أقلام وأراء

الخميس 07 مايو 2026 10:25 صباحًا - بتوقيت القدس

"أونروا" بين التفويض الدولي والعجز التنفيذي: اختبار الإرادة الدولية

تواجه وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) اليوم أزمة غير مسبوقة تمسّ قدرتها على أداء وظيفتها، وتعيد طرح سؤال جوهري: هل ما يجري هو أزمة وكالة، أم تعبير عن تراجع الإرادة الدولية في إنصاف قضية اللاجئين الفلسطينيين؟
قانونيًا، أُنشئت "أونروا" بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة لتكون أداة مؤقتة تضمن الحد الأدنى من حقوق اللاجئين، وفي مقدمتها الحق في الحياة والكرامة، وهو حق يستند إلى قواعد القانون الدولي الإنساني والحق الطبيعي، لا إلى موازين السياسة. غير أن هذا التفويض يصطدم اليوم بواقع تنفيذي مأزوم، تتداخل فيه أزمات التمويل والقيود الميدانية والضغوط السياسية.
أُولى هذه الأزمات هو العجز المالي المزمن. فاعتماد "أونروا" على التمويل الطوعي يجعل خدماتها رهينة لتقلبات المانحين، ما أدى إلى تقليص البرامج وتسريح الموظفين، وتحويل الحقوق الإنسانية إلى التزامات مشروطة. وهنا لا يكمن الخلل في نقص الموارد فقط، بل في غياب آلية تمويل مستدامة تعكس الطبيعة القانونية لتفويض الوكالة.
في هذا السياق، تبرز أهمية الأدوار الداعمة التي سعت إلى تمكين "أونروا" من الاستمرار، وفي مقدمتها مساهمات المملكة العربية السعودية، التي شكّلت عبر السنوات رافعة مهمة لاستقرار برامج الوكالة، سواء عبر الدعم المالي المباشر أو الإسناد السياسي. هذه المساهمة لا تُقرأ فقط في بعدها الإنساني، بل في دلالتها السياسية والقانونية، بوصفها تأكيدًا على ضرورة استمرار "أونروا" في أداء دورها إلى حين التوصل إلى حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية، يضمن حقوق اللاجئين ولا يتجاوزها.
العامل الثاني يتمثل في القيود الميدانية، خاصة في قطاع غزة، حيث تُعرقل عمليات الإغاثة وتُقيّد حركة الطواقم، في انتهاك واضح لقواعد القانون الدولي الإنساني. وهنا تصبح المفارقة أكثر حدة: وكالة مكلّفة بالإغاثة، لكنها محرومة من أدواتها. أما العامل الثالث، فهو أزمة الشرعية التي تُحاط بها الوكالة، عبر محاولات التشكيك بدورها أو السعي لتفكيكها، بما يعكس توجّهًا لإعادة تعريف قضية اللاجئين خارج إطارها القانوني.
بناءً على ذلك، يمكن القول إن "أونروا" لم تفقد ضرورتها، لكنها فقدت جزءًا كبيرًا من قدرتها التنفيذية. فهي لا تزال العمود الفقري للعمل الإنساني في مناطق عملياتها، لكنها تعمل في ظروف تقل كثيرًا عن الحد الأدنى المطلوب، ما يوسّع الفجوة بين الالتزام القانوني والواقع العملي.
الخروج من هذه الأزمة يتطلب معالجة جذرية، تبدأ بتطوير آلية تمويل مستدامة داخل الأمم المتحدة تقترب من الطابع الإلزامي، وتحصين التفويض القانوني للوكالة ضد محاولات التآكل أو التفكيك. كما يتطلب ضمان الحماية الدولية لمرافقها وموظفيها، وتمكينها ميدانيًا من أداء مهامها دون قيود، إلى جانب تحييد العمل الإنساني عن الابتزاز السياسي.
إن "أونروا" ليست مجرد مؤسسة خدمية، بل شاهد قانوني حي على قضية لم تُحل بعد. وأزمتها تكشف خللًا أعمق في بنية النظام الدولي، الذي يراوح بين الاعتراف بالحقوق والتنصل من استحقاقاتها. ومن هنا، فإن استمرار دعمها، عربيًا ودوليًا، بما في ذلك الدور السعودي، يظل ضرورة ليس فقط لضمان الإغاثة، بل للحفاظ على الإطار القانوني والسياسي لقضية اللاجئين، إلى أن تُحل القضية الفلسطينية حلًا عادلًا يحقق العدالة وينهي معاناة شعب طال انتظارها.

اسرائيليات

الخميس 07 مايو 2026 10:24 صباحًا - بتوقيت القدس

قلق في تل أبيب من 'طوق نجاة' أمريكي لطهران: مخاوف من اتفاق ينهي الحرب ويبقي القدرات النووية

تشهد الأوساط السياسية والأمنية في تل أبيب حالة من الترقب المشوب بالقلق الشديد، على خلفية الأنباء الواردة من واشنطن حول تقدم ملموس في المفاوضات مع طهران. وتأتي هذه المخاوف في ظل توجه الإدارة الأمريكية نحو إبرام اتفاق ينهي حالة الحرب، وهو ما تراه إسرائيل تراجعاً عن أهداف الضغط القصوى التي كانت تأمل في استمرارها حتى انهيار النظام الإيراني.

ورغم محاولات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو طمأنة الشارع الإسرائيلي بالتأكيد على وجود تنسيق دائم مع الرئيس دونالد ترامب، إلا أن التسريبات تشير إلى فجوة عميقة بين أهداف الحرب المعلنة والنتائج المتوقعة. ويرى مسؤولون إسرائيليون أن أي اتفاق لا يضمن تفكيكاً كاملاً للقدرات النووية والصاروخية سيكون بمثابة هزيمة استراتيجية لتل أبيب.

وأفادت مصادر بأن عدداً من الوزراء في حكومة الاحتلال عبروا عن عدم رضاهم عن المسودة المتداولة للاتفاق، معتبرين أنها لا تختلف جوهرياً عن اتفاق عام 2015. ويكمن جوهر الاعتراض في أن الاتفاق المقترح يحد من تخصيب اليورانيوم لفترة زمنية محددة بـ 15 عاماً فقط، مما يترك الباب مفتوحاً أمام طهران للعودة إلى طموحاتها النووية مستقبلاً.

من جانبه، حاول عضو الكنيست موشيه سعدة، المقرب من نتنياهو، التخفيف من حدة هذه المخاوف بالإشارة إلى أن إسرائيل لن تكون ملزمة بأي اتفاق يكبّل يدها. وأوضح في تصريحات إذاعية أن المناورات السياسية الحالية تهدف لتجنب الظهور بمظهر المعرقل للجهود الأمريكية، بينما تستمر العمليات العسكرية في الميدان لفرض واقع جديد.

وفي سياق متصل، نقلت تقارير إعلامية عن مسؤولين أمنيين وصفهم للاتفاق بأنه 'طوق نجاة' للنظام الإيراني الذي كان يعاني من حصار خانق وضغوط داخلية متزايدة. ويرى هؤلاء أن رفع العقوبات وتحرير المليارات المجمدة سيمكّن طهران من إعادة تسليح أذرعها في المنطقة، وعلى رأسها حزب الله في لبنان والحوثيون في اليمن.

وتشير التقديرات الاستخباراتية إلى أن إيران تمتلك حالياً مخزوناً ضخماً من اليورانيوم المخصب يصل إلى 11 طناً، وهو ما يمثل تحدياً كبيراً لأي اتفاق رقابي. وتخشى إسرائيل من أن تكون أجزاء من هذا المخزون قد نُقلت إلى منشآت سرية تحت الأرض لم تطلها الضربات الجوية الأخيرة، مما يجعل تدميرها أمراً معقداً للغاية.

وعلى الصعيد العسكري، يسود اعتقاد في تل أبيب بأن الاتفاق سيؤدي حتماً إلى تقييد حرية عمل الجيش الإسرائيلي في الجبهة الشمالية. ويحذر قادة عسكريون سابقون من أن واشنطن قد تضغط لفرض وقف إطلاق نار شامل يمنع إسرائيل من استكمال عملياتها الرامية لتدمير البنية التحتية لحزب الله في جنوب لبنان.

وفي واشنطن، يبدو أن الدوافع الاقتصادية والسياسية الداخلية تلعب دوراً حاسماً في تسريع وتيرة المفاوضات، خاصة مع انخفاض شعبية ترامب وتذمر الناخبين من ارتفاع أسعار الوقود. وقد انعكست أنباء المفاوضات فوراً على الأسواق العالمية، حيث سجلت أسعار النفط تراجعاً بنسبة تجاوزت 10%، مما منح الإدارة الأمريكية حافزاً إضافياً للمضي قدماً.

كما يواجه البيت الأبيض ضغوطاً تشريعية، حيث يلزم القانون الأمريكي الإدارة بالحصول على موافقة البرلمان للاستمرار في أي نزاع عسكري بعد مرور 60 يوماً على انخراط الجنود. هذا القيد الزمني يدفع واشنطن نحو البحث عن مخرج ديبلوماسي ينهي 'حرب الغضب الملحمي' كما وصفها بعض المسؤولين الأمريكيين، معتبرين أنها حققت أهدافها الأولية.

بالمقابل، تشترط طهران للقبول بالاتفاق رفعاً كاملاً للعقوبات الاقتصادية وفك الحصار البحري، بالإضافة إلى استعادة الوصول إلى أموالها المجمدة في الخارج. وتعتبر هذه الشروط خطاً أحمر بالنسبة للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية التي ترى فيها وسيلة لتعزيز نفوذ إيران الإقليمي وتمويل عمليات عسكرية جديدة ضد المصالح الإسرائيلية.

وتشير تقارير 'مصادر' إلى أن إيران لا تزال تحتفظ بآلاف الصواريخ الباليستية الجاهزة للإطلاق من منشآت محصنة تحت الأرض، رغم الضربات التي تعرضت لها. هذا الواقع يعزز الشكوك الإسرائيلية في جدوى أي اتفاق لا يتضمن بنداً صريحاً لتدمير هذه المنظومات الصاروخية التي تهدد العمق الإسرائيلي بشكل مباشر.

وفيما يتعلق بالأذرع الإقليمية، ترى تل أبيب أن حزب الله والحوثيين لا يزالون يمتلكون قدرات هجومية فتاكة، بما في ذلك الطائرات المسيرة المتطورة. وتخشى إسرائيل أن يؤدي الاتفاق إلى شرعنة وجود هذه القوى كجزء من ترتيبات إقليمية جديدة، بدلاً من إضعافها وتقويض قدراتها كما كان مخططاً له في بداية المواجهة.

ويرى المحلل العسكري غيورا آيلاند أن أي اتفاق في الوقت الراهن هو 'خيار سيء' لإسرائيل التي كانت تراهن على انهيار النظام الإيراني من الداخل تحت وطأة الحصار. وأكد آيلاند أن التراجع الأمريكي عن خيار الحسم العسكري يمنح طهران فرصة ذهبية لإعادة ترتيب أوراقها السياسية والاقتصادية والعسكرية بعيداً عن ضغوط الحرب.

ختاماً، تبقى العلاقة بين واشنطن وتل أبيب أمام اختبار حقيقي في ظل تباين المصالح الواضح تجاه الملف الإيراني. فبينما تسعى واشنطن لتهدئة الجبهات وتأمين تدفق النفط، تصر إسرائيل على أن الأمن المستدام لا يتحقق إلا بإنهاء التهديد الوجودي الذي يمثله المشروع النووي الإيراني بشكل نهائي وشامل.

أقلام وأراء

الخميس 07 مايو 2026 10:24 صباحًا - بتوقيت القدس

تمكين المرأة في مواقع القرار ضرورة سياسية ووطنية


لم يعد الحديث عن دور المرأة في مواقع صنع القرار قضية اجتماعية فقط، بل أصبح مسألة سياسية بامتياز ترتبط بجوهر النظام العام، وعدالة تمثيله، وقدرته على الاستجابة لتحديات الواقع. فتمكين المرأة لم يعد خيارًا تكميليًا، وإنما ضرورة وطنية لإحداث تغيير حقيقي ومستدام.
إن حضور المرأة في المناصب العليا يشكل ركيزة أساسية في تطوير السياسات العامة وتعزيز التوازن داخل مؤسسات الدولة، حيث يساهم في كسر احتكار القرار، ويفتح المجال أمام رؤى أكثر شمولية وعدالة. فالقرار الذي يُصاغ بمشاركة أوسع يعكس احتياجات المجتمع بشكل أدق، ويؤسس لنهج أكثر كفاءة واستدامة في إدارة الشأن العام.
وفي السياق الفلسطيني، تكتسب هذه القضية بعدًا وطنيًا مضاعفًا، خاصة في ظل التحديات السياسية التي تواجه مجتمعنا، لا سيما في محافظة القدس. فالمرأة الفلسطينية أثبتت حضورها الفاعل في مختلف الميادين، وكان لها دور بارز في الصمود والحفاظ على الهوية الوطنية، الأمر الذي يجعل من تمكينها في مواقع القرار امتدادًا طبيعيًا لدورها النضالي والتاريخي.
إن إشراك المرأة في المستويات العليا لصنع القرار لا يقتصر على تحقيق مبدأ المساواة، بل ينعكس بشكل مباشر على جودة السياسات العامة، ويسهم في إعادة ترتيب الأولويات الوطنية بما يعزز العدالة الاجتماعية، ويحسن من توزيع الموارد، ويرفع من كفاءة الاستجابة لاحتياجات المواطنين.
ورغم ما تحقق من تقدم، لا تزال هناك تحديات سياسية وتشريعية وثقافية تعيق وصول المرأة إلى مواقع القرار، ما يستدعي إرادة سياسية حقيقية لترجمة هذا التوجه إلى سياسات عملية، تقوم على تكافؤ الفرص، وتعزيز مشاركة المرأة، ومساءلة المؤسسات عن مستوى تمثيلها.
إن تمكين المرأة في مواقع صنع القرار يمثل مدخلًا أساسيًا لإصلاح النظام السياسي وتعزيز صموده، وهو استثمار حقيقي في مستقبل أكثر عدالة وتوازنًا. فالمرأة حين تكون شريكًا في القرار، تكون شريكًا في صناعة التغيير.

أقلام وأراء

الخميس 07 مايو 2026 10:23 صباحًا - بتوقيت القدس

مؤتمر "فتح" مرّة أُخرى: المشروع الوطني الغائب الأكبر


 
تناول كاتب هذه السطور في مقاله السابق في "العربي الجديد" (21/ 4/ 2026) مؤتمر حركة فتح، وتوصّل إلى أنّ الحركة تقف أمام ثلاثة احتمالات: أن تستمرّ في المراوحة في المكان، أو تنهض مجدّداً، أو يكون المؤتمر بمثابة مسك الختام. ورجّح أنّ النهوض مستبعد جدّاً، لأنّ "فتح" تخلّت عن مشروعها الوطني، وذابت في السلطة التي تركّز على الاندماج بالنظام الإقليمي الأمني والسياسي الذي تقوده الولايات المتحدة وتريد أن تهيمن عليه إسرائيل كي تركّز على ملفّات أخرى. وكذلك، مثّلت السلطة هجيناً يجمع القمع والفساد ورفض المشاركة السياسية، وعدم اللجوء إلى الانتخابات إلا إذا كانت مضمونة النتائج، والقفز عن التوافق الوطني الذي يمكن أن يوفّر نوعاً من الشرعية تعوّض جزئياً عن تجاهل المشروع الوطني ووقف المقاومة، بالترافق مع التنسيق الأمني حتى من دون وجود عملية سياسية. وإذا نظرنا إلى التحضيرات الجارية، والمقدّمات، وبالتركيز على الجوانب التنظيمية ومسألة من يفوز بعضوية المؤتمر واللجنة المركزية والمجلس الثوري، التي طغت على أيّ شيء آخر، سنرى صحّة ما ذهبنا إليه. في المقابل، لم تكن مسألة البرنامج السياسي، ولا المشروع الوطني، ولا الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ولا المخطّطات الإسرائيلية الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية من جذورها، في صدارة الاهتمام، بل احتلّت أهمّيةً ثانويةً، على الرغم من أنّ البرنامج السياسي هو الحلقة المركزية، خصوصاً أنّ المؤتمر يُعقد في ظروف بالغة السوء والتعقيد تمرّ بها القضية الفلسطينية، كما أوضح المقال السابق أبرز معالمها. ويتابع الكاتب مناقشة المؤتمر الثامن، نظراً إلى أهمّية حركة فتح، فهي كانت العمود الفقري للثورة، وقائدة منظّمة التحرير والسلطة الفلسطينيتين، وما يجري فيها ليس شأناً داخلياً فحسب، بل يترك آثاراً عميقة في فلسطين والفلسطينيين، بل وفي المنطقة والعالم.
إذا لم يتم إحياء المشروع الوطني أو إعادة تعريفه وفق الشروط والحقائق الجديدة، واستناداً إلى الدروس المستفادة، فسيجري المزيد من التكيّف مع واقع يفرضه الاحتلال من دون السعي إلى تغييره.
البرنامج أو المشروع الوطني هو الغائب الأكبر عن الحوارات والتحضيرات الجارية، على الرغم من أنّ الإجابة على أسئلة جوهرية مثل: أين يقف الشعب الفلسطيني وقضيته الآن؟ ما الأهداف الوطنية التي ينبغي النضال لتحقيقها؟ وكيف يمكن تحقيقها؟ وبأيّ أشكال مقاومة ووسائل عمل واستراتيجيات؟... يجب أن تكون الشغل الشاغل للمؤتمر، ولكلّ القوى والمؤسّسات الفلسطينية. فالإجابة عن هذه الأسئلة هي التي تحدّد ما إذا كانت الحركة الوطنية الفلسطينية قادرةً على الاستمرار، أم أنّها بحاجة إلى تجديد، أو حتى إلى ميلادٍ جديد، وهناك من الدلائل ما يكفي على أنّ نعي الحركة الوطنية، وخصوصاً حركة فتح، له ما يبرّره. فالأمر بسيط، إذا لم تعرف الحركة إلى أين تسير، فكيف يمكن أن تسير في الاتجاه الصحيح وتحقّق أهداف الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، والعودة، والمساواة، وإحباط الجريمة المنظّمة، والحرّية والاستقلال؟
ما تواجهه حركة فتح (وهو غائب من مؤتمرها) حاضر بقوّة في الواقع. فعدم وضع المشروع الوطني في مركز الاهتمام يجعل ما هو قائم، ومشروعا آخر موجودا قبل المؤتمر، مرشَّحاً للاستمرار، أي تكريس برنامج البقاء والانتظار، وسحب الذرائع، وإثبات الجدارة، والتعلّق بأذيال عملية سياسية ماتت منذ زمن بعيد ولا أفق لإحيائها، بل هي لن ترى النور إذا استمرّت القيادة الفلسطينية بهذا الضعف والهوان والشعور بالهزيمة وعدم فعل أيّ شيء جدّي لتغيير هذا الواقع. ولعلّ سياسة النأي بالنفس عن معارك لا يمكن تجنّبها، بل لا بدّ من خوضها بعقلانية، وبما يتلاءم مع احتياجات الشعب الفلسطيني. وإذا لم يتم إحياء المشروع الوطني أو إعادة تعريفه وفق الشروط والحقائق الجديدة، واستناداً إلى الدروس المستفادة، وهذا لا توجد دلائل كافية عليه، بل هناك ما يكفي من الأدلة على أنّ المؤتمر جرى هندسته لمواصلة السير في ذات الطريق الذي أوصل إلى الكارثة التي نعيشها، فسيجري المزيد من التكيّف مع واقع يفرضه الاحتلال من دون السعي إلى تغييره، لتسود مقولات مثل: "ليس بالإمكان أبدع ممّا كان"، و"تحقيق شيء، أيّ شيء، أفضل من لا شيء"، و"العين لا تقاوم المخرز"، وأنّنا "نعيش في العصر الأميركي"، وأنّ طريق الخلاص يكمن في إثبات أنّنا عنصر فاعل في النظام الإقليمي الذي تسعى الولايات المتحدة إلى إقامته، رغم أنّ الوقائع تثبت أنّ هذا الطريق لا يحمي البقاء ولا يحفظ القضية. وإذا كانت القيادة تحذّر من الموت السريع الذي أفضت إليه معركة طوفان الأقصى، فإنّ سياستها قادت إلى موت بطيء، مع فقدان الروح والإرادة.
عند انطلاقة "فتح"، في الأوّل من يناير/ كانون الثاني 1965، كان هدف التحرير الكامل عبر الكفاح المسلّح هو المشروع الوطني، وقد استلزم هذا إحياء الهُويّة الوطنية، وتعبئة الشعب ضمن إطار واحد تجسَّد في منظّمة التحرير التي أصبحت الممثل الشرعي الوحيد. وكانت فتح آنذاك أشبه بجبهة وطنية واسعة، تضمّ مختلف فئات الشعب من دون تمييز، إلى درجة أن وقف الوطني إلى جانب اليساري والقومي والديني، فكانت "فتح" تشبه الشعب الفلسطيني، حتى قيل إنّ كلّ فلسطيني لا ينتمي إلى فصيل آخر هو "فتح"، حتى لو لم يكن منتمياً تنظيمياً إليها.
ولم يكن لهذا النهوض أن يتحقّق لولا السياقين الإقليمي والدولي، إذ شهدت المنطقة والعالم في الخمسينيّات والستينيّات والسبعينيّات، وجزء من الثمانينيّات، من القرن الماضي، صعود حركات التحرّر ونهوض الطبقة العاملة والقوى التقدّمية، في ظلّ نظام دولي ثنائي القطبية، يقف فيه الاتحاد السوفييتي الاشتراكي في مواجهة الولايات المتحدة الرأسمالية. ومن المفارقات أنّ هزيمة حزيران 1967 ساهمت، خصوصاً بعد معركة الكرامة (1968)، في انطلاقة ثانية للثورة الفلسطينية، إذ دفعت الأنظمة العربية إلى دعمها لتعويض آثار الهزيمة، وتغطية عورتها، إلى أن استعادت توازنها وأمسكت بزمام الأمور رويداً رويداً.
يرى بعضهم أنّ تبنّي برنامج النقاط العشر في 1974 (القائم على إقامة سلطة وطنية على أيّ جزء محرّر من فلسطين) كان بداية التراجع، وصولاً إلى اتفاق أوسلو (1993) وما بعده، إذ انتُقل من الكفاح المسلّح إلى المفاوضات خياراً وحيداً، من دون تحقيق الأهداف الوطنية، وصولاً إلى واقع إدارة السكّان تحت الاحتلال من دون أفق سياسي. وهذا، على الأقلّ، ليس دقيقاً، لأنّ تبنّي البرنامج المرحلي لم يترافق مع التخلّي عن البرنامج الاستراتيجي، ولا عن المقاومة شكلاً رئيساً يهدف إلى تغيير موازين القوى بما يسمح بالتوصّل إلى تسوية متوازنة، وحتى إن لم يمكن التوصّل إليها، كان تبنّيها يوفّر أفقاً سياسياً رحباً على المستويات العربية والإقليمية والدولية، خصوصاً أنّ مختلف الأطراف كانت تدفع بهذا الاتجاه.
مع ذلك، لم يكن المسار الذي أوصل إلى "أوسلو" المشؤوم حتمياً، والأخطر أنّ التغيير لم يكن سياسياً فقط، بل بنيوياً تعمّق بعد تأسيس السلطة التي كانت تحت الاحتلال إحدى أدوات مشروع استعماري استيطاني عنصري، إلى جانب أدوات أخرى مثل الإبادة والفصل والتطهير العرقي والتهجير والضمّ، إذ كان بالإمكان، لو أنّ المسألة كانت سياسية فقط، الجمع بين المفاوضات والمقاومة، بين الحلّ المرحلي والاستراتيجي، وبين الواقعية والطموح. ولم يكن من الضروري الاعتراف بإسرائيل بالشروط التي جرى بها، ولا القبول باتفاق انتقالي بلا ضمانات بحلّ نهائي يتضمّن إقامة دولة فلسطينية، أو من دون وقف الاستيطان وإطلاق سراح الأسرى، ومن تحديد واضح للهدف النهائي.
ما جرى لا يمكن فهمه من دون إدراك أنّ إنشاء سلطة تحت الاحتلال، مقيّدة سياسياً واقتصادياً وأمنياً، ومن دون استعداد إسرائيلي حقيقي للتسوية، أدّى إلى تحويل الحركة الوطنية من حركة تحرّر إلى سلطة، فطغى الحفاظ على السلطة على حساب المشروع الوطني. كما أنّ الفصائل التي عارضت "أوسلو" انخرطت تدريجياً في هذه المعادلة، بما فيها حركة حماس، التي وجدت نفسها في فخّ الجمع المستحيل بين السلطة والمقاومة المسلّحة. لقد أصبح الصراع على السلطة السمة الأبرز خلال العقود الثلاثة الماضية، ما يستدعي مراجعة شاملة للتجربة: ماذا تحقّق؟ ماذا لم يتحقّق؟ أين نقف؟ وإلى أين نريد أن نذهب؟
إنشاء سلطة مقيّدة بالاحتلال، من دون تسوية حقيقية، حوّل الحركة الوطنية من حركة تحرّر إلى سلطة. ولا يمكن لمناضل يسعى إلى الترقية والامتيازات داخل السلطة أن يحافظ على روحه النضالية، في ظلّ بنية تشجّع على الركون إلى الاستقرار، وينتشر فيها الفساد والاستبداد، وتشجيع أهل الولاء والثقة على حساب الكفاءة والانتماء والإخلاص، وتخشى أيّ فعل نضالي يهدّدها. ومع غياب الأفق السياسي، تحوّلت السلطة إلى غاية في حدّ ذاتها، وإلى إدارة حياة سكّان تحت الاحتلال، ومع التطوّرات الماضية، خصوصاً بعد حرب الإبادة الجماعية في غزّة، وعدم نقد الذات وتغيير المسار، يتواصل تفريغ السلطة من مضمونها الوطني، مع خطر انهيارها أو تفكيكها إلى كيانات محلّية. وبات من الوهم انتظار نهوض "فتح" ما دامت تحت رحمة السلطة، وبعد استبعاد آلاف المناضلين وأصحاب الكفاءات.
ليس البديل في العودة إلى الماضي، لأنّ الماضي لا يعود، بل في صياغة مشروع وطني جديد ينطلق من الواقع والحقائق، ويلبّي احتياجات الإنسان الفلسطيني، ويعيد بناء وحدة الشعب والمؤسّسات والقيادة، ويجمع بين الصمود والنضال، ويحافظ على النضال لتحقيق ما يمكن تحقيقه والسردية والحقوق التاريخية.
وإذا كان من الصعب الاتفاق على برنامج نهائي بسرعة، نظراً إلى عدم وجود قوى أو حركات، جديدة أو قديمة، قادرة على التجديد والإصلاح والتغيير، يمكن البدء بالاتفاق على مواجهة الأخطار الوجودية الراهنة التي تهدّد الجميع بحكم طبيعة المشروع الصهيوني، وتعزيز مقوّمات الصمود والبقاء، وتوفير الحياة الكريمة، وحماية الحقوق والحرّيات، وحماية الإنسان الذي يتعرّض للإبادة، ولكلّ الجرائم التي يرتكبها جيش الاحتلال والمستوطنون المسلّحون. ولا بدّ من حوار وطني شامل ومستمرّ، يهدف إلى التوافق على الممكن، مع استمرار نقاش القضايا الخلافية، وصولاً إلى عقد اجتماعي جديد.
أخيراً، ليس صحيحاً أنّ "فتح" تقود السلطة والمنظّمة؛ فهذا انتهى منذ زمن بعيد، بل تُستخدم لتوفير الشرعية لهما، وهي شرعية متآكلة في ظلّ غياب المشروع الوطني الموحَّد، والانتخابات، والتوافق الوطني والإنجازات. أمّا ما يُثار عن سعي نجل الرئيس محمود عباس إلى الحصول على عضوية اللجنة المركزية، بما قد يشير إلى توجّه نحو التوريث، فإن صحّ، فهو أمر بالغ الخطورة على "فتح" والسلطة والقضية الفلسطينية.

