فلسطين

السّبت 09 مايو 2026 12:09 مساءً - بتوقيت القدس

تصاعد اعتداءات المستوطنين في الضفة: إصابات وحرق مركبات ونزوح 40 ألف فلسطيني منذ مطلع العام

أصيب مواطنان فلسطينيان بجروح متفاوتة، وُصفت حالة أحدهما بالخطيرة، جراء سلسلة اعتداءات نفذتها مجموعات من المستوطنين اليوم السبت في مناطق متفرقة من الضفة الغربية المحتلة. وتنوعت الاعتداءات بين الهجمات الجسدية المباشرة وحرق الممتلكات، حيث أضرم مستوطنون النار في مركبة فلسطينية قرب قرية الطيبة شرق مدينة رام الله، في ظل تصاعد وتيرة العنف الممنهج ضد القرى والبلدات الفلسطينية.

وفي جنوب الخليل، تعرض المزارع محمد عبد الحميد الحمامدة لاعتداء عنيف بالضرب من قبل مستوطنين مدججين بالسلاح أثناء عمله في حصاد محاصيله بمنطقة تل ماعين ببلدة يطا. وأفادت مصادر محلية بأن المستوطنين اقتحموا المنطقة الأثرية في بلدة الكرمل، وشرعوا في مطاردة المزارعين ورعاة الماشية وتوجيه الشتائم النابية لهم، مما أجبرهم على ترك أراضيهم تحت تهديد السلاح.

وشهدت منطقة البلقاء القريبة من بلدة العوجا شمال أريحا هجوماً دموياً، حيث اقتحم مستوطنون تجمعاً بدوياً واعتدوا على السكان داخل منازلهم. وأسفر الهجوم عن إصابة مواطن بجروح بليغة في منطقة الرأس استدعت نقله بشكل عاجل إلى المستشفى، وسط تحذيرات حقوقية من مساعي الاحتلال والمستوطنين لإفراغ التجمعات البدوية من سكانها عبر سياسة الترهيب المستمر.

ميدانياً أيضاً، اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي مدينة نابلس ومخيم العين التابع لها، حيث شنت حملة مداهمات واسعة طالت منازل المواطنين في محيط البلدة القديمة. وأسفرت العملية عن اعتقال ثلاثة مواطنين، بينهم أسيران سابقان، بعد تفتيش منازلهم والعبث بمحتوياتها وإلحاق أضرار مادية جسيمة بها، في إطار الاقتحامات اليومية التي تنفذها قوات الاحتلال في مدن الضفة.

على الصعيد الإنساني، أطلقت الأمم المتحدة تحذيرات شديدة اللهجة من تفاقم أزمة النزوح الداخلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وأكد فرحان حق، نائب المتحدث باسم الأمين العام أن نحو 40 ألف فلسطيني اضطروا للنزوح من منازلهم منذ بداية عام 2025، عازياً ذلك إلى العمليات العسكرية المكثفة واعتداءات المستوطنين التي تتم غالباً تحت حماية مباشرة من جيش الاحتلال.

وأوضح المسؤول الأممي أن سياسة هدم المنازل التي تتبعها السلطات الإسرائيلية ساهمت بشكل مباشر في موجات النزوح الأخيرة، لا سيما خلال الأسبوع الأول من شهر مايو الجاري. وأشار إلى أن عشرات العائلات، بما في ذلك الأطفال والنساء، وجدوا أنفسهم بلا مأوى، مؤكداً أن هذه الهجمات تستهدف الوجود الفلسطيني وممتلكاتهم بشكل مباشر ضمن نمط تصاعدي يهدف لتغيير الواقع الديموغرافي.

وتشير التقارير الدولية إلى أن تدهور الأوضاع الإنسانية في الضفة الغربية وصل لمستويات غير مسبوقة نتيجة الاقتحامات المتكررة وعمليات الهدم الممنهجة. وتأتي هذه التطورات في وقت تواصل فيه المجموعات الاستيطانية توسيع رقعة اعتداءاتها لتشمل تدمير المحاصيل الزراعية ومنع الرعاة من الوصول إلى المراعي، مما يهدد سبل عيش آلاف الأسر الفلسطينية التي تعتمد على الزراعة.

يُذكر أن الضفة الغربية والقدس المحتلة تعيشان حالة من الغليان منذ أكتوبر 2023، حيث تشير المعطيات الرسمية الفلسطينية إلى استشهاد 1155 مواطناً وإصابة نحو 11750 آخرين. كما بلغت حصيلة الاعتقالات قرابة 22 ألف حالة، في ظل تصعيد عسكري غير مسبوق يطال كافة مناحي الحياة في الأراضي المحتلة.

اسرائيليات

السّبت 09 مايو 2026 11:55 صباحًا - بتوقيت القدس

تحذيرات إسرائيلية من 'كارثة' وشيكة: إخفاق عسكري مزمن في مواجهة سلاح المسيرات

تتصاعد حدة الانتقادات داخل الأوساط الإسرائيلية تجاه الإخفاقات العسكرية المتراكمة في التعامل مع تهديد الطائرات المسيرة، خاصة مع تزايد فاعليتها في جبهة لبنان. وحذر الكاتب بوعاز هعتسني في صحيفة 'يديعوت أحرونوت' من أن الجيش لا يزال يعاني من فجوات تقنية وعملياتية خطيرة رغم مرور سنوات على بروز هذا التهديد في ساحات قتال دولية ومحلية.

واستذكر الكاتب مشاهد الصدمة في السابع من أكتوبر، حينما تمكنت مسيرات حماس من تحييد المنظومات الدفاعية والتقنية المتطورة على طول حدود قطاع غزة بسهولة فائقة. وأوضح أن تلك المسيرات استهدفت بدقة المدافع الرشاشة وكاميرات المراقبة وغرف المعدات الحساسة، مما مهد الطريق لعملية العبور دون عوائق تقنية تذكر، وهو ما عكس فشلاً استخباراتياً وعسكرياً ذريعاً.

وانتقد هعتسني تجاهل القيادة العسكرية لهذا الأسلوب الحربي حتى بعد اندلاع المواجهات، مشيراً إلى أن الدبابات والجنود ظلوا مكشوفين دون حماية كافية لفترات طويلة. وأكد أن شبكات الحماية التي وضعت فوق أسطح المدرعات كانت في البداية نتاج مبادرات فردية من متطوعين ووحدات ميدانية، ولم تكن جزءاً من خطة منظمة من هيئة الأركان العامة.

وفيما يخص الجبهة الشمالية، أفادت مصادر بأن حزب الله نجح في تطوير قدراته الجوية بسرعة كبيرة، مستخدماً مسيرات مزودة بتقنيات الألياف الضوئية التي تجعلها محصنة ضد أنظمة الحرب الإلكترونية. ورغم أن هذه التقنيات ظهرت بوضوح في الحرب الأوكرانية الروسية، إلا أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لم تبدأ في التحرك الجدي لمواجهتها إلا في وقت متأخر جداً.

وتشير التقارير إلى أن قوات الاحتلال في جنوب لبنان تكبدت خسائر ملموسة في الأرواح والمعدات نتيجة هجمات المسيرات الانتحارية، كما حدث في واقعة 'شومرا' التي تضررت فيها مركبة مدفعية. ويرى مراقبون أن هذه الحوادث كانت لتكون أكثر كارثية لو واجه الجيش قوات تمتلك مهارات تقنية تضاهي تلك الموجودة في الساحة الأوكرانية، مما يستدعي مراجعة شاملة للعقيدة الدفاعية.

ولفت الكاتب الانتباه إلى أن وزارة الأمن الإسرائيلية لم تبدأ في طلب حلول تقنية لمواجهة أنظمة الرؤية عن بعد إلا الشهر الماضي، وهو تأخير يعكس حالة من 'الغطرسة واللامبالاة'. كما انتقد عدم تجهيز القوات ببنادق 'الخرطوش' الفعالة ضد المسيرات المقتربة إلا مؤخراً، رغم ثبوت نجاعتها في نزاعات إقليمية ودولية سابقة.

ويعتقد هعتسني أن الفجوة بين ما يعلنه الجيش وبين الواقع الميداني لا تزال هائلة، حيث لا يوجد أثر حقيقي للجان دراسة الدروس المستفادة على أرض الواقع. وأكد أن مجلس الأمن القومي، الذي تأسس لتفادي مفاجآت مماثلة لحرب عام 1973، فشل تماماً في التنبؤ أو الاستعداد لهجمات المسيرات التي باتت تشكل التهديد الأبرز للقوات البرية.

وخلص التحليل إلى أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ترفض الانفصال عن تقاليد 'الاستخفاف بالعدو'، وهو ما يؤدي دائماً إلى دفع أثمان باهظة قبل البدء في التعلم. وشدد الكاتب على أن استمرار هذا النهج سيؤدي حتماً إلى كوارث مستقبلية أكبر، خاصة في ظل التطور المتسارع الذي تبديه فصائل المقاومة في استخدام التكنولوجيا الرخيصة والفعالة لضرب العمق العسكري الإسرائيلي.

فلسطين

السّبت 09 مايو 2026 11:54 صباحًا - بتوقيت القدس

تصعيد ميداني مستمر: الاحتلال يواصل خرق التهدئة في غزة وحصيلة الضحايا تتصاعد

تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي، لليوم الثاني عشر بعد المئتين، سلسلة انتهاكاتها الممنهجة لاتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، عبر شن غارات جوية وقصف مدفعي طال مناطق متفرقة. وشهدت الساعات الأخيرة تصعيداً ملحوظاً في استهداف الأحياء السكنية المكتظة بالمدنيين، مما أدى إلى تقويض جهود التهدئة وتعميق المأساة الإنسانية التي يعيشها سكان القطاع المحاصر.

وفي تفاصيل التطورات الميدانية، أفادت مصادر بأن دبابات الاحتلال نفذت هجوماً بنيران مكثفة استهدف المناطق الشرقية لمدينة خان يونس جنوبي القطاع، تزامناً مع قصف مدفعي عنيف طال أحياء سكنية متفرقة. ولم يقتصر العدوان على البر، بل شاركت الزوارق الحربية في استهداف المناطق الغربية للمدينة، فيما طال القصف المدفعي فجر اليوم تخوم مخيم البريج وشرق مدينة غزة.

وفي مخيم الشاطئ غربي مدينة غزة، شنت طائرات الاحتلال غارة جوية استهدفت منزلاً يعود لعائلة 'الأضم' في محيط مناطق نزوح مكتظة، مما أسفر عن إصابة تسعة مواطنين بجروح متفاوتة. وأكدت طواقم الدفاع المدني أن الانفجار تسبب في تدمير المنزل المستهدف بشكل كامل، وألحق أضراراً جسيمة بعشرات المباني المحيطة، مما أدى لاندلاع حرائق واسعة وتهجير قسري لعشرات العائلات.

وعلى صعيد الإحصائيات الرسمية، كشفت بيانات وزارة الصحة عن أرقام صادمة تعكس حجم الانتهاكات منذ العاشر من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، حيث ارتقى 846 شهيداً وأصيب 2418 آخرون خلال فترة التهدئة المفترضة. وتظهر هذه الأرقام إصرار الاحتلال على مواصلة العمليات العسكرية رغم التفاهمات المعلنة، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته تجاه حماية المدنيين.

وبالنظر إلى الحصيلة الإجمالية للعدوان المستمر منذ السابع من تشرين الأول 2023، فقد ارتفع عدد الشهداء إلى نحو 72,628 شهيداً، فيما بلغت الإصابات 172,520 حالة. ولا تزال فرق الإنقاذ تواجه صعوبات بالغة في انتشال آلاف المفقودين الذين يرزحون تحت الأنقاض، في ظل نقص الإمكانيات واستمرار القصف الذي يعيق وصول الطواقم الطبية.

ويواجه قطاع غزة في الوقت الراهن كارثة إنسانية وجيوسياسية غير مسبوقة، حيث يواصل الاحتلال سياسة التجويع والتهجير القسري والاعتقالات العشوائية بحق السكان. وتأتي هذه الممارسات في ظل تجاهل تام لكافة النداءات الدولية وأوامر محكمة العدل الدولية، مما أدى إلى خروج معظم مناطق القطاع عن مقومات الحياة الآدمية الأساسية.

إن استمرار هذه الخروقات الميدانية يضع اتفاق وقف إطلاق النار على المحك، وسط تحذيرات من انفجار الأوضاع بشكل أكبر في حال استمر الصمت الدولي. وتؤكد المصادر الميدانية أن القصف العشوائي لا يزال يستهدف البنية التحتية المتبقية، مما يزيد من تعقيد وصول المساعدات الإنسانية الشحيحة إلى العائلات المنكوبة في شمال وجنوب القطاع.

فلسطين

السّبت 09 مايو 2026 11:54 صباحًا - بتوقيت القدس

غضب في غزة إثر وصول شحنات سجائر وسط أزمة جوع حادة ونقص في المساعدات الأساسية

تشهد أوساط المواطنين في قطاع غزة حالة من الغضب العارم والاستياء الشديد، إثر تداول معلومات وشهادات ميدانية تفيد بدخول كميات من السجائر ضمن شحنات وصلت عبر مسارات مخصصة للمساعدات الإنسانية. يأتي هذا الجدل في وقت يرزح فيه القطاع تحت وطأة أزمة معيشية هي الأسوأ تاريخياً، حيث يفتقر السكان لأدنى مقومات الحياة من طعام وشراب وعلاج.

وأثارت الصور والمقاطع المصورة التي تداولها ناشطون محليون صدمة واسعة، إذ أظهرت وجود كميات تجارية من السجائر قيل إنها دخلت عبر شاحنات تابعة لمنظمات دولية. واعتبر السكان أن توقيت إدخال هذه السلع الثانوية يعكس خللاً بنيوياً في إدارة العمليات الإغاثية، وتجاهلاً متعمداً للاحتياجات الطارئة لآلاف العائلات التي تبحث عن رغيف الخبز.

وفي أحاديث لمصادر محلية، أكد مواطنون أن الأولوية القصوى يجب أن تكون لإدخال الطحين، وحليب الأطفال، والمستلزمات الطبية المنقذة للحياة التي نفدت من المستشفيات. وأشاروا إلى أن استبدال المواد الأساسية بسلع يمكن الاستغناء عنها يفاقم من حالة الاحتقان الشعبي تجاه الجهات المشرفة على إدارة وتوزيع المساعدات الدولية في ظل الانهيار الصحي الشامل.

من جانبه، سارع برنامج الغذاء العالمي إلى إصدار بيان رسمي ينفي فيه جملة وتفصيلاً المزاعم المتعلقة بتهريب السجائر عبر شاحناته. وأكدت المنظمة الدولية أنها تلتزم بأعلى معايير الشفافية والرقابة، مشددة على أن كافة الشحنات تخضع لتفتيش دقيق بالتعاون مع الجهات المعنية لضمان وصول المساعدات لمستحقيها بأمان.

واعتبرت المنظمة أن هذه الاتهامات تندرج ضمن حملات التشويه التي تستهدف عرقلة جهودها الإنسانية في القطاع، مؤكدة أن مثل هذه الشائعات لا تخدم مصالح المتضررين. ورغم هذا النفي، لا تزال المطالبات الشعبية والناشطون يصرون على ضرورة وجود رقابة مستقلة وتوضيحات أكثر دقة حول طبيعة ما يدخل عبر المعابر.

وفي سياق التحليل الاقتصادي، رأى خبراء أن دخول هذه الكميات الكبيرة لا يمكن وصفه بالتهريب العشوائي، بل هو عملية منسقة تهدف إلى إنعاش السوق السوداء. وأوضح المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر أن وصول شحنات بهذا الحجم يتطلب تنسيقاً مسبقاً بين أطراف متعددة، بما في ذلك الجانب الإسرائيلي وجهات محلية متنفذة.

وأشار أبو قمر إلى أن السوق السوداء باتت تهيمن بشكل شبه كامل على مفاصل الاقتصاد المنهك في غزة، حيث يستغل تجار الأزمات النقص الحاد في السلع لتحقيق أرباح فاحشة. وأضاف أن السيطرة على حركة السيولة والبضائع أصبحت تتركز في يد فئة محدودة تستفيد من غياب الرقابة الحكومية الفاعلة والظروف الاستثنائية التي يمر بها القطاع.

وتشير الأرقام الصادمة إلى أن سعر علبة السجائر الواحدة وصل في أسواق غزة إلى نحو 1000 شيكل، وهو مبلغ خيالي مقارنة بسعرها الأصلي الذي لا يتجاوز 15 شيكلاً. هذا الارتفاع الجنوني يعكس حجم التشوه الاقتصادي، حيث يضطر البعض لشرائها بأسعار باهظة، مما يؤدي إلى استنزاف ما تبقى من سيولة نقدية لدى السكان.

وحذر مراقبون من أن تجارة السجائر في هذه الظروف تؤدي إلى امتصاص الأموال من أيدي الفقراء لصالح طبقة من المتنفذين الذين باتوا يمتلكون نفوذاً يفوق الجهات الرقابية. وتتجاوز هذه الأزمة البعد المالي لتصل إلى أبعاد اجتماعية خطيرة تتعلق بانعدام العدالة وتعميق الفوارق الطبقية في وقت يواجه فيه الجميع خطر الموت جوعاً.

وليست هذه الحادثة الأولى من نوعها، إذ سبق وأن رصدت تقارير دخول مواد محظورة أو ثانوية مثل ألواح الطاقة الشمسية ومواد البناء بأسعار فلكية، بينما تمنع سلطات الاحتلال دخول المواد الأساسية. هذا التكرار يؤكد وجود خلل عميق في منظومة إدخال البضائع، ويستوجب مراجعة شاملة لآليات التنسيق والرقابة الدولية والمحلية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن غالبية سكان قطاع غزة يعتمدون الآن بشكل كلي على المساعدات الخارجية للبقاء على قيد الحياة بعد تدمير البنية التحتية وتوقف مصادر الدخل. وفي ظل هذا الاعتماد الكلي، يصبح أي تلاعب في نوعية أو كمية المساعدات الواصلة بمثابة تهديد مباشر للأمن الغذائي والسلم المجتمعي داخل القطاع المحاصر.

ختاماً، يطالب الشارع الفلسطيني في غزة بضرورة وضع حد لتغول تجار الحروب وتفعيل آليات رقابية صارمة تضمن وصول المواد التموينية والطبية دون عوائق. ويشدد الناشطون على أن كرامة الإنسان الفلسطيني تقتضي توفير احتياجاته الأساسية أولاً، بعيداً عن صفقات السوق السوداء التي تقتات على جراح المنكوبين وآلامهم.

فلسطين

السّبت 09 مايو 2026 11:54 صباحًا - بتوقيت القدس

بين المقابر والسجون.. مأساة 'الحزن المعلّق' تلاحق آلاف المفقودين في غزة

يواجه قطاع غزة المنكوب أزمة إنسانية متفاقمة تتمثل في ملف المفقودين الذين تحولت مصائرهم إلى لغز يطارد آلاف العائلات وسط ركام المنازل وحصار الاحتلال المشدد. وتشير تقديرات المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسرياً إلى أن أعداد المفقودين تتراوح ما بين 7 إلى 8 آلاف فلسطيني منذ اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية على القطاع.

وأكدت ندى نبيل، مديرة المركز الفلسطيني للمفقودين أن آلاف الأسر تعيش حالة من التيه لعدم معرفة مصير ذويها، وسط اعتقادات قوية بأن نحو 1500 شخص من هؤلاء المفقودين يقبعون حالياً في سجون الاحتلال تحت بند الإخفاء القسري. وأوضحت أن حجب المعلومات عن المعتقلين ليس مجرد خلل إداري، بل هو تكتيك عسكري متعمد يهدف لإطالة أمد المعاناة.

وتصف مصادر حقوقية سياسة التعتيم الإسرائيلية بأنها نوع من 'التعذيب النفسي' والعقاب الجماعي الممنهج ضد المدنيين في غزة. فبالرغم من قدرة السلطات الإسرائيلية على إصدار قوائم بأسماء المحتجزين، إلا أنها تصر على منع الصليب الأحمر والمنظمات الدولية من الوصول إليهم أو معرفة أماكن احتجازهم.

هذا الوضع أفرز ظاهرة نفسية قاسية تُعرف بـ 'الحزن المعلّق' أو 'الفقد الغامض'، وهي حالة تشل حياة الأسر التي لا تستطيع تجاوز الفقد لعدم وجود دليل قطعي على الموت أو الحياة. فبينما يجد من يدفن موتاه طريقاً للسكينة، يبقى أهالي المفقودين حبيسي حلقة مفرغة تتأرجح بين الأمل واليأس.

ولا تتوقف المعاناة عند الجانب النفسي، بل تمتد لتشمل تعقيدات قانونية واجتماعية شائكة تؤثر على بنية المجتمع الغزي. فالزوجات يجدن أنفسهن في وضع معلق، فلا هنّ متزوجات ولا هنّ أرامل، مما يعطل قضايا الميراث والحقوق المدنية، فضلاً عن الأعباء الاقتصادية الناتجة عن فقدان المعيل في ظروف النزوح.

وفي ظل هذا المشهد، تبرز قصة الشاب عيد نائل أبو شعر كشاهد حي على مأساة الإخفاء القسري التي قد تنتهي بمعجزة. فعلى مدار 18 شهراً، عاشت عائلة عيد على يقين مؤلم باستشهاده، بعد أن فقدت أثره في ديسمبر 2024 بالقرب من محور 'نتساريم' الذي بات يُعرف بمحور الموت.

والد عيد، نائل أبو شعر، روى رحلة بحثه المضنية التي شملت النوم عند أبواب المشارح والمستشفيات في وسط القطاع. كان الأب يفتح ثلاجات الموتى بيده بحثاً عن أي أثر لابنه البكر، متنقلاً بين مستشفيات الأقصى والعودة والنصيرات دون أن يجد خيطاً يوصله إلى الحقيقة.

وبعد فقدان الأمل وتجاهل المنظمات الدولية لمناشداتهم، اضطرت العائلة لاستصدار شهادة وفاة رسمية من وزارة الصحة الفلسطينية. بل إن العائلة ذهبت إلى أبعد من ذلك حين أقامت خيمة عزاء لاستقبال المعزين بعد عشرة أشهر من الاختفاء، معتبرين أن ابنهم قد انضم إلى قافلة الشهداء.

لكن القدر كان يخبئ مفاجأة قلبت موازين الحزن، حين تلقت العائلة مكالمة هاتفية من محامٍ تؤكد أن عيد لا يزال على قيد الحياة. المكالمة كشفت أن الشاب محتجز في سجن 'عوفر' الإسرائيلي، وهو أحد المعتقلات سيئة السمعة التي يواجه فيها الفلسطينيون صنوفاً من التنكيل والتعذيب.

والدة عيد، مها أبو شعر، كانت الوحيدة التي رفضت أداء صلاة الغائب على ابنها، مؤكدة أن قلبها كان يخبرها دائماً بأنه حي. ومع وصول الخبر اليقين، تحول منزل العائلة البسيط إلى ساحة للاحتفال وتوزيع الحلويات، في مشهد جسد انتصار الأمل على سياسات الإخفاء القسرية.

ورغم الفرحة العارمة التي اجتاحت حي العائلة، إلا أن القلق لا يزال يساور الأم بشأن الحالة الصحية والجسدية لابنها داخل الزنازين. فالمعرفة بوجوده حياً فتحت باباً جديداً من الخوف على ما يتعرض له من تعذيب، مؤكدة أن فرحتها لن تكتمل إلا بضمه بين ذراعيها بعيداً عن قضبان الاحتلال.

