واشنطن – سعيد عريقات – 3/5/2026
تحليل إخباري
بينما يحتفل العالم في الثالث من أيار بـاليوم العالمي لحرية الصحافة، كانت غزة والضفة الغربية تقدّمان مرة أخرى الدليل الأكثر مأساوية على اتساع الهوة بين الشعارات الدولية والواقع الميداني. ففي الوقت الذي تتحدث فيه المؤسسات الغربية عن حماية الصحفيين وحرية التعبير وحق الجمهور في المعرفة، تواصل إسرائيل حربها المفتوحة ضد الصحافة الفلسطينية، عبر القتل المباشر، والاستهداف المنهجي، والاعتقالات، وتدمير المؤسسات الإعلامية، في محاولة واضحة لإخماد الرواية الفلسطينية ومنع نقل مشاهد الدمار والإبادة إلى العالم.
وتشير المعطيات الصادرة عن لجنة حماية الصحفيين إلى أن الحرب التي اندلعت منذ السابع من تشرين الأول 2023 أصبحت الفترة الأكثر دموية بحق الصحفيين في التاريخ الحديث. فحتى أواخر نيسان 2026، قُتل أكثر من 260 صحفياً وعاملاً في القطاع الإعلامي في غزة ولبنان والمناطق المحيطة، بينهم أكثر من 200 صحفي فلسطيني في قطاع غزة وحده. هذه الأرقام لا تمثل مجرد إحصاءات مهنية، بل تكشف تحوّل الصحافة نفسها إلى هدف عسكري مباشر في واحدة من أكثر الحروب توثيقاً في العصر الرقمي.
الصحفيون الفلسطينيون، الذين وجدوا أنفسهم في قلب المجاعة والقصف والانهيار الكامل للبنية التحتية، لم يكونوا مجرد ناقلين للأحداث، بل تحولوا إلى شهود أحياء على حرب إبادة تُرتكب أمام عدسات الكاميرات. كثير منهم قُتلوا داخل منازلهم مع عائلاتهم، وآخرون استُهدفوا أثناء التغطية الميدانية أو خلال وجودهم في خيام العمل قرب المستشفيات ومراكز النزوح، في نمط متكرر دفع منظمات حقوقية إلى الحديث عن وجود مؤشرات واضحة على الاستهداف المتعمد.
وفي لبنان، امتدت الاعتداءات إلى الصحفيين الذين كانوا يغطون المواجهات الحدودية، حيث تراوحت التقديرات بين مقتل 11 و27 صحفياً منذ بدء الحرب، من بينهم مراسلة صحيفة الأخبار أمل خليل، التي قُتلت في نيسان 2026 إثر غارة عبر الحدود، في حادثة أثارت غضباً واسعاً في الأوساط الإعلامية اللبنانية.
ورغم اتساع رقعة الجرائم، لا تزال إسرائيل تتمتع بحصانة سياسية وإعلامية غير مسبوقة. فبحسب تقارير لجنة حماية الصحفيين، لم يُحاسب أي مسؤول إسرائيلي على قتل الصحفيين منذ بداية الحرب. هذه الحصانة لا تنبع فقط من الغطاء السياسي الأميركي والغربي، بل أيضاً من الأداء الإعلامي الدولي الذي تعامل مع استهداف الصحفيين الفلسطينيين بوصفه "أضراراً جانبية"، لا جرائم تستوجب الإدانة والمساءلة.
وفي مشهد يعكس قسوة المفارقة، لم يمر اليوم العالمي لحرية الصحافة هذا العام دون تسجيل انتهاكات جديدة. ففي ساعات الفجر الأولى، اقتحمت قوات الاحتلال منزل الصحفية إسلام عمارنة في مخيم الدهيشة جنوب بيت لحم، واعتقلتها بعد عملية مداهمة عنيفة، لتنضم إلى عشرات الصحفيين الفلسطينيين المعتقلين في السجون الإسرائيلية. وفي غزة، أصيب الصحفيان إسلام منصور ومحسن العزازي برصاص أطلقته قوات الاحتلال أثناء وجودهما في خيمة العمل داخل مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح.
