عربي ودولي

الجمعة 22 مايو 2026 7:34 مساءً - بتوقيت القدس

تقديرات استخباراتية: إيران تعيد بناء ترسانتها العسكرية بوتيرة تتجاوز التوقعات الأمريكية

كشفت تقديرات استخباراتية أمريكية حديثة عن تحولات مفاجئة في مسار التعافي العسكري الإيراني، حيث تشير البيانات إلى أن طهران تعيد بناء قدراتها بوتيرة أسرع بكثير مما كان متوقعاً. وتأتي هذه التطورات بعد أشهر قليلة من سلسلة ضربات استهدفت مواقع عسكرية حساسة، مما يثير تساؤلات حول فاعلية العمليات العسكرية السابقة في تحييد التهديدات الإيرانية على المدى الطويل.

وأفادت مصادر مطلعة بأن إيران بدأت بالفعل في استئناف أنشطة إنتاج الطائرات المسيّرة خلال فترة وقف إطلاق النار المستمرة منذ مطلع نيسان/أبريل الماضي. ويعكس هذا التحرك قدرة البنية التحتية العسكرية الإيرانية على التكيف والتعافي السريع، رغم الأضرار التي لحقت ببعض المنشآت الحيوية نتيجة الهجمات الجوية المكثفة.

وأوضحت التقارير أن الجيش الإيراني نجح في إعادة تنظيم صفوفه وإعادة تشغيل أجزاء حيوية من منظومته الإنتاجية في وقت قياسي. وتشمل هذه الجهود استبدال منصات إطلاق الصواريخ وقاذفاتها، بالإضافة إلى ترميم خطوط إنتاج أنظمة الأسلحة الرئيسية التي تعرضت للتدمير الجزئي خلال المواجهات الأخيرة.

وتشير المعلومات الاستخباراتية إلى أن إيران لا تزال تحتفظ بقدرة كبيرة على تشكيل تهديد إقليمي واسع النطاق، خاصة في ظل استمرار تدفق الدعم التقني. وتلقي هذه المعطيات بظلال من الشك على الروايات التي تحدثت سابقاً عن تدمير شامل للقدرات العسكرية الإيرانية أو إضعافها لسنوات طويلة.

ونقلت مصادر عن مسؤولين أمريكيين أن بعض التقديرات ترجح استعادة طهران لقدرتها الكاملة على تنفيذ هجمات واسعة باستخدام الطائرات المسيّرة في غضون ستة أشهر فقط. ويمثل هذا الجدول الزمني القصير صدمة لمجتمع الاستخبارات الذي كان يتوقع فترة تعافٍ أطول بكثير بناءً على حجم الدمار المرصود سابقاً.

وتشكل الطائرات المسيّرة الإيرانية مصدر قلق متزايد لدول المنطقة، لا سيما في ظل قدرتها على تجاوز أنظمة الدفاع التقليدية واستهداف مواقع استراتيجية. ويرى مراقبون أن سرعة عودة خطوط الإنتاج للعمل تعني أن التهديد الموجه لإسرائيل ودول الخليج لا يزال قائماً وبقوة في أي صراع مستقبلي.

وعزت المصادر سرعة إعادة البناء إلى استمرار الدعم التقني والمادي الذي تتلقاه طهران من حلفاء دوليين مثل روسيا والصين. وأشارت التقييمات إلى أن بكين واصلت تزويد إيران بمكونات إلكترونية وميكانيكية دقيقة تُستخدم في تصنيع الصواريخ الباليستية والمسيّرات رغم القيود اللوجستية المفروضة.

وفي سياق متصل، أكدت التقييمات أن إيران لم تبدأ عملية إعادة الإعمار من الصفر، بل استندت إلى أصول عسكرية ومنصات إطلاق نجت من القصف. وتُقدر المصادر أن نحو نصف منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية لا تزال صالحة للاستخدام، وهو ما يمنح طهران قاعدة انطلاق قوية لاستعادة توازنها العسكري.

كما لفتت التقارير إلى أن آلاف الطائرات المسيّرة لا تزال مخزنة في منشآت محصنة، حيث يُعتقد أن إيران حافظت على نحو 50% من قدراتها السابقة في هذا المجال. بالإضافة إلى ذلك، لا تزال صواريخ كروز الدفاعية الساحلية تشكل خطراً حقيقياً على حركة الملاحة الدولية في مضيق هرمز الاستراتيجي.

وبرز تناقض واضح بين التقييمات الاستخباراتية وتصريحات عسكرية سابقة، حيث كان الأدميرال براد كوبر قد أشار إلى تدمير 90% من القاعدة الصناعية الدفاعية الإيرانية. إلا أن الواقع الميداني والاستخباراتي الجديد يشير إلى أن الضرر كان كبيراً لكنه لم يصل إلى حد الشلل الكامل أو التدمير الشامل للمنظومة.