وتسلط هذه الواقعة الضوء على الفشل الذريع للمنظمات الدولية في إلزام إسرائيل بالقانون الدولي الإنساني. فالعجز العالمي عن حماية الضحايا أو تأمين زيارات الصليب الأحمر جعل من غزة ساحة مفتوحة لانتهاكات حقوق الإنسان دون رقيب أو حسيب، مما يترك آلاف العائلات في مهب الريح.

وتخشى العديد من العائلات في غزة حتى من التبليغ الرسمي عن مفقوديها، خوفاً من أن يصبحوا أهدافاً لغارات انتقامية أو أن يتعرض المعتقل لمزيد من التنكيل. هذا الخوف المزدوج يعزز من سياسة الصمت التي يسعى الاحتلال لفرضها لتغييب الحقيقة وتعميق جراح المجتمع الفلسطيني.

إن قصة عيد أبو شعر ليست إلا غيضاً من فيض في بحر من المآسي التي تعصف بقطاع غزة، حيث يظل آلاف المفقودين عالقين بين ركام المنازل أو خلف جدران السجون المظلمة. وتبقى صرخات العائلات تطالب العالم بكسر حاجز الصمت والكشف عن مصير أبنائهم الذين غيبتهم الحرب.

اقتصاد

السّبت 09 مايو 2026 11:23 صباحًا - بتوقيت القدس

البنك الدولي يقر قرضاً بمليار دولار لدعم الاقتصاد المصري بضمانة بريطانية

أعلن البنك الدولي رسمياً عن موافقته على تقديم قرض جديد لجمهورية مصر العربية بقيمة مليار دولار أمريكي، في خطوة تهدف إلى مساندة الأجندة الوطنية للإصلاح الاقتصادي. ويأتي هذا التمويل في توقيت حيوي تسعى فيه الحكومة المصرية لتوسيع دور القطاع الخاص في النشاط التنموي ومواجهة التحديات المالية الناجمة عن الضغوط الإقليمية المستمرة.

لعبت المملكة المتحدة دوراً محورياً في رفع سقف هذا التمويل، حيث قدمت ضمانة مالية بقيمة 200 مليون دولار، مما مكن البنك الدولي من زيادة قيمة القرض من 750 مليون دولار إلى مليار دولار. وتعكس هذه الخطوة البريطانية ثقة الشركاء الدوليين في مسار الإصلاحات التي تنتهجها القاهرة لضمان استقرار مؤشراتها الكلية.

تعتبر هذه العملية التمويلية هي الثانية ضمن سلسلة مكونة من ثلاث عمليات تمويل ميسر يقدمها البنك الدولي لمصر، وتتميز بشروط تمويلية وتسهيلات أفضل من أسعار السوق السائدة. ويتزامن هذا الدعم مع برامج مساندة أخرى تقدمها مؤسسات دولية كبرى مثل صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي لتعزيز مرونة الاقتصاد المصري.

أوضحت مصادر مطلعة أن البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية يعتزم المشاركة بتمويل موازٍ ومكمل لهذا البرنامج، مما يعزز من حجم التدفقات النقدية الأجنبية. وتندرج هذه التحركات ضمن خطة مصرية أوسع لتسريع الحصول على حزمة تمويلات إجمالية تصل قيمتها إلى نحو 4.5 مليارات دولار من شركاء التنمية المختلفين.

أشار تقرير البنك الدولي إلى أن الاقتصاد المصري بدأ يظهر علامات استقرار ملموسة بعد فترة من التقلبات والصدمات الخارجية المتتابعة التي أثرت على سلاسل الإمداد. وأثنى البنك على الإجراءات الحكومية التي شملت توحيد سعر الصرف وتطبيق سياسات مالية صارمة ساهمت في تحسين إدارة الديون والسياسات الضريبية.

ساهمت هذه الإصلاحات الجوهرية في إعادة بناء احتياطيات النقد الأجنبي لدى البنك المركزي المصري، وأدت إلى تهدئة وتيرة التضخم التي أرهقت الأسواق المحلية. كما رصد الخبراء تحسناً ملحوظاً في ثقة المستثمرين الدوليين، مما يمهد الطريق لتعافٍ تدريجي ومستدام لمعدلات النمو الاقتصادي في البلاد.

رغم المؤشرات الإيجابية، نبه البنك الدولي إلى أن استمرار النزاعات والتوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط يفرض ضغوطاً إضافية وحالة من عدم اليقين. وشدد التقرير على ضرورة المضي قدماً في تنفيذ الإصلاحات الهيكلية لضمان قدرة الاقتصاد على امتصاص أي صدمات مستقبلية محتملة في ظل الظروف الراهنة.

يحمل البرنامج التمويلي الجديد عنوان 'تعزيز الصمود والفرص والرفاه من أجل مصر مزدهرة – المرحلة الثانية'، ويركز بشكل أساسي على خلق فرص عمل مستدامة. كما يهدف البرنامج إلى تحسين حوكمة الشركات التابعة للدولة وتقليل العوائق البيروقراطية التي تعترض طريق استثمارات القطاع الخاص المحلي والأجنبي.

يتضمن القرض بنوداً مخصصة لتعزيز كفاءة سوق الدين المحلي وخفض تكلفة الاقتراض الحكومي، مما يسهم في احتواء العجز المالي وتقليل الأعباء على الموازنة العامة. وتسعى هذه الإجراءات إلى زيادة الإيرادات المحلية من خلال تحسين الإدارة الضريبية وتوسيع القاعدة الضريبية بشكل عادل وفعال.

على الصعيد الاجتماعي، يولي البرنامج أهمية خاصة للفئات الأكثر احتياجاً، حيث يدعم دمج المستفيدين من برنامج 'تكافل وكرامة' في منظومة التأمين الصحي الشامل. وتأتي هذه الخطوة لضمان وصول الخدمات الأساسية للمواطنين في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة والتوجهات الحكومية لإعادة هيكلة منظومة الدعم.

في سياق التحول نحو الاقتصاد الأخضر، يشمل التمويل دعماً لتطوير آليات مراقبة انبعاثات الكربون وتحفيز الاستثمار في قطاعات الطاقة النظيفة والمتجددة. ويهدف هذا المحور إلى تعزيز الاستدامة المالية لقطاعي الكهرباء والمياه، بما يتماشى مع الالتزامات الدولية لمصر بشأن التغير المناخي وحماية البيئة.

اسرائيليات

السّبت 09 مايو 2026 11:23 صباحًا - بتوقيت القدس

أزمة دبلوماسية بين إسرائيل وبلجيكا بسبب ملاحقة 'خاتنين' يهود

شهدت العلاقات الدبلوماسية بين دولة الاحتلال وبلجيكا توتراً حاداً عقب إقدام السلطات البلجيكية على تقديم لوائح اتهام ضد ثلاثة من ممارسي مهنة الختان التقليديين من الطائفة اليهودية. ووجه وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، انتقادات لاذعة لبروكسل، معتبراً أن هذه الخطوة تمثل مساساً بجوهر العقيدة اليهودية وتعد وصمة عار في تاريخ المجتمع البلجيكي المعاصر.

وتستند السلطات القضائية في مدينة أنتويرب في ملاحقتها للخاتنين الثلاثة إلى تهم تتعلق بإجراء عمليات جراحية غير قانونية خارج الإطار الطبي المرخص، مما قد يعرض حياة الأطفال للخطر. وفي المقابل، ترى الفعاليات اليهودية أن هذه الإجراءات تهدف إلى التضييق على ممارسة الشعائر الدينية التي كفلتها القوانين الدولية، مؤكدين أن الختان ليس مجرد إجراء طبي بل هو فريضة دينية مقدسة.

من جانبه، أصدر اتحاد المنظمات اليهودية في أوروبا بياناً شديد اللهجة دعا فيه أبناء الجالية اليهودية في بلجيكا إلى التأهب لمغادرة البلاد والبحث عن بدائل للاستقرار. ووصف رئيس الاتحاد، الحاخام مناحيم مارغولين، القرار البلجيكي بأنه تجاوز لخط أحمر، مشبهاً هذه الضغوط بما واجهه اليهود في أوروبا قبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية.

واتهم مارغولين السلطات البلجيكية باستغلال نصوص دستورية بشكل سيئ لحظر الختان فعلياً، مشيراً إلى أن الرسالة الموجهة لليهود حالياً هي أنهم لم يعودوا مرغوباً بهم. وأعلن الاتحاد عن نية عقد مؤتمر طارئ لبحث مستقبل الجالية في ظل ما وصفه بتحول اليهود إلى مواطنين من الدرجة الثانية نتيجة هذه التضييقات القانونية.

وفي سياق متصل، دخل الحاخام الأكبر لدولة الاحتلال، كالمان بير، على خط الأزمة عبر رسالة احتجاج رسمية بعث بها إلى الحكومة البلجيكية. ووصف بير الملاحقات القضائية بأنها 'حرب على اليهودية'، معرباً عن صدمة المؤسسة الدينية الإسرائيلية من انضمام بلجيكا إلى قائمة الدول التي تحارب الممارسات الدينية اليهودية العريقة.

ورفض الحاخام الأكبر الادعاءات التي تحصر إجراء عمليات الختان بالأطباء فقط، مؤكداً أن 'الموهيل' أو الخاتن التقليدي يمتلك معرفة شرعية لا تتوفر لدى الكوادر الطبية العامة. وأوضح في رسالته أن هذه المهنة سبقت وجود التوثيق السكاني في أوروبا بقرون، وهي جزء لا يتجزأ من الهوية الثقافية والدينية للجاليات اليهودية عبر التاريخ.

وتعد الجالية اليهودية في مدينة أنتويرب البلجيكية واحدة من أهم وأكبر التجمعات 'الحريدية' في القارة الأوروبية، مما يجعل لهذا القرار تداعيات اجتماعية واسعة. وحذرت مصادر من داخل الجالية من أن منع الخاتنين التقليديين من أداء مهامهم سيجعل استمرار الحياة الدينية في البلاد أمراً شبه مستحيل، مما قد يدفع الآلاف للهجرة.

ولم تكن هذه الأزمة هي الأولى من نوعها، إذ سبق للسفير الأمريكي في بروكسل، بيل وايت أن اتهم الحكومة البلجيكية بمعاداة السامية في شباط الماضي على خلفية القضية ذاتها. وقد ردت الخارجية البلجيكية حينها باستدعاء السفير للاحتجاج، معتبرة تصريحاته تدخلاً غير مقبول في شؤونها الداخلية وسيادة قوانينها الوطنية.

وختم الحاخام كالمان بير تحذيراته بالتأكيد على أن الوعود السياسية بحماية الحياة اليهودية في أوروبا تظل بلا قيمة ما لم تترجم إلى أفعال تحمي الشعائر الدينية. وتترقب الأوساط الدبلوماسية ما ستسفر عنه الأيام المقبلة، في ظل إصرار القضاء البلجيكي على استكمال المسار القانوني ضد المتهمين الثلاثة.

عربي ودولي

السّبت 09 مايو 2026 11:23 صباحًا - بتوقيت القدس

صراع الذاكرة بين بروكسل وموسكو: كيف تحول 9 مايو إلى ساحة مواجهة رمزية؟

لا يمثل التاسع من مايو مجرد تاريخ عابر في القارة العجوز، بل هو مرآة تعكس انقساماً عميقاً في قراءة إرث الحرب العالمية الثانية. فبينما تضج بروكسل بالاحتفالات السياسية التي ترمز لولادة مشروع التعاون المشترك، تتحول موسكو إلى ثكنة عسكرية تستعرض فيها قوتها الوطنية وتستعيد أمجاد الاتحاد السوفيتي.

في بروكسل، يُحتفى بـ 'يوم أوروبا' استناداً إلى إعلان وزير الخارجية الفرنسي الأسبق روبرت شومان عام 1950. هذا الإعلان التاريخي اقترح دمج إنتاج الفحم والصلب بين فرنسا وألمانيا، وهي الخطوة التي وضعت حجر الأساس لما يعرف اليوم بالاتحاد الأوروبي.

لم يكن اختيار قطاعي الفحم والصلب مجرد قرار اقتصادي تقني، بل كان استراتيجية لمنع نشوب حروب جديدة عبر السيطرة على عماد الصناعات العسكرية. لقد قام المشروع الأوروبي في جوهره على فكرة أن تقاسم الموارد وإدارتها جماعياً هو الضمان الوحيد لعدم تكرار المآسي الدموية التي شهدتها القارة.

على المقلب الآخر، تتبنى موسكو سردية مختلفة تماماً تحت مسمى 'يوم النصر' في 'الحرب الوطنية العظمى'. هذه المناسبة ترتبط في الوعي الروسي بالتضحيات البشرية الهائلة التي قدمها السوفيت في مواجهة النازية، وهي تضحيات لا تزال تشكل ركيزة الهوية القومية الروسية.

في عهد الرئيس فلاديمير بوتين، تحول هذا اليوم من مجرد ذكرى تاريخية إلى طقس سياسي يعزز صورة الدولة القوية. وتتجلى هذه الرمزية في العروض العسكرية الضخمة بالساحة الحمراء، حيث يتم ربط صمود الماضي بطموحات الدولة الروسية المعاصرة وتحدياتها الراهنة.

لكن احتفالات هذا العام لم تكن كسابقتها، إذ خيمت عليها ظلال الحرب المستمرة في أوكرانيا والمخاوف الأمنية المتزايدة. فقد اضطرت السلطات الروسية لتنظيم عرض عسكري محدود نسبياً، وسط إجراءات مشددة تحسباً لأي هجمات محتملة بالطائرات المسيرة التي باتت تهدد العمق الروسي.

أفادت مصادر رسمية بأن الدفاعات الجوية الروسية أسقطت عشرات المسيرات التي كانت تستهدف العاصمة قبيل انطلاق الاحتفالات. هذا التداخل المباشر بين ذكرى حرب قديمة ووقائع حرب حالية جعل من التاسع من مايو ساحة اشتباك حقيقية بين الماضي والحاضر.

يظهر الصراع بين الروايتين بوضوح في كيفية توظيف التاريخ لتبرير السياسات الحالية، حيث تستخدم موسكو خطاب 'الانتصار على النازية' لدعم عملياتها في أوكرانيا. وفي المقابل، ترى العواصم الأوروبية وكييف أن هذا التوظيف هو محاولة لتبرير عدوان عسكري جديد تحت غطاء الذاكرة السوفيتية.

تحاول الأمم المتحدة من جهتها تقديم مقاربة متوازنة عبر تخصيص يومي الثامن والتاسع من مايو للذكرى والمصالحة. ويهدف هذا الطرح إلى تكريم جميع الضحايا مع احترام حق كل دولة في الاحتفاظ بتقويمها الوطني الخاص للنصر والتحرير، بعيداً عن الاستقطاب السياسي.

ومع ذلك، تظل الذاكرة السياسية بعيدة كل البعد عن الحياد، إذ تبرز في بروكسل من خلال مؤسسات التكامل وأعلام الاتحاد التي ترفع شعارات السلام. أما في موسكو، فإن الذاكرة تتجسد في القوة الصلبة والخطابات التي تركز على السيادة والقدرة العسكرية كدرع وحيد للبقاء.

لقد خرج المساران من رحم كارثة واحدة هي الحرب العالمية الثانية، لكنهما سلكا طريقين متناقضين تماماً في استخلاص الدروس. فأوروبا الغربية آمنت بأن تشابك المصالح يقلص احتمالات الصدام، بينما رأت روسيا أن القوة العسكرية هي الضمانة الوحيدة لحماية وجودها وهويتها.

ومع استمرار النزاع في أوكرانيا، يبدو أن الهوة بين الروايتين تتسع بشكل يصعب ردمه في المستقبل القريب. فالتاسع من مايو لم يعد يوماً لتوحيد القارة حول ذكرى هزيمة الفاشية، بل أصبح يوماً يكرس الانقسام حول مستقبل النظام الدولي ومعنى السلام.

في نهاية المطاف، تكمن أهمية هذا التاريخ في كيفية استخدامه لرسم ملامح المستقبل وليس فقط لاستعادة أحداث عام 1945. وربما يحتاج العالم اليوم إلى 'ذاكرة ثالثة' تعترف بالكارثة الإنسانية للحرب دون تحويلها إلى أداة لاستعراض القوة أو شعارات مؤسسية باردة لا تمنع تكرار المأساة.

عربي ودولي

السّبت 09 مايو 2026 11:23 صباحًا - بتوقيت القدس

كواليس أزمة مضيق هرمز: واشنطن تبلغ دول الخليج بامتناعها عن الرد على الهجمات الإيرانية

كشفت تقارير إعلامية نقلاً عن مصادر مطلعة أن المملكة العربية السعودية لا تزال تعيش حالة من القلق تجاه التحركات العسكرية الأمريكية في منطقة مضيق هرمز. وتخشى الرياض أن تؤدي هذه التحركات إلى وضعها في مرمى النيران الإيرانية، خاصة في ظل التوترات المتصاعدة التي تشهدها الممرات المائية الحيوية في المنطقة.

وأفادت مصادر بأن الإدارة الأمريكية أبلغت العواصم الخليجية صراحةً بأنها لن تتخذ إجراءات انتقامية رداً على أي هجمات إيرانية قد تستهدف البنية التحتية للدول الحليفة. هذا الموقف أثار تساؤلات جدية حول طبيعة الالتزامات الأمنية المتبادلة ومدى قدرة المنطقة على مواجهة التهديدات دون غطاء عسكري مباشر.

وفي سياق متصل، أثار الإعلان المفاجئ عن نية واشنطن البدء بتوجيه السفن عبر مضيق هرمز استياءً واسعاً لدى المسؤولين السعوديين. ويرى الجانب السعودي أن هذه الخطوة قد تعمل كمحفز لطهران لشن مزيد من الهجمات، مما يهدد بإشعال فتيل صراع إقليمي كانت الأطراف تسعى لتجنبه عبر القنوات الدبلوماسية.

من جانبه، أكد السفير رياض قرملي، نائب وزير الخارجية السعودي للدبلوماسية العامة أن سياسة المملكة ترتكز على دعم جهود خفض التصعيد وتجنب التوترات بكافة أشكالها. وأشار قرملي إلى أن الرياض تضع المفاوضات والحلول السلمية كأولوية قصوى في التعامل مع الأزمات الإقليمية الراهنة لضمان استقرار المنطقة.

وعندما استفسر المسؤولون الخليجيون من نظرائهم في إدارة ترامب والجيش الأمريكي عن طبيعة الرد المتوقع على أي عدوان إيراني، جاء الرد الأمريكي مخيباً للتوقعات. حيث ركزت واشنطن على أن أولويتها الحالية هي إنجاز اتفاق سلام شامل، مشيرة إلى أنها لن تنجر إلى مواجهات عسكرية بسبب ضربات تستهدف المنشآت النفطية أو الحيوية.

ووصف مسؤول في الشرق الأوسط مشروع 'الحرية' الذي كانت تعتزم واشنطن تنفيذه بأنه كان 'محفوفاً بالمخاطر' وقد يؤدي إلى نتائج كارثية على أمن الخليج. وأوضح أن التسرع في اتخاذ قرارات ميدانية ونشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي زاد من تعقيد الموقف ووضع التحركات العسكرية تحت أضواء غير مرغوب فيها.

وفي ختام التقارير، أشار مسؤولون أمريكيون إلى أن العملية العسكرية المقترحة لن تُستأنف في المستقبل القريب نظراً لاستمرار التحفظات الخليجية. ويبقى التركيز الدبلوماسي هو المسار الوحيد المتاح حالياً، في ظل رغبة الأطراف في احتواء الأزمات بعيداً عن سيناريوهات المواجهة المباشرة التي قد تخرج عن السيطرة.

فلسطين

السّبت 09 مايو 2026 10:08 صباحًا - بتوقيت القدس

نوبل للآداب جون كوتزي ينسحب من مهرجان القدس: ما يحدث في غزة إبادة جماعية

سجل الروائي العالمي جون ماكسويل كوتزي، الحائز على جائزة نوبل في الأدب، موقفاً أخلاقياً لافتاً بإعلانه الانسحاب من مهرجان القدس للكتاب المقرر عقده نهاية الشهر الجاري. وبرر الكاتب الجنوب أفريقي الأصل قراره برفضه المشاركة في أي فعالية ثقافية في ظل ما وصفه بـ 'حملة الإبادة' التي تشنها إسرائيل في قطاع غزة، مؤكداً أن الوضع الجيوسياسي الراهن يمنعه من الحضور كمتحدث رئيسي.

وفي رسالة وجهها للمنظمين ونشرتها مصادر صحفية، أوضح كوتزي أن العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة منذ أشهر تبدو غير متناسبة على الإطلاق وتتجاوز أي مبررات أمنية. وأشار الكاتب البالغ من العمر 86 عاماً إلى أن هذه الحملة تحظى بتأييد واسع داخل المجتمع الإسرائيلي، مما يجعل النخب الفكرية والفنية شريكة في تحمل المسؤولية الأخلاقية عن هذه الجرائم.

كوتزي، الذي يُعد من أبرز كتاب اللغة الإنجليزية المعاصرين، اعترف في رسالته بتحول جذري في قناعاته الشخصية تجاه إسرائيل. فبعد أن كان في عقود سابقة من المؤيدين لها، وزار القدس عام 1987 لتسلم جائزة أدبية مرموقة، أكد اليوم أن أفعال الجيش الإسرائيلي في غزة دفعت الكثير من أنصاره التاريخيين إلى إدارة ظهورهم له اشمئزازاً.

ويرى صاحب رواية 'العار' أن إسرائيل ستحتاج إلى سنوات طويلة لاستعادة سمعتها الدولية التي تضررت بشكل غير مسبوق نتيجة السياسات الراهنة. وعبّر عن خيبة أمله من تلاشي الآمال التي كان يعقدها على تغيير الشعب الإسرائيلي لموقفه تجاه الفلسطينيين وتوفير قدر من العدالة لمن استُلبت أراضيهم، مشدداً على أن الواقع الحالي يفرض عزلة ثقافية ضرورية.

وُلد جون ماكسويل كوتزي في كيب تاون عام 1940، ونشأ في ظل نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وهو ما انعكس بعمق في أسلوبه النثري الموجز واللاذع. وقد عُرف كوتزي ببراعته في تصوير الصراعات الأخلاقية والسياسية، مما جعله أول كاتب في التاريخ يحصل على جائزة 'بوكر' المرموقة مرتين، قبل أن يتوج مسيرته بجائزة نوبل عام 2003.

لم تكن مواقف كوتزي السياسية وليدة اللحظة، بل تمتد جذورها إلى فترة شبابه حين شارك في احتجاجات ضد حرب فيتنام أثناء وجوده في الولايات المتحدة. تلك المشاركة أدت إلى اعتقاله عام 1970 وحرمانه من الإقامة الدائمة هناك، مما دفعه للعودة إلى جنوب أفريقيا والعمل الأكاديمي في جامعة كيب تاون قبل انتقاله لاحقاً إلى أستراليا.

وعلى الرغم من تحفظه التاريخي في إطلاق الأحكام السياسية المباشرة، إلا أن زيارته لفلسطين عام 2016 ضمن مهرجان الأدب شكلت نقطة تحول في خطابه العلني. فقد صرح حينها من الضفة الغربية بأن ما شاهده يمثل نظاماً للفصل العنصري القسري القائم على العرق والدين، يهدف لترسيخ الغزو الاستعماري والسيطرة على الموارد الطبيعية.