أقلام وأراء

الخميس 07 مايو 2026 10:23 صباحًا - بتوقيت القدس

الأولويات الوطنية والقومية ضد العدو المشترك

الحلقة الثانية

وعليه يمكن تحديد الأولويات كما يقول المثل الشعبي: "أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب".
وثمة واقعة تستحق التذكير، في هذا المجال، إذ كنا بوفد أردني برلماني صحفي في ليبيا، في شهر أيلول 1990، أي بعد الاجتياح العراقي للكويت يوم (2/ 8/ 1990)، وقبل الحرب على العراق يوم (17/ 1/ 1991).
وفي مساء الإجتماع الافتتاحي يوم (28 /9/ 1990)، للمؤتمر القومي العربي، ألقى معمر القذافي كلمة، لم تجد القبول والاستحسان من قبل الوفود العربية، وعند المساء اجتمع قادة الوفود الأردنية والفلسطينية والعراقية والمصرية واليمنية، وقيموا خطاب القذافي بالسلب، وقرروا الرد على القذافي، واختارني النائب الراحل فارس النابلسي للرد على القذافي.
وفي صباح اليوم الثاني، افتتح الاجتماع رئيس المؤتمر جورج حاوي، أمين عام الحزب الشيوعي اللبناني، وتيسير قبعة، نائب رئيس المجلس الوطني الفلسطيني، بحضور العقيد القذافي، وطلبت الكلمة باسم الوفود العربية، وتحدثت عن عدم رضا الوفود العربية من كلام القذافي، واستاء القذافي من كلامي وسألني: من أين أنت؟ فقلت: من الأردن. فرد عليّ مستهجناً كلامي بقوله: "آه من عند الملك حسين، سبحان الله الملك حسين كان مع الأمريكان، وصار ضد الأمريكان".
فقلت للقذافي: هذا صحيح سيادة العقيد، الملك حسين كان مع الأمريكان، وصار ضد الأمريكان، ولذلك قرر عدم الذهاب إلى حفر الباطن، ولم يقبل المشاركة في ذبح العراق تحت الراية الأمريكية، ومطلوب منك أن تكون مثل الملك حسين، وأن تقف مع العراق ضد الأمريكيين الذين قصفوا بيتك، وقتلوا بنتك، عام 1984.
زعل القذافي وخرج من المؤتمر غاضباً، وكانت النتيجة أن الوفود العربية نصحوا رئيس وفدنا فارس النابلسي بالعمل على حمايتي خوفاً من خطفي من قبل الأجهزة الليبية، وهكذا تم الاتصال مع سفيرنا في ليبيا هشام المحيسن وانتقلت إلى بيته، وتم الحجز في أقرب وقت وتوصيلي إلى الطائرة المصرية المتجهة إلى القاهرة، وخوفاً عليّ قرر النائب حسين مجلي، نقيب المحامين الأردنيين، مرافقتي في مغادرة ليبيا خشية اختطافي من قبل أجهزة معمر القذافي من المطار.
في عمان، اتصل معي الديوان الملكي، حيث يرغب الملك حسين في استقبالي، وهكذا كان إذ شكرني على شجاعتي في مواجهة معمر القذافي، فقلت له: سيدي نحن هنا نتجاوز حدودنا معك وأمامك، فأنت رب العائلة ورأس الدولة، وصدرك واسع معنا، ولكن لا أسمح لأحد خارج الأردن المساس بمكانتك واحترامنا العميق لك، أو المزايدة على مواقفك وشجاعتك حتى مع الأمريكيين.
أتذكر ذلك، من أجل استخلاص أن الأولويات أمامنا هي أولاً بلدنا، وثانياً مع فلسطين ومن يقف معها، وثالثاً مع قوميتنا وبلادنا العربية، ورابعاً مع الأصدقاء من المسلمين وغيرهم، وهذا هو دافعنا في تقييم الموقف المعقد المتداخل مع إيران، وضد إيران.

أقلام وأراء

الخميس 07 مايو 2026 10:21 صباحًا - بتوقيت القدس

المؤتمر الثامن بين الرهانات وأزمة الدور


لا يأتي المؤتمر الثامن لحركة فتح في سياق تنظيمي عادي، بل في لحظة فلسطينية تتكثّف فيها الأزمات حتى تكاد تعيد تعريف السياسة ذاتها: حرب مفتوحة، انقسام مزمن، ثقة شعبية تتآكل، وعالم يعيد ترتيب أولوياته بعيدًا عن السردية الفلسطينية. في مثل هذه اللحظة، لا يعود السؤال عمّا سينتجه المؤتمر من قرارات، بل عمّا إذا كان قادرًا على مساءلة المسار نفسه: هل ما زالت الحركة تعبّر عن مشروع تحرر وطني، أم أنها باتت تدير واقعًا فقد أفقه؟
البداية الحقيقية لأي استنهاض تكمن في شجاعة المراجعة، لا في مهارة الصياغة.
فالمؤتمر مدعو إلى نقد صريح يتجاوز العموميات، ليطول بنية الأداء السياسي ذاته: من طبيعة العلاقة مع الاحتلال، إلى وظيفة المؤسسات، إلى خطاب لم يعد دائمًا قادرًا على ملامسة تحولات الواقع. وربما آن الأوان للاعتراف -من داخل التجربة نفسها- بأن جزءًا من الأزمة لم يكن في التعقيد الخارجي وحده، بل في كيفية إدارتنا له.
غير أن الأزمة لا تُختزل في السياسة وحدها، بل تمتد إلى الجسد التنظيمي، ما يجعل إعادة بناء البنية التنظيمية ضرورة وجودية لا ترفًا إصلاحيًا. لا يمكن إنكار ما أصاب الأطر الحركية من ترهّل، وما نتج عنه من فجوة بين القاعدة والقيادة. هنا، لا يكفي الحديث عن "تمكين الشباب"، بل المطلوب إعادة توزيع حقيقي للأدوار، يفتح المجال أمام طاقات قادرة على الفعل، لا مجرد الحضور.
لكن المعيار الأصدق لأي تحول يبقى في العلاقة مع الشارع. فقد اتسعت الفجوة إلى حدّ بات فيه كثير من الفلسطينيين، خاصة الشباب، لا يرون في الفصائل مرآة لتجربتهم اليومية. استعادة هذه العلاقة لا تمر عبر الخطاب، بل عبر استعادة المعنى: أن يشعر الناس أن الحركة تعبّر عنهم، لا تتحدث باسمهم فقط.
وفي سياق الانقسام، لا يمكن للمؤتمر أن يظل شأنًا داخليًا. فإعادة تعريف دور حركة فتح تقتضي أن تتحول إلى رافعة لإعادة بناء المشروع الوطني، على قاعدة الشراكة السياسية والوحدة الميدانية. فاستمرار الانقسام لم يعد مجرد خلل، بل أصبح بنية تُضعف كل محاولة للفعل الوطني.
على مستوى الأدوات، تغيّر شكل الصراع جذريًا. لم يعد محصورًا في الأرض، بل امتد إلى الوعي العالمي، إلى اللغة، إلى الصورة. وهذا يفرض على الحركة أن تعيد بناء أدواتها السياسية والدبلوماسية والإعلامية، بحيث تكون قادرة على خوض معركة السردية بقدر قدرتها على إدارة الفعل الميداني.
ومع ذلك، يبقى كل حديث عن الإصلاح ناقصًا إن لم يُترجم إلى منظومة مساءلة حقيقية. فالمحاسبة ليست بندًا تنظيميًا، بقدر ما هي شرط لاستعادة الثقة، وضمانة لعدم إعادة إنتاج الأخطاء ذاتها.
غير أن العقدة الأعمق تكمن في تداخل الدور بين الحركة والسلطة. هذا الالتباس، الذي طال أمده، لم يعد يحتمل التأجيل: هل تبقى الحركة أسيرة الوظيفة الإدارية، أم تستعيد موقعها كحركة تحرر تقود الفعل الوطني؟ هنا تحديدًا، لا يعود النقاش نظريًا، بل يتعلق بخيارات سياسية ملموسة ستحدد ملامح المرحلة القادمة.
وفي مواجهة الاحتلال، لم يعد كافيًا الاكتفاء بردّ الفعل أو لغة الإدانة. فالمطلوب استراتيجية واضحة، متعددة المستويات، تعيد تعريف أدوات المواجهة، سياسيًا وشعبيًا وإعلاميًا، بما ينسجم مع طبيعة الصراع المتحوّلة.
داخليًا، يبرز خطر لا يقل أهمية: تحوّل الحركة إلى ساحة تنافس على النفوذ. حين تفقد الحركات طابعها الجماعي، تفقد معناها التاريخي. ومن هنا، يصبح الاستثمار في الكفاءات -الفكرية والإعلامية والاقتصادية- مدخلًا لإعادة بناء الدور، لا مجرد تحسين الأداء.
كما أن أي مشروع إصلاحي يفقد مصداقيته إن لم يُعد الاعتبار لدور المرأة الفلسطينية كشريك كامل في صناعة القرار، لا كحضور رمزي. وكذلك الحاجة إلى خطاب وطني جديد، يحافظ على الثوابت دون أن ينفصل عن تعقيدات الواقع وتحولاته.
في العمق، لا تكمن المشكلة في تعدد الملفات، بل في غياب ترتيب الأولويات: استعادة الثقة أولًا، وحسم طبيعة الدور ثانيًا، وبناء أدوات الفعل ثالثًا. دون هذا التسلسل، تتحول كل القضايا إلى عناوين صحيحة… لكنها بلا أثر.
كما أن نجاح المؤتمر لا يُقاس بما يُقرّه، بل بما يُنتجه من أمل. فالمجتمع الفلسطيني يعيش حالة إنهاك سياسي ونفسي عميقة، وأي خطاب لا يفتح أفقًا قابلًا للتصديق، يبقى عاجزًا عن إحداث التحول المطلوب.
استنادًا إلى ذلك، يقف المؤتمر الثامن أمام مفترق حقيقي: إما أن يكون لحظة مراجعة جذرية تُعيد تعريف الدور، وتستعيد الثقة، وتفتح أفقًا وطنيًا جديدًا، أو يبقى محطة تنظيمية تُراكم قرارات في واقع يتآكل.
وفي لحظة بهذه الحدة، لا يكفي أن تبقى حركة فتح حاضرة… بل أن تعود فاعلة، قادرة على توحيد الفلسطينيين حول مشروع وطني يمتلك الرؤية والمصداقية وأدوات التأثير.

أقلام وأراء

الخميس 07 مايو 2026 10:19 صباحًا - بتوقيت القدس

المعلم الفلسطيني.. حين تُدار الهشاشة



يخضع المعلم في فلسطين لضغوط بنيوية مركبة تنبع من تقاطع الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية والمؤسسية، بما يعيد إنتاج شروط العمل التعليمي في حالة من عدم الاستقرار المزمن. وفي هذا السياق، لا يُختزل موقعه في بعده المهني، بل يتشكل داخل بنية هشاشة معقدة تُنتج أنماطاً متداخلة من الصمود والتكيف والإنهاك.
تشير البيانات إلى أن قطاع التعليم يشكل نحو 20% من القوى العاملة في فلسطين، ما يجعله قطاعاً مركزياً شديد الحساسية لأي اختلال مالي أو أمني. كما سجلت مؤشرات اقتصادية ارتفاعاً في أسعار المستهلك بنسبة 12.02%، مع تراجع ملحوظ في القدرة الشرائية، خاصة في قطاع غزة، بالتزامن مع صرف جزئي للرواتب في فترات متعددة بنسبة وصلت إلى نحو 60% وبحد أدنى يقارب 2000 شيكل.
على المستوى التعليمي، جرى اعتماد التعليم المدمج وتقليص الدوام الوجاهي إلى ثلاثة أيام أسبوعياً في بعض المدارس الحكومية خلال 2025/ 2026، في ظل ضعف البنية الرقمية، ما عمّق فجوة التحول الرقمي، وتفاقمت الأزمة تحت قيود بنيوية تشمل الاحتلال واستهداف المدارس والمعلمين والانقطاعات المتكررة، بما يجعل التعليم فضاءً غير مستقر يهدد استمراريته.
وتكشف المعطيات الميدانية عن استهداف واسع لقطاع التعليم، حيث استُشهد 801 معلماً وأصيب 3261 في غزة، إلى جانب استشهاد 246 أكاديمياً وإصابة 1493 من الكوادر الجامعية، وتضرر 402 مدرسة. وفي الضفة الغربية والقدس، تسجل القيود أكثر من 849 عائق حركة، مع سقوط ضحايا من الطلبة والمعلمين وتعطيل متكرر للعملية التعليمية، بما يعكس تدميراً بنيوياً يمس استمرارية التعليم ذاتها.
وفي السياق ذاته، تتداخل شروط التمويل الدولي المشروط مع بنية النظام التعليمي، حيث لا يعمل التمويل كدعم محايد، بل كأداة لإعادة توجيه السياسات التعليمية وفق أولويات خارجية، بما يحد من استقلالية القرار التربوي ويعزز تبعيته لمنطق الاستجابة المشروطة، ضمن إطار مزدوج يجمع بين ضغط احتلالي مباشر وضغط تمويلي مشروط.
تتمثل الإشكالية في استمرار النظام التعليمي في ظل هذا التآكل البنيوي متعدد المستويات، وفي كيفية إعادة تشكيل وظيفة المعلم داخل سياق لا يضمن الاستقرار المؤسسي أو الاقتصادي أو الأمني.