من جانبه، امتنع متحدث باسم القيادة المركزية الأمريكية عن التعليق المباشر على هذه التقديرات، مشيراً إلى سياسة القيادة في عدم مناقشة القضايا الاستخباراتية الحساسة. ومع ذلك، أكد البنتاغون أن الجيش الأمريكي يظل الأقوى عالمياً ويمتلك الجاهزية الكاملة للرد على أي تهديدات في الزمان والمكان المناسبين.

ويرى خبراء أن فترة وقف إطلاق النار منحت إيران فرصة ذهبية لاستخراج المعدات المدفونة تحت الأنقاض وإعادة تموضع وحداتها الصاروخية. كما أن بعض منصات الإطلاق المحصنة تحت الأرض ظلت خارج نطاق الاستهداف المباشر، مما سهل عملية إعادة تشغيلها وربطها بمنظومات القيادة والسيطرة.

وتشير المصادر إلى أن الضرر الذي لحق بالبنية الصناعية قد يؤدي إلى تأخير طفيف يقدر ببضعة أشهر فقط بدلاً من سنوات كما كان مأمولاً. ويعزز هذا التوجه وجود أجزاء سليمة من سلاسل التوريد الداخلية والخبرات الفنية المحلية التي اكتسبتها إيران على مدار عقود من العقوبات.

ختاماً، تضع هذه المعطيات الجديدة صانع القرار في واشنطن أمام تحديات معقدة، خاصة مع احتمال عودة سياسة 'الضغوط القصوى'. وتظل القدرة الإيرانية على المناورة والتعافي السريع عاملاً حاسماً في رسم خارطة التوازنات العسكرية في منطقة الشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة.

عربي ودولي

الجمعة 22 مايو 2026 7:34 مساءً - بتوقيت القدس

أزمة ثقة في الناتو: مساعٍ أوروبية لاحتواء غضب ترمب وترقب لقمة أنقرة

شدد الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، على المحورية الوجودية للولايات المتحدة داخل الحلف، مؤكداً أن الأعضاء الأوروبيين غير مستعدين نهائياً لتصور مستقبل الناتو بمعزل عن المظلة الأمريكية. وجاءت هذه التصريحات خلال مؤتمر صحفي عُقد في مدينة هيلسنبورغ السويدية، حيث يسعى القادة الغربيون لامتصاص التوترات المتصاعدة مع البيت الأبيض.

وأشار روته إلى ضرورة توحيد الجهود الدولية لتأمين الممرات المائية الحيوية، وتحديداً مضيق هرمز، محذراً من أن أي تهديد إيراني لحرية الملاحة يمثل خطراً مباشراً على مصالح كافة الحلفاء. وتأتي هذه الدعوة في وقت تشهد فيه المنطقة ضغوطاً عسكرية متزايدة تتطلب تنسيقاً عالياً بين ضفتي الأطلسي.

في سياق متصل، طالب وزراء خارجية الدول الأوروبية نظيرهم الأمريكي ماركو روبيو بتقديم إيضاحات شفافة حول ما وصفوه بالقرارات 'المربكة' الصادرة عن واشنطن. وتتعلق هذه المطالب بالتغييرات المفاجئة في خريطة انتشار القوات الأمريكية داخل القارة العجوز، والتي أثارت حالة من عدم اليقين لدى العواصم الحليفة.

وقد تسبب الرئيس دونالد ترمب في حالة من الذهول لدى الأوساط الدبلوماسية بعد إعلانه المفاجئ عن إرسال 5000 جندي إلى بولندا. ويمثل هذا القرار تراجعاً جذرياً عن توجه سابق لواشنطن كان يقضي بإلغاء عمليات الانتشار المخطط لها في تلك المنطقة، مما عكس غياب التنسيق المسبق مع الحلفاء.

من جانبه، رحب وزير الخارجية البولندي بالخطوة الأمريكية الجديدة رغم حالة الارتباك العام، معتبراً إياها تعزيزاً للأمن القومي لبلاده. ومع ذلك، انتقدت وزيرة الخارجية السويدية، ماريا مالمر ستينرغارد، أسلوب اتخاذ القرار في واشنطن، واصفة التعامل مع التقلبات السياسية الأمريكية الحالية بالأمر الصعب وغير اليسير.

وتأتي هذه التطورات بعد أسابيع قليلة من قرار أمريكي آخر بسحب 5000 جندي من القواعد العسكرية في ألمانيا، وهو الإجراء الذي فُسر على أنه نتيجة مباشرة للخلافات الشخصية والسياسية بين ترمب والمستشار الألماني فريدريش ميرتس. هذا التذبذب في المواقف أدى إلى تعميق فجوة الثقة بين واشنطن وبرلين.

وفي محاولة لتهدئة المخاوف، أكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن تحركات القوات ليست ذات طابع عقابي ضد أي دولة. وأوضح روبيو أن بلاده تجري مراجعة شاملة لعمليات الانتشار العسكري حول العالم لضمان تلبية الاحتياجات الاستراتيجية المتغيرة للولايات المتحدة في مختلف الأقاليم.