تتميز روايات كوتزي، مثل 'حياة وأزمنة مايكل ك' و'في انتظار البرابرة'، بدقة لغوية عالية وعمق فكري يتجاوز السرد التقليدي. وغالباً ما تتناول أعماله موضوعات الاغتراب والظلم الاجتماعي، حيث وصفتها الأكاديمية السويدية بأنها تصور 'الانخراط المفاجئ للغريب' في بيئات معقدة أخلاقياً وسياسياً.

انسحاب كوتزي الأخير يأتي في سياق موجة متصاعدة من المقاطعة الثقافية التي يقودها فنانون وأدباء عالميون ضد المؤسسات الإسرائيلية. ويرى مراقبون أن انضمام قامة أدبية بحجم كوتزي لهذه الحملة يمنح زخماً كبيراً للحراك الدولي الساعي لمحاسبة إسرائيل على انتهاكاتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

الموقف الجديد للكاتب يعكس أيضاً تطوراً في رؤيته لدور المثقف في أوقات الأزمات الكبرى، حيث لم يعد يكتفي بالتلميح السياسي داخل نصوصه الروائية. ففي رسالته الأخيرة، كان مباشراً في تحميل المجتمع الإسرائيلي بأسره مسؤولية الصمت أو التأييد لما يرتكبه الجيش من فظائع في قطاع غزة المحاصر.

يُذكر أن كوتزي قد ابتعد في سنواته الأخيرة عن الرواية الواقعية، متجهاً نحو أشكال تجريبية تمزج بين المقال والمذكرات والجدل الفكري. وقد عكست أعماله الأخيرة، مثل ثلاثية 'يسوع'، انشغالاً عميقاً بقضايا اللغة والهيمنة الثقافية، وهو ما ينسجم مع موقفه الرافض للاستعمار بكل أشكاله.

تلقى الوسط الثقافي الإسرائيلي خبر انسحاب كوتزي بصدمة، نظراً لمكانته العالمية وتاريخه الذي لم يكن يتسم بالعداء الصريح لإسرائيل في السابق. ويؤكد هذا الانسحاب أن دائرة المقاطعة لم تعد تقتصر على الناشطين السياسيين، بل امتدت لتشمل ضمائر الأدب العالمي الذين يرون في غزة اختباراً أخلاقياً للإنسانية.

من الناحية الأكاديمية، شغل كوتزي مناصب رفيعة في جامعات عالمية، وهو حالياً زميل باحث في جامعة أديلايد الأسترالية. وقد ساهمت خلفيته في الرياضيات واللغة الإنجليزية في صياغة أسلوب أدبي فريد يتسم بالتقشف اللفظي والوضوح الفلسفي، مما جعل تأثيره يتجاوز حدود اللغة الإنجليزية إلى العالمية.

بهذا الموقف، يضع كوتزي نفسه في طليعة المثقفين الذين يرفضون فصل الفن عن الواقع السياسي المرير، مؤكداً أن 'الجمال الأدبي' لا يمكن أن يزدهر فوق أنقاض الإبادة الجماعية. وتظل رسالته الأخيرة وثيقة تاريخية تدين الصمت الدولي وتدعو لمراجعة شاملة للعلاقة مع منظومة الاحتلال.

عربي ودولي

السّبت 09 مايو 2026 10:08 صباحًا - بتوقيت القدس

تصعيد إسرائيلي واسع جنوب لبنان: 85 غارة وأوامر إخلاء لـ 9 بلدات

شهدت مناطق جنوب لبنان تصعيداً عسكرياً خطيراً خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، حيث أصدر الجيش الإسرائيلي إنذارات عاجلة لسكان تسع قرى وبلدات بضرورة الإخلاء الفوري. وشملت هذه التحذيرات بلدات طير دبّا، والعباسية، وبرج رحال، ومعروب، وباريش، وأرزون، وجناتا في قضاء صور، بالإضافة إلى الزرارية وعين بعال، مع مطالبة السكان بالابتعاد لمسافة لا تقل عن كيلومتر واحد عن أي منشآت تابعة لحزب الله.

وفي سياق العمليات الجوية، أعلنت مصادر عسكرية إسرائيلية تنفيذ أكثر من 85 غارة جوية استهدفت ما وصفتها بأهداف استراتيجية في مناطق الجنوب والبقاع. وزعم البيان أن الهجمات طالت مستودعات للذخيرة ومنصات لإطلاق الصواريخ، بالإضافة إلى تدمير منشأة تحت الأرض في منطقة البقاع كانت تُستخدم لتصنيع وتطوير الوسائل القتالية التابعة للحزب.

ميدانياً، أفادت مصادر محلية بوقوع إصابات في صفوف المدنيين جراء غارات استهدفت النبطية الفوقا ودوار كفرتبنيت، في حين تعرضت بلدات مجدل زون والمنصوري وبيوت السياد لقصف مدفعي عنيف ومتواصل. وتزامن هذا القصف مع محاولات توغل بري أدت إلى اندلاع اشتباكات مسلحة عنيفة بين قوات الاحتلال وعناصر المقاومة في محيط بلدة البياضة.

وفي مدينة بنت جبيل، رصدت التقارير الواردة من المنطقة قيام قوات الاحتلال بعمليات نسف واسعة للمنازل السكنية في حي الجبانة، مما أدى إلى تدمير مربعات سكنية بالكامل. كما طال القصف المدفعي المتقطع بلدات أرنون وكفرتبنيت وصولاً إلى مدينة النبطية، فيما استهدفت القذائف بلدات برعشيت وصفد البطيخ وتولين والغندورية وفرون.

من جانبه، أعلن حزب الله عن تنفيذ سلسلة من العمليات العسكرية رداً على التصعيد الإسرائيلي، مؤكداً استهداف تجمع لآليات وجنود الاحتلال في بلدة البياضة بصلية صاروخية مركزة. وأشارت مصادر إعلامية إلى أن الرشقات الصاروخية المنطلقة من لبنان استهدفت أيضاً مواقع حدودية، حيث تم رصد اعتراض صواريخ فوق مستوطنة المطلة في الجليل الأعلى.

يأتي هذا التصعيد في ظل تاريخ طويل من الصراع في المنطقة، والذي يعيد للأذهان الاجتياحات الإسرائيلية السابقة للبنان، لا سيما غزو عام 1982 الذي وصل إلى العاصمة بيروت. وتندرج هذه التطورات ضمن سياق جيوسياسي معقد شهدته المنطقة منذ نكبة عام 1948، وما تبعها من حروب كبرى غيرت ملامح الشرق الأوسط وأدت إلى احتلال أراضٍ عربية واسعة.

وتشير القراءات الميدانية إلى أن الاحتلال يسعى من خلال تكثيف الغارات وأوامر الإخلاء إلى خلق منطقة عازلة وتفكيك البنية التحتية للمقاومة، وهو نهج تكرر في حروب سابقة. وفي ظل استمرار القصف المدفعي والجوي، تزداد المخاوف من تفاقم الأزمة الإنسانية في القرى الحدودية التي باتت تعاني من دمار هائل في الممتلكات والبنى التحتية الأساسية.

عربي ودولي

السّبت 09 مايو 2026 9:38 صباحًا - بتوقيت القدس

موجة استياء في سوريا عقب رفع أسعار المحروقات: تحذيرات من تداعيات معيشية كارثية

شهد الشارع السوري حالة من الغضب والاستياء الواسع عقب إعلان الحكومة عن زيادة جديدة في أسعار المشتقات النفطية، شملت البنزين والمازوت والغاز المنزلي. وتأتي هذه الخطوة في وقت حساس يعاني فيه المواطنون من ضغوط اقتصادية متزايدة، مما أثار مخاوف جدية من انعكاس هذه الزيادات على أسعار السلع الأساسية والخدمات.

وأعلنت الشركة السورية للنفط أن تعديل الأسعار دخل حيز التنفيذ اعتباراً من يوم الخميس، مشيرة إلى أن هذا الإجراء يهدف إلى ضمان استدامة توفير المواد النفطية في الأسواق المحلية. وأوضحت مصادر رسمية أن القرار يسعى لتحقيق توازن بين تكاليف الاستيراد المرتفعة وبين استمرار تقديم الخدمات المرتبطة بقطاع الطاقة.

وبموجب التسعيرة الجديدة، سجل سعر لتر بنزين أوكتان 95 ارتفاعاً ليصل إلى 1.15 دولار بعد أن كان 1.05 دولار، فيما طالت الزيادة مادة المازوت التي ارتفع سعر اللتر منها إلى 0.88 دولار. كما لم تكن أسطوانة الغاز المنزلي بمنأى عن هذه التعديلات، حيث قفز سعرها إلى 12.50 دولاراً مقارنة بسعرها السابق البالغ 10.50 دولارات.

وعزت الجهات الحكومية هذا الارتفاع إلى التقلبات المستمرة في أسعار النفط العالمية وزيادة تكاليف الشحن والتوريد الناتجة عن التوترات الإقليمية. وأكدت المصادر أن هذه الضغوط الخارجية فرضت واقعاً جديداً يتطلب مواءمة الأسعار المحلية مع التكاليف الفعلية لتجنب انقطاع المادة من الأسواق.

من جانبه، أوضح الأكاديمي والخبير الاقتصادي فراس شعبو أن الإنتاج المحلي للنفط في سوريا لا يغطي كامل الاحتياجات، مما يضطر الدولة لاستيراد كميات ضخمة بالعملة الصعبة. وأشار شعبو في تصريحات لمصادر إعلامية إلى أن الارتفاع العالمي في أسعار الطاقة، خاصة مع التوترات المحيطة بإيران، جعل من الصعب الاستمرار في دعم الأسعار السابقة.

وأضاف شعبو أن الحكومة السورية حاولت لفترة الحفاظ على استقرار الأسعار، إلا أن اتساع العجز المالي ونقص الإيرادات دفعاها لاتخاذ هذا القرار الصعب. واعتبر أن الخطوة تهدف في جوهرها إلى تأمين تدفق المشتقات النفطية وضمان عدم توقف الخدمات الأساسية التي تعتمد على الوقود بشكل مباشر.

وفي قراءة مغايرة، يرى الخبير الاقتصادي رضوان الدبس أن هذه الزيادات هي نتيجة طبيعية لانتهاج سياسة 'السوق الحر' التي تتبعها الإدارة الحالية. وأكد الدبس أن تحرير أسعار المواد المستوردة يتم دون مراعاة حقيقية لمستويات الدخل والرواتب التي لا تزال ضعيفة جداً ولا تتناسب مع تكاليف المعيشة المتصاعدة.

ووصف الدبس الأعباء الناتجة عن هذا القرار بـ 'الكارثية'، محذراً من أن أثر الزيادة لن يتوقف عند محطات الوقود بل سينتقل بسرعة إلى قطاعات النقل والزراعة والصناعة. وتوقع أن تشهد الأسواق موجة غلاء تشمل الخبز والمواد الغذائية والخدمات العامة، مما يزيد من معاناة الأسر السورية التي تعيش تحت خط الفقر.

وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن الفجوة الكبيرة بين الدخل والأسعار تتطلب حلولاً جذرية تتجاوز مجرد رفع الأسعار لتغطية العجز، داعياً إلى ضرورة رفع مستوى الأجور بشكل عاجل. ولفت إلى أن التضخم في السوق السورية وصل لمستويات قياسية، مما يجعل أي زيادة إضافية في التكاليف عبئاً لا يمكن للغالبية العظمى من السكان تحمله.

وفي سياق متصل، لفت فراس شعبو إلى أن الدولة السورية تجد نفسها اليوم أمام 'مثلث معقد' يجمع بين ضبط العجز المالي، والحفاظ على الدعم، وحماية القدرة الشرائية. ويرى شعبو أن الحكومة اختارت في نهاية المطاف التضحية بالقدرة الشرائية لضمان استمرارية التوريدات النفطية وتجنب الشلل التام في قطاع الطاقة.

ورغم اعترافه بصعوبة القرار على المواطنين، اعتبر شعبو أن الإجراء يمثل ضرورة اقتصادية من منظور مالي بحت في ظل الظروف الراهنة التي تحكم البلاد. ودعا الشارع السوري إلى محاولة تفهم الدوافع التي أدت لهذا القرار، رغم إقراره بأن النتائج ستكون قاسية على مستوى أسعار السلع والخدمات في المدى المنظور.

وتشير التقارير الميدانية إلى أن الأسواق بدأت بالفعل في استيعاب الصدمة السعرية الجديدة، حيث لوحظ ارتفاع طفيف في أجور النقل بين المحافظات وفي داخل المدن الكبرى. ويخشى مراقبون من أن يؤدي هذا الارتفاع إلى تراجع إضافي في النشاط الاقتصادي المنهك أصلاً بسبب سنوات الحرب والعقوبات الدولية.

ويرفض الشارع السوري المبررات الحكومية المتعلقة بالأسعار العالمية، مستندين إلى حقيقة أن سوريا تمتلك ثروات نفطية في مناطقها الشرقية كان من المفترض أن تساهم في استقرار الأسعار. إلا أن الواقع الميداني وتوزع السيطرة على حقول النفط يحول دون استفادة الحكومة المركزية من كامل هذه الموارد، مما يبقيها رهينة للاستيراد.

ختاماً، يبقى التحدي الأكبر أمام الحكومة السورية هو كيفية امتصاص الغضب الشعبي وتوفير بدائل تخفف من وطأة الغلاء المعيشي. ومع استمرار الضغوط الدولية والإقليمية، يبدو أن خيارات المناورة الاقتصادية تضيق يوماً بعد يوم، مما يضع البلاد أمام سيناريوهات مفتوحة فيما يخص الاستقرار الاجتماعي والمعيشي.

فلسطين

السّبت 09 مايو 2026 9:02 صباحًا - بتوقيت القدس

وكالة بيت مال القدس ومنظمة التعاون الإسلامي تبحثان سبل دعم القدس

‏بحث المدير المكلف بتسيير وكالة بيت مال القدس الشريف، محمد سالم الشرقاوي، والأمين العام المساعد لشؤون فلسطين والقدس في منظمة التعاون الإسلامي السفير دواس تيسير دواس، في الرباط اليوم الجمعة، سبل دعم صمود الشعب الفلسطيني، خاصة في مدينة القدس.

‏وتناول اللقاء تنسيق الجهود لتعزيز الحضور العربي الإسلامي في مدينة القدس وفلسطين، لمواجهة كافة التحديات والظروف الصعبة التي تمر بها بفعل سياسات واجراءات الاحتلال الاسرائيلي العنصرية وغير الشرعية.

واستعرض الشرقاوي حصيلة المشاريع والبرامج التي نفذتها الوكالة خلال الفترة الماضية في مجالات التعليم والصحة والمساعدة الاجتماعية والتنمية البشرية، وأكد التزامها بتنفيذ التعليمات الملكية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، باستمرار المؤسسة في أداء واجباتها لفائدة المدينة وأهلها ومؤسساتها في كل الظروف والأحوال.

أقلام وأراء

السّبت 09 مايو 2026 9:01 صباحًا - بتوقيت القدس

كيف نحمي الفضاء الثقافي المقدسي من سياسات الهيمنة والاحتواء الثقافي؟

تبدأ حماية الفضاء الثقافي المقدسي من الوعي بأن المسألة لا تتعلق فقط بحماية مؤسسة قائمة، بل بحماية قدرة المدينة على إنتاج معناها كل يوم، فحين يصبح إغلاق المؤسسات ممكنًا، يتحول انتشار الفعل الثقافي إلى ضرورة، وحين يُعاد تعريف المكان، يغدو تثبيت قصته واجبًا يوميًا، فكيف يمكن لمدينة يُعاد تشكيلها باستمرار أن تحمي فضاءها الثقافي، وأن تُبقيه حيًا ومتجذرًا في حياة أهلها رغم سياسات الهيمنة والاحتواء؟

-   تفكيك طبيعة التهديد

تتمثل طبيعة التهديد الثقافي في القدس باعتباره عملية إعادة تشكيل للفضاء الثقافي أكثر من كونه عملية منع وإغلاق مباشر، فالهيمنة لا تعمل دائمًا عبر المنع الصريح، بل من خلال إعادة ترتيب شروط الحضور عبر تحديد ماذا يظهر؟ من يتكلم؟ وبأي لغة؟ وتحت أي عنوان؟ هنا لا تختفي الثقافة بالضرورة، بل يُعاد تقديمها بصورة أقل قدرة على التعبير عن ذاتها، كأنها نشاط قائم لكنه منزوع المرجعية.

ويُعرّف الاستيعاب الثقافي بوصفه آلية تُبقي الفعل الثقافي حاضرًا في الشكل، لكنها تفصله عن سياقه الاجتماعي والوطني، أما الاحتواء، فيظهر حين يُسمح للفعل الثقافي بالبقاء، ولكن ضمن حدود غير مرئية تُضعف أثره وتعيد ضبط لغته، لذلك، لا يكفي أن نسأل: هل هناك نشاط ثقافي؟ بل علينا أن نسأل: هل ما زال هذا النشاط قادرًا على حمل ذاكرة المدينة وتمثيل أهلها وحماية سرديتهم؟

ولا يكمن الخطر في إغلاق فضاء ثقافي، بل في تبديل دلالاته، فعندما يُعاد تعريف الحي، أو تُمحى أسماء الأزقة من التداول، أو يتحول الفعل الثقافي إلى خدمة محايدة بلا ذاكرة، يصبح الفضاء أقل قدرة على إنتاج معناه الخاص، وتتحول المواجهة إلى مواجهة على الدلالة اليومية والذاكرة التي تحفظ علاقة الناس بمدينتهم.

-   إعادة تعريف الحماية

لحماية الفضاء الثقافي، لا بد من التعامل معه بوصفه فعلًا يوميًا متراكمًا، لا ينتظر مناسبة كبرى ولا يعتمد على موقع واحد، فالحماية لا تعني مجرد البقاء، بل إبقاء المعنى متداولًا بين الناس، وحين يصبح الفعل الثقافي جزءًا من إيقاع الحياة اليومية في البيت، والمدرسة، والشارع، والمقهى، والمنصة الرقمية، يصبح أصعب على الإلغاء، لأنه لم يعد مرتبطًا بمركز واحد يمكن تعطيله.

قد تبدو بعض الأفعال الثقافية صغيرة ومحدودة، لكنها حين تتكرر وتتقاطع مع تفاصيل الحياة اليومية، تصنع أثرًا يشبه ضربات الأمواج على الصخر، لا تغيّره دفعة واحدة، لكنها مع الوقت تترك أثرها العميق فيه، هنا لا تكون القوة في ضخامة الفعل، بل في استمراره وقدرته على التحول إلى عادة اجتماعية راسخة.

ومن هنا، لا تبقى الثقافة شأنًا نخبويًا أو مؤسساتيًا فقط، بل تتحول إلى ممارسة جماعية يشارك فيها الجميع، فالمعلم الذي يطلب من طلبته رسم خريطة القدس العربية، والأم التي تروي لأبنائها كيف كانت المدينة قبل الجدار، وصاحب المكتبة الذي يخصص رفًا لكتب القدس، والشاب الذي يوثق عبر هاتفه تفاصيل شارع قبل أن تتغير ملامحه، جميعهم يشاركون في حماية الفضاء الثقافي.

حتى التفاصيل التي تبدو عادية تحمل هذا البعد الثقافي، فتعليق صورة قديمة للمدينة داخل منزل، أو الحفاظ على اسم محل عائلي قديم، أو تداول حكاية مرتبطة بزقاق، كلها أفعال تُعيد تثبيت حضور المدينة في الوعي اليومي، وهنا لا تعود حماية الثقافة مرتبطة بالمؤسسة فقط، بل تتحول إلى مسؤولية جماعية يصبح فيها المجتمع الحامل الحقيقي للفضاء الثقافي وحارسه اليومي.

-   مسارات عملية تُعيد توزيع الفعل الثقافي

يتطلب حماية الفضاء الثقافي نقل الفعل الثقافي من مركز واحد إلى شبكة واسعة موزعة داخل المجتمع، بحيث لا يبقى مرتبطًا بمؤسسة أو مساحة يمكن تعطيلها، بل يتحول إلى ممارسة حية تتوزع بين البيوت، والأحياء، والمدارس، والمقاهي، والمنصات الرقمية.

تبدأ هذه المسارات من البيت، حين تتحول الجلسات العائلية إلى مساحة لرواية الحكايات واستعادة الذاكرة، وتمتد إلى الحي عبر مبادرات صغيرة تعيد ربط الناس بأحيائهم وتفاصيلها، وتتوسع هذه الممارسات داخل المقاهي والفضاءات اليومية التي يمكن أن تستضيف نقاشًا أو عرضًا بصريًا دون الحاجة إلى تكلفة مرتفعة.

كما تتجسد داخل المدارس حين يصبح الطلبة جزءًا من عملية توثيق المدينة، عبر كتابة قصص العائلات وتصوير تفاصيل المكان، بما يحول المدرسة من مساحة تعليم فقط إلى مساحة إنتاج للمعنى، ويمتد هذا الفعل إلى الفضاء الرقمي، حيث لا تصبح الصورة مجرد مادة للنشر، بل وسيلة لحماية الاسم والحكاية معًا، وفي موازاة ذلك، تبرز أهمية بناء أرشيف أهلي متراكم يحفظ الشهادات والخرائط والقصص اليومية التي قد تبدو عابرة، لكنها تشكل في مجموعها ذاكرة المدينة الحية.



-   نحو ثقافة تحمي نفسها بذاتها

لا تُبنى الحماية في القدس عبر الحصانة وحدها، بل عبر كثافة الحضور وتكرار الفعل، فكلما توزعت المبادرات وتقاطعت مع تفاصيل الحياة اليومية، أصبح الفضاء الثقافي أكثر صلابة، لأنه لم يعد قائمًا على جهة واحدة يمكن تعطيلها، بل على شبكة اجتماعية واسعة تُعيد إنتاجه باستمرار.

ومن هنا، لا تبدو الثقافة نشاطًا موسميًا، بل طريقة للصمود داخل المدينة، فمن يعرف اسم شارعه، ويحفظ حكاية بيته، ويرى صور عائلته في أرشيف حيّه، يصبح أقل قابلية للانفصال عن المكان، وهكذا تتحول الثقافة إلى شكل من أشكال الحضور اليومي الفعال، الذي لا يرفع الشعارات بقدر ما يُعيد تثبيت علاقة الناس بمدينتهم.

لا تُفقد القدس حين تُغلق مؤسساتها، بل حين تتوقف عن إنتاج معناها، وحين يصبح أهلها متفرجين على رواية تُكتب عنهم من خارجهم، لذلك، فإن حماية الفضاء الثقافي ليست فعل دفاع مؤقت، بل مشروع يومي يتراكم بالفعل الصغير، ويقوى بالتكرار، حتى يصبح جزءًا من عادة الناس ووعيهم اليومي.

