عليه، يرى البعض أنه خان هذا الاشتقاق. كما أن اسم 'إبراهيم' بات يربط في السياق السياسي الحالي بالاتفاقيات الإبراهيمية التي هندستها الإدارة الأمريكية السابقة للتطبيع.
يأتي هذا الارتماء في أحضان العواصم المروجة للتطبيع في وقت حساس تمر به القضية الفلسطينية، وتحديداً ما تواجهه غزة من حرب إبادة. ويبرز التناقض الصارخ بين مفكر يبرر السياسات الرسمية وبين واقع المأساة التي يعيشها الشعب الفلسطيني تحت وطأة الاحتلال والخذلان.
تدار عواصم المنطقة اليوم بماكينة سلطوية صماء تعتمد معادلة فرز حاسمة تجاه المثقفين والعلماء. فهي تكافئ وتغدق العطايا على كل من يمنحها صكوك الشرعية، بينما تغيب خلف القضبان كل من يملك شجاعة الرفض والتمسك بالمواقف المبدئية.
في الوقت الذي يستقبل فيه نظام المكافآت عدنان إبراهيم في قاعات مكيفة، تبتلع الزنازين المظلمة علماء ومثقفين حقيقيين رفضوا التنازل. نجد أسماء مثل الشاعر عبد الرحمن يوسف وغيره مغيبين في السجون لأنهم رفضوا أن يكونوا شهود زور على قضايا أمتهم.
المفارقة الفلسفية الحارقة تكمن في أن الأحرار يسجنون داخل أوطانهم لثباتهم، بينما ينزل المحصن في منافيه الأوروبية ليدخل أروقة السلطة طواعية. إن الاقتيات على موائد دفعت أثمانها من دماء الأبرياء وحرية الشرفاء يمثل قمة السقوط الأخلاقي للمثقف.
لقد أصبحت المنصات الرقمية التي كان يتصدرها هؤلاء المفكرون مقفرة بعد أن انفضت عنها الجموع المصدومة بسقوط قدواتها. هذا السقوط لم يؤثر فقط على سمعة الأشخاص، بل ساهم في تشكيك الكثيرين في الثوابت والقيم التي كانوا يدعون إليها.
رغم هذا القتامة، يبقى الرهان على وعي الشعوب التي قد تمرض لكنها لا تموت، والجمر الكامن تحت الرماد ينتظر لحظة الانبعاث. إن التاريخ لا يرحم من اشترى بآيات الله ومبادئه ثمناً قليلاً، والحق في النهاية هو الذي يعرف به الرجال وليس العكس.




