يتواصل تأثير الكارثة الإنسانية والأزمات المركبة الناتجة عن حرب الإبادة الإسرائيلية، التي امتدت لأكثر من عامين ضد قطاع غزة، على أكثر من مليوني فلسطيني، بما يشمل مختلف مناحي الحياة اليومية والقطاعات، ضمن سياسة إسرائيلية متعمدة تهدف إلى إدامة تأثير الإبادة.
ولعل قطاع الأغذية والمساعدات الإنسانية هو أكثر الأزمات المستمرة في تأثيرها على السكان، وأكثرها تعلقًا بمستوى الصحة العامة والمعيشة بعد شهور طويلة من سوء التغذية والمجاعة، وسط تعمد الاحتلال عدم إدخال المواد الغذائية الأساسية والتركيز على إدخال أطعمة وأغذية منخفضة أو سلبية الفائدة الغذائية.
وبعد نحو 40 يومًا من وقف إطلاق النار، لم يتحسن الواقع الغذائي في قطاع غزة، بل تركز دخول المواد الغذائية على الأغذية الغنية بالصوديوم مثل المسليات المملحة ورقائق البطاطا المقلية والنشويات والطحين وغيره، مع توفر محدود للخضار الأساسية، بينما تبقى الأغذية الهامة مثل الفواكه واللحوم نادرة، أو متوفرة بجودة متدنية جدًا قد لا تصلح للاستهلاك البشري، أو بأسعار مرتفعة جدًا نظرًا لمحدودية دخولها وتوفرها في الأسواق.
ولا تقتصر عملية معالجة سوء التغذية على توفر الغذاء بكميات كبيرة وكافية فقط، إنما تتعلق ببروتوكولات صحية وأساليب معالجة دقيقة تمنع ظهور مشكلات صحية خطيرة قد تكون مزمنة وتؤثر على جيل كامل من الفلسطينيين في القطاع.
وقالت المستشارة الفنية للصحة والتغذية في مؤسسة "إنقاذ الطفل - Save the Children"، ميرفت حجازي: إنه بعد نحو عامين من نقص الغذاء الحاد في أجزاء من غزة، يواجه السكان وخصوصًا الأطفال والحوامل والمرضعات مخاطر صحية فورية وطويلة المدى عند العودة المفاجئة إلى أطعمة غنية بالدهون أو السكر أو الصوديوم.
وأكدت حجازي لـ"عربي21" خطر العودة المفاجئة إلى أطعمة عالية بالدهون أو السكر أو الصوديوم، أنه بعد فترات طويلة من الجوع، يتأقلم الجسم على حالة منخفضة من الاحتياطيات (غليكوجين، شحوم مخزّنة، احتياطي إلكتروليتات)، وإعطاء كميات كبيرة من الكربوهيدرات البسيطة أو الأطعمة الدسمة يتسبب في ارتفاع مفاجئ للأنسولين وتحول سريع للكهارل داخل الخلايا (الإلكتروليتات، وهي أملاح ومعادن ضرورية لعمل وظائف الجسم الحيوية، مثل تنظيم توازن السوائل)، مما يؤدي إلى نقص حاد في الفوسفور والبوتاسيوم والمغنيسيوم في المصل، وهو ما يعرف بمتلازمة إعادة التغذية (Refeeding Syndrome).
وأوضحت أن نقص هذه الشوارد قد يسبب عجزًا عضليًا (بما يشمل عضلة التنفس)، إضافة إلى اضطرابات نظم قلبية، وارتباكًا ذهنيًا، وفي حالات شديدة فشلًا قلبيًا أو تنفسيًا.
وذكرت ميرفت حجازي أنه في حالة الأطفال الذين لم يجدوا طعامًا كافيًا لأسابيع، ومن بعدها تناولوا كمية كبيرة من الحلويات أو الخبز الأبيض مع مشروبات غازية، فإنهم قد يعانون بعد ساعات إلى أيام من ضعف شديد أو تشنجات نتيجة انخفاض الفوسفور.
وفي حالة امرأة تعافت غذائيًا بتناول وجبات معلبة غنية بالملح والدهون مثل المخللات والشوربات الجاهزة واللحوم المصنّعة، فإنها قد تُصاب باحتباس سوائل وزيادة ضغط دم وتدنٍّ في وظيفة القلب، خاصةً إذا كانت هزيلة مسبقًا.
وذكر أنه في حالة رجل يتناول دفعة كبيرة من الأطعمة الدسمة بعد صيام طويل، فقد يعاني إجهادًا كبديًا وتهيجًا معديًا مع قيء وإسهال يؤديان إلى تفاقم الجفاف، وأحيانًا فشلًا كلويًا حادًا لدى بعض الحالات الضعيفة.