ديناميات التفاعل البنيوي بين الأبعاد والأنماط
يتحدد الواقع التعليمي في فلسطين ضمن بنية ضغط مركب تنتجها أربعة أبعاد مترابطة: الاقتصادي، المؤسسي، الأمني، والاجتماعي، حيث تعمل هذه الأبعاد ضمن شبكة تأثير غير خطية تعيد إنتاج العلاقة بين النظام التعليمي والمعلم في آن واحد، عبر أنماط متزامنة من البقاء والتكيف والتفكك مقابل الصمود والهجرة المهنية والانسحاب.
في البعد الاقتصادي، يؤدي احتجاز أموال المقاصة وصرف الرواتب الجزئي وارتفاع الأسعار إلى إنتاج اختلال في الاستقرار المالي للنظام التعليمي. ويُفضي هذا الاختلال إلى إعادة تشكيل النظام في اتجاه بقاء هش يقوم على استمرار الوظيفة التعليمية رغم ضعف القدرة التمويلية البنيوية. وفي المقابل، ينعكس ذلك على مستوى المعلم في صورة صمود قسري يحافظ على الحد الأدنى من الاستمرارية المهنية رغم تآكل الدخل، ويتحول هذا الصمود تحت الضغط المتراكم إلى هجرة مهنية أو انسحاب جزئي من الالتزام التعليمي عندما تتجاوز الضغوط حدود القدرة على الاحتمال.
في البعد المؤسسي، يؤدي ضعف الحوكمة وتذبذب السياسات واعتماد التمويل الخارجي المشروط إلى إنتاج حالة تكيف مؤسسي دائم بدل الاستقرار البنيوي. هذا التكيف لا يعكس مرونة مستقرة، بل إدارة مستمرة للاختلال داخل النظام. وبالتوازي، يظهر على مستوى المعلم تكيف مهني مرن يعيد تشكيل الأدوار داخل المدرسة وفق الواقع المتغير، لكنه يتدرج نحو انسحاب تدريجي عندما تصبح البيئة المؤسسية غير قابلة للتوقع أو الاستقرار الوظيفي.
في البعد الأمني، تؤدي القيود الميدانية ووجود عوائق الحركة والاستهداف المباشر للمدارس والمعلمين إلى تعطيل البنية المكانية والزمانية للعملية التعليمية. ويُترجم هذا التعطيل إلى حالة تفكك مكاني وزمني جزئي للنظام التعليمي، لا يصل إلى الانهيار الكامل لكنه يحد من انتظامه واستمراريته. وعلى مستوى المعلم، ينتج هذا البعد صموداً يومياً قسرياً داخل بيئة غير آمنة، يترافق مع حالات انسحاب جزئي أو قسري من بعض المواقع التعليمية، خصوصاً في مناطق الاحتكاك المباشر.
في البعد الاجتماعي، يؤدي تآكل شبكات الدعم وارتفاع مستويات الانهاك المجتمعي إلى إعادة تشكيل العلاقة بين المدرسة والمجتمع ضمن سياق ضغط مستمر. وينتج عن ذلك تفكك اجتماعي تدريجي لوظيفة التعليم على مستوى النظام، بينما ينعكس على المعلم عبر مسارات متزامنة تشمل الصمود داخل بيئة مرهقة اجتماعياً، أو الهجرة المهنية نحو قطاعات أكثر استقراراً، أو الانسحاب التدريجي من الدور التربوي.
وتوضح هذه البنية أن الأنماط لا تعمل كمخرجات منفصلة لكل مستوى، بل كمنظومة واحدة مترابطة يتداخل فيها مستوى النظام التعليمي مع مستوى المعلم بشكل متزامن. فعلى مستوى العلاقة التفاعلية:
1.    يرتبط البقاء على مستوى النظام باستمرار الصمود القسري للمعلم رغم تآكل الشروط الاقتصادية والأمنية والمؤسسية.
2.    ويرتبط التكيف المؤسسي داخل النظام بظهور التكيف المهني لدى المعلم، والذي قد يتطور إلى هجرة مهنية تدريجية خارج القطاع التعليمي.
3.    أما التفكك البنيوي للنظام فيترافق مع الانسحاب التدريجي من الفعل التعليمي لدى المعلمين، سواء بشكل جزئي أو كلي.
وبناءً عليه، لا تتخذ العلاقة بين النظام والمعلم شكلاً خطياً، بل تتجلى كعلاقة دائرية تفاعلية تُعيد فيها الأبعاد البنيوية إنتاج أنماط الاستجابة في المستويين، بحيث يقترن بقاء النظام أو تكيفه أو تفككه بصمود المعلم أو هجرته المهنية أو انسحابه، ضمن بنية واحدة تُعيد إنتاج الأزمة باستمرار، بما يجعلها أزمة بنيوية مركبة لا ظرفاً قطاعياً، وتُعيد تشكيل شروط التعليم وحدود الفعل التربوي ذاته..
ثالثاً: مداخل بنيوية لمعالجة الأزمة التعليمية في فلسطين:
تنطلق المقترحات من أن الأزمة التعليمية في فلسطين ليست أزمة إدارة قطاعية، بل أزمة بنية سياسية–اقتصادية–مالية ممتدة، تتداخل فيها قرصنة أموال المقاصة وتقييد السيادة المالية وشروط التمويل الدولي المشروط والانكشاف الأمني، بما يجعل أي تدخل جزئي غير قادر على إحداث أثر بنيوي ما لم يستهدف مستويات الإنتاج العميق للأزمة.
المدخل الأول: السيادة المالية للتعليم: تنويع مصادر تمويل التعليم عبر زيادة الاستثمار من رأس المال الوطني، وإنشاء صندوق وطني طارئ للرواتب، وتعبئة دعم خارجي غير مشروط، بما يضمن الاستمرارية ويقلل من أثر احتجاز أموال المقاصة، بما يحد من هشاشة البقاء النظامي القائم على العجز، ويخفف من انتقال المعلم من الصمود القسري نحو الهجرة المهنية أو الانسحاب نتيجة الضغط المعيشي.
المدخل الثاني: الحماية الحقوقية الدولية للتعليم: يعيد هذا المدخل ضبط البعد الأمني والقانوني عبر تفعيل الحماية الدولية للمدارس والمعلمين، وتوثيق الانتهاكات ومساءلة مرتكبيها، بما يحد من آثار الاستهداف، ويعزز صمود المعلم، وينقله من صمود قسري إلى صمود محمي يقلل من احتمالات الانسحاب القسري.
المدخل الثالث: إعادة ضبط التمويل المشروط: إعادة ضبط التمويل المشروط عبر منع ربط التمويل بتغيير السياسات التعليمية الوطنية، وتحويله إلى دعم مالي لا أداة لتوجيه القرار التربوي، بما يحد من التكيف المؤسسي القسري الذي يعيد إنتاج الهشاشة، ويقلل من انتقال المعلم من التكيف المهني إلى الهجرة التدريجية خارج القطاع التعليمي.
المدخل الرابع: إعادة تموضع المعلم بنيوياً: يركز هذا المدخل على تقاطع الأبعاد كافة عبر تعزيز الاستقرار المهني والمعيشي للمعلم من خلال تقليل أثر عدم انتظام الرواتب عبر آليات دعم وتعويض، وتوفير بدائل معيشية مساندة، وتطوير نظام حوافز مهني عادل، بما يعزز صموداً مستقراً داخل النظام ويحد من الهجرة المهنية والانسحاب كاستجابات اضطرارية.
وفي ضوء ذلك، لا تُفهم هذه المقترحات كحزمة إجراءات تقنية، بل كمسارات لإعادة تفكيك شروط إنتاج الأزمة وإعادة بناء الحد الأدنى من القدرة على الاستمرار داخل نظام تعليمي يعمل تحت ضغط سياسي ومالي وأمني ممتد.
ختاماً، يكشف التحليل أن الأزمة التعليمية في فلسطين هي نتاج تفاعل بنيوي مركب بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والمؤسسية، ضمن سياق يحد من السيادة المالية ويعيد تشكيل شروط التعليم من الخارج، حيث يعمل النظام التعليمي والمعلم داخل منظومة واحدة تتداخل فيها أنماط البقاء والتكيف والتفكك مع الصمود والهجرة المهنية والانسحاب، بما يعيد إنتاج الأزمة بصورة مستمرة، الأمر الذي يفرض تجاوز الحلول الجزئية نحو تفكيك البنية المنتجة لها وإعادة الاعتبار للتعليم بوصفه حقل سيادة وحق واستمرارية.


أقلام وأراء

الخميس 07 مايو 2026 10:17 صباحًا - بتوقيت القدس

تأملات مع اقتراب ذكرى النكبة والمؤتمر الثامن

مع اقتراب ذكرى النكبة الفلسطينية، وبالتزامن مع انعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح، يمرّ الفلسطينيون بلحظة تجمع بين استحضار الماضي والتفكير في الحاضر. فهي محطة تدعو إلى التأمل في ما حدث وما يجري اليوم، وإلى طرح أسئلة حول القدرة على الاستمرار والتجدد في ظل واقع معقّد، وكيف يمكن للحركة الوطنية أن تطوّر نفسها لتواجه التحديات وتعيد تحديد دورها في هذه المرحلة.
يُناط بالمؤتمر الثامن لحركة فتح تقييم الواقع التنظيمي والسياسي، ووضع الأطر العامة التي تنظم إدارة التباين في الرؤى والأساليب داخل الحركة، بما يضمن توجيه هذا التنوع لخدمة الهدف الوطني في إقامة دولة فلسطينية وإنهاء الاحتلال، وتعزيز وحدة القرار، ومنع تحول الاختلاف إلى مصدر ارتباك في المسار التنظيمي والسياسي. غير أن هذه المهمة لا يمكن النظر إليها بمعزل عن سؤال أعمق: كيف تحافظ حركة تحرر وطني على حيويتها النقدية في عالم يميل إلى إنتاج الامتثال وإعادة تدوير الواقع القائم؟.
هنا تبرز أهمية استدعاء أفكار الفيلسوف "هربرت ماركوزه"، خصوصاً في كتابه "الإنسان ذو البعد الواحد"، حيث يُحذّر من أن الأنظمة الحديثة لا تفرض هيمنتها بالقوة المباشرة فقط، بل عبر تشكيل وعي الأفراد وجعلهم أكثر قابلية للتكيّف مع الواقع القائم، من خلال الإعلام، وأنماط الاستهلاك، وضغوط الحياة اليومية، واللغة التي تُعيد إنتاج المسلمات بدل مساءلتها.
في الحالة الفلسطينية، تبدو هذه الفكرة شديدة الصلة. فثمة خطر دائم من أن يتحول العمل السياسي إلى ممارسة روتينية، تكتفي بإدارة الواقع بدل تغييره، خصوصاً في ظل تعقيدات المشهد الداخلي، وضغوط الإقليم، والتحولات الدولية، والتعب الجمعي الذي يراكمه الاحتلال عبر الزمن.
الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في ضغوط الاحتلال، بل في أن تتسلّل هذه الضغوط إلى الوعي ذاته، فتُنتج نمطاً من التفكير السياسي أحادي البعد؛ تفكيراً ينشغل بالتكيّف مع الممكن إلى حد نسيان الضروري، ويغرق في إدارة اليومي على حساب الأفق التحرري. ومن هنا، تصبح الحاجة إلى المسافة النقدية داخل الحركة ضرورة وجودية، فحركة تحرر لا تمتلك قدرة دائمة على مراجعة ذاتها، وإعادة تقييم أدواتها وخطابها وأولوياتها، معرّضة تدريجياً للتحول إلى كيان يُحافظ على ذاته أكثر مما يدفع نحو التغيير.
ولعلّ أحد أهم دروس "ماركوزه" أن الثقافة واللغة ليستا محايدتين؛ إذ يمكن لهما أن تتحولا إلى أدوات لتثبيت الواقع وتبريره. وهذا يضع الحركة الوطنية أمام سؤال جوهري: هل يظل خطابها موجّهاً نحو التحرر والتجديد، أم ينزلق تدريجياً إلى لغة تفسير الواقع وتبريره؟
إن الحفاظ على روح النقد، والانفتاح على التعددية الفكرية، وتشجيع المبادرات المختلفة داخل الحركة، ليست تهديداً لوحدتها، بل شرطاً من شروط حيويتها. فالاختلاف حين يُدار ضمن أطر سياسية وتنظيمية واضحة، يتحول إلى طاقة تجديد، لا إلى مصدر انقسام.
ويكتسب انعقاد المؤتمر الثامن بالتزامن مع ذكرى النكبة بُعداً رمزياً وسياسياً خاصاً، فهو يربط اللحظة الراهنة بجذور القضية الفلسطينية، ويذكّر بأن المشروع الوطني لم يولد من فراغ، بل من تجربة اقتلاع تاريخية بدأت عام 1948، وما زالت مستمرة بأشكال متعددة. فالنكبة ليست حدث وانتهى؛ بل بنية استعمارية متواصلة تُعيد إنتاج ذاتها عبر الاحتلال والاستيطان والحصار، إلى جانب محاولات محو الوجود الفلسطيني مادياً ورمزياً.
وفي هذا السياق، يكتسب المؤتمر دلالة إضافية عبر التأكيد أن الخطاب الفتحاوي الوطني لا ينفصل عن جذور المسألة الاستعمارية، وأن الفلسطيني ليس مجرد ضحية في سردية الألم، بل فاعل في التاريخ، يمتلك القدرة على المقاومة وإعادة إنتاج المعنى. لكن الرمزية وحدها لا تكفي، فكل لحظة ذات حمولة تاريخية كبيرة تضع أصحابها أمام امتحان أكثر صرامة: هل يمكن تحويل الرموز إلى سياسات؟ والذاكرة إلى وعي؟ والمؤتمر إلى محطة مراجعة فعلية لا مجرد استحقاق تنظيمي؟
هنا تحديداً تتحدد المعركة الأهم... فمعركتنا ليست فقط ضد منظومة استعمارية تسعى إلى إلغاء وجودنا، بل أيضاً ضد كل أشكال الوعي المريض التي تُنتجها الهزيمة الطويلة، والتطبيع مع الاستثناء، والاعتياد على الواقع المشوّه.
نحتاج إلى وعي جديد يعيد وصل السياسة بالأفق التحرري، والتنظيم بالفكرة، والذاكرة بالفعل.. وعي لا يكتفي بإدارة الممكن، بل يُسائل حدوده باستمرار، ويؤمن أن النكبة، وإن كانت مستمرة، فهي ليست قدراً محتوماً. فما دام الفلسطيني قادراً على إنتاج معرفة نقدية، وصون ذاكرته، وتجديد أدواته السياسية، فإن المشروع الوطني يظل مفتوحاً على المستقبل.
وعيٌ جديد يُبدّد وعياً مريضاً… تلك هي معركتنا الأهم...

فلسطين

الخميس 07 مايو 2026 10:14 صباحًا - بتوقيت القدس

الحكم بإعادة راتب أسير.. بين إنصاف الأسرى ومخاوف الانحراف عن القانون الخاص بهم

د. عمار دويك: آثار القرار تمتد لتشمل كل من تم وقف راتبه بذات الآلية وليس فقط صاحب الدعوى ويُعد ملزماً وواجب التنفيذ فور صدوره
د. أحمد نصرة: إلغاء القرار الإداري يمنح الحكم حجية لبقية الأسرى ما يعني أن كل من ينطبق عليه ذات الوضع القانوني يستفيد من الحكم لكن الأهم هو التنفيذ
أمجد النجار: صدور قرار يتبنى "أحقية الراتب" للأسير مهم لكنه قد يدخل القضية بمسارات وبدائل أخرى والأصل الإبقاء على "قانون الأسرى والمحررين"
عصام بكر: القرار يفتح الباب أمام معالجة ملفات مماثلة لنحو 1600 أسير ويُعد أرضية قانونية يمكن البناء عليها لإعادة تصحيح المسار المتعلق بهذه القضية
أمجد الشلة: الحكم يمثل سابقة يمكن البناء عليها مستقبلاً ويعزز من دور القضاء في الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية بما يكرّس حماية الحقوق المكتسبة للمواطنين
عصام عاروري: القرار انتصار لمبدأ سيادة القانون والتحدي الحقيقي يكمن بتنفيذ الأحكام القضائية مع وجود سوابق لم يتم فيها الالتزام بقرارات المحاكم


رام الله - خاص بـ"القدس"-

في سابقة قضائية لافتة، جاء إصدار المحكمة الإدارية في رام الله يوم الأحد الماضي، حكماً يقضي بإلغاء قرار لوزير المالية حول وقف صرف راتب أحد الأسرى العام الماضي، وهو حكم يُعد محطة مهمة تعيد التأكيد على خضوع القرارات الإدارية لرقابة القضاء، ما قد يؤسس لإعادة رواتب نحو 1600 أسير آخرين أوقفت رواتبهم بذات الطريقة، لكن وسط مخاوف من مؤسسات الأسرى أن يكون بديلاً عن قانون الأسرى والمحررين الذي جاء وفق القانون الأساسي الفلسطيني.
وبحسب مسؤولين بمتابعة شؤون الأسرى وحقوقيين، في أحاديث منفصلة مع "ے"، لا يقتصر أثر الحكم على الحالة الفردية، بل يمتد ليشمل نحو 1600 أسير آخرين والذين تم وقف رواتبهم بذات الآلية، استناداً إلى طبيعة القضاء الإداري الذي يستهدف القرار الإداري ذاته، ويمنح ذلك الحكم حجية قانونية واسعة تتيح لكل من ينطبق عليه نفس الوضع القانوني الاستفادة منه، ما يجعله سابقة يمكن البناء عليها لتصويب مسار هذا الملف الشائك.
ويؤكدون أنه رغم الأهمية القانونية للحكم القضائي، يبرز التحدي الأهم في ضمان تنفيذه على أرض الواقع، ومع ذلك، يشكّل القرار أرضية قانونية متينة لإعادة معالجة ملف رواتب الأسرى، ويفتح المجال أمام تحركات قضائية إضافية لتعزيز حماية هذه الحقوق وترسيخ مبدأ العدالة، في حين، تُبدي مؤسسات معنية بشؤون الأسرى مخاوف من أن يؤدي المسار القضائي إلى إضعاف الإطار القانوني الناظم لحقوق الأسرى والمتمثل بقانون الأسرى والمحررين المستند إلى القانون الأساسي الفلسطيني، والانحراف نحو مسارات بديلة بتحول الأسرى إلى حالات اجتماعية ضمن مؤسسة تمكين أو وزارة التنمية الاجتماعية.


خطوة قانونية مهمة وشجاعة

يشدد مدير عام الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان "ديوان المظالم" د.عمار دويك على أن قرار المحكمة الإدارية القاضي بإلغاء امتناع وزارة المالية عن صرف راتب الأسير أحمد فراس حسن يمثل خطوة قانونية مهمة وشجاعة، تعيد التأكيد على عدم قانونية وقف هذه المخصصات، وتُلزم الجهات المختصة باستئناف صرفها.
ويوضح دويك أن الهيئة، عقب قرار قطع رواتب نحو 1600 أسير العام الماضي، باشرت بمخاطبة مختلف الجهات الرسمية ذات العلاقة، بما في ذلك الرئاسة ومجلس الوزراء ووزارة المالية وهيئة شؤون الأسرى، في محاولة لمعالجة القضية عبر القنوات الإدارية، إلا أن تلك الجهود لم تُفضِ إلى نتيجة، ما دفع الهيئة إلى اللجوء للقضاء الفلسطيني ممثلاً بالمحكمة الإدارية ورفع دعوى رسمية باسم الأسير أحمد فراس حسن في شهر أغسطس/ آب 2025.
ويبيّن دويك أن المحكمة الإدارية أصدرت في الرابع من مايو / أيار الجاري حكماً شجاعاً، اعتبرت فيه أن قرار وزارة المالية بالامتناع عن صرف الراتب هو قرار غير قانوني، وألزمتها باستئناف صرفه.

حكم عيني

ويؤكد دويك أن هذا الحكم يُعد من قبيل الأحكام "العينية"، أي أنه يستهدف القرار الإداري ذاته، وبالتالي فإن آثاره تمتد لتشمل كل من تم وقف راتبه بذات الآلية، وليس فقط صاحب الدعوى.
ويشير دويك إلى أن القرار، من الناحية القانونية، يُعد ملزماً وواجب التنفيذ فور صدوره، معرباً عن أمله في عدم الطعن فيه أمام المحكمة الإدارية العليا، أو أن يتم تثبيته في حال جرى استئنافه، ليكتسب الصفة النهائية.
ويؤكد دويك أن الهيئة ستتابع في المرحلة المقبلة تنفيذ الحكم مع وزارة المالية، داعياً الأخيرة إلى الالتزام به وإعادة صرف رواتب جميع الأسرى الذين تم قطع مخصصاتهم بغير وجه حق، بما يتوافق مع أحكام القانون الأساسي الفلسطيني ويعزز احترام قرارات القضاء.

سابقة قانونية مهمة

يؤكد المستشار القانوني الخارجي للهيئة المستقلة لحقوق الإنسان "ديوان المظالم"، المحامي د. أحمد نصرة، أن قرار المحكمة الإدارية في رام الله بإلغاء قرار وزير المالية القاضي بوقف صرف رواتب الأسرى منذ العام الماضي، يشكّل سابقة قانونية مهمة من حيث تكريس الحق وامتداد أثر الحكم إلى جميع الأسرى الذين ينطبق عليهم ذات المركز القانوني.
ويوضح نصرة أن الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية بتاريخ 4 أيار/مايو 2026، جاء نتيجة دعوى تقدمت بها عائلة الأسير أحمد فراس حسن من خلال الهيئة المستقلة، عقب وقف راتبه، مشيراً إلى أن القضية بدأت في شهر أغسطس / آب 2025، حيث جرى تسجيل الدعوى وتبادل اللوائح القانونية بين الأطراف، بما في ذلك الجهة الإدارية ممثلة بالنيابة الإدارية، قبل أن تصدر المحكمة الإدارية حكمها بإلغاء القرار الإداري محل الطعن.

إمكانية التعميم

ويبيّن نصرة أن هذا الحكم لا يقتصر أثره على صاحب الدعوى فقط، بل يمتد ليشمل جميع الأسرى داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي، وذلك استناداً إلى طبيعة القضاء الإداري الذي يُعرف بأنه "قضاء عيني"، أي أن الخصومة فيه تكون موجهة ضد القرار الإداري ذاته، وليس بين أطراف محددين كما هو الحال في القضاء المدني.
ويشير نصرة إلى أن إلغاء القرار الإداري يمنح الحكم حجية لبقية الأسرى المقطوعة رواتبهم منذ العام الماضي، ما يعني أن كل من ينطبق عليه ذات الوضع القانوني يستفيد من الحكم.
ويلفت نصرة إلى أن هذا المبدأ يختلف جذرياً عن القضايا المدنية التي تقتصر آثارها على أطراف النزاع فقط، موضحاً أن أحكام القضاء الإداري تهدف أساساً إلى تصويب أوضاع الإدارة وتصحيح قراراتها، سواء كانت فردية أو تنظيمية، بما يضمن احترام القانون وتحقيق العدالة.
ويشدد نصرة على أن الحكم يرسّخ بشكل واضح حق الأسرى في تقاضي رواتبهم، بمن فيهم أولئك الذين تم قطع رواتبهم بموجب القرار الصادر خلال شهري فبراير/ شباط أو مارس/ آذار من العام الماضي، مؤكداً أن الحكم أسّس قانونياً لأحقية نحو 1600 أسير في استعادة رواتبهم، أو على الأقل إعادة الاعتراف بهذا الحق من الناحية القانونية.
ورغم الأهمية القانونية للحكم، يشدد نصرة على أن التحدي الأبرز يكمن في مرحلة التنفيذ، وترجمة هذا الحق إلى واقع عملي، حيث أنه من الناحية القانونية يتوجب على الجهات الإدارية تنفيذ الحكم، مشيراً إلى أن الأزمة المالية التي تعاني منها السلطة لا تؤثر على وجود الحق الذي أقره الحكم القضائي.