فلسطين

السّبت 09 مايو 2026 8:59 صباحًا - بتوقيت القدس

عودة الاستيطان إلى صانور..تسارع مخطط الضم لفرض وقائع جديدة على الأرض

د. عبد الناصر مكي: إحياء المستوطنات المخلاة يأتي ضمن مشروع يستند لتوسيع السيطرة على الأرض وتكريس رؤية أيديولوجية بهدف تهجير الفلسطينيين

جمال جمعة: المخطط الجاري يقوم على إنشاء "قطع استيطاني" يفصل جنين وعزلها عن محافظات شمال الضفة الغربية ضمن مخطط الضم

محمد أبو علان دراغمة: إقامة المستوطنات الجديدة يؤدي للاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي ما ينعكس سلباً على الموارد الزراعية والاقتصادية

د. حسن بريجية: إعادة المستوطنين إلى صانور تأتي ضمن ما وصفه المستوطنون بـ"الفترة الذهبية" لتوسيع النفوذ الاستيطاني وفرض وقائع جديدة على الأرض

صلاح الخواجا: ما يجري في صانور لا يمكن فصله عن سياسة تعتبر الاستيطان أداة لتعزيز الأمن للمستوطنين وفرض وقائع ميدانية جديدة على الأرض

ياسر مناع: إعادة مستوطنة "صانور" تشكل حلقة جديدة في مشروع الضم الزاحف وضمن مسار عزل وفصل الفلسطينيين في الضفة الغربية

رام الله - خاص بـ "القدس"-

تتزايد المخاوف من أن إعادة المستوطنين إلى مستوطنة "صانور" المقامة على أراضي جنوب جنين لا تمثل خطوة معزولة، بل تأتي في إطار تحول أوسع في السياسة الإسرائيلية نحو تكريس السيطرة والضم على الضفة الغربية، عبر إحياء المستوطنات المخلاة، وتوسيع البؤر القائمة، وفرض وقائع جديدة على الأرض تهدد بتفكيك الجغرافيا الفلسطينية، والقضاء على ما تبقى من فرص الحل السياسي.

ويرى مختصون ومسؤولون، في أحاديث منفصلة مع "القدس"، أن هذه الخطوة تعكس انتقال الحكومة الإسرائيلية من إدارة الصراع إلى إعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية بما يخدم مشروع الضم التدريجي طويل الأمد.

ويشيرون إلى أن التطورات الأخيرة في شمال الضفة الغربية تكشف عن مخطط يتجاوز حدود "صانور" نفسها، إذ يجري العمل على ربط الكتل الاستيطانية ببعضها البعض، وعزل مدن وقرى فلسطينية عن محيطها خاصة في شمال الضفة الغربية، من خلال شبكة من الطرق الالتفافية الاستيطانية والحواجز والبؤر الرعوية والمواقع العسكرية، مؤكدين أن هذا المسار يهدف إلى حصر الفلسطينيين داخل تجمعات سكانية ضيقة، وفصلهم عن أراضيهم الزراعية ومواردهم الطبيعية، بما يفرض واقعاً ديموغرافياً جديداً يصعب تغييره مستقبلاً.

وفي موازاة ذلك، تتزايد المخاوف من أن يؤدي التوسع الاستيطاني الجديد إلى تصعيد الاعتداءات الميدانية بحق الفلسطينيين، في ظل منح المستوطنين دعماً سياسياً وأمنياً غير مسبوق.

ويرون أن ما يجري في "صانور" يشكل نموذجاً لمرحلة جديدة من الاستيطان تقوم على الجمع بين التوسع العمراني والضغط الاقتصادي والأمني، بما يهدد بتقويض التواصل الجغرافي الفلسطيني، وإضعاف قدرة الفلسطينيين على البقاء، وفتح الباب أمام مرحلة أكثر تعقيداً في الضفة الغربية خلال الأشهر المقبلة.




ساحة مفتوحة لفرض الوقائع


يؤكد الباحث المختص في شؤون الاستيطان د.عبد الناصر مكي أن عودة المستوطنين إلى مستوطنة "صانور" المقامة على أراضي قرية صانور جنوب جنين شمال الضفة الغربية، إلى جانب التوسع الاستيطاني المتسارع في مناطق مختلفة من الأراضي الفلسطينية، تعكس تحولاً أعمق في توجهات الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة، التي باتت تتعامل مع الضفة الغربية باعتبارها ساحة مفتوحة لفرض الوقائع السياسية والجغرافية على الأرض، بما يؤدي إلى تقويض أي إمكانية مستقبلية لإحياء عملية السلام.

ويوضح مكي أن إعادة إحياء المستوطنات التي أُخليت عام 2005، وفي مقدمتها صانور، لا يمكن قراءتها باعتبارها خطوة ميدانية معزولة، بل تأتي ضمن مشروع سياسي متكامل يستند إلى توسيع السيطرة الإسرائيلية على الأرض الفلسطينية، وتكريس رؤية أيديولوجية تقوم على تهجير الفلسطينيين وتعتبر أن لا مكان لهم في هذه الأرض.

ويشير مكي أن هذا المسار لا يقتصر على توسيع المستوطنات القائمة، وإنما يمتد إلى إعادة السيطرة على مناطق سبق الانسحاب منها، في مؤشر واضح على تراجع الالتزام الإسرائيلي بجميع التفاهمات والاتفاقيات السابقة.


انعكاسات سياسية خطيرة


ويلفت مكي إلى أن أخطر ما في هذه التطورات يتمثل في انعكاساتها السياسية، إذ إن عودة الاستيطان وتكثيفه تعني عملياً إغلاق الباب أمام أي تسوية سياسية مستقبلية، في ظل تبني الحكومة الإسرائيلية برامج جديدة تقوم على إلغاء الأسس التي قامت عليها الاتفاقيات الموقعة منذ أكثر من ثلاثة عقود.

ويعتبر مكي أن المشهد الحالي يؤكد أن الحديث عن السلام لم يعد ضمن أولويات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل إن الاتجاه السائد أصبح نحو فرض وقائع أحادية الجانب، وعزل الفلسطينيين داخل مناطق مقطعة الأوصال عبر الحواجز العسكرية والنقاط الأمنية الجديدة.

ويبيّن مكي أن مناطق الأغوار الشمالية، ومسافر يطا، وجنوب الخليل، ومناطق التماس، مرشحة لأن تكون في صلب المرحلة المقبلة من التوسع الاستيطاني، خاصة في ظل منح المستوطنين تسهيلات غير مسبوقة لشراء الأراضي بشكل مباشر، من دون المرور بأي قنوات رقابية كانت معمولاً بها سابقاً.


مخاوف من تصاعد اعتداءات المستوطنين


ويعتبر مكي أن هذه السياسات تمثل ضوءاً أخضر رسمياً للمستوطنين لتوسيع نفوذهم، وإقامة مزيد من البؤر الاستيطانية، والعودة إلى المواقع التي سبق إخلاؤها.

ويؤكد مكي أن الحكومة الإسرائيلية أطلقت يد المستوطنين في الضفة الغربية، الأمر الذي انعكس في تصاعد الاعتداءات ضد الفلسطينيين في قرى عدة، من خلال عمليات قتل، وإحراق منازل ومركبات، وتخريب الممتلكات، والاعتداء على الأراضي الزراعية، حيث أن هذه الممارسات تأتي في سياق محاولة الحكومة استرضاء التيار الاستيطاني لأهداف سياسية وانتخابية داخلية.


تصاعد الاستيطان بشكل غير مسبوق


ويوضح مكي أن الاستيطان الإسرائيلي شهد توسعاً متدرجاً منذ عام 1968، لكنه بلغ مرحلة غير مسبوقة بعد السابع من أكتوبر 2023، حيث تسارعت إقامة البؤر الاستيطانية والرعوية بشكل لافت.

ويشير مكي إلى أن عدد المستوطنات في الضفة الغربية بلغ نحو 198 مستوطنة، إضافة إلى 452 بؤرة استيطانية، بينها 192 بؤرة أُنشئت خلال الفترة الأخيرة، في مؤشر على أن الضفة الغربية ستكون المحور الأساسي للمخططات الإسرائيلية المقبلة، بما يهدد الوجود الفلسطيني ويضع مستقبل القضية الفلسطينية أمام مرحلة أكثر تعقيداً وخطورة.


مشروع استيطاني واسع


يحذر منسق الحملة الشعبية لمقاومة الجدار والاستيطان والخبير في شؤون الاستيطان جمال جمعة من أن إعادة الاستيطان إلى منطقة صانور جنوب جنين لا تمثل مجرد عودة إلى مستوطنة أخليت عام 2005، بل تشكل حلقة مركزية في مشروع استيطاني واسع يستهدف إعادة رسم الخريطة الجغرافية والسياسية في شمال الضفة الغربية، عبر ربط الكتل الاستيطانية ببعضها البعض، وعزل المدن والقرى الفلسطينية، وتهيئة الأرض لفرض واقع ضم تدريجي طويل الأمد.

ويوضح جمعة أن محافظة جنين كانت تُعد الأقل تضرراً من الاستيطان مقارنة ببقية محافظات الضفة الغربية، ولا سيما بعد إخلاء خمس مستوطنات من المنطقة ضمن خطة الانسحاب الإسرائيلي عام 2005، الأمر الذي جعلها شبه خالية من الوجود الاستيطاني، إلا أن وصول الحكومة الإسرائيلية الحالية، التي وضعت ملف الحسم والسيطرة على الأرض في مقدمة أولوياتها، أدى إلى تسارع غير مسبوق في مشاريع التوسع الاستيطاني، بما في ذلك التراجع عن قرار الانسحاب السابق والسماح بالعودة إلى المستوطنات التي تم إخلاؤها.

ويشير جمعة إلى أن إعادة الاستيطان في صانور لا تنفصل عن سلسلة قرارات إسرائيلية أخرى خطيرة، من بينها إجراءات تسجيل الأراضي للمستوطنين وفرض السيطرة على المواقع الأثرية الفلسطينية، بما يشمل المناطق المصنفة (أ) و(ب) و(ج)، في خطوة تهدف إلى نقل هذه المواقع إلى دائرة السيطرة الإسرائيلية المباشرة.

ويلفت جمعة إلى أن هذا التوجه ينعكس بوضوح في المنطقة الممتدة بين صانور وسبسطية، حيث يحاول المستوطنون منذ فترة فرض سيطرة فعلية على الموقع الأثري في سبسطية ومنع الفلسطينيين من الوصول إليه، بما يحول المنطقة إلى حزام استيطاني واسع يتجاوز حدود المستوطنة نفسها.


فصل جنين عن محافظات الضفة


ويبيّن جمعة أن المخطط الجاري في شمال الضفة يقوم على إنشاء "قطع استيطاني" جديد يفصل جنين وعزلها عن محافظات شمال الضفة الغربية ضمن مخطط الضم، بحيث يكون ذلك القطع على غرار الممرات الاستيطانية التي تربط مستوطنات وسط الضفة بغور الأردن.

وبحسب جمعة، فإن خط القطع الجديد سيمتد من منطقة أم الريحان باتجاه صانور، ثم يتصل بمستوطنات حومش وغانيم وكاديم، قبل أن يمتد نحو الأغوار، بما يؤدي إلى فصل شمال الضفة عن وسطها، وتقطيع أوصال المحافظات الفلسطينية، وتحويل القرى إلى جيوب معزولة.

ويؤكد جمعة أن الأخطر في هذا المشروع لا يقتصر على البناء الاستيطاني وحده، بل يشمل انتشار البؤر الاستيطانية والرعوية حول القرى الفلسطينية، بحيث تُستخدم كأداة لتطويق التجمعات السكانية ومنع توسعها الطبيعي وعزلها عن أراضيها الزراعية.

ويشير إلى أن هذا النمط من الاستيطان يهدف إلى حصر الفلسطينيين داخل المناطق العمرانية فقط، ودفعهم تدريجياً إلى فقدان صلتهم بالأرض، تمهيداً لتطبيق خطة الضم التي تقوم على حشر الفلسطينيين في أضيق مساحة ممكنة داخل الضفة الغربية.

ويؤكد جمعة أن ما يجري على الأرض يسير عبر مسارين متوازيين، الأول هندسة جغرافية من خلال بناء المستوطنات وشق الطرق الاستيطانية وإقامة الحواجز والبنية التحتية العسكرية، والثاني خلق بيئة طاردة للفلسطينيين عبر تصاعد إرهاب المستوطنين.


هجمات بهدف التهجير


ويوضح جمعة أن الهجمات التي ينفذها المستوطنون ضد الفلسطينيين باتت جزءاً من سياسة تهجير منظمة تستهدف التجمعات البدوية والريفية من جنوب الضفة إلى شمالها، بما يهدد قطاعات اقتصادية حيوية، وفي مقدمتها الثروة الحيوانية والزراعة.

ويشير جمعة إلى أن السيطرة على الأراضي الزراعية والينابيع وإغلاق الطرق الزراعية ومنع المزارعين من الوصول إلى حقولهم، خاصة أشجار الزيتون، ينذر بانهيار تدريجي للقطاع الزراعي الفلسطيني، إلى جانب تعميق الأزمة الاقتصادية الناتجة عن الحواجز وتقييد الحركة. ويشدد جمعة على أن ما يجري في الضفة الغربية لم يعد مجرد توسع استيطاني تقليدي، بل أصبح حرباً مفتوحة على الوجود الفلسطيني، تُدار بوتيرة متسارعة في ظل غياب حماية دولية حقيقية، وفي إطار سباق سياسي إسرائيلي لفرض واقع جديد على الأرض، محذراً من أن الأشهر المقبلة ستشهد تصعيداً واسعاً باعتداءات المستوطنين والإجراءات الاستيطانية في الضفة الغربية، بما يخلق بيئة لتهجير المواطنين.


برنامج إسرائيلي رسمي لتوسيع الاستيطان


يؤكد الكاتب والمختص في الشأن الإسرائيلي محمد أبو علان دراغمة أن عودة النشاط الاستيطاني إلى مستوطنة "صانور" شمال الضفة الغربية تمثل تطوراً سياسياً وميدانياً بالغ الخطورة، يندرج ضمن مسار متسارع لتوسيع الاستيطان منذ تشكيل حكومة بنيامين نتنياهو الحالية، التي تضم وزراء من التيار اليميني المتطرف، وفي مقدمتهم إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، اللذان جعلا من توسيع المستوطنات وشرعنة البؤر الاستيطانية جزءاً أساسياً من برنامج هذه الحكومة.

ويوضح دراغمة أن إعادة المستوطنين إلى صانور تشكل انقلاباً واضحاً على خطة فك الارتباط التي نفذتها إسرائيل عام 2005، عندما تم إخلاء عدد من المستوطنات في شمال الضفة الغربية.


رسالة سياسية مباشرة


وبحسب دراغمة، فإن هذه العودة تحمل في جوهرها رسالة سياسية مباشرة مفادها بأن الحكومة الإسرائيلية لم تعد ترى في الاتفاقات السابقة السياسية السابقة أي التزام يجب احترامه، بل باتت تتعامل مع الضفة الغربية باعتبارها ساحة مفتوحة لإعادة رسم الخريطة السياسية والديموغرافية.

ويشير دراغمة إلى الهدف المعلن من قبل مسؤولين ووزراء إسرائيليين، الذين أكدوا خلال اقتحامهم لموقع مستوطنة "صانور" أن توسيع الاستيطان يهدف بصورة مباشرة إلى القضاء على إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة.

ويؤكد دراغمة أن التوسع الاستيطاني الجاري في مختلف مناطق الضفة الغربية، بما في ذلك إعادة إحياء مستوطنات أخليت سابقاً، يأتي ضمن سياسة متدرجة تستهدف إنهاء حل الدولتين من خلال فرض وقائع يصعب التراجع عنها مستقبلاً.


إجراءات ميدانية خطيرة


ويبيّن دراغمة أن المخاطر لا تقتصر على الجانب السياسي، وإنما تمتد إلى الواقع اليومي للفلسطينيين، حيث تؤدي إقامة المستوطنات الجديدة إلى الاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية، ما ينعكس سلباً على الموارد الزراعية والاقتصادية للسكان.

كما يسهم ذلك، بحسب دراغمة، في تقطيع أوصال الضفة الغربية، وعزل المدن والبلدات الفلسطينية عن بعضها البعض، بما يضاعف من معاناة السكان ويقيد حركتهم اليومية.

ويشير دراغمة إلى أن التوسع الاستيطاني يرفع كذلك مستوى الاحتكاك بين المستوطنين والفلسطينيين، الأمر الذي يزيد من احتمالات العنف، مشيراً إلى أن الأشهر الأخيرة شهدت تصاعداً في اعتداءات المستوطنين التي أسفرت عن استشهاد عدد من الفلسطينيين في الضفة الغربية، حيث أن تلك الاعتداءات أصبحت جزءاً من بيئة يخلقها الاستيطان نفسه.

ويؤكد دراغمة أن البؤر الاستيطانية التي تبدأ غالباً كمواقع عشوائية، تتحول لاحقاً بقرارات حكومية إلى مستوطنات معترف بها تحصل على التمويل والخدمات والبنية التحتية، ما يجعل الاستيطان أداة سياسية تستخدمها إسرائيل لفرض سيطرة تدريجية أوسع على أراضي الضفة الغربية، وخصوصاً في المناطق المصنفة (ج)، بما يعمق من المخاطر على مستقبل الوجود الفلسطيني في تلك المناطق.


ترجمة مباشرة لقرار سياسي


يرى الباحث في شؤون الاستيطان د. حسن بريجية أن عودة المستوطنين إلى منطقة صانور جنوب جنين تمثل ترجمة مباشرة لقرار سياسي اتخذته الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة، في إطار سياسة متسارعة تهدف إلى توسيع المشروع الاستيطاني وفرض مزيد من السيطرة على الأراضي الفلسطينية في أنحاء الضفة الغربية.

ويوضح بريجية أن الحكومة الإسرائيلية خصصت موازنات للاستيطان تفوق بنحو ثلاثة أضعاف ما كان مرصودًا خلال السنوات الماضية، مشيرًا إلى أن ما يقارب 80 بالمئة من هذه المخصصات يذهب بصورة مباشرة إلى دعم الاستيطان، سواء من خلال التوسع في المستوطنات القائمة أو عبر شرعنة البؤر الاستيطانية العشوائية وتحويلها إلى تجمعات معترف بها رسميًا من قبل سلطات الاحتلال.

ويؤكد أن المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من الإجراءات الميدانية التي تشمل المصادقة على وحدات سكنية استيطانية جديدة، وإصدار أوامر عسكرية إضافية، إلى جانب قرارات وضع اليد على مساحات جديدة من الأراضي الفلسطينية.

ويعتبر بريجية أن إعادة المستوطنين إلى صانور، التي أخليت عام 2005، تأتي ضمن ما وصفه المستوطنون بـ"الفترة الذهبية" لتوسيع النفوذ الاستيطاني وفرض وقائع جديدة على الأرض.


التضييق على الفلسطينيين


ويشير بريجية إلى أن هذه السياسات لا تقتصر تداعياتها على صانور وحدها، بل تمتد إلى مختلف مناطق الضفة الغربية، محذرًا من انعكاسات خطيرة على حياة الفلسطينيين، خصوصًا في القطاعات الاقتصادية والزراعية والتعليمية والصحية، نتيجة تصاعد الاعتداءات على المواطنين ومصادرة الأراضي وتشديد القيود على الحركة والتنقل.

ويرى بريجية أن الهدف النهائي لهذه السياسات يتمثل في التضييق على الفلسطينيين، وإضعاف قدرتهم على البقاء في أراضيهم، من خلال خلق ظروف معيشية قاسية تمهد لمزيد من التوسع الاستيطاني خلال المرحلة المقبلة.


فرض "السيادة الإسرائيلية" على الضفة الغربية


يرى مدير مكتب الوسط في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان والخبير في شؤون الاستيطان صلاح الخواجا أن قرار سلطات الاحتلال إعادة المستوطنين إلى منطقة صانور جنوب جنين، والإعلان رسميًا عبر مجلس التخطيط والبناء الإسرائيلي عن إنشاء 126 كرفانًا ووحدة سكنية للمستوطنين، يمثل خطوة عملية تهدف إلى انتزاع اعتراف نهائي ورسمي بإقامة مستوطنة جديدة في المنطقة، ضمن سياسة تصعيدية تقودها الحكومة الإسرائيلية الحالية برئاسة التيار اليميني المتطرف.

ويوضح أن هذه الخطوة تأتي في سياق المشروع الذي يتبناه وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش لفرض ما يسمى "السيادة الإسرائيلية" على أراضي الضفة الغربية، في تحدٍ واضح للضغوط الدولية والمواقف السياسية التي اعترفت فيها أكثر من 160 دولة بالدولة الفلسطينية، وكذلك في تحدٍ مباشر لفتوى لاهاي الصادرة عن محكمة العدل الدولية التي أكدت أن الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد عام 1967 تخضع للولاية الفلسطينية.

ويشير الخواجا إلى أن ما يجري في صانور لا يمكن فصله عن موجة أوسع من التوسع الاستيطاني، لافتًا إلى الإعلانات الأخيرة بشأن إقامة 34 مستوطنة جديدة، بينها ست مستوطنات في محافظة جنين وحدها، في إطار سياسة تعتبر أن توسيع الاستيطان يشكل، وفق الرؤية الإسرائيلية الرسمية، أداة لتعزيز الأمن للمستوطنين وفرض وقائع ميدانية جديدة على الأرض.

ويوضح الخواجا أن المخططات الاستيطانية لا تقتصر على شمال الضفة الغربية، بل تمتد أيضًا إلى شرق القدس، في مناطق العيزرية وأبو ديس والسواحرة، حيث يجري العمل على ربط مستوطنتي "ميشور أدوميم" و"معاليه أدوميم"، بهدف تشكيل حزام استيطاني متصل يمنع أي توسع عمراني فلسطيني مستقبلي، ويُستخدم كوسيلة ضغط متواصلة لدفع السكان الفلسطينيين نحو التهجير القسري.


عزل الفلسطينيين عن أراضيهم ومواردهم


ويبيّن الخواجا أن أخطر ما في هذه السياسة يتمثل في عزل الفلسطينيين عن أراضيهم ومواردهم الطبيعية، عبر فرض شبكة من المستوطنات والبؤر والطرق العسكرية التي تعيد رسم الجغرافيا الفلسطينية بما يخدم مشروع الضم التدريجي، معتبرًا أن الحكومة الإسرائيلية تحاول تحويل الاحتلال العسكري المؤقت إلى واقع سياسي دائم.

ويؤكد الخواجا أن الخطاب الإسرائيلي تطور من اعتبار الضفة الغربية "أرضًا متنازعًا عليها" إلى تبني رواية تعتبرها "يهودا والسامرة"، في محاولة لإضفاء بعد ديني وتاريخي على مشروع السيطرة، مشيرًا إلى أن سموتريتش يسعى أيضًا إلى فرض السيطرة على أكثر من 2500 موقع أثري في مناطق (ج)، واعتبارها مواقع توراتية ضمن عملية تهويد ممنهجة للرواية التاريخية الفلسطينية.

ويشير إلى أن ما يجري هو جزء من منظومة أمنية متكاملة، سواء جدار الفصل العنصري، أو الاستيطان، أو الربط بالمستوطنات، أو المناطق العسكرية، أو الحواجز، والهدف منها خلق واقع لتأبيد الاستيطان، وتحويل مناطق الضفة لأسوأ نظام أبارتهايد عرفته البشرية.

ويحذر الخواجا من أن استمرار الصمت الدولي والعربي والإسلامي إزاء التوسع الاستيطاني يمنح حكومة الاحتلال وجمعيات المستوطنين مساحة أوسع لتنفيذ مشاريعها، رغم أن الاستيطان يُصنف وفق القانون الدولي وميثاق المحكمة الجنائية الدولية كجريمة حرب.