ومنذ بدء سريان وقف إطلاق النار، لم يدخل إلى قطاع غزة سوى أقل من 5000 شاحنة، من أصل 15,600 شاحنة كان يفترض وصولها وفق الترتيبات الإنسانية، أي بنسبة لا تتجاوز 30 بالمئة، وهذا العجز الكبير يعكس استمرار سياسة الخنق التي يتبعها الاحتلال، إذ يُبقي تدفق المساعدات بعيدًا عن الحد الأدنى المطلوب لإنقاذ أكثر من 2.4 مليون إنسان يعيشون في ظروف شديدة الهشاشة.
ولا يتجاوز متوسط عدد الشاحنات التي تدخل غزة يوميًا 200 شاحنة، رغم أن البروتوكول الإنساني ينص على 600 شاحنة يوميًا لتلبية الاحتياجات الأساسية للغذاء والدواء والوقود، هذا الفارق الحاد يؤكد استمرار ضغط الاحتلال على السكان عبر التحكم في سلاسل الإمداد وإدامة حالة العجز الغذائي والإنساني داخل القطاع، بحسب بيانات المكتب الإعلامي الحكومي في القطاع.
أكدت المستشارة الفنية للصحة والتغذية، ميرفت حجازي، أن البدء المفاجئ في نظام غذائي عالي السعرات الفارغة يمكن أن يسرّع ظهور عوامل خطر الأيض (زيادة مقاومة الإنسولين، وتراكم دهون الكبد، وارتفاع ضغط الدم)، خاصة إذا استمر النمط الغذائي غير المتوازن بعد مرحلة التعافي، لذلك قد تزداد فرص الإصابة بأمراض مزمنة على المدى المتوسط والطويل.
وأوضحت أنه من أجل منع إمكانية حدوث الصدمة الأيضية، يجب إحداث تدرّج عملي وآمن لإعادة التغذية، بالبدء بسعرات منخفضة ثم الزيادة تدريجيًا، مع متابعة سريرية دقيقة للعلامات الحيوية ووعي المريض إن أمكن، ومراقبة مختبرية للشوارد.
وذكرت أن هذه الإرشادات تأتي بحسب المبادئ الإرشادية الطبية المعيارية لـ"مجموعة التغذية - Nutrition Cluster" و"اليونيسيف - UNICEF"، و"منظمة الصحة العالمية - WHO"، التي توصي أيضًا بضرورة الوقاية بالمكمّلات وإعطاء ثيامين (فيتامين B1) قبل أول وجبة، والاهتمام بالحديد والزنك وفيتامين A وفق الحاجة، مع التركيز على جودة الوجبات، وأطعمة سهلة الهضم، قليلة الدهون في البداية، متوازنة في البروتينات والكربوهيدرات المعقدة.
ويفتقد القطاع الصحي المنهار في غزة لمعظم هذه الأساسيات في توصيات التغذية بسبب حرب الإبادة التي دمرت معظم المستشفيات والمرافق والنقاط الصحية، كما أن المنخفض الجوي الذي أثر على المنطقة بدءًا من نهاية الأسبوع الماضي (14 تشرين الثاني/ نوفمبر) عقّد المشكلات أكثر وتسبب بخروج النقاط الطبية القائمة في الخيام عن الخدمة نتيجة غزارة الأمطار وتطايرها.
تؤكد وزارة الصحة في غزة أن الوضع الصحي ما يزال مأساويًا رغم وقف إطلاق النار، بسبب استمرار الاحتلال في منع إدخال الأدوية والمستلزمات الطبية ومنع سفر الجرحى للعلاج، إضافة إلى تعطيل تنفيذ البروتوكول الإنساني المتعلق بدخول شاحنات الإغاثة.
يمارس الاحتلال سياسة ممنهجة بحرمان الفلسطينيين من أكثر من 350 صنفًا غذائيًا أساسيًا، تشمل البيض واللحوم بأنواعها والأسماك والأجبان والخضروات والمكملات الغذائية، هذا الحرمان يضرب بشدة قدرة الأسر على الحصول على غذاء متوازن، ويضاعف المخاطر على الحوامل والأطفال وذوي المناعة الضعيفة.
وفي المقابل، يسمح الاحتلال بتدفق كميات كبيرة من السلع عديمة القيمة الغذائية مثل الشوكولاتة والمشروبات الغازية والوجبات المصنعة.
وتصل هذه المنتجات إلى الأسواق بأسعار تفوق قيمتها بسبب تحكم الاحتلال في الإمدادات، ما يعزز سياسة "هندسة التجويع" عبر توفير ما لا يسد الجوع ومنع ما يضمن الصحة، إلا أن الأغذية ذات القيمة الإيجابية حال توفرها يكون سعرها أكثر ارتفاعًا.
وأوضحت ميرفت حجازي أن خطة التدرّج المقترحة هي: خلال اليومين الأولين بتقديم 10–20 سعرة حرارية لكل كيلوغرام يوميًا، عبر وجبات صغيرة 4–6 مرات يوميًا مثل الشوربات والأرز والبطاطس المهروسة والزبادي والموز، مع إعطاء ثيامين 100 ملغ حقنًا أو فمويًا ومراقبة العلامات الحيوية كالتنفس والنبض والوعي والوذمات.