مخاوف من كونه بديلاً عن قانون الأسرى والمحررين

يؤكد مدير عام نادي الأسير أمجد النجار أن قانون الأسرى والمحررين يعزز المكانة الوطنية والنضالية للأسير، لكن النقاش حول صدور قرار يتبنى "أحقية الراتب" للأسير مهم، لكنه قد يؤدي إلى إرباك في المسار الحقوقي، ويدخل القضية في مسارات بديلة مثل مؤسسة "تمكين" أو وزارة التنمية الاجتماعية، بدل الإبقاء عليها ضمن إطارها القانوني المرتبط بقانون الأسرى والمحررين والحفاظ على المكانة النضالية للأسرى والمحررين.
ويشدد النجار على ضرورة إعادة الاعتبار لقانون الأسرى والمحررين الذي جاء وفق القانون الأساسي الفلسطيني باعتباره الإطار الناظم للتعامل مع قضايا الأسرى والمحررين، بما يحفظ حقوقهم الوطنية ويضمن وضوح المرجعية القانونية الناظمة لملفات الأسرى، وليس البحث عن بدائل لذلك القانون.
ويؤكد النجار أنه وفق الأنظمة المعتمدة لدى منظمة التحرير الفلسطينية يُعدّ حقّ الأسير الفلسطيني في تلقي راتبه حقاً مشروعاً نابعاً من مكانته النضالية، ولا يوجد في القانون الدولي أي نص يجرّم دفع رواتب للأسرى أو لعائلاتهم. ويوضح النجار أن تجارب العديد من دول العالم التي عانت من الاحتلال أو الصراعات تُظهر أنها اعتمدت سياسات مشابهة تجاه من يُعرفون بالمقاتلين القدامى، باعتبار ذلك جزءاً من مسؤوليتها الاجتماعية والوطنية.

قرار مهم ومخاوف من تحوله لمسار خطير

ويؤكد النجار أن قرار المحكمة الإدارية في رام الله بإلغاء قرار وقف راتب الأسير أحمد فراس حسن يعكس اتجاهاً قضائياً واضحاً نحو تكريس مبدأ سيادة القانون، وخضوع جميع القرارات الإدارية للرقابة القضائية، وهو قرار مهم من ناحية الإجراءات القانونية وإثبات حق الأسير براتبه، لكن ذلك مسار خطير قد يؤدي إلى التخلي عن قانون الأسرى والمحررين، وهو ما ترفضه مؤسسات الأسرى.
ويوضح النجار أن الحكم الصادر يؤكد أن أي قرار إداري يبقى خاضعاً لأحكام القانون، مشدداً على أن هذا القرار يعزز حماية الحقوق المالية للأسرى والمحررين باعتبارها حقوقاً مكتسبة مرتبطة بمكانتهم النضالية والاعتبارية، ولا يجوز المساس بها.
ويشير النجار إلى أن القرار يعكس إدراكاً قضائياً متقدماً بأن قضية الأسرى ليست مسألة إدارية بحتة، بل قضية وطنية وحقوقية تستوجب حماية خاصة ضمن الإطار القانوني الفلسطيني. ويرى النجار أن هذا الحكم يشكل انتصاراً قانونياً ووطنياً، وخطوة مهمة في اتجاه حماية الحقوق المالية للأسرى والمحررين، ولكن بما يعزز صمود هذه الفئة ويحفظ كرامتها في إطار الشرعية القانونية الفلسطينية.

أرضية قانونية يمكن البناء عليها

يعتبر منسق القوى الوطنية والإسلامية وسكرتير العلاقات الخارجية والإعلام في الهيئة العليا لمتابعة شؤون الأسرى والمحررين، عصام بكر، أن قرار المحكمة الإدارية القاضي بإلغاء وقف راتب الأسير أحمد فراس حسن يمثل تطوراً قضائياً بالغ الأهمية، ويشكّل خطوة مهمة في اتجاه إعادة الاعتبار للمنظومة القضائية الفلسطينية، وإنصاف شريحة الأسرى والشهداء والجرحى.
ويوضح بكر أن القضية التي تعود إلى قرار وقف راتب الأسير عام 2025، لا تنحصر في حالة فردية، بل تفتح الباب أمام معالجة ملف أوسع يتعلق بنحو 1600 أسير تم وقف رواتبهم، مشيراً إلى أن الحكم الصادر يُعد أرضية قانونية يمكن البناء عليها لإعادة تصحيح المسار المتعلق بهذه القضية.
ويشير بكر إلى أن الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان "ديوان المظالم" بادرت إلى رفع الدعوى أمام القضاء الفلسطيني، بعد استنفاد جميع محاولات التواصل مع الجهات الرسمية، مؤكداً أن مسار التقاضي جرى وفق الإجراءات القانونية، من خلال تقديم البينات والوثائق المتعلقة بملف الأسير، بما في ذلك سنوات اعتقاله وتفاصيل وقف الراتب والمسوغات المرتبطة بالقرار الإداري.
ويبيّن بكر أن المحكمة استمعت خلال عدة جلسات إلى مرافعات محامي الهيئة وإلى الجهات المختصة، قبل أن تصدر قرارها الذي أعاد الاعتبار لراتب الأسير، معتبراً ذلك "انتصاراً قضائياً" يعزز الثقة بالقضاء كمرجعية أساسية في معالجة النزاعات.

إمكانية التعميم لمعالجة قضايا الأسرى المقطوعة رواتبهم

ويؤكد بكر أن هذا القرار لا ينبغي النظر إليه كحالة معزولة، بل كنموذج يمكن تعميمه لمعالجة قضايا الأسرى الذين تم وقف رواتبهم، وفق كل حالة على حدة، عبر اللجوء إلى القضاء ورفع دعاوى مماثلة، بما يضمن تحقيق العدالة وإنصاف هذه الفئة.
ويشدد على أن احترام السلطة القضائية وتعزيز دورها يشكلان ضرورة وطنية، خاصة في ظل غياب المجلس التشريعي، معتبراً أن القضاء يمثل أحد أهم أركان النظام العام، ولا بد من الالتزام بقراراته باعتبارها مرجعاً لحل الخلافات والنزاعات.
ويشير بكر إلى أن قضية وقف رواتب الأسرى والمحررين أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط الفلسطينية، وترافقت مع تحركات شعبية واعتصامات ولقاءات مع مؤسسات رسمية وحقوقية، ما يعكس حجم أهمية الملف.
ويؤكد بكر أن الحكم القضائي يشكّل نافذة حقيقية لإمكانية التوصل إلى تسويات عادلة لملف رواتب الأسرى والمحررين، بما يضمن كرامتهم وحقوقهم الوطنية والإنسانية، ويحفظ مكانتهم كجزء أصيل من النضال الفلسطيني.

انتصار واضح لمبدأ سيادة القانون

يعتبر أمين سر نقابة المحامين الفلسطينيين والمستشار القانوني، المحامي أمجد الشلة، أن الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية بإلغاء قرار وقف راتب الأسير أحمد فراس حسن، يشكّل انتصاراً واضحاً لمبدأ سيادة القانون، مؤكداً أن هذا القرار يعيد الاعتبار للقواعد القانونية التي يجب أن تعلو على أي اعتبارات أخرى، بما فيها الأبعاد السياسية.
ويوضح الشلة أن قرار وقف أو قطع رواتب الأسرى، رغم ما يحمله من دلالات سياسية، إلا أنه يتعارض مع نصوص قانونية صريحة، وعلى رأسها القانون الأساسي الفلسطيني، الذي كفل حماية حقوق الشهداء والأسرى والجرحى. ويشير الشلة إلى أن التشريعات الفلسطينية المتعاقبة، سواء المتعلقة بالأسرى والمحررين أو بالشهداء والجرحى، أرست منظومة حقوق متكاملة على مدار سنوات، ما يجعل هذه المخصصات المالية بمثابة "حقوق مكتسبة" لا يجوز المساس بها أو الانتقاص منها بأي قرار إداري.
ويلفت الشلة إلى أن القرارات الصادرة بوقف هذه الرواتب تفتقر إلى السند القانوني، ما يجعلها إجراءات باطلة من حيث الأساس، مؤكداً أن القرار الذي تحصلت عليه الهيئة المستقلة يفتح الباب أمام كل من تضرر من هذه القرارات، سواء من الأسرى أو غيرهم من الفئات المشمولة، للتوجه إلى القضاء الإداري للطعن بها والمطالبة باستعادة حقوقهم، بما في ذلك صرف الرواتب بأثر رجعي.

إجراءات الطعن بوقف رواتب الأسرى

وفيما يتعلق بالإجراءات القانونية، يبيّن الشلة أن الطعن في مثل هذه القرارات يتم عبر تقديم دعوى إلغاء أمام القضاء الإداري من قبل المتضرر بواسطة محامٍ مزاول، مع ضرورة توافر شروط الصفة والمصلحة والالتزام بالمدة القانونية المحددة للطعن.
وبحسب الشلة، فإنه بعد تسجيل الدعوى، تنظر المحكمة فيها من خلال جلسات يتم خلالها تبادل اللوائح بين المدعي والجهة المدعى عليها، ممثلة بالنيابة الإدارية، قبل أن تقوم المحكمة بفحص مشروعية القرار من حيث الاختصاص والشكل والسبب والغاية، والاستماع إلى البينات والمرافعات المقدمة من الطرفين.
ويؤكد الشلة أن الحكم الصادر يمثل سابقة قضائية مهمة يمكن البناء عليها مستقبلاً، ويعزز من دور القضاء في الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية، بما يكرّس مبدأ المشروعية ويحمي الحقوق المكتسبة للمواطنين.
ويشدد الشلة على أن قضايا مخصصات الشهداء والأسرى والجرحى، بما في ذلك الأسرى المحررون، تمثل قضية وطنية بامتياز، وأن الدفاع عن حقوق هذه الفئات وصون مكتسباتها مسؤولية جماعية تقع على عاتق كل فلسطيني، سواء عبر المسار القانوني أو من خلال مختلف أدوات الدعم والمناصرة.

قطع راتب الأسير والافتقار للمشروعية

يؤكد مدير عام مركز القدس للمساعدة القانونية عصام عاروري أن القرار الصادر عن المحكمة الإدارية العليا بخصوص الأسير أحمد فراس حسن يحمل دلالات قانونية ووطنية عميقة، تتجاوز كونه حكمًا في قضية فردية، ليشكل سابقة يمكن أن تنسحب على مئات الحالات المشابهة.
ويوضح عاروري أن المحكمة استندت في حيثيات حكمها إلى نصوص القانون الأساسي الفلسطيني، لا سيما المادة (9) التي تؤكد مبدأ المساواة بين المواطنين الفلسطينيين أمام القانون، وتحظر أي شكل من أشكال التمييز، سواء كان سياسيًا أو غير ذلك.
ويعتبر عاروري أن هذا الاستناد يرسخ قناعة قانونية بأن قرار قطع راتب الأسير تم على أسس تمييزية تفتقر إلى المشروعية، حيث جرى التفريق بين الأسرى وفق اعتبارات لا تستند إلى القانون.
ويشير عاروري إلى أن الحكم استند كذلك إلى قانون حقوق الأسرى لعام 2005، إضافة إلى الأنظمة الصادرة عن مجلس الوزراء عام 2012، وهو ما يعزز من قوة القرار القانونية ويمنحه بعدًا أوسع يتخطى الحالة الفردية، خاصة في ظل وجود مئات الحالات التي يمكن أن ينطبق عليها ذات المبدأ.
ويلفت عاروري إلى أن قيمة الراتب موضوع القضية، والبالغة نحو 1400 شيكل، تقل حتى عن الحد الأدنى للأجور، ما يعكس حجم الضرر الواقع على الأسير وعائلته، لا سيما في ظل ظروف الأسر، حيث يشكل هذا الراتب مصدر دخل أساسيًا للعائلة، وحرمانها منه ينعكس مباشرة على استقرارها ومعيشتها.

سوابق عديدة مماثلة.. ولكن

ورغم ترحيبه بالقرار وأهميته واعتباره انتصارًا لمبدأ سيادة القانون، يشدد عاروري على أن التحدي الحقيقي يكمن في تنفيذ الأحكام القضائية، لافتًا إلى وجود سوابق عديدة في الأراضي الفلسطينية لم يتم فيها الالتزام بقرارات صادرة عن المحاكم، سواء في قضايا تتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أو حتى في قرارات الإفراج عن معتقلين.
ويضرب مثالًا بقضية المعلم يوسف جحا في محافظة بيت لحم، الذي حصل على سلسلة من الأحكام القضائية التي قضت ببطلان قرار فصله التعسفي من وزارة التربية والتعليم، وأوجبت إعادته إلى عمله وصرف مستحقاته المالية، لكن رغم صدور قرارات متتالية من محكمة الصلح والاستئناف والنقض لصالح جحا، إلا أن هذه الأحكام لم تُنفذ حتى الآن.
ويشير عاروري إلى أن استمرار عدم الامتثال لقرارات القضاء يطرح تساؤلات جدية حول وجود إرادة سياسية حقيقية لاحترام سيادة القانون، محذرًا من أن تجاهل هذه الأحكام يضعف ثقة المواطنين بالمؤسسة القضائية، ويهدد تماسك المجتمع، وقد ينعكس سلبًا على السلم الأهلي على المدى البعيد.

أقلام وأراء

الخميس 07 مايو 2026 10:12 صباحًا - بتوقيت القدس

في البوندستاغ!

د. ابراهيم ملحم

رئيس التحرير

أقل الكلام


في برلين التي أزورها منذ أيامٍ مع وفدٍ إعلاميّ وحقوقيّ، يرى الزائر للمدينة المترامية على تخوم التاريخ نتوءات الماضي، محفورةً في ذاكرةٍ مثقلةٍ بأثر ما تعرّض له اليهود من إبادةٍ على أيدي النازية خلال الحرب العالمية الثانية، وفي مبانٍ وشوارع وجُدُرٍ ما زالت شاهدةً على حقبةٍ من التاريخ، تحركت فيها صفائح الجغرافيا والديموغرافيا، وعلى جوانبها جرت خياطة قوانين تُجرّم كل من ينتقد إسرائيل، حتى لو انتهكت وصادرت واعتقلت وعذبت وقتلت وأبادت عشرات آلاف الفلسطينيين؛ ضحايا الضحايا.
رغم ما تتميز به الصناعة الألمانية من جودةٍ عالية، إذ ينسرب المسمار الألماني برشاقة، وينتهي بأناقة، فإن السياسة الألمانية لا تشبه صناعتها، إذ اختارت المراوحة في المنطقة الرمادية، عاجزةً عن الحفاظ على قيم الجمهورية، وفي مقدمتها تطبيق القوانين الدولية في كل زمانٍ ومكانٍ دون ازدواجية، حتى لا تتكرر الجرائم التي ارتُكبت ضد الإنسانية.
ثمة فجوةٌ بين الحكومة والشعب الألماني، الذي تشير استطلاعات الرأي إلى رفضه سياسات حكومته المتسامحة مع الجرائم التي ترتكبها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني، فثمة جهودٌ تُبذل في "البوندستاغ" ترمي إلى حمل الحكومة على الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وفك اتفاقية الشراكة التجارية التي تفرض على إسرائيل الالتزام بقواعد الديموقراطية وحقوق الإنسان، فالاستطلاعات ليست أرقاماً، بل حراكٌ يتسلل داخل أروقة البرلمان.
لن يجفّ نهر الحرية، ولن تتوقف الجهود الدولية لانتشال الضحايا من آلامهم ونزف جراحهم، فثمة نورٌ يومض من بين أعمدة النار والدخان، فبقاء الحال من الـمُحال.

عربي ودولي

الخميس 07 مايو 2026 9:54 صباحًا - بتوقيت القدس

كواليس الموقف السعودي الذي أجبر ترامب على تعليق 'مشروع الحرية' في هرمز

كشفت تقارير صحفية أمريكية نقلاً عن مسؤولين في واشنطن أن المملكة العربية السعودية لعبت دوراً حاسماً في إفشال مهمة أطلقها الرئيس دونالد ترامب لفتح مضيق هرمز أمام السفن العالقة في الخليج. وأوضحت المصادر أن التوتر بدأ حين فاجأ ترامب حلفاءه الإقليميين بإعلان 'مشروع الحرية' عبر منصات التواصل الاجتماعي، دون تنسيق مسبق كافٍ مع القيادة السعودية.

أثار هذا الإعلان المفاجئ استياءً واسعاً في الرياض، التي سارعت لإبلاغ الإدارة الأمريكية بقرار حازم يقضي بعدم السماح للجيش الأمريكي بإطلاق الطائرات من قاعدة الأمير سلطان الجوية. كما شمل القرار السعودي منع التحليق عبر الأجواء السيادية للمملكة لدعم هذه العملية العسكرية، مما وضع المخطط الأمريكي في مأزق لوجستي كبير.

حاول الرئيس الأمريكي تدارك الموقف من خلال إجراء مكالمة هاتفية مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، إلا أن المحادثات لم تسفر عن حل للأزمة القائمة. وبناءً على هذا التعنت في المواقف، اضطر ترامب إلى إعلان تعليق 'مشروع الحرية' مؤقتاً، في محاولة لاستعادة التفاهمات التي تضمن وصول الجيش الأمريكي إلى المجال الجوي الحيوي في المنطقة.

لم تكن السعودية وحدها من فوجئت بالتحرك الأمريكي، إذ تشير المصادر إلى أن حلفاء خليجيين آخرين، من بينهم قطر، لم يتم التواصل معهم إلا بعد بدء العملية فعلياً. هذا التخبط في التنسيق أثار تساؤلات حول آلية اتخاذ القرار في البيت الأبيض وتجاهل الحساسيات السياسية والأمنية للدول الحليفة في منطقة الخليج العربي.

من جانبه، أكد مصدر سعودي أن التواصل بين ترامب وولي العهد كان منتظماً، لكنه أشار إلى أن الأمور كانت تتطور بسرعة كبيرة في الوقت الفعلي. وأوضح المصدر أن المملكة تضع ثقلها حالياً خلف الجهود الدبلوماسية التي تقودها باكستان، بهدف التوصل إلى اتفاق شامل بين طهران وواشنطن ينهي حالة الحرب والتوتر.

في المقابل، حاول البيت الأبيض التخفيف من حدة التقارير التي تتحدث عن مفاجأة الحلفاء، حيث صرح مسؤول أمريكي بأنه تم إبلاغ الشركاء الإقليميين مسبقاً بالجهود المبذولة. ومع ذلك، أكد دبلوماسي من الشرق الأوسط أن التنسيق مع دول مثل عُمان لم يتم إلا بعد صدور الإعلان الرسمي من قبل الرئيس ترامب، رغم عدم إبداء تلك الدول غضباً علنياً.

على الصعيد الميداني، كان الجيش الأمريكي يستعد للدفع بمزيد من القطع البحرية إلى مياه الخليج لتأمين عبور المضيق قبل صدور قرار الوقف. وبالفعل، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية في وقت سابق عن نجاح سفينتين ترفعان العلم الأمريكي في عبور مضيق هرمز تحت مظلة 'مشروع الحرية' قبل تعليقه.

برر ترامب في منشوراته اللاحقة أن تعليق المشروع يأتي لمنح فرصة قصيرة لاستكمال المفاوضات السياسية وتوقيع اتفاق ينهي النزاع المسلح. وتعتبر قاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية مركزاً استراتيجياً، حيث تضم مقاتلات أمريكية وطائرات تزويد بالوقود ومنظومات دفاع جوي متطورة كانت مخصصة لدعم العمليات ضد إيران.

تعتمد الاستراتيجية العسكرية الأمريكية في المنطقة بشكل كلي على ما يُعرف بـ 'أذونات الوصول والتمركز والتحليق' (ABO). وبدون موافقة الدول المضيفة، تجد الطائرات الأمريكية نفسها غير قادرة على توفير المظلة الدفاعية اللازمة لحماية السفن التجارية التي تعبر الممرات المائية الحيوية مثل مضيق هرمز.

تؤدي الجغرافيا دوراً حاسماً في هذا الصراع، حيث يرى مسؤولون عسكريون أنه لا توجد مسارات بديلة فعالة في حال رفضت السعودية والأردن السماح بتمركز الطائرات. كما تُعد الكويت دولة أساسية لعمليات العبور الجوي، بينما تبرز أهمية عُمان في تقديم الخدمات اللوجستية البحرية والتحليق في المناطق القريبة من بحر العرب.

تتواجد حالياً مجموعتان من حاملات الطائرات الأمريكية في المنطقة، مع تعزيزات كبيرة في القدرات اللوجستية والمخزونات العسكرية قامت بها وزارة الدفاع. وكان 'مشروع الحرية' يهدف لتوفير مراقبة عسكرية مكثفة وقوة نارية مباشرة، بما في ذلك وضع عناصر أمنية على متن السفن لردع التهديدات الإيرانية المستمرة.

أوضح مسؤولو البنتاغون أن 'مشروع الحرية' يختلف في طبيعته وأهدافه عن حملة القصف الجوي التي انطلقت في الثامن والعشرين من فبراير الماضي تحت اسم 'الغضب الملحمي'. فبينما تركز الأخيرة على ضرب أهداف عسكرية، كان المشروع المعلق يركز بشكل أساسي على تأمين الملاحة التجارية الدولية.

تشير هذه التطورات إلى وجود فجوة في الرؤى بين واشنطن والرياض حول كيفية التعامل مع الملف الإيراني في هذه المرحلة الحرجة. فبينما يميل ترامب إلى فرض واقع عسكري جديد عبر عمليات خاطفة، تفضل السعودية المسارات الدبلوماسية التي تضمن استقراراً طويل الأمد بعيداً عن التصعيد العسكري المباشر.

يبقى مستقبل الملاحة في مضيق هرمز رهناً بمدى قدرة الإدارة الأمريكية على ترميم علاقاتها مع الحلفاء الخليجيين وإقناعهم بجدوى العمليات العسكرية المشتركة. وفي ظل استمرار التهديدات، تظل المنطقة مفتوحة على كافة الاحتمالات، سواء بالعودة إلى طاولة المفاوضات أو استئناف العمليات العسكرية في حال فشل الوساطات الإقليمية.