ويشدد الخواجا على أن جميع محاولات فرض وقائع جديدة على الأرض لن تغير من الهوية الفلسطينية للأرض، مؤكدًا أن فلسطين، بتاريخها وتراثها ومكانتها الدينية، ستبقى فلسطينية رغم تسارع المشروع الاستيطاني وسياسات الضم المتواصلة.

ويحذر الخواجا من أن استمرار التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، خاصة في مناطق مثل صانور وجنين، سيؤدي إلى مزيد من عزل التجمعات الفلسطينية، وتقييد التنمية الاقتصادية والزراعية، وخلق واقع جغرافي جديد يخدم مشروع الضم، في ظل غياب ردع دولي فاعل يوقف سياسات الاحتلال ويحد من تصاعد الانتهاكات الميدانية.


ضم الضفة الغربية تدريجياً


يؤكد الكاتب والباحث المختص في الشأن الإسرائيلي ياسر مناع عودة المستوطنين إلى مستوطنة "صانور" المقامة على أراضي قرية صانور جنوب جنين شمال الضفة الغربية تمثل خطوة جديدة في سياق السياسة الإسرائيلية الرامية إلى ضم الضفة الغربية تدريجياً، وفصل التجمعات الفلسطينية عن بعضها البعض، عبر إعادة تشكيل الواقع الميداني بما يخدم المشروع الاستيطاني طويل الأمد.

ويوضح أن إسرائيل لم تعد تكتفي بتوسيع المستوطنات القائمة، بل انتقلت إلى إعادة إحياء المستوطنات التي أُخليت في إطار خطة فك الارتباط عام 2005، مشيراً إلى أن "صانور" كانت واحدة من المستوطنات التي أُزيلت آنذاك في شمال الضفة، قبل أن تعيد الحكومة الإسرائيلية فتح ملفها مجدداً، في خطوة ذات أبعاد سياسية وميدانية متشابكة.

ويشير مناع إلى أن مشاركة وزراء إسرائيليين في مراسم إعادة الاستيطان في أبريل/نيسان 2026، إلى جانب طرح مخطط لبناء 126 وحدة سكنية جديدة في الموقع، يعكس توجهاً رسمياً لإعلان انتهاء مرحلة الانسحاب، واستبدالها بسياسة توسع استيطاني أكثر وضوحاً، تستهدف نقل مناطق شمال الضفة، وخاصة محيط جنين ونابلس، من مناطق ذات تواصل فلسطيني نسبي إلى مناطق مفتوحة أمام الوجود الاستيطاني والحماية العسكرية وشبكات الطرق الالتفافية الاستيطان.


تفكيك التواصل الجغرافي الفلسطيني


ويلفت مناع إلى أن أخطر ما في هذه الخطوة يتمثل في تفكيك التواصل الجغرافي الفلسطيني، وفرض واقع أمني جديد عبر الحواجز والمناطق العازلة والبنية العسكرية المحيطة بالمستوطنة، بما يؤدي إلى توسيع السيطرة الإسرائيلية خارج حدود البناء نفسه.

ويؤكد مناع أن إعادة مستوطنة "صانور" المقامة على أراضي قرية صانور جنوب جنين لا تمثل مجرد توسع استيطاني محدود، بل تشكل حلقة جديدة في مشروع الضم الزاحف، وضمن مسار عزل وفصل الفلسطينيين في الضفة الغربية، وتفتح الباب أمام مزيد من اعتداءات المستوطنين المتواصلة يومياً.

أقلام وأراء

السّبت 09 مايو 2026 8:58 صباحًا - بتوقيت القدس

الحكومات لم تعد تخشى الجماهير الرقمية

لم تعد الحكومات الغربية الرأسمالية المهيمنة على قطاعات التكنولوجيا تخشى الجماهير الرقمية كما كانت تخشاها في بدايات صعود المنصات الاجتماعية. في تلك المرحلة كان يُنظر إلى فيسبوك وتويتر ويوتيوب وإنستغرام باعتبارها ساحات مفتوحة للاحتجاج وكشف الفساد وتنظيم الرأي العام وتجاوز الإعلام التقليدي. لكن ما حدث لاحقاً أن هذه الحكومات لم تعد بحاجة دائمة إلى إسكات الناس مباشرة، بل وجدت في الخوارزمية خط الدفاع الأول عنها.

الخوارزمية اليوم لم تعد أداة تقنية بريئة ترتب المحتوى حسب الاهتمام، بل أصبحت بنية حكم ناعمة تتحكم في ما نراه وما لا نراه، وما ينتشر وما يختفي، وما يتحول إلى قضية عامة وما يُدفن تحت ركام الترفيه والضجيج. السلطة الحديثة فهمت أن السيطرة لا تكون دائماً بمنع الكلام، بل بالسماح للجميع بالكلام داخل فضاء قادر على امتصاص الغضب وتفتيته وتحويله إلى بيانات ومشاهدات وتفاعل عابر.

وهنا تكمن المفارقة. المواطن يظن أنه يمارس احتجاجاً رقمياً حراً عندما يكتب منشوراً غاضباً أو يشارك وسمًا أو يدخل في حملة إلكترونية صاخبة، لكن النظام الرقمي لا ينزعج كثيراً من هذا الغضب ما دام قابلاً للقياس والتوجيه والإخماد. بل إن الإفراط في الغضب قد يخدم المنظومة نفسها، لأنه يحول الاحتجاج من فعل سياسي واعٍ إلى استهلاك عاطفي سريع. يغضب الناس لساعات أو أيام، ثم ينتقلون إلى قضية أخرى، وترند آخر، وموجة جديدة من الصراخ الرقمي.

في الحالة الفلسطينية يظهر هذا المعنى بوضوح مضاعف، لأن الجمهور الرقمي لا يعيش رفاهية النقاش النظري، بل يتفاعل مع قرارات تمس تفاصيل حياته اليومية مباشرة؛ من الغلاء وارتفاع أسعار السلع والمحروقات، إلى الضرائب والرسوم، إلى قرارات يشعر الناس أحياناً أنها تصدر فوق قدرتهم الاقتصادية والنفسية. كل قرار لا يلقى قبولاً شعبياً يتحول سريعاً إلى موجة غضب على فيسبوك وتيك توك وواتساب؛ منشورات ساخرة، تعليقات حادة، دعوات للاحتجاج، واتهامات واسعة للحكومة أو الجهات المسؤولة. لكن هذا الغضب، رغم صدقه ووجاهة أسبابه، غالباً ما يبقى محصوراً في دائرة التفريغ الرقمي؛ يرتفع ثم يذوب أمام خبر جديد أو أزمة جديدة أو ترند مختلف. وهنا تصبح السلطة أقل خوفاً من الجمهور الرقمي، لأنها تعرف أن الغضب غير المنظم لا يصنع بالضرورة تغييراً في القرار.

المشكلة ليست في الغضب ذاته. الغضب أحياناً ضرورة أخلاقية وسياسية وإنسانية. المشكلة في تحويله إلى بديل عن التنظيم والتحليل وبناء التحالفات وحماية الناشرين وفهم قوانين المنصات ومآلات النشر. قد لا يُحذف المنشور، لكن يُخفض وصوله. قد لا يُغلق الحساب، لكن تُضعف ثقته. قد لا تأتي العقوبة فوراً، لكن يُبنى حول الناشر سجل خوارزمي طويل يرافقه في كل منشور قادم. وهكذا يصبح التعبير بالغضب محفوفاً بالمخاطر من دون أن يكون بالضرورة مؤثراً في موازين القرار.

الحكومات لم تعد تخاف كثيراً من جمهور غاضب يمكن تفتيته وتحويله إلى بيانات. هي تخاف أكثر من جمهور منظم يعرف ماذا يريد، وكيف يصوغ مطالبه، ومتى يصعد، ومتى يهدأ، وكيف يحول التضامن إلى ضغط سياسي وإعلامي وقانوني واقتصادي. تخاف من الوثيقة الدقيقة أكثر مما تخاف من الشتيمة، ومن السردية المحكمة أكثر مما تخاف من الصراخ، ومن الجمهور الذي لا يكتفي بالمشاركة بل يسأل: ماذا بعد المشاركة؟

لهذا فإن المعركة اليوم ليست فقط مع الحكومات، بل مع هندسة الانتباه التي صنعتها الرأسمالية الرقمية. هذه الهندسة لا تمنع الإنسان من الكلام، لكنها تعيد تشكيل معنى الكلام، وتحول القضايا الكبرى إلى منتجات تنافس على وقت المستخدم. حتى الألم الإنساني يدخل في مزاد الظهور، وحتى المأساة تحتاج إلى صورة قوية وتوقيت مناسب وعبارة جاذبة كي تعبر من بوابة الخوارزمية.

في النهاية لم تعد السلطة الرقمية الحديثة تقول للناس: اصمتوا. لقد وجدت صيغة أكثر دهاءً. تقول لهم: تكلموا كما تشاؤون، لكن داخل نظام أعرف كيف أرتبه وأقيسه وأربح منه وأفرغه من أثره عندما يلزم. وهنا يصبح التحدي أمام الصحفيين والناشطين والحقوقيين وصناع المحتوى ليس رفع الصوت فقط، بل استعادة المعنى من الخوارزمية، وتحويل التعبير من انفعال عابر إلى فعل عام منظم. فالجماهير الرقمية لن تخيف الحكومات مرة أخرى إلا عندما تتوقف عن كونها موجات غضب متقطعة، وتصبح قوة وعي مستمرة تعرف أن النشر بداية الطريق وليس نهايته.

*باحث ومستشار بالإعلام والتسويق الرقمي


أقلام وأراء

السّبت 09 مايو 2026 8:57 صباحًا - بتوقيت القدس

الذكاء الاصطناعي في مباحثات شي جين بينغ وترامب

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد ملف تقني يناقش في مؤتمرات الشركات أو مختبرات الجامعات، بل أصبح اليوم ملفا رئيسيا على طاولة الزعماء، يزاحم ملفات الأمن والتجارة والطاقة والحروب، هذا بحد ذاته مؤشر عميق على التحول الذي يشهده العالم، حين تصبح الخوارزميات جزءا من معادلات النفوذ الدولي وموازين القوة العالمية.


الحديث عن إدراج ملف الذكاء الاصطناعي ضمن القمة المرتقبة بين دونالد ترامب وشي جين بينغ ليس خبرا عابرا ، بل رسالة سياسية واستراتيجية واضحة مفادها أن من يمتلك التفوق في هذا المجال، سيمتلك مفاتيح الاقتصاد والأمن والإعلام وحتى القرار السيادي في العقود المقبلة.


الولايات المتحدة تدرك أن تفوقها في الذكاء الاصطناعي يمنحها أفضلية اقتصادية وعسكرية هائلة، فيما ترى الصين أن اللحاق بهذا السباق ليس خيارا، بل ضرورة وجودية للحفاظ على موقعها كقوة عالمية صاعدة، لذلك لم تعد المنافسة محصورة في الرسوم الجمركية أو سلاسل التوريد، بل انتقلت إلى الرقائق الإلكترونية، ومراكز البيانات، والنماذج الذكية، والسيطرة على المعرفة الرقمية.


الأهم من ذلك أن هذه المباحثات تأتي وسط مخاوف متزايدة من تحول الذكاء الاصطناعي إلى ساحة صراع مفتوحة، سواء عبر الاستخدامات العسكرية أو الهجمات السيبرانية أو التحكم بالمعلومات والرأي العام. ولهذا بدأت واشنطن وبكين الحديث عن “إدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي” وإنشاء قنوات تواصل خاصة بهذا الملف.


العالم اليوم يدخل مرحلة جديدة حيث لم يعد النفط وحده مصدر القوة، ولا السلاح التقليدي وحده أداة للردع، البيانات أصبحت ثروة، والخوارزميات أصبحت سلاحًا، والذكاء الاصطناعي تحول إلى البنية التحتية الحقيقية للمستقبل.


ومن هنا، فإن حضور هذا الملف في قمة بهذا الحجم، يؤكد أن الذكاء الاصطناعي لم يعد قضية المستقبل فقط، بل قضية الحاضر أيضًا، وأن الدول التي تتأخر عن الاستثمار فيه، ستجد نفسها خارج معادلة التأثير العالمي خلال سنوات قليلة.

أقلام وأراء

السّبت 09 مايو 2026 8:53 صباحًا - بتوقيت القدس

فتح: هل يكفي إرث الماضي لصناعة نهوض جديد؟

أيام قليلة تفصل حركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح” عن عقد مؤتمرها العام الثامن، الذي يفترض أن يشكل محطة تنظيمية وسياسية مهمة، تبدأ بانتخاب أعضاء المجلس الثوري تمهيداً لاختيار اللجنة المركزية، أعلى هيئة قيادية في الحركة. لكن أجواء المؤتمر لا تعكس حالة نهوض أو مراجعة حقيقية بقدر ما تكشف حجم الانقسام الداخلي، والصراعات والتكتلات، وحالة الرضا والغضب التي ترافق إعلان أسماء المشاركين والمرشحين.


وترافق التحضيرات للمؤتمر حالة جدل واسعة داخل الحركة، خصوصاً مع بروز أسماء جديدة يُنظر إليها باعتبارها امتداداً لنفوذ السلطة والعائلة داخل البنية التنظيمية، ومن بينها ياسر عباس، نجل الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وهو ما يعكس حجم التحولات التي أصابت الحركة وطبيعة الصراع داخلها.


فتح التي انطلقت عام 1965 بوصفها حركة تحرر وطني قادت الكفاح الفلسطيني المعاصر، وقدمت عشرات القادة والشهداء من أعضاء لجنتها المركزية ومؤسسيها، تعيش اليوم واحدة من أصعب مراحلها السياسية والتنظيمية. فمنذ قيام السلطة الفلسطينية، ثم بعد اغتيال الرئيس الراحل ياسر عرفات، دخلت الحركة في تحولات عميقة، أبرزها تغليب منطق السلطة والإدارة على حساب مشروع التحرر الوطني.


وخلال السنوات الماضية، تعمقت الأزمة بفعل سياسات الإقصاء والفصل الداخلي، وكان أبرزها فصل القيادي محمد دحلان، وما تبعه من تشكل “التيار الإصلاحي الديمقراطي” داخل الحركة. كما تراجعت قدرة فتح على تجديد نفسها أو استعادة دورها التاريخي، في ظل قيادة متقدمة في العمر، وأزمة ثقة متفاقمة بين الحركة وقواعدها الشعبية.

لهذا تبدو المقارنات بين “فتح الأمس” و”فتح اليوم” حاضرة بقوة في الوعي الفلسطيني. ففي الماضي، كان الذين يجلسون على مقاعد القيادة رجالاً بأوزان وطنية وسياسية ثقيلة؛ قادة صنعوا الفكرة قبل أن يديروا التنظيم، وحملوا القضية قبل أن يحملوا الصفة. كانوا يمنحون فتح معناها ودورها وحضورها، ليس فقط بالمواقع التي شغلوها، بل بما امتلكوه من رؤية وتجربة وجرأة وارتباط حقيقي بالناس وبالمشروع الوطني.


لكن، كما يقول كثير من أبناء الحركة ومراقبين فلسطينيين، فإن المقاعد ذاتها اليوم لم تعد تنتج المعنى نفسه. يجلس عليها من يديرون حاضر الحركة ومستقبلها، لكن بأوزان أخف، وقدرة أقل، وحضور لا يرقى إلى حجم الإرث التاريخي ولا إلى خطورة المرحلة. وهنا تكمن الأزمة الحقيقية؛ فالمشكلة ليست فقط في تبدل الأسماء، بل في تبدل المعنى نفسه، وفي انتقال فتح من حركة كانت تصنع الفعل الوطني إلى إطار يستهلك تاريخه أكثر مما يضيف إليه.

لقد أُفرغت فتح، بكل أسف، من كثير من مضمونها وروحها الكفاحية ودورها الطليعي وقدرتها على المبادرة والقيادة. ولذلك لم تعد الحركة تشبه صورتها الأولى، ولن تستعيد مكانتها بمجرد استدعاء الماضي أو ترديد أسماء القادة التاريخيين، لأن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل يكفي التاريخ وحده لإنقاذ الحركة؟


وفي ظل هذا التراجع، لم تعد فتح القاطرة التي تجر المشروع الوطني الفلسطيني إلى الأمام، ولا الطليعة القادرة على جمع الفلسطينيين حول أفق سياسي واضح. كما أن تراجع الحركة، إلى جانب تراجع الفصائل الفلسطينية عموماً، وانسداد أفق الوحدة الوطنية، كلها عوامل تلقي بظلال ثقيلة على مستقبل القضية الفلسطينية لسنوات طويلة. فعندما تضعف القاطرة، لا يتعثر حزب وحده، بل يتعثر وطن بأكمله.

ولم تعد أزمة فتح قضية تنظيمية تخص أبناء الحركة وحدهم، بل باتت أزمة فلسطينية عامة، لأن صعود فتح تاريخياً كان صعوداً للمشروع الوطني الفلسطيني، فيما يبدو تراجعها اليوم انعكاساً مباشراً لحالة التآكل والانقسام التي يعيشها الفلسطينيون.


يعيش الفلسطينيون اليوم شعوراً عميقاً باليتم السياسي. لم يعد لديهم زعيم يتكئون عليه في زمن الكارثة، أو قيادة قادرة على تجاوز الحسابات الحزبية والفئوية لمصلحة فلسطين. كثيرون يستعيدون صورة الرئيس الراحل ياسر عرفات بوصفه رمزاً وطنياً استطاع، في لحظات الخطر، أن يوحد الفلسطينيين حول فكرة التحرر الوطني، وأن يجعل من فلسطين القضية المركزية فوق كل الانقسامات.


أما اليوم، فيبدو الفلسطينيون أكثر وحدة في معاناتهم، وأكثر انقساماً في قياداتهم. الاحتلال يواصل فرض وقائعه على الأرض، ويضرب بقسوة في القدس والضفة الغربية، ويمضي نحو تكريس الضم والسيادة الإسرائيلية، فيما ينخر الانقسام الجسد الفلسطيني، وتتمسك المؤسسات فاقدة الشرعية بمواقعها وكراسيها.


وفي غزة، حيث تتجلى المأساة بأقسى صورها، يدفن الأطفال تحت الركام، وتبحث النساء بين البيوت المهدمة عما يسد الرمق، بينما يستمر العالم في إدارة ظهره للمأساة الفلسطينية، وتبقى القيادة الفلسطينية عاجزة عن إنتاج مشروع وطني جامع، أو حتى استعادة ثقة شعبها. أما اللاجئون الفلسطينيون في الشتات، فيعيش كثير منهم شعوراً متفاقماً بالوحدة والغربة، في ظل غياب نظام سياسي فلسطيني قادر على حماية وجودهم الوطني وتمثيلهم الحقيقي.


الفلسطينيون اليوم لا يبحثون فقط عن تغيير أسماء أو انتخاب لجنة مركزية جديدة، بل عن قيادة بحجم فلسطين؛ قيادة تعيد الاعتبار لفكرة التحرر الوطني، وتوحد الناس حول مشروع مقاومة بشكله الواسع ومتعدد الأدوات والوسائل، وإنهاء الاحتلال، لا حول صراعات النفوذ والمناصب.


ففتح لم تكن يوماً شأناً فتحاوياً داخلياً فقط، بل كانت صورة عن الحالة الفلسطينية كلها. ولذلك فإن نهوضها، إن حدث، لن يكون انتصاراً لحركة بعينها، بل استنهاضاً للحالة الوطنية الفلسطينية برمتها. لكن استعادة دورها التاريخي اليوم تبدو أقرب إلى معجزة سياسية، في ظل واقع فلسطيني مثقل بالانقسام والسلطة والاحتلال والتآكل الداخلي.

أقلام وأراء

السّبت 09 مايو 2026 8:23 صباحًا - بتوقيت القدس

قراءة في كتاب 'القيم الإسلامية إلى أين؟': هل يقدم القرآن أفقاً أخلاقياً كونياً؟

يأتي كتاب 'القيم الإسلامية إلى أين؟ مقاربة قرآنية في فلسفة الأخلاق' للباحث عبد الحق الزموري، والصادر عن دار ارتحال للنشر، ليناقش واحدة من أعقد قضايا العصر. يرى المؤلف أن الحديث عن أزمة القيم لم يعد ترفاً فكرياً، بل هو انعكاس لارتباك الإنسان المعاصر أمام تآكل المعايير الأخلاقية الثابتة. ويحاول الكتاب استكشاف ما إذا كان النص القرآني قادراً على تقديم إجابات تتجاوز السياق الديني الخاص نحو أفق إنساني كوني.

يشخص الزموري الواقع الراهن بوصفه عالماً تُعاد فيه صياغة مفاهيم الخير والشر وفق منطق المنفعة والقوة المادية. ويرى أن القيم التي بشرت بها الحداثة، مثل الحرية والكرامة، بدأت تفقد قدرتها على الإلزام في ظل تصاعد النزعات الفردانية المفرطة. هذا التآكل الأخلاقي يدفع الباحث للبحث عن مرجعية أكثر ثباتاً وقدرة على مخاطبة الجوهر الإنساني بعيداً عن المصالح الآنية.

يطرح الكتاب تساؤلاً جوهرياً حول إمكانية استعادة معنى القيم الإنسانية من داخل المرجعية القرآنية في عالم تشكلت مرجعياته خارج الأفق الديني. ولا يتوقف هذا الطرح عند حدود التأصيل الشرعي التقليدي، بل ينفتح على إشكالية العلاقة بين الدين والأخلاق في الفضاء العام. ويسعى المؤلف لتقديم قراءة قادرة على الدخول في حوار فعلي مع التصورات الأخلاقية الحديثة والمعاصرة.

ينطلق الإطار النظري للكتاب من مسلمة مفادها أن القيم ليست مجرد قواعد سلوكية متغيرة أو أعراف اجتماعية ظرفية. بل يميل الزموري إلى منح القيم بعداً معيارياً يتجاوز التاريخ، معتبراً إياها تعبيراً عن حاجة إنسانية فطرية للمعنى والانتظام. ويحاول المؤلف الموازنة بين فكرة 'كونية القيم' وتعدد تمظهراتها في السياقات الثقافية المختلفة دون المساس بجوهرها.

يربط الكتاب بين تراجع المرجعيات الدينية وهيمنة المنطق النفعي وبين ما يسميه 'تآكل البنية الأخلاقية' للمجتمعات الحديثة. ويطرح تساؤلاً منهجياً حول ما إذا كنا نعيش غياباً للقيم أم مجرد تحول في أنماط إنتاجها وتداولها خارج الأطر التقليدية. هذا التشخيص يحدد طبيعة الحل المقترح، حيث يبرز القرآن كمرجعية قادرة على إعادة تأسيس العلاقة بين الإنسان والقيمة.

يتحرك المنهج التأويلي في الكتاب في منطقة دقيقة تتقاطع فيها حدود التفسير الديني مع أفق الفلسفة الأخلاقية المعاصرة. فالمؤلف لا يكتفي باستخراج الأحكام، بل يسعى لإعادة قراءة النص في ضوء أسئلة الكونية والمعنى الإنساني الشامل. هذا الانتقال يتطلب وساطة مفهومية تسمح للنص بمخاطبة إشكالات لم تكن مطروحة وقت نزوله بصيغتها الحالية.

