لطالما اتجهت الشعوب والحركات التحررية في جميع أنحاء العالم إلى النضال المسلح للمطالبة بحقوقها في تقرير مصيرها، رغم ميل ميزان القوة إلى جهات الاحتلال والاستعمار، ورغم أن كثيرًا منها انتهى بالقمع أو الفشل العسكري في تحقيق الأهداف بشكل آني، إلا أنها تركت أثرًا عميقًا في الوعي ورسّخت فكرة المقاومة.
وتوقفت حرب الإبادة الإسرائيلية ضد قطاع غزة بعد أكثر من سنتين كاملتين على عملية "طوفان الأقصى"، التي أطلقتها المقاومة الفلسطينية في "ظل الجرائم الإسرائيلية المتواصلة بحق الشعب الفلسطيني وتنكرها للقوانين الدولية، وفي ظل الدعم الأمريكي والغربي والصمت الدولي".
وأدت حرب الإبادة إلى استشهاد نحو 68 ألف فلسطيني وإصابة أكثر من 170 ألفًا آخرين، مع إعلان أن نسبة الدمار في القطاع بلغت نحو 90 بالمئة، وهو ما فتح جدلًا حول جدوى العملية والأهداف التي كانت المقاومة تطمح لتحقيقها.
ويتعرض قطاع غزة لحصار إسرائيلي خانق منذ فوز حركة حماس بالانتخابات التشريعية عام 2006، التي تم التوافق على نتائجها في البداية، وما تبع ذلك من أحداث انقسام في العام التالي، ما أدى إلى نشوء سلطتين سياسيتين وتنفيذيتين في الضفة الغربية تحت سيطرة حركة فتح، وفي قطاع غزة تحت سيطرة حركة حماس.
ومنذ ذلك الحين، تعرّض قطاع غزة لتكرار تصاعد العدوان خمس مرات في سنوات 2008 و2012 و2014 و2021 و2023، كان أبرزها حرب الإبادة الأخيرة، فضلًا عن حالات تصعيد متكررة بين هذه السنوات، بينما تصاعد المدّ الاستيطاني في الضفة، وما رافقه من استيلاء على مساحات واسعة من الأراضي وتواصل تهويد القدس والمسجد الأقصى، وتقطيع أواصر الضفة بالطرق الاستيطانية والحواجز الأمنية.
قامت ثورات شعبية عدة في مصر ضد الاحتلال الفرنسي، لكن كل واحدة من هذه الثورات انتهت إلى فرض سيطرة أجنبية إضافية بدلًا من تحقيق الاستقلال التام، ففي ثورة القاهرة الأولى عام 1798، ثار المصريون ضد الاحتلال الفرنسي بعد حملة نابليون، إلا أن الثورة انتهت بـ"انتصار فرنسي" على الثوار.
وفي تشرين الأول/ أكتوبر من عام 1798، أدى السخط ضد الفرنسيين إلى انتفاضة سكان القاهرة، قاد الأزهر وشيوخه الثورة، وعندما كان نابليون بونابرت في القاهرة القديمة، بدأ سكان المدينة في نشر الأسلحة بين بعضهم البعض وتحصين نقاط القوة، خاصة في جامع الأزهر.
وحينما اشتعلت الثورة، قُتل الكثير من المصريين والفرنسيين، منهم القائد الفرنسي دومينيك مارتن دوبوي على يد القاهريين الثائرين، وكذلك جوزيف سولكوفسكي، مساعد بونابرت.
وردّ الفرنسيون بنصب مدافع في القلعة وإطلاق النار على مناطق تحوي قوات المتمردين. وخلال الليل، تقدم الجنود الفرنسيون حول القاهرة ودمروا أي حواجز وتحصينات واجهوها.
وسرعان ما بدأ الثوار في التراجع أمام قوة القوات الفرنسية، وفقدوا تدريجيًا سيطرتهم على مناطقهم في المدينة، وواجه نابليون الثورة بعنف، ودخل جنوده الأزهر بخيولهم، مما أثار الشعور الديني للمصريين.
قام بونابرت شخصيًا بمطاردة المتمردين من شارع إلى آخر وأجبرهم على اللجوء إلى جامع الأزهر. وأمر نابليون بإطلاق النار على المسجد، فحطم الفرنسيون البوابات واقتحموا المبنى وقتلوا السكان.
في نهاية التمرد، قُتل أو جُرح ما بين 5000 إلى 6000 شخص من القاهرة. ولم يستطع المصريون طرد الجنود الفرنسيين إلا بعد تدخل القوات البريطانية والعثمانية.
وقامت ثورة القاهرة الثانية من الشعب المصري ضد الفرنسيين في 20 آذار/ مارس 1800، وانطلقت من حي بولاق واستمرت قرابة شهر حتى تمكن الجنرال كليبر من ضرب أحياء القاهرة وإحراقها بمدافعه في 21 نيسان/ أبريل 1800، وحينها استسلم الثائرون من أهالي مصر.
وبين عامي 1881 و1882، قاد ضابط الجيش أحمد عرابي حركة وطنية ضد التدخل البريطاني الفرنسي في الشؤون المصرية، لكن قوات الاحتلال قصفت الإسكندرية وقضت على جيش الثوار في معركة التل الكبير، وانتهت الاشتباكات بـ"انتصار بريطاني".
وأكد الغزو إنشاء الاحتلال البريطاني الدائم لمصر، حيث "أنهى انتفاضة وطنية" وأرسى النفوذ البريطاني على حساب المصريين.
أما في ثورة 1919، فانتفض المصريون بقيادة سعد زغلول ضد الاحتلال البريطاني، وأعلنت الجامعة الوطنية المصرية الاستقلال، ورغم ذلك، لم يُطرد البريطانيون فعليًا، فلم يكن الاستقلال سوى إعلان شكلي، ولم تنجح الثورة في طرد النفوذ البريطاني تمامًا، إلا أنها مهّدت لاحقًا للتفاوض على دستور 1923 واعتماد الملكية الدستورية.
حدثت انتفاضات مسلحة عديدة ضد الاحتلال البريطاني في أيرلندا، باءت جميعها بالفشل في المدى القصير لكنها مهّدت لاحقًا للاستقلال.
ففي الثورة الأيرلندية عام 1798، كانت جمعية الأيرلنديين المتحدين، التي تتألف من مجموعة من الجمهوريين الأيرلنديين المتأثرين بأفكار الثورتين الأمريكية والفرنسية، هي القوة الأساسية المنظمة لهذه الثورة، التي قادها أعضاء الكنيسة المشيخية والكاثوليكيون الذين يُشكّلون غالبية السكان الأيرلنديين، وذلك بسبب شعورهم بالغضب نتيجة إبعادهم عن مواقع السلطة من قبل المؤسسة الأنجليكانية.