فلسطين

الخميس 07 مايو 2026 9:53 صباحًا - بتوقيت القدس

اجتماع حاسم في تركيا بين حماس والوسطاء لإنقاذ مفاوضات المرحلة الثانية

تتجه الأنظار إلى العاصمة التركية التي تحتضن اجتماعاً مصيرياً يجمع ممثلين عن المجلس القيادي لحركة حماس مع وسطاء من جمهورية مصر العربية ودولة قطر. ويهدف هذا اللقاء الدبلوماسي المكثف إلى طرح صيغ جديدة لتنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، في ظل مرحلة وصفها مراقبون بأنها الأشد تعقيداً منذ بدء المفاوضات نتيجة الخلافات الجوهرية حول آليات الانتقال إلى ترتيبات أمنية وسياسية مستدامة.

وأفادت مصادر بأن القاهرة قدمت مبادرات تهدف لإعادة بناء الثقة بين الأطراف، تشمل ضرورة الالتزام بإدخال 600 شاحنة مساعدات إنسانية بشكل يومي إلى كافة مناطق القطاع، مع وقف شامل للعمليات العسكرية والاغتيالات. وأوضحت المصادر أن بنود المرحلة الثانية ترتكز على الانسحاب الكامل لقوات الاحتلال من غزة، إلا أن اشتراط تل أبيب 'نزع السلاح' قبل البدء بالتنفيذ أدى إلى عرقلة المساعي، خاصة بعد رفض الاحتلال لثلاثة مقترحات سابقة قُدمت لتسهيل الانتقال بين مراحل الاتفاق.

ويشارك في مشاورات تركيا وفد رفيع من المجلس القيادي لحماس يضم محمد درويش، خليل الحية، زاهر جبارين، خالد مشعل، وحسام عوض الله. ويربط الوسطاء إمكانية تحقيق خرق حقيقي في جدار الأزمة بمدى تقدم التفاهمات بين واشنطن وطهران، حيث يُتوقع أن تمنح الإدارة الأمريكية دفعة قوية للمفاوضات في حال تسوية ملفات إقليمية عالقة، مما قد يشكل ضغطاً حاسماً على حكومة الاحتلال للالتزام ببنود المرحلة الأولى والانتقال الفعلي للمرحلة الثانية لمنع انزلاق المنطقة نحو حرب شاملة.

عربي ودولي

الخميس 07 مايو 2026 9:23 صباحًا - بتوقيت القدس

بيونغيانغ تجدد تمسكها بالسلاح النووي وتعلن عدم التزامها بمعاهدة عدم الانتشار

جددت كوريا الشمالية تأكيدها على المضي قدماً في برنامجها النووي، معلنة أنها لا تعتبر نفسها ملزمة ببنود معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. وأوضحت مصادر رسمية أن الضغوط الدولية المتزايدة لن تنجح في ثني بيونغيانغ عن وضعها الحالي كقوة نووية معترف بها في قوانينها الوطنية، مشيرة إلى أن هذا المسار بات جزءاً أصيلاً من استراتيجية الدفاع عن سيادتها.

وفي بيان شديد اللهجة، انتقد مندوب كوريا الشمالية لدى الأمم المتحدة، كيم سونغ، التحركات الأمريكية وحلفاء واشنطن الرامية لإثارة ملف بلاده النووي خلال المؤتمرات الدولية. وأكد سونغ أن محاولات التشكيك في شرعية الترسانة النووية لبلاده لن تجدي نفعاً، خاصة وأن هذا الوضع مكرس بشكل صريح في الدستور الكوري الشمالي، مما يجعل التخلي عنه أمراً غير وارد تحت أي ظرف من الظروف.

وتعود جذور الصراع بين بيونغيانغ والمجتمع الدولي بشأن هذا الملف إلى تسعينيات القرن الماضي، حيث لوحت البلاد بالانسحاب من معاهدة عدم الانتشار في عام 1993، قبل أن تنفذ القرار رسمياً في عام 2003. ومنذ ذلك التاريخ، نفذت كوريا الشمالية ست تجارب نووية كبرى، مما أدى إلى فرض سلسلة طويلة من العقوبات الاقتصادية والسياسية من قبل مجلس الأمن الدولي، دون أن تنجح تلك الإجراءات في وقف طموحاتها العسكرية.

وتشير التقارير الدولية إلى أن كوريا الشمالية باتت تمتلك بالفعل عشرات الرؤوس النووية الجاهزة للاستخدام، وهو ما يعزز من موقفها التفاوضي المتصلب أمام القوى الكبرى. وتأتي هذه التصريحات الأخيرة في وقت حساس يشهد فيه العالم سباقاً محمومًا لتحديث الترسانات النووية، وسط مخاوف من انهيار منظومة الرقابة الدولية على الأسلحة الفتاكة التي تشكل تهديداً وجودياً للأمن العالمي.

على الصعيد العالمي، كشفت بيانات معهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام عن أرقام صادمة تتعلق بحجم التسلح النووي، حيث تجاوز عدد الرؤوس النووية لدى الدول التسع الكبرى 12 ألف رأس بحلول مطلع عام 2025. وتستحوذ الولايات المتحدة وروسيا على نصيب الأسد بنسبة تصل إلى 90% من هذه الترسانة، مما يعكس استمرار الاعتماد على سياسة الردع النووي كركيزة أساسية في العلاقات الدولية المعاصرة.

فلسطين

الخميس 07 مايو 2026 8:53 صباحًا - بتوقيت القدس

واشنطن تستأنف إجراءات ترحيل طالب فلسطيني من جامعة كولومبيا

أعادت السلطات الأمريكية تفعيل مسار ترحيل الطالب الفلسطيني محسن المهداوي، الذي يعد من الوجوه البارزة في الحراك الطلابي الداعم لفلسطين داخل الجامعات الأمريكية. وتأتي هذه الخطوة في سياق حملة مشددة تقودها إدارة الرئيس دونالد ترامب ضد الناشطين والمدافعين عن الحقوق الفلسطينية في الولايات المتحدة.

وكشفت وثائق قضائية حديثة أن مجلس استئناف قضايا الهجرة قرر استئناف الإجراءات القانونية بحق المهداوي، وهو طالب في جامعة كولومبيا العريقة. ويمثل هذا القرار تحولاً دراماتيكياً في القضية التي شهدت تجاذبات قانونية وسياسية مكثفة خلال الأشهر الماضية.

وكانت قاضية الهجرة نينا فروس قد أصدرت حكماً في فبراير الماضي يقضي برفض مساعي الإدارة الأمريكية لترحيل الطالب الفلسطيني. وجاء قرارها حينذاك بعد توقيف المهداوي العام الماضي على خلفية انخراطه في تظاهرات منددة بالحرب الإسرائيلية على قطاع غزة داخل الحرم الجامعي.

إلا أن التطورات الأخيرة شهدت إقالة القاضية فروس من منصبها الشهر الماضي، مما مهد الطريق لمجلس استئناف الهجرة لإلغاء حكمها السابق. ويتبع هذا المجلس للمكتب التنفيذي لمراجعة الهجرة بوزارة العدل، وهو الجهة التي أعطت الضوء الأخضر لمواصلة ملاحقة المهداوي قانونياً.

وتبرر إدارة ترامب هذه الإجراءات القاسية بوصف الناشطين من أمثال المهداوي بأنهم 'معادون للسامية' ومروجون لـ 'التطرف'. وتعتبر الدوائر الرسمية في واشنطن أن هذه التحركات الاحتجاجية تشكل تهديداً مباشراً للمصالح والسياسة الخارجية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط.

في المقابل، ترفض المنظمات الحقوقية، بما فيها جماعات يهودية تقدمية، هذا التوصيف الحكومي وتعتبره خلطاً متعمداً. وترى هذه الجهات أن السلطات تسعى لتجريم انتقاد السياسات الإسرائيلية واحتلال الأراضي الفلسطينية عبر وصمها بمعاداة السامية لترهيب المتضامنين.

وعبر محسن المهداوي، الذي ولد ونشأ في مخيم للاجئين بالضفة الغربية، عن استنكاره لهذه الإجراءات في بيان رسمي. وأكد المهداوي أن الحكومة الأمريكية تستخدم قوانين الهجرة كأداة سياسية لقمع حرية التعبير وإسكات أي صوت يعارض توجهاتها الداعمة للاحتلال.

وتعود جذور الأزمة إلى أبريل 2025، عندما جرى اعتقال المهداوي أثناء توجهه لإجراء مقابلة روتينية تتعلق بطلب حصوله على الجنسية الأمريكية. ورغم إطلاق سراحه لاحقاً بموجب أمر قضائي ودون توجيه تهم جنائية، إلا أن ملاحقته عبر قوانين الهجرة ظلت مستمرة.

ويتولى الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية مهمة الدفاع القانوني عن الطالب الفلسطيني، مؤكداً أن عملية الترحيل لا يمكن تنفيذها حالياً. ويستند الاتحاد في دفاعه إلى وجود طعون قانونية منظورة أمام المحاكم الاتحادية تتعلق بمدى شرعية وقانونية عملية الاعتقال الأصلية.

وتندرج قضية المهداوي ضمن استراتيجية أوسع تتبعها الإدارة الحالية لتقويض الحركات الطلابية المؤيدة لفلسطين. وتشمل هذه الاستراتيجية التهديد بقطع التمويل الفيدرالي عن الجامعات التي تسمح بالاحتجاجات، بالإضافة إلى فرض رقابة صارمة على النشاط الرقمي للمهاجرين والطلاب الأجانب.

يُذكر أن الجامعات الأمريكية كانت قد شهدت منذ أواخر عام 2023 انتفاضة طلابية غير مسبوقة رفضاً لحرب الإبادة في غزة. ورغم تراجع زخم هذه الاحتجاجات ميدانياً، إلا أن تبعاتها القانونية والسياسية لا تزال تلاحق الناشطين، وسط مخاوف دولية من تراجع سقف الحريات الأكاديمية في الولايات المتحدة.

فلسطين

الخميس 07 مايو 2026 8:38 صباحًا - بتوقيت القدس

تصعيد إسرائيلي دامٍ جنوب لبنان: غارات تستهدف الضاحية ومسيرات تلاحق جنود الاحتلال

كثفت قوات الاحتلال الإسرائيلي غاراتها الجوية على مناطق متفرقة في جنوب لبنان خلال الساعات الماضية، مما أدى إلى سقوط عدد من الشهداء والجرحى في خرق واضح لاتفاق وقف إطلاق النار. وأفاد مركز عمليات طوارئ الصحة العامة اللبناني بأن بلدة أنصارية تعرضت لغارة ليلية عنيفة أسفرت عن استشهاد ثلاثة مواطنين وإصابة سبعة آخرين بجروح متفاوتة.

وفي تطور ميداني لافت، اعترف الجيش الإسرائيلي بإصابة أربعة من جنوده، وصفت حالة أحدهم بالخطرة، إثر تعرضهم لهجوم بطائرة مسيرة انقضاضية في جنوب لبنان. وجاء هذا الاعتراف تزامناً مع إعلان مصادر ميدانية عن استهداف آليات عسكرية إسرائيلية بصليات صاروخية مكثفة أثناء تحركها من شرق بلدة البياضة باتجاه بلدة شمع.

وشنت الطائرات الحربية الإسرائيلية سلسلة غارات فجراً استهدفت أطراف بلدة إرزي وبلدة المجادل، مما أحدث دماراً واسعاً في الممتلكات. كما تعرض محور عيتا الشعب وراميا لقصف مدفعي عنيف ترافق مع رمايات رشاشة ثقيلة استهدفت الأحياء السكنية والأطراف المفتوحة للبلدتين، في سياق الضغط العسكري المتواصل.

وفي بلدة جويا، أصيب شخص بجروح جراء غارة إسرائيلية ليلية استهدفت منزلاً، حيث سارعت فرق الدفاع المدني اللبناني لنقل المصاب إلى مستشفيات مدينة صور. وتعمل فرق الإنقاذ التابعة لكشافة الرسالة الإسلامية على إزالة الركام وفتح الطرقات المغلقة في بلدة بدياس بعد تدمير مبنى سكني مكون من طابقين جراء القصف.

واستهدفت مسيرة إسرائيلية سيارة من نوع 'بيك أب' على طريق حبوش بالقرب من مبنى النافعة، مما أدى إلى استشهاد شخصين كانا بداخلها على الفور. وتأتي هذه الهجمات في إطار ملاحقة المسيرات الإسرائيلية للتحركات المدنية والعسكرية على الطرق الرئيسية والفرعية في قرى قضاء النبطية وصور.

وفي خرق هو الأول من نوعه منذ إعلان التهدئة، نفذ الطيران الإسرائيلي غارة جوية على الضاحية الجنوبية لبيروت، استهدفت مبنى سكنياً في محيط المنطقة. وادعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير أمنه يسرائيل كاتس في بيان مشترك أن العملية استهدفت قائد قوة الرضوان التابعة لحزب الله بهدف تصفيته.

وزعمت تقارير إعلامية إسرائيلية، نقلاً عن القناتين 14 و15 أن الغارة استهدفت القيادي مالك بلوط، متهمة إياه بالمسؤولية عن عمليات قصف المستوطنات واستهداف الجنود. وجاء هذا الإعلان بعد دقائق قليلة من دوي انفجار ضخم هز أرجاء العاصمة بيروت وضواحيها، مما أثار حالة من الذعر في صفوف المدنيين.

وعلى صعيد الحصيلة البشرية، أعلنت وزارة الصحة اللبنانية ارتفاع عدد ضحايا المجزرة التي ارتكبها الاحتلال في بلدة السكسكية إلى 4 شهداء و33 جريحاً. وأوضحت الوزارة أن من بين المصابين 6 أطفال و4 سيدات، وصفت جراح بعضهم بالحرجة، مما يرفع من وتيرة المأساة الإنسانية المتفاقمة في المناطق المستهدفة.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الهدنة التي كان من المفترض أن توفر حماية للمدنيين باتت هشة للغاية في ظل الانتهاكات الإسرائيلية اليومية. ورغم جولات المحادثات التي عقدت في واشنطن خلال شهر أبريل الماضي، إلا أن الواقع على الأرض يعكس إصراراً إسرائيلياً على مواصلة العمليات العسكرية وتجاوز التفاهمات المعلنة.

ومنذ بدء العدوان الواسع في الثاني من مارس الماضي، بلغت حصيلة الضحايا وفقاً للبيانات الرسمية اللبنانية 2702 شهيداً وأكثر من 8311 جريحاً. كما تسبب القصف المستمر والتهديدات الإسرائيلية في نزوح أكثر من 1.6 مليون لبناني من قراهم ومدنهم، وسط ظروف إنسانية صعبة تفتقر لأدنى مقومات الحياة الأساسية.

وتواصل فرق الإسعاف والدفاع المدني جهودها في انتشال الضحايا من تحت الأنقاض في القرى الحدودية التي تتعرض لقصف ممنهج يهدف إلى مسح أحياء كاملة. وتواجه هذه الفرق صعوبات بالغة في الوصول إلى بعض المناطق بسبب استمرار التحليق المكثف للطيران الحربي والمسير الذي يستهدف كل ما يتحرك في المنطقة.

في المقابل، تؤكد مصادر لبنانية أن المقاومة تواصل التصدي لمحاولات التوغل الإسرائيلي وتستهدف تجمعات الجنود خلف الخطوط الأمامية. وتأتي هذه العمليات رداً على استهداف المدنيين وخرق السيادة اللبنانية، مما ينذر بجولة جديدة من التصعيد الشامل في حال استمر الاحتلال في سياسة الاغتيالات والقصف العشوائي.

عربي ودولي

الخميس 07 مايو 2026 8:38 صباحًا - بتوقيت القدس

إدارة ترمب تعلن استراتيجية جديدة لمكافحة الإرهاب وتصنف أوروبا 'حاضنة' للهجرة والجماعات اليسارية

أطلقت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب استراتيجية وطنية جديدة لمكافحة الإرهاب، تضمنت تصعيداً غير مسبوق تجاه الحلفاء التقليديين في القارة الأوروبية. واتهمت الوثيقة الرسمية العواصم الأوروبية بالتحول إلى بيئة حاضنة للتهديدات الأمنية نتيجة ما وصفته بسياسات الهجرة الجماعية غير المنضبطة، معتبرة أن هذه التوجهات تفتح الباب أمام الجماعات المنظمة لاستغلال الحدود المفتوحة وتقويض الاستقرار الإقليمي.

وشددت الاستراتيجية التي أشرف عليها منسق مكافحة الإرهاب سيباستيان غوركا، على ضرورة تحرك الدول الأوروبية بشكل فوري لوقف ما أسمته بـ 'الانحدار المتعمد' في المنظومة الأمنية. وحذرت واشنطن من أن الإصرار على الأفكار العولمية والحدود المفتوحة سيفاقم من احتمالات وقوع هجمات إرهابية كبرى داخل القارة، مما يشكل تهديداً مباشراً للأمن القومي الأمريكي والمصالح المشتركة بين ضفتي الأطلسي.

وعلى الصعيد الداخلي، وسعت الإدارة الأمريكية من دائرة استهدافها لتشمل من وصفتهم بـ 'المتطرفين اليساريين العنيفين'، في خطوة تعكس التوجهات المحافظة المتزايدة للبيت الأبيض. وشملت القائمة الجديدة جماعات مؤيدة للمتحولين جنسياً، وحركات 'أنتيفا' المناهضة للفاشية، بالإضافة إلى اللاسلطويين، حيث تتهمهم الإدارة بتبني أجندات علمانية معادية للقيم الأمريكية وممارسة العنف السياسي تحت غطاء النشاط المدني.

ولم تقتصر الوثيقة على التهديدات السياسية فحسب، بل أدرجت عصابات المخدرات العابرة للحدود في منطقة الأمريكتين كأولوية قصوى ضمن جهود مكافحة الإرهاب. ويرى مراقبون أن دمج الجريمة المنظمة في استراتيجية الإرهاب يعكس رغبة واشنطن في استخدام أدوات أمنية وعسكرية أكثر صرامة لمواجهة تدفق المواد المخدرة وتأمين الحدود الجنوبية للولايات المتحدة.

وتأتي هذه التحولات الأمنية استكمالاً لرؤية ترمب التي طرحها سابقاً حول 'المحو الحضاري' الذي قد تواجهه أوروبا، مما يعمق الفجوة مع حلف شمال الأطلسي 'الناتو'. وتعكس اللهجة الحادة في الوثيقة رغبة الإدارة في إعادة صياغة مفهوم التهديد العالمي، مع التركيز على الخصوم الأيديولوجيين في الداخل والضغط على الشركاء الدوليين لتبني سياسات يمينية أكثر تشدداً تجاه قضايا الهجرة والأمن.

عربي ودولي

الخميس 07 مايو 2026 7:54 صباحًا - بتوقيت القدس

تحركات دبلوماسية مكثفة لمنع انسحاب إماراتي وشيك من جامعة الدول العربية

كشفت تقارير صحفية دولية عن وجود نوايا لدى دولة الإمارات العربية المتحدة لقطع علاقاتها الرسمية مع جامعة الدول العربية، في خطوة قد تعيد تشكيل خارطة التحالفات في المنطقة. وأشارت المصادر إلى أن هذا التوجه أثار حالة من الاستنفار داخل أروقة الأمانة العامة للجامعة، حيث يسعى المسؤولون لتفادي سيناريو مشابه لانسحاب أبوظبي السابق من منظمة 'أوبك'.

ويقود الأمين العام للجامعة، نبيل فهمي، تحركات دبلوماسية مكثفة منذ عدة أيام لاحتواء الأزمة، معبراً عن قلقه العميق من أن يؤدي الانسحاب الإماراتي إلى إضعاف المنظمة بشكل نهائي. ويرى فهمي أن خروج دولة بوزن الإمارات سيفتح الباب أمام مزيد من التشكيك في جدوى المؤسسة التي تعاني أساساً من انتقادات تتعلق بضعف تأثيرها في الملفات الشائكة.

وفي إطار هذه الجهود، أجرى الأمين العام اتصالات مباشرة مع أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي للرئيس الإماراتي، في محاولة لفتح قنوات حوار هادئة حول هواجس أبوظبي. كما شملت التحركات التواصل مع وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، للتأكيد على أهمية الحفاظ على وحدة الصف العربي في ظل الظروف الراهنة.

وتشير التحليلات إلى أن التوترات المتصاعدة بين الرياض وأبوظبي قد تكون المحرك الأساسي لهذا التوجه، حيث يخشى مراقبون من سعي الإمارات لتشكيل كتلة إقليمية بديلة. هذا الاحتمال يضع الجامعة العربية أمام تحدٍ وجودي، خاصة إذا ما قررت دول أخرى السير على خطى الإمارات في مراجعة جدوى عضويتها في المنظمة العريقة.

وعلى صعيد متصل، كُلف الأمين العام المساعد حسام زكي بمهمة التواصل المباشر مع السفير الإماراتي في القاهرة، حمد عبيد الزعابي، لنقل رسائل طمأنة ومحاولة تقريب وجهات النظر. وتأتي هذه المهمة في وقت حساس تشهد فيه العلاقات المصرية الإماراتية نوعاً من الفتور الملحوظ بسبب تباين الرؤى حول ملفات إقليمية ضاغطة.

ويبرز الملف السوداني كأحد أبرز نقاط الخلاف بين القاهرة وأبوظبي، حيث تدعم الإمارات قوات الدعم السريع بقيادة 'حميدتي'، في حين تقف مصر بقوة خلف الجيش السوداني بقيادة البرهان. هذا التباين في المصالح الاستراتيجية أدى إلى تعقيد الجهود الدبلوماسية الرامية لتوحيد المواقف العربية تجاه الأزمة السودانية المستعرة.

من جانبها، رصدت الأجهزة السيادية المصرية تحركات لبعض المسؤولين الإماراتيين، من بينهم شخبوط بن نهيان المسؤول عن الملف الأفريقي، واعتبرتهم مصدراً للتوتر في القضايا المشتركة. ورغم الزيارات المتبادلة على أعلى المستويات، إلا أن الفجوة في المواقف تجاه الأزمات العربية تبدو آخذة في الاتساع، مما يهدد بمزيد من الانقسام داخل البيت العربي.