يعتمد الزموري على شبكة مفاهيمية مركزية تشمل العدل والكرامة والحرية والاستخلاف، معتبراً إياها جسوراً بين العالم القرآني والفلسفة الحديثة. ويظهر في الكتاب توتر خفي بين اعتبار هذه القيم متجذرة في بنية النص، وبين كونها مفاهيم كونية سابقة عليه. هذا التردد يضع القارئ أمام تساؤل حول ما إذا كان المؤلف يكتشف المعنى أم يعيد بناءه.

فيما يخص مفهوم العدل، يرفعه الكتاب من وظيفته القضائية الضيقة إلى مستوى المبدأ الكوني الحاكم للعلاقات البشرية كافة. فالعدل في المنظور القرآني الذي يقدمه الزموري هو أساس الوجود الاجتماعي والسياسي الذي لا يفرق بين مؤمن وغير مؤمن. وبذلك تتحول القيمة من توجيه ديني خاص إلى قاعدة إنسانية عامة تصلح كمنطلق للتعايش العالمي.

أما الكرامة الإنسانية، فيتم تناولها في الكتاب بوصفها صفة لصيقة بالإنسان لذاته، وليست امتيازاً يمنح بناءً على معتقد أو عرق. ويرى المؤلف أن القرآن يؤسس لكرامة وجودية تسبق أي تصنيف اجتماعي أو ديني، مما يجعلها قيمة كونية بامتياز. هذا التأصيل يهدف إلى بناء أرضية مشتركة مع مواثيق حقوق الإنسان الحديثة من منظور قرآني.

تُقدم الحرية في هذا العمل بوصفها شرطاً أساسياً لتحقق الفعل الإنساني المسؤول والواعي في الأرض. ويربط المؤلف بين الحرية ومفهوم 'الاستخلاف'، الذي يصور الإنسان كفاعل أخلاقي مكلف بإعمار الكون وفق قيم عليا. الاستخلاف هنا ليس سلطة مطلقة، بل هو مسؤولية أخلاقية تجاه الطبيعة والآخرين تتجاوز الحسابات المادية الضيقة.

يسعى الكتاب لإثبات أن الكونية ليست غريبة عن النص القرآني، بل هي كامنة في بنيته الدلالية وتنتظر التأويل المناسب. غير أن هذا الطموح يصطدم بإشكالية إبستمولوجية تتعلق بمدى إمكانية فصل القيم عن سياقها العقدي الأصلي. ويتساءل النقاد هنا: هل يمكن للقيمة الدينية أن تظل كونية إذا ما جُردت من مرجعيتها الغيبية التأسيسية؟

يقيم المؤلف حواراً ضمنياً مع النماذج الأخلاقية الغربية، مثل الأخلاق الكانطية القائمة على الواجب والنفعية المرتبطة باللذة والألم. ويحاول تقديم الأطروحة القرآنية كبديل أو منافس يتجاوز اختزال الإنسان في 'العقل الأداتي' أو 'المنفعة المادية'. فالمنظور القرآني، بحسب الزموري، يربط الإنسان ببعد وجودي وغائي يمنح حياته معنى أعمق.

يظل الكتاب معلقاً بين أفقين: أفق تأصيلي يحاول إثبات أصالة القيم في النص، وأفق فلسفي يعيد صياغتها بلغة معاصرة. هذا التداخل يجعل المشروع يتأرجح بين كونه اكتشافاً لما هو موجود فعلاً في الوحي، أو إعادة بناء له ليتوافق مع الحداثة. وهي معضلة تواجه معظم المشاريع الفكرية التي تحاول جسر الهوة بين التراث والمعاصرة.

في الختام، يمثل كتاب عبد الحق الزموري محاولة جادة لفتح أفق جديد للتفكير في الأخلاق من منظور إسلامي إنساني. ورغم التحديات المنهجية التي تواجه مثل هذه المقاربات، إلا أنها تفتح باباً للنقاش حول دور الدين في صياغة قيم عالمية مشتركة. يبقى الرهان على مدى قدرة هذه القراءات على التحول من نظريات مجردة إلى واقع أخلاقي ملموس.

اقتصاد

السّبت 09 مايو 2026 8:23 صباحًا - بتوقيت القدس

أزمة الدينار الليبي: لماذا تعثرت خطط المصرف المركزي رغم فائض الدولار والميزانية الموحدة؟

تشهد الساحة الليبية منذ نحو شهر حراكاً مكثفاً في التصريحات الرسمية والإجراءات التنفيذية الرامية إلى تصحيح الوضع الاقتصادي والمالي. ومع ذلك، لا تزال النتائج الملموسة دون سقف الوعود التي أطلقها رئيس الحكومة ومحافظ مصرف ليبيا المركزي، مما يثير تساؤلات جوهرية حول مكامن الخلل في المنظومة الاقتصادية الحالية.

شرع المصرف المركزي في تنفيذ خطة استراتيجية تم اعتمادها العام الماضي، تهدف بشكل أساسي إلى كبح جماح السوق الموازية ومعالجة أزمة نقص السيولة الحادة. وتضمنت هذه السياسات ضبط قنوات توزيع النقد الأجنبي واستحداث أدوات جديدة عبر شركات الصرافة لضمان وصول العملة إلى مستحقيها.

استهدفت خطة المركزي، التي عُرضت على صندوق النقد الدولي في اجتماعات تونس الأخيرة، الوصول بسعر صرف الدولار في السوق الموازية إلى 6.9 دينار. ووعد المصرف بضخ مبالغ ضخمة من العملات الأجنبية شهرياً لتقليص الفجوة الكبيرة بين السعر الرسمي وسعر السوق السوداء الذي يرهق كاهل المواطنين.

في إطار هذا الاستنفار، وجه المركزي الجهاز المصرفي بتمديد ساعات العمل اليومية وزيادة عدد منافذ الصرف وتكليف أطقم إضافية لتسريع العمليات المالية. ورغم أن هذه الخطوات أدت في البداية إلى تراجع ملحوظ في سعر الدولار، إلا أن العملة الأمريكية عاودت الارتفاع لتلامس سقف 8 دنانير خلال الأسبوع الماضي.

يعتبر المصرف المركزي أن ضبط الإنفاق العام وتوحيد قنواته شرط أساسي لنجاح السياسة النقدية، وهو ما تعهدت به الحكومة والأطراف المعنية. وقد جاء هذا التعهد عقب اتفاق برعاية المصرف بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة لتوحيد الإنفاق التنموي، في خطوة كان يُؤمل منها تعزيز استقرار العملة.

على الرغم من هذه التعهدات السياسية، لم يتجه الدولار نحو السعر المستهدف، ولم يلمس المواطن الليبي تراجعاً في أسعار السلع والخدمات الأساسية. ويأتي هذا الإخفاق في وقت تشهد فيه أسعار النفط العالمية ارتفاعاً ملحوظاً، مما كان يفترض أن يسهل مهمة المصرف المركزي في تحقيق أهدافه المالية.

يرى مراقبون أن الانتكاسة الأخيرة في سعر الصرف ترسل رسائل سلبية تستوجب وقفة جادة للتقييم والمراجعة الشاملة. فبينما اجتهد المركزي في تطوير أنظمة تداول النقد الأجنبي، يبدو أنه أغفل تفعيل نظام رقابة صارم يمنع التحايل على الإجراءات الجديدة من قبل المضاربين.

تعاني أجهزة الرقابة العامة في ليبيا من ضعف واضح يحملها قدراً كبيراً من المسؤولية عن تدهور الوضع المالي. إن غياب الرقابة الدقيقة يسمح بتسرب العملة الصعبة إلى قنوات غير شرعية، مما يفرغ الإصلاحات النقدية من محتواها ويجعلها مجرد إجراءات شكلية لا تلامس جوهر الأزمة.

يواجه المصرف المركزي تحديين رئيسيين؛ الأول يتعلق بالتحكم الكامل في منظومة التوزيع لضمان انسيابية العملة عبر المصارف والشركات المرخصة. أما التحدي الثاني فهو مواجهة الشبكات غير الرسمية التي تهيمن على إدارة النقد الأجنبي من خلال الاحتكار والمضاربة المنظمة.

تشير تقارير دولية، مثل تقرير منظمة 'سنتري' ولجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة، إلى تداخل مصالح معقدة بين أطراف رسمية وغير رسمية في سوق العملة. هذه التقاطعات تجعل من عملية الإصلاح الاقتصادي مهمة شاقة تتطلب إرادة سياسية تتجاوز مجرد إصدار القرارات الإدارية.

من جانب آخر، تثير الأرقام المتداولة حول الميزانية الموحدة قلقاً بشأن الاستقرار المالي المستقبلي وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها. فبينما تحدث رئيس الحكومة عن إنفاق يبلغ 163 مليار دينار، تشير مصادر أخرى إلى أن الرقم الفعلي قد يصل إلى نحو 200 مليار دينار ليبي.

تؤكد تجارب السنوات الماضية في ليبيا أن سقف الإنفاق الفعلي غالباً ما يتجاوز الأرقام المعلنة أو المسربة، مما يشكل ضغطاً هائلاً على احتياطيات النقد الأجنبي. هذا التوسع في الإنفاق قد يعرقل خطط المصرف المركزي ويؤدي إلى مزيد من التضخم وتدهور القوة الشرائية للدينار.

إن السياسة النقدية، مهما كانت أدواتها متطورة، لا يمكنها معالجة الاختلالات الاقتصادية بشكل مستقل عن السياسات المالية والتجارية. فالوضع الاقتصادي الليبي يقع تحت ضغوط متعددة الأبعاد تتطلب تنسيقاً كاملاً بين كافة مؤسسات الدولة لضمان تحقيق الاستقرار المنشود.

في الختام، تظل البيئة السياسية والأمنية المستقرة هي الحاضنة الأساسية لأي نجاح اقتصادي حقيقي في البلاد. فبدون سيادة القانون والمؤسساتية، ستظل المبادرات المالية مجرد مسكنات مؤقتة لا تنهي معاناة المواطن الليبي مع الغلاء واضطراب الأسواق.

اسرائيليات

السّبت 09 مايو 2026 7:53 صباحًا - بتوقيت القدس

تركيا تقتحم نادي الكبار بصاروخ «يلديريم خان» العابر للقارات

أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن تحقيق قفزة نوعية في قطاع الصناعات الدفاعية، حيث شهدت نسخة هذا العام من معرض (SAHA 2026) توقيع اتفاقيات ضخمة تجاوزت قيمتها 8 مليارات دولار. وجاء الإعلان بحضور وزير الدفاع يشار غولر ومشاركة واسعة من نحو 1700 شركة دولية، مما يعكس الثقل المتزايد لأنقرة في سوق السلاح العالمي.

تمثلت المفاجأة الكبرى في المعرض بالكشف عن النموذج الأولي لصاروخ (يلديريم خان)، وهو صاروخ باليستي عابر للقارات يتميز بمواصفات فنية استثنائية. ووفقاً للمعلومات المسربة، يبلغ مدى الصاروخ نحو 6000 كيلومتر، مما يجعله قادراً على الوصول إلى أهداف في قارات مختلفة بفاعلية عالية.

تصل السرعة القصوى لصاروخ «يلديريم خان» إلى حدود 25 ضعف سرعة الصوت، وهو ما يضعه في فئة الأسلحة الفرط صوتية التي يصعب اعتراضها بواسطة منظومات الدفاع الجوي التقليدية. كما يتمتع الصاروخ بقدرة فائقة على حمل رؤوس حربية ثقيلة يصل وزنها إلى 3 أطنان، مما يعزز من قوته التدميرية.

بهذا الإنجاز، تنضم تركيا رسمياً إلى النادي الحصري للدول التي تمتلك تكنولوجيا الصواريخ العابرة للقارات، وهي قائمة تضم ثماني دول فقط من بينها الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا. ويعكس هذا التطور طموح أنقرة في التحول من لاعب إقليمي إلى قوة صاعدة ذات تأثير استراتيجي يتجاوز حدودها الجغرافية المباشرة.

أشارت مصادر مطلعة إلى أن الرقم المعلن للمدى (6000 كم) قد يكون أقل من القدرات الحقيقية للصاروخ، حيث تفضل القيادة التركية عدم الإفصاح عن المدى الكامل لتجنب التداعيات السياسية الدولية. ومع ذلك، فإن المدى الحالي يغطي كامل القارة الأوروبية وأجزاء واسعة من آسيا وأفريقيا، مما يمنح أنقرة تفوقاً نوعياً في محيطها.

يعد هذا الصاروخ ثمرة برنامج وطني مكثف استمر لعشر سنوات من البحث والتطوير تحت إشراف مركز البحث والتطوير التابع لوزارة الدفاع التركية. وتقود هذا المركز نيلوفر كوزولو، التي برز اسمها كأحد العقول المدبرة وراء الابتكارات العسكرية التركية الأخيرة التي أثارت اهتمام الخبراء العسكريين حول العالم.

سبق لهذا المركز الدفاعي أن كشف في مناسبات سابقة عن أسلحة نوعية، من أبرزها قنبلة «غضب» التي توصف بأنها أقوى قنبلة غير نووية في الترسانة التركية. كما طور المركز قنبلة «شبح» المصممة خصيصاً لاختراق التحصينات العميقة التي تصل إلى 90 متراً تحت سطح الأرض، مما يعزز القدرات الهجومية النوعية للجيش التركي.

يرى محللون أن توقيت الإعلان عن «يلديريم خان» يحمل رسائل ردع واضحة في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة والتهديدات التي تطلقها أطراف دولية وإقليمية. ومع ذلك، تؤكد أنقرة أن تطوير هذه المنظومات هو نتاج رؤية استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي العسكري بعيداً عن الضغوط الخارجية.

نجحت تركيا خلال العقدين الماضيين في قلب موازين الاعتماد على الخارج في مجال التسلح، حيث تحولت من دولة تستورد 70% من احتياجاتها إلى دولة تنتج 75% من سلاحها محلياً. وتعد هذه السياسة ركيزة أساسية في استراتيجية حزب العدالة والتنمية لتعزيز السيادة الوطنية وتقليل الارتهان للموردين الدوليين.

تحمل مواصفات الصاروخ الجديد رسالة صامتة مفادها أن طبقات الردع التركية أصبحت أكثر تعقيداً وتطوراً مما كانت عليه في السابق. فبسرعة تفوق ضعفي سرعة أسرع الصواريخ الإقليمية المنافسة، يثبت «يلديريم خان» أن القدرات الهجومية لأنقرة تجاوزت مراحل التطوير التقليدية إلى مرحلة التفوق التكنولوجي الكامل.

رغم أن تركيا لا تمتلك رؤوساً نووية، إلا أن قدرة الصاروخ على حمل قنابل بفاعلية «غضب» تجعل منه سلاحاً استراتيجياً فتاكاً قادراً على تدمير أهداف محصنة بدقة متناهية. وتتميز هذه القنابل بقدرتها على تحييد الأهداف دون إحداث أضرار جانبية واسعة خارج نطاق الهدف المحدد، مع ضمان عدم القدرة على اعتراضها.

تأتي هذه التطورات في وقت بدأت فيه دوائر أمنية وسياسية دولية تصنف تركيا كقوة صاعدة يجب وضع حسابات دقيقة للتعامل معها. ويؤكد الإعلان الأخير أن أنقرة تمتلك أدوات ردع متعددة المستويات، تجعل من أي محاولة لفرض الهيمنة المطلقة في المنطقة أمراً محفوفاً بالمخاطر وغير مضمون النتائج.

يمثل «يلديريم خان» ذروة الثورة التكنولوجية في التصنيع العسكري التركي، وهو نتاج تخطيط وصبر استمر لسنوات طويلة من العمل الدؤوب. وقد وفرت الإرادة السياسية والدعم المالي اللازمين البيئة الخصبة لنهوض قطاع الصناعات الدفاعية، مما جعل التجربة التركية نموذجاً يدرس في كيفية بناء القوة الذاتية.

في الختام، يضع هذا الصاروخ العابر للقارات تركيا في مكانة دولية جديدة، حيث لم تعد تكتفي بالدفاع عن حدودها، بل أصبحت تمتلك القدرة على الوصول إلى أعماق استراتيجية بعيدة. هذا التحول الجذري في القدرات العسكرية يعيد رسم خارطة التوازنات في الشرق الأوسط وحوض المتوسط، ويؤكد أن أنقرة باتت رقماً صعباً في معادلة الأمن العالمي.

أقلام وأراء

السّبت 09 مايو 2026 7:53 صباحًا - بتوقيت القدس

بين النبوءات والهجاء العربي: قراءة ساخرة في عهد ترامب وتناقضاته

يؤمن ملايين الأمريكيين والأوروبيين بأن كتاب 'النبوءات' للمنجم الفرنسي ميشيل دي نوستراداموس يحمل في طياته إشارات لوقائع سياسية ستشهدها دول العالم عبر القرون. وفي هذا السياق، تبرز شخصية دونالد ترامب كمادة خصبة للقراءات التي تربط بين الماضي والحاضر، حيث يرى البعض في سلوكه السياسي تجسيداً لأزمات عميقة أصابت النظام الدولي بالعطب.

لقد ظل ترامب يثبت عبر تصريحاته وأفعاله أنه يمثل حالة استثنائية في التاريخ السياسي الأمريكي، مما دفع الكثيرين لاستدعاء تراث الهجاء العربي القديم لوصف حالته. فمن قصائد الحطيئة إلى هجاء المتنبي، تجد الأوصاف التي أُطلقت على الشخصيات المثيرة للجدل في التاريخ العربي صدىً واسعاً عند إسقاطها على ملامح ترامب السياسية والشخصية.

لم ينجح الرئيس الأمريكي في الوفاء بمعظم الوعود التي قطعها خلال حملاته الانتخابية، وبدلاً من مواجهة الإخفاقات، دأب على إلقاء اللوم الفج على أسلافه في الحكم. وقد وصل الأمر إلى اتهام جو بايدن بإنفاق مليارات الدولارات على تجارب غريبة تتعلق بالفئران، في محاولة لصرف الأنظار عن القضايا الجوهرية.

وفي حادثة سقوط طائرة ركاب أمريكية مطلع عام 2025، لم يتوانَ ترامب عن تحميل الرئيس الأسبق باراك أوباما المسؤولية، رغم أن الأخير غادر السلطة منذ عام 2017. هذا السلوك يعكس رغبة دائمة في خلق خصوم وهميين لتبرير أي خلل يطرأ خلال فترة ولايته، وهو ما يثير سخرية المراقبين السياسيين.

يظهر ترامب في كثير من الأحيان فجوة معرفية واسعة، حيث تتراجع خبرته السياسية لصالح تصريحات تفتقر إلى الدقة التاريخية والجغرافية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك ادعاؤه بأن إسبانيا كانت من الدول المؤسسة لمجموعة 'بريكس' الاقتصادية، وهو ما يتنافى مع الواقع تماماً.

تضم مجموعة 'بريكس' في عضويتها دولاً مثل البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، وقد انضمت إليها مؤخراً دول أخرى ليس من بينها أي دولة أوروبية. هذه السقطات المعرفية تعزز الانطباع بأن لسان ترامب يستعصي على الكبح، مما يوقعه في حرج دائم أمام المجتمع الدولي.

على صعيد السياسات الداخلية، كان وعد ترامب بترحيل ستة ملايين مهاجر خلال الأشهر الثلاثة الأولى من حكمه أحد أكثر الوعود إثارة للجدل والقلق. وقد أطلق العنان لقوات إدارة الهجرة والجمارك لتنفيذ عمليات مداهمة واسعة في مختلف الولايات الأمريكية، مما أدى إلى حالات اختطاف واستهداف عشوائي.

ورغم هذه السياسة المتشددة تجاه المهاجرين، ظهرت تناقضات واضحة في التعامل مع بعض الشخصيات العامة، مثل الأمير البريطاني هاري المقيم في الولايات المتحدة. فقد برر ترامب عدم إبعاده قسراً بكونه يواجه مشاكل شخصية كافية مع زوجته ميغان، مما يكشف عن ازدواجية في معايير التنفيذ.

لا يجد ترامب حرجاً في استخدام لغة بذيئة وفاحشة على الملأ، وغالباً ما يستهدف الصحفيين بألفاظ قاسية عندما يواجه أسئلة لا تروق له. هذا الجفاء الفطري تجاه الإعلام يعكس رغبة في السيطرة على الرواية الرسمية وتهميش أي صوت نقدي يحاول كشف الحقائق.

يرى منتقدوه أن افتعال الأزمات في العلاقات الاقتصادية الدولية وفتح النار على الحلفاء التاريخيين هو تكتيك متبع لصرف الأنظار عن سجلات شخصية مثيرة للريبة. ومن بين هذه السجلات، تبرز علاقته السابقة بجيفري إبستين، والتي تظل تلاحقه كشبح في مسيرته السياسية المليئة بالصراعات.

إن الحالة التي يمثلها ترامب دفعت الشعراء المعاصرين والقدامى، عبر استحضار نصوصهم، إلى التعبير عن ضيق الأرض بوجود مثل هذه السياسات التي تزرع البغضاء. فالبغض الذي ولّدته بعض قراراته لم يكن طبعاً أصيلاً في الشعوب، بل كان نتيجة لسياسات عدائية بدأت بالتحريض.

تظل شخصية ترامب مادة دسمة للتحليل النفسي والسياسي، حيث يجمع بين الجهل العصامي والقدرة على حشد الجماهير عبر خطابات شعبوية. هذا المزيج جعل منه ظاهرة تستحق الدراسة، ليس فقط في أروقة السياسة، بل وفي مجالات الأدب والنقد الاجتماعي الساخر.

في نهاية المطاف، يبدو أن التاريخ سيسجل عهد ترامب كفترة من الاضطراب المعرفي والسياسي، حيث تداخلت فيها الحقائق بالأوهام. وسيبقى الهجاء، سواء كان قديماً أو حديثاً، هو المرآة التي تعكس قبح السياسات التي تتجاهل كرامة الإنسان وتعتمد على إثارة الفتن.

إن المقالات التي تتناول هذه الشخصية تعبر عن آراء أصحابها، لكنها تعكس في الوقت ذاته نبضاً عاماً يرفض الانحدار في لغة الحوار السياسي. ويبقى الأمل في أن تستعيد السياسة العالمية توازنها بعيداً عن لغة التهديد والوعيد والجهل بالحقائق الأساسية التي تحكم العالم.

أقلام وأراء

السّبت 09 مايو 2026 7:53 صباحًا - بتوقيت القدس

صعود اليمين المتطرف في بريطانيا: عندما يقود الخوف صناديق الاقتراع

لم يعد تصدر اليمين المتطرف لنتائج انتخابات المجالس المحلية في بريطانيا مجرد حدث عابر أو موجة احتجاج مؤقتة، بل هو انعكاس لتحولات اجتماعية واقتصادية عميقة تراكمت بصمت. لقد انفجر هذا التحول في وجه الطبقة السياسية التقليدية التي اعتقدت طويلاً أن الناخب سيبقى محصوراً بين ثنائية حزبي العمال والمحافظين، ليعيد المجتمع اكتشاف نفسه في مرآة القلق الشعبي المتزايد.

المواطن البريطاني الذي أرهقته فواتير الطاقة المرتفعة وانهيار الخدمات العامة، بات يصوت بدافع الغضب أكثر من الاقتناع الفكرى ببرامج الأحزاب. هذه اللحظة التاريخية هي ما يجيد اليمين المتطرف اقتناصه، حيث يصبح البحث عن 'عدو' خارجي أو داخلي أسهل بكثير من تقديم حلول واقعية للأزمات المعيشية المعقدة التي تعصف بالبلاد.

