رسالة واشنطن
واشنطن – سعيد عريقات – 3/6/2026
تحليل إخباري
في تطور سياسي لافت يحمل دلالات تتجاوز حدود ولاية نيوجيرسي، حقق الطبيب وجراح الجيش الأميركي السابق آدم حموي انتصاراً بارزاً في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في الدائرة الثانية عشرة بالولاية، ليصبح على الأرجح أول نائب منتخب من هذه الدائرة يحمل برنامجاً سياسياً مؤيداً للحقوق الفلسطينية بشكل صريح، في وقت تتصاعد فيه الانقسامات داخل الحزب الديمقراطي بشأن الحرب الإسرائيلية على غزة.
وجاء فوز حموي بعد منافسة حادة ضمت ثلاثة عشر مرشحاً سعوا لخلافة النائبة الديمقراطية المخضرمة بوني واتسون كولمان، التي قررت التقاعد. وبالنظر إلى الطبيعة السياسية للدائرة، يُتوقع أن يتقدم بسهولة على منافسه الجمهوري غريغ ميلي في الانتخابات العامة المقررة في تشرين الثاني المقبل.
ويكتسب انتصار حموي أهمية خاصة لأنه تحقق رغم حملة إعلامية مكثفة استهدفته خلال الأسابيع الأخيرة من السباق، وسعت إلى ربطه بالتطرف الإسلامي بسبب شهادة أدلى بها قبل أكثر من ثلاثة عقود في محاكمة الشيخ المصري عمر عبد الرحمن، المدان بالتخطيط لهجمات إرهابية في الولايات المتحدة.
ورفض حموي تلك الاتهامات، معتبراً أنها تستند إلى قوالب نمطية قديمة تستهدف المسلمين المشاركين في الحياة السياسية الأميركية. وأشار إلى سجله الطويل في خدمة الجيش الأميركي، وإلى مشاركته في جهود الإنقاذ عقب هجمات الحادي عشر من أيلول، مؤكداً أن خصومه لجأوا إلى أساليب تشويه لم تعد تلقى الصدى نفسه لدى الناخبين.
ويتميز حموي بسيرة شخصية استثنائية. ففي عام 2004، خلال خدمته كجراح ميداني في العراق، ساهم في إنقاذ حياة السيناتورة الديمقراطية تامي دوكورث بعد إصابة المروحية التي كانت تقلها بصاروخ أدى إلى فقدانها ساقيها. وبعد عقدين تقريباً، توجه إلى غزة لتقديم الرعاية الطبية للجرحى الفلسطينيين خلال الحرب الإسرائيلية، وبقي عالقاً لفترة داخل القطاع بعد إغلاق معبر رفح، قبل أن يرفض المغادرة فور إعادة فتحه مطالباً بالسماح لمزيد من الكوادر الطبية بالدخول.
واعتمد حموي في حملته على برنامج تقدمي واضح يدعو إلى توسيع الرعاية الصحية الشاملة، وإصلاح سياسات الهجرة، ووقف المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل. وقد حظي بدعم شخصيات بارزة في الجناح التقدمي للحزب الديمقراطي، من بينها السيناتور بيرني ساندرز والنائبة ألكساندريا أوكاسيو كورتيز، إضافة إلى منظمات شبابية وتقدمية مؤثرة.
لكن العامل الأكثر إثارة للاهتمام في هذا الفوز كان الدعم المالي والتنظيمي الذي تلقاه من لجنة العمل السياسي المستقلة "أميركان برايوريتيز (أولويات أميركية)"، وهي مجموعة تأسست هذا العام بهدف مواجهة النفوذ السياسي المتنامي للوبي الإسرائيلي، وعلى رأسه منظمة إيباك.
فقد خصصت المجموعة نحو مليوني دولار لدعم حماوي، ما ساعده على الانتقال من مرشح مغمور لم يكن يحظى إلا بنسبة محدودة من التأييد في استطلاعات الرأي إلى متصدر السباق خلال أسابيع قليلة.
لا تكمن أهمية هذه النتيجة في فوز مرشح بعينه، بل في كونها تمثل واحدة من أوضح الانتكاسات السياسية التي تعرضت لها إيباك خلال السنوات الأخيرة. فقد اعتادت المنظمة استخدام موارد مالية ضخمة للتأثير في نتائج الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، خصوصاً ضد المرشحين المنتقدين للسياسات الإسرائيلية. إلا أن فوز حموي أظهر أن المال السياسي لم يعد كافياً وحده لحسم المعارك الانتخابية، وأن المزاج الشعبي داخل قطاعات واسعة من القاعدة الديمقراطية بدأ يتغير بصورة ملموسة، خصوصاً بعد الحرب المدمرة التي شهدها قطاع غزة.
شكلت الحملة التي استهدفت حموي اختباراً مهماً لمدى فاعلية الأساليب التقليدية المستخدمة ضد المرشحين المؤيدين للحقوق الفلسطينية. فقد استندت معظم الهجمات إلى إثارة الشبهات حول خلفيته الدينية وعلاقاته القديمة داخل الجالية العربية والمسلمة. غير أن الناخبين بدا أنهم أولوا اهتماماً أكبر لسجله المهني والعسكري والإنساني. ويشير ذلك إلى تراجع تأثير خطاب التخويف الذي كان ينجح سابقاً في إقصاء أصوات ناقدة لإسرائيل، وإلى تنامي استعداد الجمهور للفصل بين الاتهامات السياسية والوقائع الفعلية.
يعكس صعود حموي اتجاهاً أوسع يشهده الحزب الديمقراطي، حيث تتزايد قوة الجناح التقدمي الذي يربط بين قضايا العدالة الاجتماعية داخل الولايات المتحدة وحقوق الفلسطينيين في الخارج. ويبدو أن الأجيال الشابة من الناخبين الديمقراطيين أصبحت أقل التزاماً بالمقاربات التقليدية التي حكمت العلاقة بين واشنطن وإسرائيل لعقود طويلة. وإذا استمرت هذه التحولات، فإن إيباك قد تجد نفسها أمام تحدٍ استراتيجي غير مسبوق، يتمثل في تآكل قدرتها على فرض الإجماع داخل الحزب بشأن الدعم غير المشروط لإسرائيل.
وبالنسبة لكثير من المراقبين، فإن فوز آدم حموي لا يمثل مجرد انتصار انتخابي محلي، بل يعكس بداية مرحلة سياسية جديدة داخل الحزب الديمقراطي، تتزايد فيها فرص المرشحين الذين يتبنون مواقف أكثر انتقاداً للسياسات الإسرائيلية وأكثر تعاطفاً مع القضية الفلسطينية. كما يبعث برسالة واضحة مفادها أن النفوذ التقليدي الذي تمتعت به إيباك لعقود لم يعد محصناً من التحديات، وأن ظهور شبكات تمويل وتنظيم مضادة بات قادراً، ولو تدريجياً، على إعادة رسم موازين القوة داخل السياسة الأميركية.