عربي ودولي

الخميس 07 مايو 2026 7:23 صباحًا - بتوقيت القدس

من حرب الظل إلى المواجهة المكشوفة: تصاعد التوتر العسكري بين السودان وإثيوبيا

لم تعد الأزمة بين السودان وإثيوبيا حبيسة الخلافات الحدودية التقليدية أو النزاع الفني حول سد النهضة، بل انتقلت إلى مرحلة أكثر تعقيداً وخطورة. وتكشف الهجمات الأخيرة بالطائرات المسيّرة والاتهامات المباشرة التي وجهتها الخرطوم لأديس أبابا عن تحول جذري في طبيعة الصراع، حيث بدأ ينتقل من 'حرب الظل' إلى مواجهة عسكرية تقترب من العلن.

وأكد الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة السودانية، العميد الركن عاصم عوض عبد الوهاب أن الأجهزة المختصة تمتلك أدلة فنية واستخباراتية لا تقبل الشك حول تورط الجانب الإثيوبي. وأوضح أن التحقيقات أثبتت انطلاق مسيرات استهدفت مطار الخرطوم ومنشآت حيوية أخرى من مطار 'بحر دار' الواقع داخل العمق الإثيوبي، مما يعد خرقاً صريحاً لسيادة الدولة.

ورغم النفي الرسمي الصادر عن الحكومة الإثيوبية، إلا أن مصادر ميدانية وتقارير دولية عززت الرواية السودانية عبر صور الأقمار الاصطناعية. وأشارت هذه التقارير إلى وجود معسكرات تدريب مجهزة بممرات جوية وحظائر للطائرات المسيرة مخصصة لإسناد 'قوات الدعم السريع' داخل الأراضي الإثيوبية، مما يضع أديس أبابا في مواجهة مباشرة مع التزاماتها الدولية.

وتشير المعطيات الحالية إلى أن الاستخبارات السودانية رصدت منذ أواخر العام الماضي تحركات مريبة على الشريط الحدودي، ووجهت تحذيرات مبكرة للجانب الإثيوبي. ومع ذلك، ترى الخرطوم أن حكومة آبي أحمد اختارت الانخراط في مخططات إقليمية تهدف إلى دعم طرف ضد آخر في الحرب السودانية المستعرة، مما أدى لفتح جبهات جديدة في ولاية النيل الأزرق.

وفي خطوة تصعيدية تعكس حجم الغضب السوداني، استدعت وزارة الخارجية سفيرها لدى أديس أبابا للتشاور، بالتزامن مع الدعوة لاجتماع طارئ في جامعة الدول العربية. وتتجه الأنظار حالياً نحو مجلس الأمن الدولي والمنظمات الإقليمية، حيث تسعى الخرطوم لتدويل القضية وزيادة الضغط السياسي على الحكومة الإثيوبية لوقف تدخلاتها العسكرية.

وعلى الجانب الآخر، تعاني إثيوبيا من هشاشة داخلية كبيرة تجعل انخراطها في صراع خارجي مقامرة غير مأمونة العواقب. فالحكومة المركزية في أديس أبابا تواجه تحديات متصاعدة من حركات مسلحة في أقاليم مختلفة، من بينها جبهة 'فانو' الأمهرية، بالإضافة إلى التوترات المستمرة في إقليم تيغراي رغم اتفاقات السلام الهشة.

وفي تطور ميداني لافت، ذكرت تقارير إخبارية أن حركة تحرير 'بني شنقول' شنت هجمات استهدفت معسكرات تابعة لـ 'قوات الدعم السريع' داخل الحدود الإثيوبية. هذا التداخل بين القوى المسلحة المحلية والإقليمية ينذر بتحول المنطقة إلى ساحة حرب بالوكالة، حيث تتشابك المصالح الوطنية مع الأجندات العسكرية العابرة للحدود.

ويرى مراقبون أن السودان لا يزال يمارس سياسة 'النفس الطويل' ويتجنب الانزلاق إلى صدام عسكري شامل مع جاره الشرقي. فالقيادة السودانية تدرك أن فتح جبهة قتال خارجية في ظل الحرب الداخلية المنهكة قد يؤدي إلى تداعيات كارثية على أمن القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وهو ما تحاول القوى الدولية تلافيه عبر قنوات دبلوماسية مكثفة.

إن علاقة أديس أبابا بالأزمة السودانية لم تكن وليدة اللحظة، بل بدأت ملامح الانحياز تظهر منذ الاستقبال الرسمي لقائد قوات الدعم السريع 'حميدتي' في العاصمة الإثيوبية. ومنذ ذلك الحين، توالت التقارير عن استخدام الأراضي الإثيوبية كممر لإمدادات السلاح واللوجستيات، وصولاً إلى مرحلة الإسناد العسكري المباشر عبر الطائرات المسيرة وفقاً للاتهامات الأخيرة.

يبقى السؤال الجوهري قائماً حول مدى استعداد المنطقة لتحمل تبعات مواجهة مكشوفة بين دولتين بحجم السودان وإثيوبيا. فالتحدي الحقيقي اليوم يكمن في كيفية احتواء هذا التصعيد قبل أن يتحول إلى شرارة لصراع إقليمي أوسع يطال الممرات المائية والموارد الحيوية، ويعيد رسم خارطة القوى في واحدة من أكثر مناطق العالم توتراً.

عربي ودولي

الخميس 07 مايو 2026 7:23 صباحًا - بتوقيت القدس

تحول في استراتيجية واشنطن: هل تقترب طبول الحرب في الخليج من الصمت؟

شهدت الساحة الدولية تحولاً دراماتيكياً عقب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجميد 'مشروع الحرية' الذي كان يهدف لكسر الإغلاق الإيراني لمضيق هرمز بالقوة العسكرية. وجاء هذا القرار عبر منصة 'تروث سوشيال' حيث أشار ترامب إلى رغبته في منح فرصة للحلول الدبلوماسية، مما يعكس تراجعاً واضحاً عن لغة التهديد التي سادت الأسابيع الماضية.

أفادت مصادر مطلعة بوجود اتصالات مكثفة تجري خلف الكواليس بين مسؤولين أمريكيين وإيرانيين للتوصل إلى 'اتفاق مبادئ' شامل. ويهدف هذا الاتفاق المقترح إلى معالجة مسببات الصراع وتداعياته، بما يضمن إنهاء العمليات القتالية واستعادة الاستقرار في ممرات الملاحة الدولية الحيوية.

تفاعلت الأسواق العالمية فوراً مع هذه الأنباء، حيث سجلت أسعار النفط هبوطاً حاداً تجاوزت نسبته 10% خلال ساعات قليلة. واعتبر مراقبون أن هذا التراجع يعكس تفاؤل الأسواق بزوال شبح المواجهة العسكرية الشاملة التي كانت تهدد إمدادات الطاقة العالمية.

من جانبه، أعلن الحرس الثوري الإيراني أن العبور الآمن والمستقر في مضيق هرمز سيصبح ممكناً في ظل الإجراءات الجديدة وزوال تهديدات القوى الخارجية. وتأتي هذه التصريحات لتؤكد وجود مناخ من التهدئة المتبادلة يمهد الطريق لطاولة المفاوضات بعيداً عن لغة البوارج.

تغيرت اللهجة الرسمية في واشنطن بشكل ملحوظ، حيث صرح وزير الخارجية ماركو روبيو بأن ما وصفها بحرب 'الغضب الملحمي' قد انتهت بعد تحقيق أهدافها الاستراتيجية. وأكد روبيو أن القوات الأمريكية في منطقة الخليج انتقلت حالياً إلى 'الحالة الدفاعية'، وهو ما يمثل انزياحاً عن استراتيجية الهجوم المسبق.

بدوره، خفف الرئيس ترامب من حدة خطابه، متجنباً استخدام مصطلحات الحرب الشاملة واستبدالها بتعبيرات مثل 'حرب صغيرة' أو 'نزاع محدود'. وأبدى ترامب تفاؤلاً غير مسبوق بإمكانية التوصل إلى تسوية تاريخية مع القيادة الإيرانية تنهي الأزمة النووية وتضمن حرية الملاحة.

في سياق متصل، أكد وزير الدفاع بيت هيغسيث أن الإدارة الأمريكية لا تسعى للقتال في الوقت الراهن، مشدداً على أن المرحلة العسكرية قد استنفدت أغراضها. وتعكس هذه التصريحات توافقاً داخل أركان الإدارة على ضرورة البحث عن مخرج سياسي يحفظ هيبة الولايات المتحدة.

تظهر التحليلات أن الضغوط الداخلية في الولايات المتحدة لعبت دوراً حاسماً في هذا التحول، خاصة مع اقتراب الانتخابات النصفية للكونغرس. ويواجه الحزب الجمهوري تحديات كبيرة في ظل تراجع شعبية الرئيس وتذمر الناخبين من ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود الناتجة عن التوترات العسكرية.

تشير استطلاعات الرأي إلى أن غالبية الشارع الأمريكي، بما في ذلك قطاع واسع من الجمهوريين، يعارضون الانجرار إلى حروب استنزاف طويلة الأمد. ويخشى ترامب من أن يؤدي استمرار القتال إلى 'انتحار انتخابي' يفقد حزبه السيطرة على مجلسي الشيوخ والنواب في نوفمبر المقبل.

برزت أيضاً تعقيدات قانونية تتعلق بضرورة الحصول على موافقة البرلمان لمواصلة العمليات العسكرية التي تجاوزت مدتها 60 يوماً. ويثير هذا القيد القانوني قلقاً في أوساط البيت الأبيض، مما يدفع باتجاه حسم الملف دبلوماسياً لتجنب مواجهة مع الكونغرس.

على الصعيد الميداني، أثبتت التجربة أن القوة العسكرية الأمريكية، رغم قدرتها التدميرية الهائلة، لم تنجح في فرض تغيير سياسي في طهران. ويرى محللون أن العقوبات الاقتصادية والحوافز المالية قد تكون أكثر فاعلية من القصف الجوي في انتزاع تنازلات حقيقية من الجانب الإيراني.

تتضمن وثيقة 'اتفاق المبادئ' المسربة بنوداً جوهرية تشمل التزام إيران بعدم السعي لامتلاك سلاح نووي مقابل رفع كامل للعقوبات الاقتصادية. كما يشمل الاتفاق فك الحصار عن الأصول الإيرانية المجمدة في البنوك العالمية، وهو مطلب أساسي لطهران للقبول بالتهدئة.

في المقابل، تراقب تل أبيب هذه التطورات بقلق شديد، حيث تفضل الأوساط العسكرية الإسرائيلية استمرار الضغط العسكري لإضعاف إيران بشكل أكبر. ويظهر تباين واضح في المصالح، إذ تبحث واشنطن عن مخرج من الحرب بينما ترى إسرائيل في استمرارها فرصة استراتيجية.

ختاماً، يبدو أن القرار النهائي بات بيد البيت الأبيض الذي يسعى لطي صفحة المواجهة قبل زيارة ترامب المرتقبة إلى بكين. وتجد إسرائيل نفسها مضطرة لاتباع المسار الأمريكي الجديد، رغم رغبتها في تصعيد العمليات، مما يؤكد أن واشنطن هي من يمسك بزمام المبادرة في هذه المرحلة.

عربي ودولي

الخميس 07 مايو 2026 6:09 صباحًا - بتوقيت القدس

اتهامات لوزير التجارة الأمريكي بالكذب بشأن علاقته بجيفري إبستين

تصاعدت حدة التوترات داخل أروقة الكونغرس الأمريكي عقب جلسة استماع مغلقة، حيث وجه نواب ديمقراطيون اتهامات مباشرة لوزير التجارة في إدارة دونالد ترمب، هاورد لوتنيك، بتعمد تضليل التحقيقات. وتتمحور هذه الاتهامات حول طبيعة الروابط التي جمعت الوزير بالمدان بجرائم جنسية الراحل جيفري إبستين، وسط مطالبات برلمانية بضرورة كشف الحقائق كاملة أمام الرأي العام.

وعقب انتهاء الجلسة، شنت النائبة الديمقراطية ياسمين أنصاري هجوماً لاذعاً على لوتنيك، واصفة إياه بـ 'الكاذب المرضي' بناءً على الإفادات التي قدمها أمام اللجنة. وأشارت أنصاري إلى أن سلوك الوزير خلال الاستجواب يعزز الشكوك حول محاولاته المستمرة لإخفاء تفاصيل هامة تتعلق بلقاءاته مع إبستين، وهو ما يضع مصداقيته كمسؤول حكومي على المحك.

من جانبه، ذهب النائب الديمقراطي سوهاس سوبرامانيام إلى أبعد من ذلك بمطالبة الوزير بالاستقالة الفورية من منصبه، معتبراً أن ما كشفت عنه الجلسة يفوق التصور من حيث عدم النزاهة. ووصف سوبرامانيام أداء لوتنيك أمام اللجنة بالمراوغ والمتوتر، مؤكداً أن الوزير فشل في تقديم إجابات مقنعة حول التناقضات الصارخة في أقواله السابقة والحالية.

وتعود جذور الأزمة إلى ظهور اسم لوتنيك ضمن الوثائق الرسمية التي نشرتها وزارة العدل الأمريكية والمتعلقة بشبكة علاقات إبستين الواسعة. ورغم محاولات الوزير تجنب الصحافة عقب الجلسة، إلا أن سجله الحافل بالتصريحات المتضاربة أصبح مادة دسمة للنقاش السياسي، خاصة بعد تراجعه عن ادعاءات سابقة بقطع علاقته بإبستين منذ عقود.

وكان لوتنيك قد صرح في بودكاست خلال أكتوبر 2025 بأنه قطع صِلته بإبستين نهائياً بعد اجتماع جرى في عام 2005، مقسماً على عدم رؤيته مجدداً. إلا أنه عاد في فبراير الماضي ليعترف بتناول الغداء مع إبستين في جزيرته الخاصة بمنطقة البحر الكاريبي عام 2012، وهو ما اعتبره النواب دليلاً قاطعاً على عدم صدق روايته الأولى.

وبرر الوزير زيارته للجزيرة المشبوهة بأنها كانت مجرد توقف قصير لمدة ساعة واحدة أثناء عطلة عائلية على متن قارب، مشيراً إلى تواجد زوجته وأطفاله الأربعة ومربياتهم معه في ذلك الوقت. ومع ذلك، انتقد النائب سوبرامانيام هذا التبرير، متسائلاً عن سبب ذهاب الوزير إلى مكان يخص شخصاً ادعى سابقاً أنه يشعر بعدم الارتياح تجاهه، لافتاً إلى أن رد الوزير بـ 'عدم التذكر' هو أمر غير منطقي.

في المقابل، برزت أصوات دافعت عن الوزير من داخل المعسكر الجمهوري، حيث قلل جيمس كومر، رئيس اللجنة المحققة، من شأن اتهامات الديمقراطيين. واعتبر كومر أن لوتنيك كان 'متعاوناً للغاية' خلال جلسة الاستماع، مشدداً على أن الهجوم عليه يحمل دوافع سياسية تهدف إلى تشويه صورة المسؤولين في الإدارة الحالية.

تحليل

الخميس 07 مايو 2026 5:31 صباحًا - بتوقيت القدس

جامعة روتجرز تنحني لضغوط اللوبيات المؤيدة لإسرائيل وتسحب دعوة متحدث انتقد الحرب على غزة

رسالة واشنطن




واشنطن – سعيد عريقات -7/5/2026


في مشهد يعكس التراجع المتسارع لحرية التعبير داخل الجامعات الأميركية، رضخت "جامعة روتغرز Rutgers University " في ولاية نيوجيرزي لضغوط جماعات مؤيدة لإسرائيل وقررت سحب دعوتها لرجل الأعمال الأميركي من أصل فلسطيني رامي غندور لإلقاء كلمة التخرج في كلية الهندسة، رغم الدعم الواسع الذي يحظى به داخل الحرم الجامعي.


وكان غندور، الرئيس التنفيذي لشركة التكنولوجيا الحيوية آرسيليكس Arcellx وأحد أبرز خريجي الجامعة، مدعواً لإلقاء خطاب حفل التخرج في 15 أيار، قبل أن يتراجع عميد الكلية ألبرتو كويتينيو عن الدعوة بصورة مفاجئة، بذريعة اعتراض عدد محدود جداً من الطلبة على مواقف غندور المنتقدة لإسرائيل.


وبحسب معطيات متداولة داخل الجامعة، فإن عدد المعترضين لم يتجاوز أربعة طلاب فقط، في مقابل تأييد واسع من آلاف الطلبة والخريجين الذين رأوا في اختيار الغندور نموذجاً ملهماً لخريج ناجح جمع بين التفوق المهني والانخراط في قضايا العدالة الإنسانية. غير أن إدارة الجامعة اختارت، كما يقول منتقدوها، الاستجابة لصوت الأقلية الضاغطة المدعومة سياسياً وإعلامياً، متجاهلة المزاج العام داخل الحرم الجامعي.


وأكد متحدث باسم الجامعة أن القرار جاء بعد مخاوف من مقاطعة بعض الطلبة للحفل بسبب منشورات الغندور المتعلقة بإسرائيل. لكن الجامعة تجنبت الكشف عن طبيعة تلك المنشورات، التي تضمنت في معظمها صوراً وتقارير عن الحرب في غزة، إلى جانب تعليقات تتهم إسرائيل بارتكاب جرائم حرب وتطبيق نظام فصل عنصري بحق الفلسطينيين.


ويُعرف غندور بنشاطه الحقوقي العلني، كما سبق للجامعة نفسها أن احتفت بدوره كمنتج تنفيذي للفيلم الوثائقي "صوت هند رجب"، الذي يوثق قصة الطفلة الفلسطينية هند رجب التي قُتلت خلال العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة. إلا أن هذا الاحتفاء تبدد سريعاً عندما أصبح موقفه السياسي عرضة لهجوم جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل.


وفي رد غاضب، وصف غندور قرار الجامعة بأنه "مؤلم ومخزٍ"، معتبراً أن المؤسسة الأكاديمية التي استخدمت نشاطه الحقوقي سابقاً لتحسين صورتها العامة، تخلت عن مبادئها عند أول اختبار سياسي حقيقي. وقال: “لقد احتفوا بعدالتي الاجتماعية عندما كانت مريحة لهم، ثم تراجعوا عنها عندما أصبحت مكلفة”.


ويأتي هذا التطور في وقت تشهد فيه الجامعات الأميركية حملة ضغوط غير مسبوقة تستهدف الأصوات المؤيدة للفلسطينيين، سواء من الطلبة أو الأساتذة أو المتحدثين الضيوف. فمنذ اندلاع الحرب على غزة، تحولت الجامعات إلى ساحة مواجهة سياسية مفتوحة، حيث تواجه الإدارات تهديدات متكررة من سياسيين جمهوريين ومتبرعين نافذين يطالبون بقمع أي خطاب ينتقد إسرائيل.


وفي حادثة مشابهة، اضطرت جامعة ميشيغان University of Michigan هذا الأسبوع إلى التنصل من كلمة ألقاها أستاذ التاريخ ديريك بيترسون خلال حفل تخرج، بعدما أشاد بالطلبة المتضامنين مع فلسطين. وقد أثارت الكلمة تهديدات بقطع التمويل عن الجامعة، ما دفع الإدارة إلى الاعتذار علناً، في خطوة أثارت غضب جماعات الدفاع عن الحرية الأكاديمية.


ويرى مراقبون أن ما حدث في روتجرز يكشف بوضوح حدود "حرية التعبير" داخل المؤسسات الأكاديمية الأميركية عندما يتعلق الأمر بإسرائيل. فبينما تتباهى الجامعات بشعارات التنوع والانفتاح الفكري، فإنها غالباً ما تتراجع أمام أي ضغط سياسي أو مالي مرتبط باللوبيات المؤيدة لإسرائيل، حتى لو جاء الاعتراض من عدد ضئيل للغاية من الأفراد.


وتكشف قضية رامي غندور حالة الانحدار الأخلاقي التي أصابت عدداً من الجامعات الأميركية الكبرى، والتي باتت تتعامل مع حرية التعبير بوصفها امتيازاً انتقائياً لا حقاً أكاديمياً ثابتاً. فجامعة روتجرز لم تلغِ الدعوة بسبب خطاب كراهية أو تحريض، بل بسبب انتقاد سياسي لإسرائيل يستند إلى وقائع موثقة وتقارير حقوقية دولية. الأخطر أن الجامعة رضخت لضغوط أربعة طلاب فقط، متجاهلة آلاف الطلبة الذين أيدوا مشاركة الغندور. وهذا يعكس حجم النفوذ الذي باتت تمارسه جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل داخل المؤسسات التعليمية الأميركية، حتى على حساب استقلال الجامعات ومصداقيتها الأكاديمية.


وما جرى في روتجرز يعيد طرح سؤال جوهري حول طبيعة الديمقراطية الأميركية وحدودها الفعلية. فعندما تصبح الجامعات، التي يُفترض أن تكون فضاءات للنقاش الحر، عاجزة عن استضافة متحدث ينتقد حرباً أودت بحياة عشرات آلاف المدنيين في غزة، فإن الحديث عن "التعددية الفكرية" يتحول إلى مجرد شعار فارغ. وقد أظهرت الحرب على غزة أن هناك سقفاً سياسياً صارماً داخل الولايات المتحدة يمنع توجيه نقد حقيقي لإسرائيل دون التعرض للعقاب أو الإقصاء. وهكذا تتحول المؤسسات الأكاديمية تدريجياً إلى أدوات خاضعة للترهيب السياسي والابتزاز المالي أكثر من كونها ساحات مستقلة للفكر والمعرفة.