نجح الخطاب الشعبوي في تحويل قضايا الهجرة واللاجئين والتعددية الثقافية إلى كبش فداء للأزمات التي صنعتها السياسات الاقتصادية الفاشلة للنخب المنعزلة. وبدلاً من محاسبة المسؤولين عن تدهور النظام الصحي وأزمة السكن، جرى توجيه الأنظار نحو المهاجرين والنساء المحجبات، وكأنهم المسؤولون عن تآكل الطبقة الوسطى واختلالات الدولة.

إن صعود اليمين لم يكن نتاج قوة خطابه الذاتية فحسب، بل هو نتيجة للفراغ الأخلاقي والسياسي لدى الخصوم التقليديين الذين انزلقوا لتبني لغة متشددة. فحين يحاول حزب العمال أو المحافظون محاكاة خطاب اليمين خوفاً من خسارة الأصوات، فإنهم يمنحون المتطرفين شرعية مجانية تجعل الناخب يفضل النسخة الأصلية والأكثر صراحة.

جاءت الحرب على غزة لتكشف هشاشة الخطاب الغربي حول حقوق الإنسان، حيث رصد الشباب البريطاني تناقضاً صارخاً بين شعارات القانون الدولي والصمت أمام المجازر. وقد استغل اليمين حالة الاستقطاب هذه ليعيد إنتاج خطاب يعتبر المسلمين جسماً غريباً، ويصور التضامن مع القضية الفلسطينية كتهديد مباشر للهوية الوطنية البريطانية.

ومع ذلك، فإن اختزال المشهد في كراهية الأجانب فقط يعد قراءة ناقصة، فهناك غضب اجتماعي حقيقي يتجاوز حدود الدين والعرق. المدن الصغيرة والبلدات المنسية التي تعاني من التهميش ترى في لندن السياسية مركزاً لا يسمع صوتها، مما دفع سكانها نحو خيارات راديكالية تعبر عن فقدان الأمان الاقتصادي والمستقبلي.

يطرح الواقع الجديد تساؤلاً حساساً حول مستقبل المسلمين في بريطانيا ومدى حاجتهم للقلق في ظل هذه المتغيرات السياسية المتسارعة. الحقيقة أن تصاعد الخطاب المعادي يخلق بيئة اجتماعية عدائية، ويمنح الجماعات العنصرية جرأة أكبر، مما يضع ضغوطاً متزايدة على سياسات الاندماج والحريات الدينية في المملكة المتحدة.

لكن في المقابل، لا يمكن اعتبار مسلمي بريطانيا اليوم جالية هامشية، بل هم جزء أصيل ومؤثر في النسيج الوطني بمختلف المجالات المهنية والسياسية. لقد أثبتت السنوات الأخيرة امتلاكهم قدرة متزايدة على التأثير الديمقراطي والتنظيم المجتمعي، مما يجعلهم فاعلين أساسيين في الدفاع عن حقوقهم ومواجهة محاولات الإقصاء.

الخطر الحقيقي لا يكمن في صعود اليمين بحد ذاته، بل في احتمال لجوء الأقليات إلى الانغلاق والانسحاب من المجال العام كفعل دفاعي. إن الانكفاء على الذات يمثل هدية مجانية للمتطرفين، بينما يظل الانخراط الإيجابي وبناء التحالفات مع القوى المدنية هو الطريق الأنجع لمواجهة موجات الكراهية المتصاعدة.

تاريخ بريطانيا يشير إلى أنها مرت بمحطات قاسية مشابهة، لكنها نجحت دائماً في استعادة توازنها بفضل نضال القوى الديمقراطية المؤمنة بالتنوع. التنوع البريطاني ليس تهديداً بل مصدر قوة، وإعادة الاعتبار لهذا المفهوم تتطلب عملاً دؤوباً من كافة المكونات المجتمعية لرفض خطاب التقسيم الذي يروج له اليمين.

إن تجار الكراهية يفقدون سوقهم بسرعة عندما يشعر المواطن، بغض النظر عن دينه أو أصله أن الدولة تنصفه وتحفظ كرامته الإنسانية. العدالة الاجتماعية هي الترياق الوحيد لمواجهة الخوف الذي يغذيه المتطرفون، وهي الضمانة لعدم انزلاق المجتمع نحو صراعات هوية لا تخدم سوى أصحاب الأجندات الضيقة.

السؤال الجوهري الذي يجب أن تشغل به النخب السياسية نفسها ليس فقط 'لماذا صعد اليمين؟'، بل 'لماذا تراجعت الثقة في السياسة التقليدية؟'. هذا التراجع هو الذي جعل الناس يبحثون عن الخلاص في أصوات الغضب، وهو ما يتطلب مراجعة شاملة للعقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن في بريطانيا.

المرحلة المقبلة تتطلب يقظة من القوى الليبرالية واليسارية لاستعادة المبادرة وتقديم رؤية اقتصادية واجتماعية شاملة تطمئن المتخوفين من المستقبل. بدون بديل سياسي حقيقي يلمس هموم الناس اليومية، سيبقى خطاب اليمين المتطرف يجد صدى في القلوب التي أرهقها القلق والانتظار الطويل للحلول.

ختاماً، يبقى الرهان على وعي المجتمع البريطاني وقدرته على فرز الخطاب التحريضي من الحلول الواقعية للأزمات الهيكلية التي تعاني منها البلاد. إن مواجهة اليمين المتطرف ليست معركة أمنية أو قانونية فحسب، بل هي معركة قيم وأخلاق تهدف إلى استعادة روح التسامح والعدالة التي ميزت الديمقراطية البريطانية.

أقلام وأراء

السّبت 09 مايو 2026 7:53 صباحًا - بتوقيت القدس

حصانة 'سفير الصهيونية' وازدواجية المعايير في الصحافة الأمريكية

لم تعد ممارسة الصحافة في الولايات المتحدة مهمة سهلة أو آمنة كما كانت في السابق، حيث تراجعت البلاد التي كانت تفاخر بتقديس حرية التعبير إلى المرتبة الرابعة والستين في الترتيب العالمي لحرية الصحافة. هذا التدهور الملحوظ وضع واشنطن خلف دول إفريقية ناشئة سياسياً، مما يعكس حجم الأزمة التي يعيشها الإعلام في ظل الاستقطاب السياسي الحاد.

اتخذ الرئيس ترامب من الصحفيين أعداءً دائمين، حيث دأب في خطاباته اليومية على مهاجمتهم ووصف معظم وسائل الإعلام بـ 'الزائفة'. وقد تحولت هذه الكراهية للإعلام المستقل إلى عقيدة سياسية ممنهجة، تتغذى على مشاعر التذمر لدى قاعدته الانتخابية تجاه ما يصفه بـ 'النخب' المسيطرة على مفاصل الدولة.

في ظل هذه الضغوط، اكتسبت جوائز 'بولتزر' المرموقة هذا العام أبعاداً سياسية تتجاوز التكريم المهني التقليدي، حيث منحت لفريق من 'مصادر' صحفية وثقوا استغلال ترامب للسلطة الفدرالية. كما كرمت 'واشنطن بوست' و'نيويورك تايمز' لتقارير استقصائية كشفت عن عمليات إعادة هيكلة عشوائية للوكالات الحكومية وتجاوزات في ملفات تضارب المصالح.

رغم هذا التميز المهني، تظل الصحافة الأمريكية المرجعية أسيرة لانحيازات أيديولوجية عميقة عندما يتعلق الأمر بدولة الاحتلال الإسرائيلي. ويظهر ذلك بوضوح في التغطيات التي تتجاهل الحقائق الميدانية في غزة، وتركز بدلاً من ذلك على حماية الرواية الإسرائيلية وملاحقة منتقدي السياسات الصهيونية بتهم جاهزة.

برز هذا التناقض في الحوار الذي أجرته 'نيويورك تايمز' مع المذيع تاكر كارلسون، الذي تحول إلى أحد أقوى نقاد إسرائيل في الساحة الأمريكية. كارلسون لم يتردد في وصف ترامب بأنه أصبح 'خادماً لدى نتنياهو'، منتقداً انجرار الإدارة الأمريكية خلف المخططات الإسرائيلية لشن حروب في المنطقة، لا سيما ضد إيران.

المثير للاستغراب أن الأسئلة الصحفية الموجهة لكارلسون لم تركز على جوهر انتقاداته لهيمنة اللوبي المؤيد لإسرائيل، بل انصبت على محاولة وصمه بـ 'معاداة السامية'. تجاهلت المحاورة تماماً سقوط عشرات الآلاف من الضحايا في غزة، واهتمت فقط بمدى 'جرح مشاعر الصهاينة' عند الحديث عن جريمة الإبادة الجماعية.

وفي سياق متصل، تبرز تصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، كنموذج صارخ لهذا الانحياز، حيث يتبنى خطاباً يشرعن توسع الاحتلال وضم أراضي الدول المجاورة. هاكابي، الذي يوصف بأنه 'سفير الصهيونية'، يستند في مواقفه إلى ما يسميه 'الوعد الإلهي'، وهو منطق يرفضه العقل السياسي السليم لكنه يجد قبولاً في دوائر صنع القرار.

تاريخياً، لم تتوقف إسرائيل عن التحريض على زعزعة استقرار المنطقة، بدءاً من غزو العراق عام 2003 وصولاً إلى التهديدات الحالية لتركيا وباكستان. ومع استمرار هذا النهج، يبدو أن الصحافة الأمريكية تخلت عن دورها الرقابي، لتصبح في كثير من الأحيان غطاءً لمشاريع التوسع التي تهدد الأمن الإقليمي والدولي.

أقلام وأراء

السّبت 09 مايو 2026 7:53 صباحًا - بتوقيت القدس

إسماعيل الفاروقي ومشروع أسلمة المعرفة: قراءة في تعثر النهضة العربية

تعد حركة 'أسلمة المعرفة' واحدة من أبرز المحاولات الفكرية التي انطلقت في الولايات المتحدة الأمريكية على يد المفكر الفلسطيني الراحل إسماعيل الفاروقي. هدفت هذه الحركة بشكل أساسي إلى إعادة صياغة العلوم الغربية الحديثة، خاصة تلك التي تقوم على أسس لادينية، ودمج القيم الإسلامية في صلبها المعرفي.

ركز الفاروقي في مشروعه على علوم الاجتماع والاقتصاد وعلم النفس، محاولاً ردم الهوة بين المناهج الغربية والواقع القيمي للعالم الإسلامي. وقد استند في رؤيته إلى تكوين فلسفي وديني عميق اكتسبه خلال مسيرته الأكاديمية الطويلة في جامعات أمريكية مرموقة، أبرزها جامعة تمبل.

ولد إسماعيل الفاروقي في مدينة يافا الفلسطينية عام 1921، وتلقى تعليمه الأولي في فلسطين والعالم العربي قبل أن يشد الرحال إلى الغرب. تميزت حياته بالنشاط الفكري الواسع والاهتمام بفتح قنوات الحوار بين الأديان والحضارات المختلفة، مما جعله شخصية محورية في الفكر الإسلامي المعاصر.

انتهت حياة الفاروقي بشكل مأساوي في عام 1986، حيث تعرض للاغتيال هو وزوجته لويس لمياء داخل منزلهما بمدينة قرب فيلادلفيا. ورغم أن الرواية الرسمية حصرت الدوافع في الجانب الجنائي والسرقة، إلا أن فرضيات فكرية وسياسية لا تزال تلوح في الأفق حول استهدافه بسبب نشاطه.

ترك الفاروقي إرثاً مؤلفاً ضخماً، لعل أبرزها كتاب 'التوحيد: مضامينه في الفكر والحياة' الذي لخص فيه رؤيته الشاملة للعقيدة كأساس للحضارة. كما شارك مع زوجته في تأليف 'أطلس الحضارة الإسلامية'، إلى جانب عشرات الأبحاث التي تناولت الفن والعمارة والفكر الإسلامي.

لم يكتفِ المشروع بالأفكار النظرية، بل تحول إلى مؤسسات فاعلة، كان أبرزها 'المعهد العالمي للفكر الإسلامي' الذي تأسس عام 1981 في أمريكا. عمل المعهد كحاضنة فكرية استقطبت كبار المفكرين مثل طه جابر العلواني وعبد الحميد أبو سليمان لنشر مشروع الأسلمة.

امتد أثر الحركة ليصل إلى جنوب شرق آسيا، حيث تأسست جامعات في ماليزيا وباكستان تتبنى هذه الرؤية التعليمية. ومن أبرز الشخصيات التي ساهمت في هذا المسار أنور إبراهيم، الذي تقلد لاحقاً منصب رئيس وزراء ماليزيا، مما عكس تقاطع الفكر مع الإدارة السياسية.

يرى مراقبون أن حركة أسلمة المعرفة نشأت من شعور عميق لدى علماء مسلمين في الغرب بضرورة مواكبة التقدم العلمي دون التخلي عن الهوية. وكان الطموح هو تحويل العلوم من قوالبها الغربية الصرفة إلى أدوات تخدم النهضة الحضارية الإسلامية المنشودة.

رغم هذه الجهود، يواجه المشروع انتقادات تتعلق ببقائه حبيس الأروقة النخبوية والمكتبات، دون أن يلامس الواقع الشعبي بشكل ملموس. ويُعزى ذلك إلى أن الأزمة الحقيقية قد لا تكمن في 'أسلمة العلم' ذاته، بل في العقلية التي تتعامل مع هذا العلم.

يشير التحليل إلى أن جزءاً كبيراً من المجتمعات المسلمة لا يزال يعاني من 'عقلية خرافية' تبتعد عن منطق الأخذ بالأسباب. وتعود جذور هذه المشكلة إلى موروثات صوفية غالية أثرت على التفكير السببي، بعيداً عن تصوف التزكية المنضبط بالكتاب والسنة.

يستحضر المقال نموذج الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في التعامل مع الأسباب، حين رفض دخول بلدة موبوءة بالطاعون. فكان رده 'نفر من قدر الله إلى قدر الله' تجسيداً للعقلية الإسلامية العلمية التي لا تتناقض مع الإيمان بالقدر.

إن تجربة المسلمين الأوائل في ترجمة علوم اليونان والرومان والهنود تقدم درساً تاريخياً في كيفية استيعاب المعرفة وتطويرها. فقد أسلموا علوم الطب والرياضيات والفلك، بل وابتكروا علوماً جديدة كالجبر والكيمياء بفضل عقليتهم المنفتحة والمنضبطة في آن واحد.

تظل الأولوية القصوى اليوم هي إعادة بناء 'الإنسان المسلم' صاحب العقلية العلمية المرتبطة بالوحي والواقع معاً. فإذا ما تحرر العقل من التأثيرات العرفانية الدخيلة التي تعطل التفكير السببي، ستصبح عملية تطويع العلوم الحديثة أمراً ميسوراً وتلقائياً.

في الختام، يبقى مشروع إسماعيل الفاروقي محطة هامة في تاريخ الفكر الإسلامي الحديث، رغم التحديات التي واجهته. إن العبرة تكمن في تحويل هذه الأفكار من نظريات أكاديمية إلى منهج حياة يعيد للمسلم دوره الريادي في بناء الحضارة الإنسانية.

فلسطين

السّبت 09 مايو 2026 7:23 صباحًا - بتوقيت القدس

مبادرة عون للتفاوض المباشر: رهان على 'الإذعان' أم مناورة في توقيت حرج؟

تشهد الساحة اللبنانية تعقيدات متلاحقة عقب إطلاق الرئيس جوزيف عون مبادرة للتفاوض المباشر مع القيادة الإسرائيلية، في خطوة تعكس تبدلاً في الحسابات السياسية. وتأتي هذه المبادرة في ظل تقديرات وصفت بأنها لم تكن دقيقة بشأن حجم المطالب الأمريكية والإسرائيلية المتعلقة بسلاح المقاومة ومستقبل الوضع اللبناني العام.

أفادت مصادر بأن الضغوط الأمريكية تزايدت بشكل ملحوظ، حيث عبرت واشنطن عن إلحاحها في ملف نزع السلاح، بينما صعد الاحتلال الإسرائيلي من عملياته العسكرية للضغط على صانع القرار في بيروت. وقد ترافق ذلك مع محاولات لإحراج الرئاسة اللبنانية عبر منصات دولية، في حين بدا أن هناك توجهاً لتعزيز أوراق قوى سياسية أخرى على حساب مؤسسة الرئاسة.

في ظل هذا الانسداد، جنحت المداولات داخل أروقة القرار في بعبدا نحو إحداث استدارة كاملة في السياسة الخارجية عبر طرح خيار المفاوضات المباشرة. وتستند هذه المقاربة إلى فرضية أن ميزان القوى قد حسم لمصلحة المحور الأمريكي الإسرائيلي، وهو ما يتقاطع مع رؤى قوى محلية طالبت منذ أمد بتبني هذا المسار كحل للأزمة الراهنة.

ميدانياً، أطلقت واشنطن يد تل أبيب في إدارة حرب شاملة تهدف إلى إخضاع الدولة اللبنانية وتصفية قدرات المقاومة العسكرية. ورغم حشد الاحتلال لنخبة قواته، إلا أنه اصطدم بمقاومة ضارية اتسمت بالتكيف والصلابة، واستخدمت مسيرات مستعصية على الرصد، مما استنزف المهل الزمنية التي وضعها بنيامين نتنياهو لتحقيق أهدافه.

أقرت مصادر إسرائيلية بالعجز عن تفادي الخسائر البشرية والمادية الجسيمة، مما دفع أصواتاً داخل الكيان للمطالبة بالانسحاب وحصر الأهداف في تأمين مستوطنات الشمال. هذا التراجع النسبي في الطموحات الميدانية تزامن مع صمود إقليمي غير متوقع، مما أدى إلى استحضار مبادرة الرئيس عون مجدداً بعد فترة من التجاهل المتعمد.

سارعت الأطراف المعنية في بيروت وواشنطن وتل أبيب إلى ترتيب لقاءات دبلوماسية رفيعة المستوى، شملت اجتماعات بين سفراء الجانبين بحضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وقد حدد ترامب سقفاً زمنياً مدته ثلاثة أسابيع لعقد لقاء مباشر بين رئيسي لبنان وإسرائيل، في خطوة تهدف لتحقيق انتصار سياسي ومعنوي لواشنطن.

بالتوازي مع هذه التحركات الدبلوماسية، لم يتوقف إطلاق النار بل استمر العدوان الإسرائيلي بزخم أكبر، حيث أكدت الخارجية الأمريكية على ما أسمته 'حق الدفاع عن النفس' للاحتلال. وركزت التفاهمات الأولية على التعاون لنزع سلاح المقاومة، وهو ما اعتبره مراقبون محاولة لفرض اتفاق إذعان على الدولة اللبنانية تحت وطأة القصف.

على الجبهة الأخرى، انخرطت المقاومة مجدداً في الصراع منذ مطلع آذار الماضي، معلنة مرحلة جديدة من التصدي للاعتداءات الإسرائيلية بعد فترة من الترقب. وقد فاجأت هذه العودة الميدانية الدوائر الاستخباراتية، حيث أظهرت المقاومة قدرة عالية على التعافي والاستفادة من تجارب المواجهات السابقة لتوجيه ضربات أكثر إيلاماً.

رغم التصعيد الميداني الذي وصل إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، يواصل الفريق الرئاسي تمسكه بخيار التفاوض، وسط تحذيرات من أن يؤدي هذا المسار إلى فتنة داخلية. وقد لوحظت تحركات دولية وعربية لتدارك الموقف ومنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة غير مسيطر عليها، خاصة مع فشل محاولات زج الجيش اللبناني في صدام مباشر مع المقاومة.

يتمسك المدافعون عن خيار المقاومة بالثوابت التاريخية التي أرستها وثيقة الوفاق الوطني 'الطائف'، والتي أكدت على دعم كافة الوسائل لتحرير الأرض من الاحتلال. ويشدد هؤلاء على أن أي محاولة لتزوير التاريخ أو القفز فوق البيانات الوزارية السابقة التي شرعت المقاومة، ستكون مغامرة خطيرة تهدد الاستقرار الوطني وتخدم المشروع الصهيوني في المنطقة.

أقلام وأراء

السّبت 09 مايو 2026 6:53 صباحًا - بتوقيت القدس

بين التهديد والواقع.. لماذا تتعارض أفعال ترامب مع أقواله في أزمة هرمز؟

شهدت الساحة السياسية خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية تذبذباً حاداً في مواقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أعلن عن إطلاق مشروع 'حرية الملاحة' في مضيق هرمز ثم تراجع عنه سريعاً. هذا التراجع يعكس فجوة عميقة بين التهديد العسكري والقدرة على التنفيذ، حيث حاول ترامب الإيحاء بجدية التحرك عبر حشد آلاف الجنود وعشرات الطائرات والقطع البحرية.

يرى مراقبون أن إعلان ترامب تعليق العملية العسكرية بذريعة وجود وساطة باكستانية أو تقدم في المفاوضات ليس سوى محاولة للحفاظ على ماء الوجه. الحقيقة تكمن في أن مضيق هرمز يمثل 'عقدة المنشار' التي لا يحتمل الاقتصاد العالمي، والأمريكي على وجه الخصوص، تبعات إغلاقه أو استمرار التوتر فيه لفترات طويلة.

إن التلويح بالقوة يهدف في جوهره إلى التأثير على أسعار النفط ومنع تصاعدها المستمر، وهو ما يفسر لجوء واشنطن لإشاعات التوافق مع طهران. ومع ذلك، فإن الواقع الميداني يشير إلى بقاء أكثر من ألفي سفينة تجارية وناقلة نفط في حالة ترقب، بانتظار حلول تضمن المرور الآمن بعيداً عن لغة الاشتباك العسكري.

في المقابل، تبدو إيران أكثر جرأة في إدارة الصراع، حيث انتقلت من مرحلة امتصاص الصدمات إلى فرض قواعد اشتباك جديدة في الميدان وفي غرف التفاوض. وقد تجلى ذلك في ردها على المقترحات الأمريكية بمقترحات مضادة، ورفضها لمسودات التفاهم التي وصفتها بأنها تتضمن شروطاً غير مقبولة وتنتقص من سيادتها.

لقد أثبتت طهران سيطرتها الفعلية على مضيق هرمز من خلال إطلاق آلية تنظيمية جديدة للملاحة تلزم السفن باتباع لوائحها الخاصة. هذا التحرك العملي، المدعوم بالقدرات الصاروخية والطائرات المسيرة، وضع الإدارة الأمريكية في موقف محرج، خاصة بعد فشل محاولات الاقتراب من المضيق التي قوبلت برد حازم.

يتساءل الكثيرون عن مدى استعداد ترامب لإبرام اتفاق حقيقي ينهي حالة التوتر، خاصة وأن أي تراجع حالي قد يُفسر كإعلان فشل لمغامراته العسكرية غير المحسوبة. فالإدارة الأمريكية تجد نفسها اليوم أمام خصم صمد في وجه أقصى الضغوط الاقتصادية والعسكرية، وبات يمتلك زمام المبادرة في الساحتين السياسية والميدانية.

التناقض في شخصية ترامب يمتد ليشمل ملفات دولية أخرى، حيث يلاحظ أن تهديداته غالباً ما تنتهي دون نتائج ملموسة على الأرض. من غزة إلى الصين وفنزويلا، تكررت سيناريوهات الوعيد التي أعقبتها تراجعات أو نتائج عكسية، مثل الفائض التجاري الضخم الذي حققته بكين رغم الحرب الجمركية الأمريكية.