من جهته صرح نقيب الصحفيين الفلسطينيين ناصر أبو بكر إن الاتحاد الدولي للصحفيين يعمل على إعداد وثيقة قانونية لتقديمها إلى الأمم المتحدة، تتضمن آلية لملاحقة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحق الصحفيين الفلسطينيين. ويعكس هذا التحرك إدراكاً متزايداً داخل المؤسسات الصحفية الدولية بأن ما يجري تجاوز منذ زمن حدود "الاستهداف العرضي"، وأصبح سياسة ممنهجة تهدف إلى إسكات التغطية المستقلة ومنع توثيق الجرائم.
صمت عالمي وانتقائية أخلاقية
لكن المأساة لا تكمن فقط في حجم القتل، بل في طبيعة الصمت العالمي المحيط به. فلو قُتل هذا العدد من الصحفيين في أي دولة أخرى تُصنفها واشنطن "خصماً"، لتحولت القضية إلى حملة دولية مفتوحة، ولرأينا جلسات طارئة وعقوبات وضغوطاً سياسية وإعلامية متواصلة. غير أن الدم الفلسطيني، حتى عندما يكون دم صحفي يحمل كاميرا وشارة صحافة، لا يبدو قادراً على تحريك الضمير الغربي بالقدر نفسه. هنا تتجلى الازدواجية بأوضح صورها، حيث تصبح حرية الصحافة قيمة انتقائية تخضع للحسابات السياسية لا للمبادئ الإنسانية.
الإعلام الأميركي… الغياب المتعمّد
اللافت أيضاً أن كثيراً من وسائل الإعلام الأميركية الكبرى تعاملت مع مقتل الصحفيين الفلسطينيين ببرود لافت، وكأن الأمر تفصيل ثانوي في حرب معقدة، لا واحدة من أخطر الجرائم بحق حرية الإعلام في العصر الحديث. نادراً ما تُذكر أسماء الصحفيين الفلسطينيين القتلى في العناوين الرئيسية، ونادراً ما تُخصص لهم التحقيقات المعمقة أو القصص الإنسانية التي تُمنح عادة لضحايا آخرين. هذا التجاهل لا يعكس فقط انحيازاً سياسياً، بل يكشف حدود الخطاب الليبرالي الأميركي عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، حيث تتحول قيم حرية التعبير وحقوق الإنسان إلى شعارات قابلة للتعليق.
استهداف الرواية لا الأفراد فقط
ما يجري في غزة لا يمكن فهمه باعتباره مجرد استهداف لأفراد يعملون في الإعلام، بل هو استهداف للرواية الفلسطينية نفسها. إسرائيل تدرك أن الصورة التي يلتقطها صحفي فلسطيني لطفل جائع أو حي مدمر أخطر أحياناً من أي سلاح. ولذلك تبدو الحرب على الصحافة جزءاً عضوياً من الحرب العسكرية، هدفها منع توثيق المجاعة والتهجير والقتل الجماعي. وفي عصر أصبحت فيه الصورة قادرة على فضح الجريمة خلال ثوانٍ، تحولت الكاميرا الفلسطينية إلى هدف يجب إسكاتُه.
فلسطين… مدرسة الصحافة تحت النار
ورغم القتل والحصار والجوع، يواصل الصحفيون الفلسطينيون العمل في ظروف تكاد تكون مستحيلة. بعضهم ينام في الشوارع أو داخل المستشفيات، وآخرون فقدوا عائلاتهم ومنازلهم لكنهم عادوا لحمل الكاميرا بعد ساعات من دفن أحبائهم. لقد أصبحت فلسطين اليوم واحدة من أكثر البيئات خطورة للعمل الصحفي في العالم، لكنها في الوقت نفسه تحولت إلى نموذج استثنائي لمعنى الصحافة الحقيقية: صحافة تدفع ثمن الحقيقة دماً، وتصر رغم ذلك على الاستمرار.
وفي اليوم العالمي لحرية الصحافة، لا تبدو الشعارات الدولية كافية أمام هذا المشهد. فغزة لا تحتاج بيانات تضامن باردة، بل تحتاج مساءلة حقيقية لمن يقتلون الصحفيين بلا عقاب. لأن العالم الذي يسمح بتحويل الصحفي إلى هدف مشروع، ويمر على ذلك بصمت، لا يدافع عن حرية الصحافة، بل يشارك عملياً في دفنها.