 المفارقة اللافتة أن حملات القمع المتزايدة ضد الأصوات المتضامنة مع الفلسطينيين بدأت تنتج أثراً معاكساً داخل المجتمع الأميركي، خاصة بين الشباب والطلبة. فكلما ازداد قمع الخطاب المؤيد لفلسطين، اتسعت القناعة بأن هناك محاولة منظمة لإسكات رواية إنسانية تتعلق بالحقوق والعدالة. كما أن انحناء الجامعات المتكرر أمام ضغوط اللوبيات المؤيدة لإسرائيل يضر بصورة تلك المؤسسات أكثر مما يحميها، إذ يكشف هشاشة ادعائها الاستقلالية. وبالنسبة لكثير من الطلبة الأميركيين، أصبحت الجامعات تبدو اليوم أقل استعداداً للدفاع عن المبادئ التي طالما تباهت بها أمام العالم.

تحليل

الخميس 07 مايو 2026 5:21 صباحًا - بتوقيت القدس

طليب تضغط على إدارة ترمب لمحاسبة إسرائيل بعد اعتراض "أسطول الصمود"

رسالة واشنطن




واشنطن –سعيد عريقات-7/5/2026


قادت النائبة في مجلس النواب الأميركي، رشيدة طليب، تحركاً سياسياً ضاغطاً داخل الكونغرس، عبر رسالة رسمية موجهة إلى وزير الخارجية ماركو روبيو يوم الأربعاء، دعت فيها إلى اتخاذ إجراءات عاجلة رداً على اعتراض القوات الإسرائيلية لأسطول "الصمود العالمي" في المياه الدولية، واحتجاز عشرات النشطاء والصحفيين.


وبحسب الرسالة، فإن القوات الإسرائيلية اعترضت ما يقارب عشرين سفينة مدنية كانت متجهة إلى قطاع غزة، واحتجزت ما لا يقل عن 175 شخصاً، بينهم مواطنون أميركيون، خلال مهمة إنسانية هدفت إلى كسر الحصار المفروض على القطاع وإدخال مساعدات غذائية وطبية. ووصفت طليب هذا التحرك بأنه “انتهاك صارخ للقانون الدولي”، مطالبة الإدارة الأميركية بالتدخل لحماية مواطنيها وضمان تدفق المساعدات الإنسانية.


وانتقدت طليب بشدة موقف وزارة الخارجية الأميركية، معتبرة أن إدانتها للمشاركين في الأسطول بدلاً من الدفاع عنهم تمثل "تخلياً عن الواجب"، ووصفت الخطاب الرسمي بأنه "تشويه للحقائق"، حيث يتم – بحسب تعبيرها – تصوير إيصال الغذاء للمحتاجين كعمل عدائي، في حين يتم تجاهل سياسات الحصار والتجويع.


ورغم الإفراج عن معظم المحتجزين، أعربت النائبة عن قلقها من تقارير تفيد بتعرض بعضهم لسوء المعاملة خلال الاحتجاز، وإصابة عدد من المواطنين الأميركيين الذين نُقلوا إلى المستشفيات بعد إطلاق سراحهم. كما أشارت إلى استمرار احتجاز شخصين، مطالبة بالضغط الفوري للإفراج عنهما وضمان سلامتهما.


كما دعت طليب الإدارة الأميركية إلى التراجع عن أي تهديدات موجهة ضد المشاركين في الأسطول أو الدول التي تسمح له بالرسو في موانئها، وحثت على معالجة "جذور الأزمة"، والمتمثلة في الحصار الإسرائيلي المفروض على غزة، والذي اعتبرته سبباً مباشراً في تفاقم الأزمة الإنسانية.


وأكدت الرسالة أن استمرار تقييد دخول المساعدات يتعارض مع قرارات محكمة العدل الدولية، كما استندت إلى تقارير لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الأراضي الفلسطينية التي خلصت إلى أن السياسات الإسرائيلية في غزة قد ترقى إلى جرائم جسيمة، بما في ذلك خلق ظروف معيشية تهدد بقاء السكان.


وفي ختام رسالتها، شددت طليب على ضرورة استخدام الولايات المتحدة نفوذها السياسي لإنهاء الحصار وضمان وصول المساعدات، محذرة من أن استمرار الوضع الحالي يقوض الالتزامات القانونية والأخلاقية لواشنطن، في وقت تواصل فيه سفن أخرى من الأسطول مهمتها رغم المخاطر.


وتعكس رسالة طليب تصاعد التوتر داخل المؤسسة السياسية الأميركية بشأن السياسة تجاه إسرائيل، حيث لم يعد الدعم غير المشروط محل إجماع كما كان في السابق. فوجود أصوات داخل الكونغرس تنتقد علناً سلوك حليف استراتيجي يشير إلى تحول تدريجي في الخطاب السياسي، مدفوعاً بضغط الرأي العام وتنامي التقارير الحقوقية. ومع ذلك، تبقى هذه الأصوات محدودة التأثير في ظل التوازنات التقليدية، ما يجعل تحركاتها أقرب إلى محاولة لكسر السردية السائدة أكثر من كونها قادرة على تغيير فوري في السياسات.


كما تسلط الحادثة الضوء على إشكالية قانونية معقدة تتعلق بحرية الملاحة في المياه الدولية وحدود استخدام القوة. فاعتراض سفن مدنية على بعد مئات الأميال من السواحل يثير تساؤلات حول مدى التزام إسرائيل بالقانون الدولي البحري، كما يضع الولايات المتحدة في موقف حرج بين حماية مواطنيها والحفاظ على تحالفها الوثيق. هذا التناقض يكشف عن فجوة بين المبادئ المعلنة للسياسة الأميركية—مثل حماية المدنيين—والممارسات الفعلية على الأرض.


وتكشف هذه الواقعة أيضاً عن البعد الإنساني للأزمة في غزة، حيث لم تعد الجهود الرسمية كافية لمعالجة الكارثة، ما يدفع مبادرات مدنية دولية لمحاولة كسر الحصار. غير أن استهداف هذه المبادرات يبعث برسالة ردع قوية، مفادها أن أي تحرك خارج القنوات السياسية التقليدية قد يواجه بالقوة. في المقابل، فإن استمرار هذه المبادرات رغم المخاطر يعكس تنامياً في التضامن العالمي، لكنه يطرح سؤالاً جوهرياً حول جدوى التحركات الرمزية في ظل غياب إرادة دولية حقيقية لفرض تغيير فعلي.

فلسطين

الخميس 07 مايو 2026 5:08 صباحًا - بتوقيت القدس

يوميات سفيرة الاحتلال في لندن تفضح شبكة "اللوبيات" الداعمة للإبادة في غزة

كشف تحقيق استقصائي حديث أجرته مجلة "دي كلاسيفايد" البريطانية عن تفاصيل مثيرة من يوميات السفيرة الإسرائيلية السابقة في لندن، تسيبي هوتوفيلي، تظهر شبكة معقدة من العلاقات مع مسؤولي أمن بريطانيين ولوبيات ضغط مؤيدة للاحتلال. وأوضح التحقيق أن السفارة الإسرائيلية تحولت إلى مركز عمليات للتنسيق مع رجال أعمال ومتبرعين بارزين لحزب العمال البريطاني، تزامناً مع استمرار حرب الإبادة في قطاع غزة.

وتشير الوثائق المسربة إلى أن هوتوفيلي، التي عُرفت بتصريحاتها التحريضية ضد الفلسطينيين، استغلت منصبها لترسيخ رواية الاحتلال داخل دوائر صنع القرار في المملكة المتحدة. وكانت السفيرة قد اقترحت علانية اعتبار المنشآت المدنية في غزة، بما في ذلك المدارس والمساجد، أهدافاً عسكرية مشروعة، وهو ما اعتبره مراقبون تحريضاً مباشراً على ارتكاب جرائم حرب.

وأظهرت اليوميات علاقة عمل وثيقة ومستمرة بين منظمات الضغط الإسرائيلية في بريطانيا والسفارة في لندن، رغم ادعاء مجموعات مثل "أصدقاء إسرائيل" في حزبي المحافظين والعمال عدم تلقي تمويل مباشر من تل أبيب. وكشفت السجلات عن عقد أربعة لقاءات على الأقل مع ستيوارت بولاك، المدير الفخري لمجموعة أصدقاء إسرائيل من حزب المحافظين، والذي يصف نفسه بالمدافع الشرس عن المصالح الإسرائيلية في مجلس اللوردات.

ولم تقتصر اللقاءات على الشخصيات البريطانية، بل شملت دبلوماسيين إسرائيليين رفيعي المستوى مثل يوسي عمراني، رئيس القسم الدبلوماسي بوزارة الخارجية، وميراف إيلون شاهار، نائبة مدير الشؤون الاستراتيجية. وتعكس هذه الاجتماعات، التي جرت في النصف الثاني من عام 2024، مستوى عالياً من التنسيق الدبلوماسي لضمان استمرار الدعم البريطاني للسياسات الإسرائيلية في المنطقة.

وفي سياق متصل، برز اسم جون بيرس، رئيس مجموعة أصدقاء إسرائيل في حزب العمال، واللورد جوناثان مندلسون كزوار دائمين لمقر إقامة السفيرة. وبررت المنظمة هذه اللقاءات بأنها تهدف لمناقشة قضايا إنسانية وإطلاق سراح المحتجزين، إلا أن توقيت وطبيعة هذه الاجتماعات أثارت تساؤلات حول مدى تأثير السفارة على مواقف قيادات حزب العمال الحاكم.

كما تضمنت اليوميات لقاءات مع لوك أكهيرست، عضو البرلمان عن حزب العمال والمدير السابق لمجموعة الضغط "نحن نؤمن بإسرائيل". وجرت هذه اللقاءات على هامش مؤتمرات حزبية كبرى، مما يشير إلى تغلغل اللوبي المؤيد للاحتلال في الهياكل التنظيمية للأحزاب البريطانية الرئيسية وقدرته على الوصول المباشر لصناع القرار.

وأثار التحقيق مخاوف جدية بشأن قرب ممولي حزب العمال من الحكومة الإسرائيلية، حيث التقت هوتوفيلي بستيوارت رودن، الذي تبرع بأكثر من نصف مليون جنيه إسترليني للحزب قبل انتخابات 2024. رودن، الذي يرأس شركة رأس مال استثماري إسرائيلية، يُعد من المدافعين البارزين عن العمليات العسكرية الإسرائيلية، واصفاً إياها بأنها جزء من "صراع حضارات".

وبحسب مصادر صحفية، فإن رودن يدير حوارات غير رسمية مع قيادة حزب العمال للتعبير عن آرائه في قضايا تهم الاحتلال. وتزامن ظهوره في يوميات السفيرة مع تولي حكومة كير ستارمر السلطة، مما يعزز الفرضيات حول وجود قنوات خلفية للتأثير على السياسة الخارجية البريطانية تجاه القضية الفلسطينية.

وامتد نشاط السفيرة ليشمل قطاع الأعمال والعقارات، حيث التقت بجوناثان جولدستين، رجل الأعمال الذي دعم حملات انتخابية لقيادات في حزب العمال. جولدستين، الذي شغل سابقاً رئاسة مجلس القيادة اليهودية، شارك في مسيرات مؤيدة للاحتلال ونسق بشكل مباشر مع وزراء إسرائيليين لتعزيز التعاون المشترك في ذروة العدوان على غزة.

وفي جانب اقتصادي حساس، كشف التحقيق عن اجتماع سري بين هوتوفيلي ومايكل دينيسون، رئيس قسم الاستشارات الدولية في شركة النفط البريطانية العملاقة BP. وجاء هذا اللقاء في نوفمبر 2023، بالتزامن مع إعلان وزارة الطاقة الإسرائيلية عن منح تراخيص جديدة لاستكشاف الغاز في البحر المتوسط، فاز بأحدها ائتلاف يضم شركة BP.

وانتقدت المقررة الخاصة للأمم المتحدة، فرانسيسكا ألبانيزي، تورط الشركات الخاصة مثل BP في ما وصفته بـ "اقتصاد الإبادة الجماعية". وأشارت ألبانيزي إلى أن توسع الشركة في استكشاف المساحات البحرية الفلسطينية التي يستغلها الاحتلال بشكل غير قانوني يمثل مساهمة في ترسيخ الاحتلال والانتهاكات المستمرة بحق الشعب الفلسطيني.

ولم تغب الصناعات العسكرية عن جدول أعمال السفيرة، حيث التقت بممثلين عن شركة "رافائيل" الإسرائيلية المملوكة للدولة، وهي الشركة المسؤولة عن تصنيع صواريخ تستخدم في تدمير الأحياء السكنية في غزة. ويهدف هذا التنسيق إلى ضمان تدفق الإمدادات العسكرية والحفاظ على الشراكات التقنية مع قطاع الدفاع البريطاني.

وشملت قائمة الزوار أعضاء بارزين في مجلس اللوردات، مثل اللورد براون، الرئيس التنفيذي السابق لشركة BP، واللورد فيلدمان، رئيس حزب المحافظين السابق. وتظهر هذه اللقاءات، التي تخللها وجبات إفطار وغداء عمل، مدى الحميمية في العلاقة بين النخبة السياسية البريطانية والتمثيل الدبلوماسي للاحتلال.

وخلص التحقيق إلى أن هذه التحركات المنسقة تهدف إلى بناء جدار حماية سياسي واقتصادي لإسرائيل في بريطانيا لمواجهة الضغوط الدولية المتزايدة. وتؤكد الوثائق أن اللوبي الإسرائيلي يعمل بكد خلف الكواليس لضمان عدم حدوث أي تحول جوهري في الموقف البريطاني تجاه جرائم الإبادة الجماعية المرتكبة في قطاع غزة.

عربي ودولي

الخميس 07 مايو 2026 4:38 صباحًا - بتوقيت القدس

تحقيق يكشف حجم الدمار الواسع في القواعد الأمريكية جراء الهجمات الإيرانية

كشفت تقارير صحفية دولية عن حجم خسائر غير مسبوق لحق بالبنية التحتية العسكرية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، جراء سلسلة من الهجمات الجوية الإيرانية المكثفة. وأوضحت المصادر أن الضربات تسببت في تدمير أو إلحاق أضرار جسيمة بما لا يقل عن 228 منشأة ومعدة عسكرية تابعة للولايات المتحدة منذ أواخر فبراير الماضي، وهو ما يتجاوز بكثير الأرقام التي أفصحت عنها الإدارة الأمريكية في وقت سابق.

واستند التحقيق إلى تحليل دقيق لصور الأقمار الاصطناعية، أظهر أن الدمار طال مرافق حيوية شملت حظائر للطائرات المقاتلة، وثكنات مخصصة لمبيت الجنود، بالإضافة إلى مستودعات وقود استراتيجية. كما رصدت الصور تضرر معدات تقنية معقدة تشمل أنظمة رادار واتصالات متطورة، ومنظومات للدفاع الجوي كانت منتشرة في مواقع مختلفة لتأمين القوات الأمريكية.

وأشارت المصادر إلى أن التهديدات الإيرانية المتزايدة دفعت القيادة العسكرية الأمريكية إلى اتخاذ إجراءات احترازية قاسية، من بينها إخلاء معظم القواعد في المنطقة من الأفراد غير الأساسيين في بداية المواجهات. ورغم هذه التدابير، أقر الجيش الأمريكي بسقوط سبعة قتلى في صفوف جنوده، توزعوا بين الكويت والسعودية، إلى جانب إصابة أكثر من 400 جندي آخرين بجروح متفاوتة الخطورة.

وفي سياق التعتيم الإعلامي، لفت التقرير إلى صعوبة الحصول على صور فضائية حديثة للمواقع المستهدفة، نظراً لامتثال شركات الأقمار الاصطناعية الكبرى لطلبات حكومية أمريكية بحجب الصور عن المنطقة. ومع ذلك، تمكن المحللون من التحقق من صحة عشرات الصور عالية الدقة التي نشرتها وسائل إعلام إيرانية، عبر مقارنتها ببيانات نظام كوبرنيكوس الأوروبي للتأكد من عدم وجود أي تلاعب رقمي.

وبحسب البيانات المجمعة، فقد تم رصد أضرار في 15 موقعاً عسكرياً مختلفاً، حيث شملت القائمة 217 منشأة ثابتة و11 معدة متحركة ذات قيمة استراتيجية عالية. وأكد الخبراء أن بعض المنشآت المتضررة لم تظهر في الدعاية الإيرانية، لكن رصدتها الأقمار الاصطناعية المستقلة، مما يرفع الحصيلة الإجمالية للخسائر المادية التي تكبدتها واشنطن في هذه الجولة من الصراع.

من جانبه، ذكر مارك كانسيان، الخبير في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن دقة الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية كانت لافتة للنظر، حيث ركزت الهجمات على استهداف المجمعات السكنية داخل القواعد. ويرى الخبراء أن هذا التكتيك كان يهدف بوضوح إلى إيقاع أكبر عدد من الضحايا البشرية، وليس مجرد تدمير البنية التحتية المادية للقوات المتمركزة في المنطقة.

وانتقد محللون عسكريون فشل الجيش الأمريكي في التكيف السريع مع حرب الطائرات المسيرة، مشيرين إلى أن بعض القواعد الحيوية ظلت دون حماية كافية أمام هذه التهديدات الجديدة. وأوضح الخبراء أن التقديرات الأمريكية قللت بشكل كبير من قدرات طهران على الاستهداف الدقيق، مما أدى إلى انكشاف معدات حساسة للغاية أمام الضربات المباشرة دون وجود مظلة دفاعية فعالة.

وشملت قائمة المعدات الحساسة التي تعرضت للإصابة رادارات تابعة لمنظومات 'باتريوت' و'ثاد' الدفاعية، بالإضافة إلى طائرات من طراز 'إي-3 سينتري' المخصصة للإنذار المبكر. كما طالت الأضرار محطات طاقة وخزانات وقود ضخمة، فضلاً عن مرافق لوجستية وخدمية مثل الصالات الرياضية وقاعات الطعام التي تعتبر أهدافاً سهلة للاستهداف الجوي.

ووفقاً للتحليل الجغرافي للضربات، فقد تركزت الأضرار الكبرى في مقر الأسطول الخامس الأمريكي بالبحرين، بالإضافة إلى ثلاث قواعد عسكرية رئيسية في الأراضي الكويتية. ويرجح المراقبون أن استهداف هذه المواقع تحديداً جاء رداً على سماح تلك الدول للجيش الأمريكي باستخدام أراضيها لشن عمليات هجومية، في حين تجنبت الهجمات دولاً خليجية أخرى رفضت الانخراط في العمليات العسكرية.

الخميس 07 مايو 2026 4:23 صباحًا - بتوقيت القدس

البنتاغون يدخل عصر 'حرب النجوم': أسلحة الطاقة الموجهة تتحول إلى واقع عسكري

أعلن البنتاغون رسمياً عن البدء في استخدام أسلحة طاقة متخصصة ضمن منظوماته الدفاعية، في خطوة تنهي عقوداً من التكهنات حول تحول تقنيات الخيال العلمي إلى واقع عسكري ملموس. وجاء هذا الإعلان ليؤكد صحة تقارير سابقة أشارت إلى تسارع وتيرة التطوير في هذا المجال التقني الحساس.

وكشف إميل مايكل، كبير مسؤولي التكنولوجيا في وزارة الدفاع الأميركية، عن هذا التطور النوعي عبر منشور رسمي، مشيراً إلى أن هذه الأسلحة باتت تشكل إضافة استراتيجية للقدرات القتالية. وتزامن هذا الإعلان مع توقيت رمزي أثار تساؤلات المراقبين حول طبيعة الرسائل التي ترغب واشنطن في إيصالها للقوى المنافسة.

تعتمد أسلحة الطاقة الموجهة، المعروفة اختصاراً بـ (DEW)، على توجيه أشعة مركزة من الطاقة الكهرومغناطيسية أو الجسيمات الذرية نحو الأهداف المعادية. وتتميز هذه الأنظمة بقدرتها الفائقة على إصابة الأهداف بدقة متناهية وبسرعة تقترب من سرعة الضوء، مما يجعل الإفلات منها أمراً شبه مستحيل.

وتتنوع استخدامات هذه التقنية بين تعطيل الطائرات المسيرة والأنظمة الإلكترونية المعقدة، وصولاً إلى إمكانية استهداف الأفراد وتحييدهم. ويمثل هذا التحول الجذري في العقيدة العسكرية الأميركية استجابة للتحديات المتزايدة التي تفرضها الحروب الحديثة والاعتماد المكثف على التكنولوجيا الرقمية.

وفي سياق الدعم المالي لهذا التوجه، كشفت تقارير رسمية صادرة عن الكونغرس أن البنتاغون طلب تخصيص ميزانية ضخمة تصل إلى 789.7 مليون دولار للسنة المالية 2025. ويهدف هذا التمويل إلى تسريع برامج البحث والتطوير لضمان التفوق التكنولوجي في مواجهة التهديدات العالمية الناشئة.

وتبرز شركة 'أيروفايرونمنت' كأحد اللاعبين الرئيسيين في هذا المضمار، حيث ساهمت في تطوير نظام 'لوكست إكس 3' المتطور. ويعد هذا السلاح نموذجاً حياً للقدرة على إطلاق أشعة ليزرية مكثفة قادرة على تدمير المسيرات في أجزاء من الثانية، مما يوفر حماية فعالة للقوات البرية والبحرية.

وبعيداً عن الجوانب العسكرية الصرفة، أعاد إعلان البنتاغون تسليط الضوء على قضايا مثيرة للجدل تتعلق بسلامة الباحثين في هذا المجال. وتصدرت قصة العالمة الراحلة إيمي إسكردج المشهد، بعد مزاعم حول تعرضها لهجوم بسلاح طاقة موجهة داخل منزلها قبل وفاتها الغامضة في عام 2022.

وأفادت مصادر مطلعة بأن ضابط استخبارات بريطاني سابق قدم تقريراً مفصلاً للكونغرس، شكك فيه في الرواية الرسمية حول انتحار إسكردج. وزعم التقرير أن العالمة استُهدفت بأمواج ميكروية تسببت لها بحروق جسدية بالغة، وذلك لمنعها من كشف أسرار تتعلق بأبحاثها في التكنولوجيا المتقدمة.