يدعي الرئيس الأمريكي سعيه للسلام واستحقاقه لجائزة نوبل، في وقت يستمر فيه بالتحالف الوثيق مع بنيامين نتنياهو في ملفات غزة ولبنان. هذا التناقض يضع مصداقية واشنطن على المحك، خاصة وأنها تسير جنباً إلى جنب مع قيادات تواجه اتهامات دولية بارتكاب جرائم حرب، مما ينفي صفة 'رجل السلام' عن ترامب.

تاريخياً، حاول نتنياهو إقناع الإدارات الأمريكية السابقة، ومنها إدارة أوباما، بشن حرب على إيران بذات الذرائع الحالية، لكن تلك المحاولات قوبلت بالرفض. أما ترامب، فقد حاول السير في هذا الطريق طمعاً في غنائم سياسية واقتصادية، منها السيطرة على اليورانيوم المخصب أو التحكم في عصب الطاقة العالمي عبر مضيق هرمز.

في نهاية المطاف، أثبتت الأيام أن الحروب لا تُدار عبر منصات التواصل الاجتماعي أو بالخطابات الرنانة التي تفتقر للرصيد الواقعي. ورغم ادعاءات النجاح العسكري الهائل، إلا أن الوقائع تشير إلى أن 'النمر الأمريكي' يواجه مأزقاً حقيقياً في الخليج، حيث لم تعد الأقوال تطابق الأفعال في ظل موازين قوى دولية وإقليمية متغيرة.

تحليل

السّبت 09 مايو 2026 5:45 صباحًا - بتوقيت القدس

الاستخبارات الأميركية تناقض ترمب: إيران قادرة على الصمود أشهراً رغم الحصار والحرب المفتوحة

رسالة واشنطن


الاستخبارات


واشنطن – سعيد عريقات-9/5/2026


تحليل إخباري


تكشف تسريبات أخيرة عن فجوة متزايدة بين الخطاب السياسي الذي يقدمه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وبين التقديرات الاستخباراتية الأكثر حذراً داخل مؤسسات الدولة الأميركية بشأن الحرب المفتوحة مع إيران. فبينما يواصل ترمب تصوير الحصار البحري على إيران باعتباره "نجاحاً ساحقاً" يقود طهران نحو الانهيار، تؤكد تقديرات سرية أعدتها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية أن إيران قادرة على الصمود اقتصادياً وعسكرياً لعدة أشهر، وربما لفترة أطول بكثير مما يعلنه البيت الأبيض.


وبحسب ما نسبته صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية لأربعة مسؤولين مطلعين ، فإن التحليل السري الذي قُدم لصناع القرار هذا الأسبوع خلص إلى أن إيران تستطيع تحمل الحصار الأميركي بين 90 و120 يوماً قبل أن تواجه ضغوطاً اقتصادية أكثر خطورة. هذه الخلاصة لا تُضعف فقط رواية ترمب حول "الانتصار السريع"، بل تعيد طرح سؤال قديم في الحروب الأميركية: هل تبالغ الإدارات الأميركية عمداً في تقدير نتائج القوة العسكرية، فيما تكون الوقائع على الأرض أكثر تعقيداً وأقل حسماً؟


المفارقة أن التقييم الاستخباراتي لا يقتصر على الجانب الاقتصادي، بل يشير أيضاً إلى أن إيران ما تزال تحتفظ بجزء كبير من قدراتها الصاروخية رغم القصف الأميركي والإسرائيلي المكثف. فوفق مسؤول أميركي، ما تزال طهران تمتلك نحو 70 بالمئة من مخزونها الصاروخي قبل الحرب، إضافة إلى 75 بالمئة من منصات الإطلاق المتحركة. كما تمكنت من إعادة تشغيل معظم منشآت التخزين تحت الأرض، وإصلاح صواريخ متضررة، وحتى استكمال تصنيع صواريخ كانت قيد التجهيز قبل اندلاع الحرب.


هذه التقديرات تقوض بشكل مباشر تصريحات ترمب، الذي أكد أن الصواريخ الإيرانية "دُمّرت تقريباً". فالفجوة بين الرواية السياسية والتقييم الاستخباراتي ليست مجرد اختلاف تقني، بل تعكس صراعاً أعمق داخل واشنطن بين منطق الاستعراض السياسي ومنطق المؤسسات الأمنية التي تتعامل مع الوقائع بعيداً عن الشعارات الانتخابية.


تكشف الحرب الحالية مع إيران عن أزمة متجذرة في العقل الاستراتيجي الأميركي، تقوم على الاعتقاد بأن التفوق العسكري قادر وحده على فرض الاستسلام السياسي. هذا المنطق سبق أن فشل في العراق وأفغانستان، ويتكرر اليوم بصورة مختلفة مع إيران. فالحصار والعقوبات والقصف قد يضعفون الدولة المستهدفة، لكنهم لا يضمنون انهيارها. بل إن الضغوط الخارجية كثيراً ما تدفع الأنظمة المحاصرة إلى مزيد من التشدد والتماسك الأمني. الأخطر أن واشنطن تبدو وكأنها تراهن على إنهاك الشعب الإيراني أكثر من تغيير الحسابات السياسية للنظام، وهي مقاربة تحمل كلفة إنسانية وسياسية هائلة.


من جهة أخرى، يبدو أن الإدارة الأميركية تراهن على أن الحصار البحري سيشل الاقتصاد الإيراني بسرعة، خصوصاً مع استهداف صادرات النفط. غير أن طهران أظهرت قدرة واضحة على التكيف، سواء عبر تخزين النفط في ناقلات بحرية، أو عبر تقليص تدفق الإنتاج للحفاظ على الآبار، أو حتى عبر التفكير بمسارات تهريب برية وسكك حديدية عبر آسيا الوسطى. وهذا يعكس خبرة تراكمت لدى إيران خلال عقود من العقوبات الغربية.


ولعل الأهم هو أن الحروب الاقتصادية لا تُقاس فقط بحجم الخسائر اليومية، بل بقدرة النظام السياسي على امتصاص الصدمات. وأحد المسؤولين الأميركيين قال لواشنطن بوست إن القيادة الإيرانية أصبحت "أكثر راديكالية وتصميماً" على الصمود، بل وتعتقد أنها قادرة على استنزاف الإرادة السياسية الأميركية نفسها. وهذه النقطة بالذات تثير قلقاً داخل بعض الدوائر الأميركية، لأن التاريخ الحديث يثبت أن الرأي العام الأميركي غالباً ما يفقد اهتمامه بالحروب الطويلة عندما ترتفع الكلفة الاقتصادية والعسكرية.


ويكشف تاريخ العقوبات الأميركية حقيقة نادراً ما تعترف بها واشنطن علناً: العقوبات الشاملة نادراً ما تُسقط الأنظمة، لكنها غالباً ما تُدمر المجتمعات المدنية وتُعيد تشكيل الاقتصاد لصالح الشبكات المرتبطة بالسلطة. إيران اليوم ليست دولة معزولة بالكامل، بل تمتلك شبكات تجارة وتهريب وتحالفات إقليمية تمنحها هامشاً للحركة. لذلك فإن الحديث الأميركي عن "خنق كامل" للاقتصاد الإيراني يبدو أقرب إلى الدعاية السياسية منه إلى الواقع الميداني. كما أن استمرار الحصار قد يدفع طهران نحو مزيد من التصعيد الإقليمي، بدلاً من دفعها نحو التراجع أو الاستسلام.


ورغم الخسائر الإيرانية الكبيرة، بما في ذلك مقتل قيادات بارزة وتدمير أجزاء من البنية العسكرية، إلا أن المعطيات الميدانية تشير إلى أن طهران ما تزال قادرة على إلحاق أضرار ملموسة بالقوات الأميركية وحلفائها في المنطقة. فقد أظهرت تحقيقات بصرية نشرتها واشنطن بوست أن الضربات الإيرانية أصابت أو دمرت ما لا يقل عن 228 منشأة أو قطعة معدات في مواقع عسكرية أميركية بالشرق الأوسط، وهو حجم دمار يفوق بكثير ما اعترفت به واشنطن رسمياً.


وهنا تظهر معضلة أخرى: فكلما بالغت الإدارة الأميركية في تصوير الحرب كـ"نصر كامل"، ازدادت صعوبة التراجع أو تقديم تنازلات سياسية لاحقاً. وهذا يفسر التناقض الحالي؛ إذ يعلن ترمب أن إيران "تنهار"، فيما تؤكد الاستخبارات الأميركية أن طهران ما تزال تمتلك أدوات الصمود والردع.


ولا تكمن المشكلة الأعمق في خطاب ترمب فقط في المبالغة، بل في تحويل الحرب إلى عرض سياسي دائم. فالرئيس الأميركي يتحدث عن "جدار فولاذي" وعن "تقدم عظيم" في المفاوضات بالتوازي مع استمرار العمليات العسكرية، وكأن الحرب أصبحت جزءاً من صناعة الصورة السياسية أكثر من كونها صراعاً معقداً يحمل مخاطر إقليمية هائلة. هذا الأسلوب قد يمنح زخماً إعلامياً مؤقتاً، لكنه يضعف الثقة بالمؤسسات عندما تتناقض التصريحات الرسمية مع تقارير الاستخبارات والتقديرات العسكرية الواقعية. وفي النهاية، فإن الحروب لا تُحسم بالشعارات، بل بميزان القدرة على التحمل والاستنزاف طويل المدى.


ولا يبدو أن الحرب الأميركية ضد إيران تتجه نحو حسم سريع كما يروج البيت الأبيض. بل إن المعطيات المسربة تشير إلى مواجهة طويلة ومفتوحة، يكون فيها عامل الصمود أكثر أهمية من الضربات الدعائية. وبينما يواصل ترمب الحديث عن "الانتصار"، تبدو المؤسسات الاستخباراتية الأميركية أكثر إدراكاً لحقيقة أن إيران، رغم الجراح العميقة، ما تزال بعيدة عن الانهيار الكامل.

تحليل

السّبت 09 مايو 2026 5:41 صباحًا - بتوقيت القدس

الذاكرة في مواجهة المحو: "كلّ ما تبقّى منك" لشيرين دعيبس

رسالة واشنطن




واشنطن – سعيد عريقات -9/5/2026


في الأول من أيار، جلستُ لمشاهدة فيلم "كلّ ما تبقّى منك" (2025) للمخرجة شيرين دعيبس، دون تصوّرٍ بأنني على وشك أن أُستدرج إلى قلب حكايةٍ تنبض بالألم كما تنبض بالحياة. لم تكن مجرد صورٍ تمرّ على الشاشة، بل وجوهٌ تتنفس، وذكرياتٌ تستيقظ، وجراحٌ ترفض أن تصمت. الفيلم لا يسرد الحكاية بقدر ما يوقظها، ينتشلها من بين الركام، ويضعها أمامنا عاريةً، كحقيقةٍ لا تقبل التجميل. هنا، لا تظهر النكبة كذكرى بعيدة في زمنٍ منقضٍ، بل كنبضٍ لا يهدأ، كوجعٍ مفتوح، وكحياةٍ تُقاتل، بكل ما تبقّى فيها، كي لا تُمحى.


تنسج دعيبس عملها بخيوط الذاكرة الممزقة، وتقول بصوتٍ منخفض لكنه نافذ: ما حدث لم ينتهِ. فالبيوت التي هُدمت، والأراضي التي سُلبت، والوجوه التي أُجبرت على الرحيل، لم تُدفن في أرشيف التاريخ، بل تحوّلت إلى واقعٍ يوميّ يتوارثه الأبناء كما يتوارثون أسماءهم. النكبة هنا ليست ماضياً يُستعاد، بل حاضرٌ يُعاش، يتبدّل شكله، لكنه لا يفقد جوهره.


يفتتح الفيلم رحلته في الضفة الغربية المحتلة خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى، حيث نلتقي نور، الفتى الذي يحاول أن يكبر في مكانٍ يضيق بكل معنى للنمو. نور ليس بطلاً بالمعنى التقليدي؛ إنه مجرد صبيّ يحلم بأن يمشي دون خوف، أن يضحك دون أن يراقبه جندي، أن يكون عادياً في عالمٍ يحرمه حتى من عاديته. تلاحقه الحواجز، وتراقبه البنادق، وتثقل خطواته أسئلة لا تليق بعمره.


تلتقط الكاميرا تفاصيل الحياة تحت الاحتلال كما لو كانت تلامس جرحاً مفتوحاً: الطريق إلى السوق مغامرة، والوقوف في الشارع مخاطرة، والهتاف في مظاهرة قد يكون آخر ما يُقال. وحين تنطلق الرصاصات نحو المتظاهرين، لا يبدو المشهد صدمةً مفاجئة، بل كأنه استمرارٌ بارد لمنطقٍ طويل من السيطرة، حيث يُختزل الإنسان إلى هدفٍ في مرمى القوة.


ثم، كما لو أن الذاكرة لا تقبل أن تُروى من طرفٍ واحد، يعود الفيلم إلى يافا عام 1948، حيث تبدأ الحكاية التي لم تنتهِ. هناك، نفقد مع شريف ومنيرة ليس فقط بيتاً أو بستان برتقال، بل نفقد فكرة "الاستقرار" ذاتها. تتسلل إلى المشاهد ظلال مجزرة دير ياسين، لا كحدثٍ منفصل، بل كخوفٍ جماعي يسكن العيون ويعجّل الرحيل. كل نظرة بين أبٍ وطفله، كل يدٍ تُشدّ على عجل، تحمل سؤالاً واحداً: إلى أين نذهب حين يُسلب منا المكان؟


ما يمنح الفيلم تلك الرهافة القاسية، هو أنه لا يصرخ بقدر ما يهمس، ولا يدين بقدر ما يكشف. إنه يقف في وجه عقودٍ من السرديات التي جرّدت الفلسطيني من صوته، وحوّلته إلى رقمٍ أو خبرٍ عابر. هنا، يستعيد الإنسان اسمه، وملامحه، وحقه في أن يُروى كما هو، لا كما يُراد له أن يكون.


ومع ذلك، لا يبقى الفيلم أسير الماضي. إذ يستحيل على المشاهد اليوم أن يفصل بين صوره وما يحدث في قطاع غزة، حيث تتكرر المأساة بأدواتٍ أكثر فتكاً، لكن بالمنطق ذاته: أحياء تُمحى، وأجساد تُثقلها الحروب، وذاكرة تُدفع نحو النسيان. وكأن الزمن يدور في حلقةٍ مغلقة، يعيد كتابة الألم ذاته، بأسماءٍ مختلفة.


ويمتد هذا الصدى إلى ما هو أبعد من فلسطين، إلى لبنان، وإلى فضاءاتٍ لا حدود لها، حيث يتكرر منطق القوة ذاتها، وتُعاد سردية الإفلات من الحساب. في هذا الاتساع، لا يعود الفيلم مجرد حكاية شعب، بل شهادة على عالمٍ يختار أحياناً أن يغضّ الطرف.


ومع كل هذا الثقل، يترك الفيلم فسحةً للحنين، للدفء الإنساني الذي يرفض أن ينكسر. نرى الأعراس، ونسمع الضحكات، ونشهد لحظات حبٍ صغيرة، كأنها تتحدى الخراب. الفلسطيني هنا ليس فقط من يتألم، بل من يحب، ومن يحلم، ومن يتمسك بالحياة كما لو كانت آخر ما تبقّى له.


يقدّم آدم بكري أداءً مشبعاً بالصمت النبيل، حيث تختبئ الأحزان في نظراته أكثر مما تُقال بالكلمات. أما محمد عبد الرحمن، فيجسّد شخصية نور بصدقٍ هشّ ومربك، كأننا نرى في عينيه طفولةً تحاول أن تنجو من ثقل العالم. الصورة السينمائية، بضوء المتوسط ودفء حجارة البيوت، تمنح الفيلم روحاً مزدوجة: حميمية كذكرى، واتساعاً كملحمة.


قد تبدو بعض لحظات الفيلم مباشرة في خطابها، لكن هذه المباشرة، في عالمٍ يعتاد تجاهل الألم، تصبح ضرورة. فحين تُنكر الحكاية، يصبح قولها بصوتٍ واضح عملاً أخلاقياً بحد ذاته.


في الختام، لا ينطفئ هذا الفيلم على شاشةٍ سوداء، بل يظلّ متوهجاً في الذاكرة كجرحٍ يرفض أن يلتئم. إنه ليس مجرد حكاية تُروى، بل شهادة تُنتزع من قلب الصمت، وصرخةٌ أخيرة في وجه عالمٍ اعتاد أن يدير نظره. هنا تبلغ الحكاية ذروتها لا بالنهاية، بل بالاستمرار: ذاكرةٌ تقاوم المحو، وصوتٌ يرفض الاختفاء، وحياةٌ تتشبث بما تبقّى منها تُعلن بإصرارٍ يشبه الخلود، إن ما يُراد له أن يُمحى، يظلّ حيّاً في الوجدان، عصيّاً على النسيان.

فلسطين

السّبت 09 مايو 2026 5:38 صباحًا - بتوقيت القدس

شهادات مروعة لناشطي 'أسطول الصمود': تعذيب وتحرش جنسي في سجون الاحتلال

كشف يوسف عجيسة، رئيس اللجنة الدولية لكسر الحصار عن غزة، عن تفاصيل صادمة تتعلق بالانتهاكات التي تعرض لها ناشطو أسطول الصمود العالمي أثناء احتجازهم لدى القوات الإسرائيلية. وأوضح عجيسة أن الشهادات التي أدلى بها المفرج عنهم تؤكد تعرض المشاركين لممارسات وحشية شملت الضرب والسحل وتقييد الأيدي وعصب الأعين في ظروف مهينة.

وأفادت مصادر بأن الانتهاكات لم تتوقف عند الإيذاء الجسدي، بل امتدت لتشمل اعتداءات وتحرشاً جنسياً استهدف مناطق حساسة في أجساد المتضامنين. ووصف المسؤولون هذه الأفعال بأنها انتهاك صارخ للكرامة الإنسانية، مشيرين إلى أنها تعكس الطبيعة الإجرامية والوحشية التي يتعامل بها الكيان مع النشطاء السلميين الدوليين.

وأعربت اللجنة الدولية لكسر الحصار عن استغرابها الشديد من ضعف التفاعل الدولي تجاه هذه الجرائم، خاصة من قبل الاتحاد الأوروبي الذي لم يصدر إدانات تتناسب مع حجم الحدث. وأكدت اللجنة أن غياب المحاسبة الدولية هو ما يشجع الاحتلال على الاستمرار في ممارساته التي تهدد استقرار المنطقة والعالم أجمع.

وشدد عجيسة على أن فرض العقوبات على إسرائيل بات ضرورة ملحة لوقف هذه التجاوزات المتكررة التي تجري في المياه الدولية بعيداً عن الرقابة. واعتبر أن ما جرى مع المتضامنين هو امتداد طبيعي لما يتعرض له الفلسطينيون في قطاع غزة من حرب إبادة وانتهاكات ممنهجة للقانون الدولي والمؤسسات الأممية.

وتساءل المسؤول الحقوقي عن مصير أهالي غزة والضفة الغربية في ظل هذه الوحشية، مؤكداً أنه إذا كان المتضامنون الأجانب قد نالوا هذا القدر من التنكيل، فإن المعاناة الفلسطينية تفوق الوصف. وأشار إلى أن الاحتلال يواصل نشر ممارساته دون أي رادع حقيقي، مستغلاً الصمت الدولي المطبق تجاه جرائمه المستمرة.

وفي سياق متصل، طالبت اللجنة الدولية بالإفراج الفوري عن الناشطين سيف أبو كشك وتياغو أفيلا، اللذين لا يزالان قيد الاحتجاز والتحقيق منذ عدة أيام. ودعت المنظمات الحقوقية إلى التدخل العاجل لضمان سلامتهما، محملة سلطات الاحتلال المسؤولية الكاملة عن حياتهما وصحتهما الجسدية والنفسية.

كما وجهت مطالبات بضرورة توفير حماية دولية للسفن المتجهة إلى قطاع غزة لضمان عدم تعرضها للقرصنة أو الاعتداء في المياه الدولية. وأكدت المصادر أن اعتراض السفن في عرض البحر يمثل خرقاً لكافة المواثيق البحرية الدولية التي تضمن حرية الملاحة والعمل الإنساني لإغاثة المدنيين المحاصرين.

من جانبه، وصف 'أسطول الصمود العالمي' استمرار احتجاز أبو كشك وأفيلا بأنه قرار غير قانوني يفتقر لأي مسوغ حقوقي. وأكد الأسطول في بيان له أن الناشطين محتجزان فقط بسبب التزامهما الأخلاقي والإنساني تجاه سكان قطاع غزة الذين يعانون من حصار خانق منذ سنوات طويلة.

وكانت القوات الإسرائيلية قد اعترضت في التاسع والعشرين من أبريل الماضي قوارب الأسطول في المياه الدولية قبالة جزيرة كريت اليونانية. وضمت القوارب المعترضة مئات الناشطين من 39 دولة مختلفة، من بينهم مواطنون أتراك وأوروبيون، كانوا في طريقهم لتقديم مساعدات إنسانية رمزية لغزة.

ووفقاً لبيانات القائمين على الرحلة، فقد احتجز الجيش الإسرائيلي 21 قارباً كان على متنها نحو 175 ناشطاً، بينما تمكنت بقية القوارب من مواصلة طريقها. وتعد هذه المحاولة هي الثانية للأسطول بعد محاولة سابقة في سبتمبر 2025 انتهت أيضاً بهجوم إسرائيلي واعتقال مئات المتضامنين الدوليين.

وفي تطور ميداني، أعلن أسطول الصمود عن انطلاق قواربه من اليونان باتجاه جزيرة مرمريس التركية للتحضير للخطوات المقبلة في مسيرة كسر الحصار. ومن المقرر أن تشارك القوارب في اجتماع دولي موسع يضم أكثر من 30 سفينة داعمة للمهمة الإنسانية، بهدف إعادة تقييم التحركات السابقة وتنسيق الجهود القادمة.

وقالت المتحدثة باسم الأسطول، رانيا بيتريس إن الاجتماع في مرمريس سيمثل منصة لمناقشة التحديات التي واجهت الرحلة منذ انطلاقها من برشلونة وصقلية. واتهمت بيتريس إسرائيل بممارسة إرهاب الدولة عبر مهاجمة السفن في المياه الدولية، مؤكدة أن هذا السلوك يتطلب موقفاً دولياً حازماً وصارماً.

وكشفت بيتريس أن الناشطين المعتقلين، تياغو وأبو كشك، يخوضان إضراباً عن الطعام احتجاجاً على ظروف احتجازهما القاسية وتعرضهما للتعذيب. وأوضحت أن سلطات السجون تصر على عصب أعينهما حتى أثناء الفحوصات الطبية، وهو ما يعد مخالفة جسيمة لحقوق الإنسان واتفاقيات جنيف المتعلقة بالأسرى والمحتجزين.

واختتمت المتحدثة بالتأكيد على أن حركة التضامن الدولي لن تتوقف رغم القمع الإسرائيلي، وأن التحشيد الشعبي العالمي سيستمر لدعم الشعب الفلسطيني. وأشارت إلى أن الهدف الأساسي يظل كسر الحصار غير القانوني المفروض على غزة منذ عام 2007، والذي تسبب في كوارث إنسانية غير مسبوقة لسكان القطاع.