وتشير المعطيات إلى أن حالة إسكردج ليست معزولة، بل تندرج ضمن قائمة تضم 11 عالماً أميركياً اختفوا أو توفوا في ظروف مريبة. ويرتبط هؤلاء الباحثون بشكل وثيق بملفات الأمن القومي، وأبحاث الظواهر الجوية غير المحددة، وتقنيات الدفاع الجوي المتطورة.

من جانبه، أكد النائب إريك بورليسون، عضو لجنة الرقابة بمجلس النواب أن مكتبه يحقق في هذه الحالات التي وصفها بأنها تمثل 'أهمية وطنية عاجلة'. وأشار بورليسون إلى وجود مؤشرات قوية تربط بين مصير هؤلاء العلماء ووصولهم إلى معلومات سرية للغاية تتعلق بالدفاع والفضاء.

ولم يستبعد المشرعون الأميركيون تورط جهات خارجية خبيثة في هذه العمليات، مشيرين بأصابع الاتهام إلى قوى دولية مثل الصين وروسيا وإيران. ويرى مراقبون أن الصراع على امتلاك أسلحة الطاقة الموجهة قد تحول إلى حرب استخباراتية باردة تهدف إلى تصفية العقول المبدعة في هذا المجال.

ورغم أن الجيش الأميركي يؤكد أن استخداماته لهذه التقنية تقتصر على الأهداف الدفاعية والشرعية، إلا أن المخاوف الحقوقية لا تزال قائمة. وتتركز هذه المخاوف حول إمكانية استخدام هذه الأشعة غير المرئية في عمليات اغتيال صامتة لا تترك أثراً جنائياً تقليدياً خلفها.

وفي تطور لافت، دخل الرئيس ترامب على خط الأزمة، حيث صرح للصحفيين بأنه أمر بفتح تحقيق شامل في حالات الاختفاء المريبة للعلماء. ويعكس هذا التحرك الرئاسي حجم القلق داخل أروقة الحكم في واشنطن من اختراق المنظومة العلمية والدفاعية للبلاد.

يبقى التساؤل قائماً حول المدى الذي ستصل إليه هذه التقنيات في المستقبل القريب، وهل ستؤدي إلى سباق تسلح جديد لا يحكمه قانون دولي واضح. ومع استمرار البنتاغون في ضخ الاستثمارات، يبدو أن أسلحة الطاقة الموجهة ستصبح العمود الفقري للحروب القادمة.

فلسطين

الخميس 07 مايو 2026 3:23 صباحًا - بتوقيت القدس

الاحتلال ينكّل بطفل مقدسي مصاب بمتلازمة داون ويستخدمه درعاً بشرياً

لم تمنع الحالة الصحية الخاصة للطفل مهدي أبو طالب، المصاب بمتلازمة داون، جنود الاحتلال من ممارسة ساديتهم خلال اقتحامهم الأخير لمخيم شعفاط شمال شرق القدس المحتلة. وأفادت مصادر محلية بأن الجنود استغلوا وضع الطفل الصحي واستخدموه درعاً بشرياً أثناء تحركاتهم العسكرية داخل أزقة المخيم، في انتهاك صارخ لكافة المواثيق الدولية والإنسانية.

ويروي محمد أبو طالب، شقيق الطفل، تفاصيل اللحظات القاسية مشيراً إلى أن الاعتداء ترك أثراً نفسياً عميقاً لدى مهدي، الذي بات يخشى مغادرة المنزل أو التوجه إلى مدرسته. وأضافت العائلة أن الطفل يعاني حالياً من اضطرابات حادة في النوم وتبول لاإرادي، وهي أعراض كارثية لم تكن موجودة قبل تعرضه للتنكيل على يد القوة المقتحمة.

وبدأت الواقعة عندما خرج محمد لاستقبال شقيقه العائد من المدرسة، ليفاجأ باقتحام عسكري طارد خلاله الجنود الطفل مهدي رغم صرخات شقيقه المتكررة بأنه 'حالة خاصة'. تجاهل الجنود هذه النداءات تماماً، بل وقام أحدهم بضرب محمد بمؤخرة سلاحه على رأسه مما تسبب له بجرح قطعي ونزيف حاد، قبل أن يختطفوا الطفل مهدي مجدداً ويسحلوه على الأرض.

ووثقت مقاطع فيديو تم تداولها لحظة احتضان محمد لشقيقه في محاولة لحمايته، إلا أن جنود الاحتلال انتزعوا الطفل بقوة ووضعوه داخل مركبة عسكرية لعدة دقائق. ولم يفرج الجنود عن مهدي إلا بعد ادعاء الضابط المسؤول أنه لم يكن على دراية بحالته الذهنية، وهو تبرير ترفضه العائلة التي أكدت أن ملامح الطفل وحركاته كانت كافية لإدراك وضعه الخاص.

ويعيش مهدي اليوم حالة من فقدان الأمان، حيث يفتقد الساعات التي كان يقضيها في التجول مع شقيقه الذي كان يرافقه دائماً لحمايته من مخاطر الطريق. ويقول محمد إن صدى صرخات شقيقه وهو ينادي 'تعال.. تعال' لإنقاذه لا تزال تعتصر قلبه، خاصة أنه كان عاجزاً عن الحركة بسبب إحاطته بسبعة جنود مدججين بالسلاح صوبوا فوهات بنادقهم نحوه.

ويقع مخيم شعفاط، الذي شهد هذه الجريمة، تحت حصار مستمر حيث يفصله الجدار العازل والحاجز العسكري عن قلب مدينة القدس رغم حمل سكانه للهوية المقدسية. ويقطن في المخيم وأحيائه الخمسة نحو 130 ألف نسمة، يعانون من تضييقات يومية واقتحامات مفاجئة تهدف إلى كسر إرادة السكان وتحويل حياتهم إلى جحيم مستمر تحت وطأة الإجراءات الأمنية.

وتشهد المنطقة المحيطة بالمخيم وبلدة عناتا المجاورة إغلاقات متكررة، كان آخرها نصب بوابة حديدية في يونيو من العام الماضي للتحكم في حركة المواطنين. وتخضع حركة التنقل في هذه المناطق لمزاجية جنود الاحتلال المتمركزين على الحواجز، مما يزيد من معاناة آلاف الفلسطينيين الذين يضطرون لعبور هذه النقاط العسكرية يومياً للوصول إلى أعمالهم ومراكزهم التعليمية.

فلسطين

الخميس 07 مايو 2026 3:23 صباحًا - بتوقيت القدس

بين أنياب الكلاب وسياط الإذلال.. تفاصيل رحلة 'الإعدام البطيء' للطبيب حسام أبو صفية

كشف أسرى محررون عن تفاصيل صادمة ومروعة تتعلق بظروف اعتقال الطبيب حسام أبو صفية، مدير مستشفى كمال عدوان، الذي يواجه رحلة من 'الإعدام البطيء' داخل سجون الاحتلال. وأفادت مصادر من داخل السجون بأن الهيئة الشاحبة التي بات عليها الطبيب المرموق تعكس حجم الانتهاكات الجسيمة التي تعرض لها منذ لحظة اعتقاله في السابع والعشرين من ديسمبر 2024.

ويروي الأسير المحرر أحمد قداس أن ملامح الدكتور أبو صفية تغيرت بشكل جذري، حيث تحول من شخصية قيادية ذات حضور قوي إلى إنسان منهك يقضي ساعاته في صمت وذهول. وأكد قداس أن التعذيب الممنهج لم يحطم جسد الطبيب فحسب، بل استهدف هويته وكرامته الإنسانية في محاولة لكسر إرادته الصمودية التي عرف بها.

وتشير الشهادات إلى أن زنازين الاحتلال كانت تضج بصرخات الطبيب تحت وطأة الضرب المبرح، في وقت كان يمنع فيه بقية الأسرى من تقديم أي مساعدة له. وذكر أسرى أن مصلحة السجون كانت تستخدم قنابل الغاز والإجراءات العقابية الجماعية لترهيب كل من يحاول الاقتراب من زنزانة أبو صفية أو السؤال عن حالته الصحية المتدهورة.

من جانبه، أكد المحرر حمزة أبو عميرة أن الطبيب حظي بمعاملة انتقامية خاصة تضمنت 'جرعة زائدة' من الإهانة والتعذيب اللفظي والجسدي من قبل فرق قمع متخصصة. وأوضح أن السجانين أجبروا الطبيب تحت وطأة الألم الشديد على ترديد عبارات تحط من قدره، في سلوك سادي يهدف إلى تدمير الروح المعنوية لرمز طبي فلسطيني.

وعاش الدكتور أبو صفية فترات قاسية من التقييد المتواصل، حيث بقي مقيد اليدين من الخلف والقدمين لمدة سبعة أيام متتالية دون انقطاع. وتزامن هذا التنكيل مع تدهور حاد في جهازه الهضمي، إذ كان يتقيأ باستمرار نتيجة تقديم طعام ملوث وغير صالح للاستهلاك البشري، وسط حرمان تام من أي رعاية طبية متخصصة.

وفي شهادة أخرى مؤلمة، نقل رامي أبو عميرة مشاهداته لعودة الدكتور حسام من جولات التحقيق وهو مدمى الجسد وفاقد للوعي تقريباً. وأوضح أن المحققين كانوا يجردون الطبيب من ملابسه بالكامل ويطلقون عليه الكلاب البوليسية لتنهش جسده النحيل، مما أدى إلى إصابات وجروح غائرة في مختلف أنحاء بدنه.

ولم تقتصر صنوف العذاب على الجانب الجسدي، بل امتدت لتشمل ترهيباً نفسياً ليلياً عبر اقتحام الزنازين وإلقاء قنابل الصوت والغاز المسيل للدموع بالقرب من رأس الطبيب. وتهدف هذه الممارسات، بحسب مراقبين، إلى منع الأسير من النوم وإبقائه في حالة من الذعر الدائم والاضطراب العصبي لانتزاع اعترافات أو كسر صموده.

ويقبع الدكتور حسام أبو صفية حالياً تحت تصنيف 'مقاتل غير شرعي'، وهو المسمى الذي تستخدمه سلطات الاحتلال لتمديد اعتقال الكوادر الفلسطينية دون محاكمات عادلة. ويأتي هذا الاعتقال رغم كونه شخصية طبية محمية بموجب القوانين الدولية، ورغم الفاجعة الشخصية التي ألمت به باستشهاد نجله إبراهيم برصاص الاحتلال قبيل اعتقاله.

وينضم أبو صفية إلى قائمة طويلة تضم نحو 737 كادراً طبياً فلسطينياً غيبتهم سجون الاحتلال منذ بدء العدوان الواسع على قطاع غزة. وتواجه هذه الكوادر ظروفاً اعتقالية توصف باللاإنسانية، حيث تتعمد إدارة السجون استهداف الأطباء والمسعفين بشكل خاص كجزء من خطة تدمير المنظومة الصحية الفلسطينية.

وتتصاعد المناشدات الحقوقية والدولية لضرورة التدخل العاجل لإنقاذ حياة 'أبا المرضى' كما يلقبه رفاقه، قبل فوات الأوان في ظل الأنباء عن وصول حالته الصحية لمرحلة حرجة. ويأمل محبو الطبيب في غزة أن تنجح الضغوط الدولية في انتزاعه من براثن الموت، ليعود لممارسة دوره الإنساني في مداواة جراح شعبه المكلوم.

صحة

الخميس 07 مايو 2026 3:23 صباحًا - بتوقيت القدس

التمارين اللامركزية: استراتيجية ذكية لبناء العضلات بجهد أقل ونتائج مضاعفة

تشير التوجهات الحديثة في علوم الرياضة إلى أن ممارسة التمارين بذكاء قد تكون أكثر جدوى من بذل مجهود بدني شاق ومرهق. ويبرز في هذا السياق ما يُعرف بالتمارين اللامركزية كخيار مثالي للأشخاص الذين يواجهون ضيقاً في الوقت أو نقصاً في الطاقة البدنية، حيث توفر هذه التقنية وسيلة فعالة لتحقيق أقصى استفادة من النشاط البدني اليومي.

ويؤكد كين نوساكا، عالم الرياضة المرموق في جامعة إديث كوان الأسترالية أن التمارين اللامركزية تعتمد بشكل أساسي على الجزء الذي تطول فيه العضلة أثناء الحركة. ويحدث ذلك عادة عند خفض وزن معين نحو الأرض أو خفض الجسم ببطء للجلوس على مقعد، مما يضع ضغطاً إيجابياً على الألياف العضلية.

وبحسب المراجعات العلمية التي أجراها نوساكا، فإن هذا النمط من التدريب يمتلك قدرة فريدة على توليد قوة عضلية كبيرة مع استهلاك طاقة كيميائية أقل من الجسم. وهذا التوازن يجعلها وسيلة جذابة لمن يبحثون عن تحسين بنيتهم الجسدية دون الشعور بالإرهاق التام الذي تسببه التمارين التقليدية المكثفة.

تتميز هذه التمارين بكونها لا تتطلب معدات رياضية معقدة أو اشتراكات في نوادي اللياقة، حيث يمكن ممارستها في المنزل بسهولة. ومن الأمثلة البسيطة عليها تمرين القرفصاء البطيء أو النزول المتكرر على الدرج، وهي أنشطة يومية يمكن تحويلها إلى برنامج تدريبي متكامل وفعال.

وعلى الرغم من فوائدها، يشير الخبراء إلى تحدي 'ألم العضلات المتأخر' الذي قد يظهر لدى المبتدئين نتيجة التهاب الأنسجة العضلية. ومع ذلك، يمكن تجاوز هذه العقبة من خلال البدء بجدول زمني متدرج الشدة، مما يسمح للجسم بالتكيف مع الضغوط الجديدة دون التعرض لآلام حادة تعيق الاستمرار.

تعتبر هذه التقنية حلاً مثالياً لفئات معينة مثل كبار السن والأشخاص الذين يقضون ساعات طويلة في وضعية الجلوس بسبب طبيعة عملهم. فهي توفر لهم وسيلة آمنة لتحسين الدورة الدموية وتقوية المفاصل دون الحاجة إلى القيام بحركات عنيفة قد لا تتناسب مع حالتهم الصحية.

وقد أثبتت الدراسات الميدانية نجاعة هذا النهج، حيث أظهرت تجربة أجريت عام 2017 على نساء يعانين من السمنة أن الالتزام بنزول الدرج بانتظام أدى لنتائج مبهرة. وتفوقت هذه المجموعة في تحسين مؤشرات ضغط الدم ومعدلات ضربات القلب مقارنة بالمجموعات التي مارست تمارين صعود الدرج التقليدية.

ويرى نوساكا أن تغيير الثقافة السائدة حول الألم الرياضي ضرورة ملحة لتشجيع الناس على الحركة، حيث أن الاعتقاد بأن التمرين يجب أن يكون مؤلماً يمنع الكثيرين من البدء. إن تبني الحركات اللامركزية يكسر هذا الحاجز النفسي ويجعل الرياضة جزءاً ممتعاً ومستداماً من الروتين اليومي للفرد.

في الختام، يتفق العديد من المتخصصين في إعادة التأهيل الرياضي على ضرورة دمج هذه الانقباضات في البرامج العلاجية والوقائية. فهي لا تقتصر فقط على بناء العضلات، بل تمتد فوائدها لتشمل تعزيز مرونة الأوتار وتحسين التوازن الحركي الشامل، مما يجعلها ركيزة أساسية في اللياقة البدنية المعاصرة.

فلسطين

الخميس 07 مايو 2026 3:23 صباحًا - بتوقيت القدس

سلوان تحت مقصلة التهجير: قصص فلسطينيين يُجبرون على هدم منازلهم بأيديهم في القدس

تواجه بلدة سلوان في القدس المحتلة واحدة من أقسى حملات التهجير الممنهج، حيث تتهدد أوامر الهدم نحو 150 منزلاً فلسطينياً في المنطقة. تأتي هذه الإجراءات في سياق سياسة توسع استيطاني محمومة تحظى بدعم حكومي مباشر، وتهدف إلى تغيير الطابع الديمغرافي للبلدة التي يسكنها نحو 60 ألف نسمة.

وتسعى سلطات الاحتلال من خلال هذه العمليات إلى إفراغ الأرض لصالح مشاريع أثرية واستيطانية، وعلى رأسها توسيع ما يسمى بـ 'مدينة داود'. ويراقب السكان يومياً جرافات الاحتلال وهي تنهش منازل قضوا عقوداً في بنائها، ليرتفع فوق أنقاضها العلم الإسرائيلي معلناً إحلال المستوطنين مكان أصحاب الأرض الأصليين.

تستند هذه التحولات إلى منظومة قانونية صاغها الاحتلال لتسهيل السيطرة على العقارات، حيث يُسمح لليهود بالمطالبة بممتلكات يدّعون ملكيتها قبل عام 1948. وفي المقابل، يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام استحالة الحصول على تراخيص بناء قانونية، مما يجعل منازلهم 'غير قانونية' في نظر القانون الإسرائيلي.

أمين جلاجل، مسن فلسطيني يبلغ من العمر 62 عاماً، يجسد مأساة البلدة، حيث تلقى أمراً بهدم المنزل الذي وُلد وترعرع فيه. يتساءل جلاجل بمرارة عن منطق الاحتلال الذي يدعي عدم امتلاكه لتصريح بناء، بينما وجوده في هذا البيت يسبق القوانين التي تحاكمه اليوم.

عائلة جلاجل التي كانت تمتلك ستة منازل في الحي، لم يتبقَّ لها سوى سقف واحد يؤوي اليوم 96 فرداً من مختلف الأجيال. هذا الاكتظاظ الخانق هو نتيجة مباشرة لعمليات الهدم المتكررة التي طالت بقية عقارات العائلة، مما جعلهم يعيشون في حالة ترقب دائم لما تبقى من مأواهم.

ويضع الاحتلال السكان أمام خيارين أحلاهما مر؛ فإما الهدم الذاتي بأيديهم، أو انتظار جرافات الجيش ودفع تكاليف الهدم الباهظة. وتصل هذه التكاليف في بعض الأحيان إلى 100 ألف شيكل، وهو مبلغ يعجز معظم السكان عن توفيره، مما يضطرهم لتنفيذ الهدم بأنفسهم في مشهد إنساني مفجع.

أحمد، أحد أبناء عائلة جلاجل، يروي كيف استنزفه الاحتلال مالياً عبر غرامات باهظة بدعوى البناء غير المرخص قبل أن يتم هدم منزله في نهاية المطاف. ويؤكد أن الضغوط لا تتوقف عند الهدم، بل تشمل تهديدات مستمرة ومحاولات إغراء مالي من قبل جمعيات استيطانية لشراء ما تبقى من الأرض.

وفي زاوية أخرى من سلوان، اضطر الشاب وسيم صيام (37 عاماً) لتحويل منزله إلى كومة من الركام بيديه امتثالاً لأمر رسمي. كان وسيم يعيش في ذلك المنزل مع زوجته وأطفاله الخمسة ووالدته التي تعاني من ظروف صحية صعبة، ليجدوا أنفسهم فجأة بلا مأوى يحميهم.

ويقول صيام إن سلطات الاحتلال لا تلتزم بأي معايير إنسانية، حيث لا تضع في اعتبارها حاجة الأطفال أو المرضى للسكن. ويرى أن الهدف الوحيد لهذه السياسات هو توفير الراحة والرفاهية للمستوطنين على حساب جحيم العائلات الفلسطينية التي تُطرد من ديارها قسراً.

وتشير التقارير الميدانية إلى أن وتيرة هذه الانتهاكات تسارعت بشكل ملحوظ منذ عام 2022 مع تولي الحكومة اليمينية المتطرفة مقاليد الحكم. وقد ارتفع عدد المستوطنين في الضفة والقدس إلى نحو نصف مليون، وسط مباركة رسمية لبناء المزيد من الوحدات الاستيطانية رغم التنديد الدولي.

لا تقتصر المعاناة على فقدان الجدران، بل تمتد لتشمل السيطرة على الموارد الطبيعية والمواقع التاريخية في البلدة، مثل ينابيع المياه التي باتت حكراً على المستوطنين. ويصف السكان ما يحدث بأنه 'محو صامت' للهوية الفلسطينية، حيث تُستخدم الضغوط القانونية والاقتصادية والنفسية لدفعهم نحو الرحيل الطوعي.

عربي ودولي

الخميس 07 مايو 2026 3:23 صباحًا - بتوقيت القدس

تحولات في الاستراتيجية الأمريكية: تراجع عن 'مشروع الحرية' بمضيق هرمز ومؤشرات على قرب نهاية الصراع

شهدت السياسة الخارجية الأمريكية تحولاً لافتاً حيال أمن الممرات المائية، حيث أفادت مصادر مطلعة بتراجع واشنطن عن المضي قدماً في ما يعرف بـ 'مشروع الحرية' الذي كان مقرراً تنفيذه في منطقة مضيق هرمز. ويأتي هذا القرار في وقت حساس تشهد فيه المنطقة إعادة ترتيب للأوراق السياسية والعسكرية، مما يفتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة التفاهمات الجديدة.

وأشارت التقارير الواردة إلى أن هذا التراجع لا يمثل مجرد تغيير فني، بل هو انعكاس لتوجهات أوسع تهدف إلى إنهاء حالة الصراع المسلح. ويرى مراقبون أن تقليص الالتزامات العسكرية المباشرة في نقاط التماس البحرية قد يكون مقدمة لإعلان اتفاقيات تهدئة شاملة، خاصة مع تزايد الحديث في الدوائر الدبلوماسية عن قرب وضع أوزار الحرب التي أرهقت القوى الإقليمية والدولية.

في السياق ذاته، أوضحت المصادر أن الإدارة الأمريكية بدأت في تبني مقاربة تعتمد على الدبلوماسية الوقائية بدلاً من الحشود العسكرية المباشرة. ويُعتقد أن هذه الخطوة تهدف إلى سحب الذرائع من الأطراف المنافسة وتقليل فرص الاحتكاك العسكري في مضيق هرمز، وهو ما يعزز فرضية وجود مسار تفاوضي جاد قد يُعلن عن نتائجه في وقت قريب لإنهاء العمليات القتالية بشكل دائم.