وتسود حالة من الترقب لقمة الناتو المقررة في أنقرة خلال شهر يوليو المقبل، حيث يأمل الدبلوماسيون في طي صفحة الخلافات الراهنة. ويهدف الحلفاء للتركيز على ملفات زيادة الإنفاق العسكري الأوروبي، وتجنب الصدام المباشر مع ترمب الذي لوح سابقاً بإمكانية الانسحاب من الحلف بسبب تباين المواقف تجاه إيران.

واختتم روبيو تصريحاته بالإشارة إلى أن خيبة أمل الرئيس ترمب من ردود فعل بعض الحلفاء تجاه العمليات العسكرية في الشرق الأوسط هي حقيقة موثقة. وأكد أن قمة أنقرة ستكون واحدة من أكثر اللقاءات التاريخية أهمية، حيث سيتعين على القادة مواجهة هذه التحديات الوجودية التي تهدد وحدة التحالف الأطلسي.

أقلام وأراء

الجمعة 22 مايو 2026 7:01 مساءً - بتوقيت القدس

نابلس اليوم : هل نبحث عن موارد جديدة أم نعيد اكتشاف ما نملك؟

تمر المدن أحيانًا بلحظات لا تكون فيها التحديات مالية فقط، بل إدارية وتشغيلية وفكرية أيضًا. لحظات يصبح فيها السؤال الحقيقي ليس: كيف نحصل على موارد إضافية؟ بل: كيف نُدير ما نملكه أصلًا بطريقة أكثر فاعلية؟


واليوم، في مدينة بحجم نابلس ومكانتها وتاريخها، لا يمكن قراءة المشهد الحالي من زاوية ضائقة مالية أو تراجع في الجباية فقط، رغم أهمية هذه التحديات وخطورتها. فالأزمة، حين تتراكم، لا تصبح مرتبطة بالأرقام وحدها، بل بطريقة إدارة المدينة، وتوظيف طاقاتها، وربط إمكانياتها ضمن مشروع واضح قادر على التحرك للأمام.


في كثير من الأحيان، نبحث عن الحلول خارج المؤسسة، بينما تمتلك المؤسسات نفسها موارد كامنة لم تُستثمر بعد بالشكل الصحيح. فالمال ليس المورد الوحيد؛ هناك موظفون، خبرات، طاقات شبابية، متطوعون، ومبادرات مجتمعية كاملة يمكن أن تتحول من عناصر متناثرة إلى قوة تشغيل حقيقية إذا جُمعت ضمن رؤية واحدة.


وفي ظل الظروف الحالية، ربما أصبح من الضروري إعادة النظر في مفهوم توزيع الأدوار داخل المؤسسات. فليس كل مورد بشري يُقاس بموقعه الوظيفي فقط، بل بما يستطيع تقديمه فعليًا. وقد أثبتت المؤسسات الحديثة أن إعادة تقييم المهارات، وتدوير الكفاءات، وإعادة توظيف الإمكانيات وفق الاحتياج، يخلق أثرًا أكبر من التوسع في الإنفاق أو إضافة هياكل جديدة.


وفي مدينة مثل نابلس، التي تمتلك خصوصية مؤسساتية متنوعة، يصبح التفكير التكاملي أكثر أهمية. فإطفائية بلدية نابلس مثلًا ليست مجرد جهاز استجابة للحوادث، بل يمكن أن تكون جزءًا من منظومة أوسع تشمل التدريب، والتوعية، وإدارة المخاطر، والعمل المجتمعي. وكذلك بقية الوحدات والدوائر ، فالقيمة الحقيقية لا تكمن في اسم الدائرة، بل في قدرتها على إنتاج أثر يتجاوز الدور التقليدي.


كما أن الطاقات الشبابية في المدينة ما زالت تمثل فرصة كبيرة لم تُستثمر بالكامل. وإعادة تفعيل الأطر الشبابية بصورة أكثر نضجًا ووضوحًا، من خلال صلاحيات حقيقية وأدوار تنفيذية واضحة، يمكن أن يخلق مساحة جديدة من المشاركة الفاعلة. فالمجالس الشبابية لا يجب أن تكون واجهات شكلية أو تجارب موسمية، بل منصات لصناعة المبادرات، وإسناد العمل البلدي، وإعداد قيادات تمتلك القدرة على المتابعة والإنجاز.


وفي فلسطين، تزداد أهمية هذا النوع من التفكير. فنحن لا نعيش ظروفًا اعتيادية؛ بل نعمل في ظل احتلال، وضغوط اقتصادية، وتهديدات مستمرة تمسّ المجتمع ومؤسساته. وفي مثل هذا الواقع، يصبح أي تفكك أو ضعف في استثمار الموارد خسارة مضاعفة. لأن حماية مؤسساتنا وتعزيز قدرتها على الصمود لا يبدأ من الإنفاق فقط، بل من حسن التنظيم والتكامل.


ولعل ما يمنح المرحلة الحالية مساحة أكبر للأمل هو وجود مجلس بلدي جديد يحمل معه تنوعًا في الخبرات والكفاءات، ويُنتظر منه الكثير في ظل ظروف ليست سهلة وتحديات ليست بسيطة. وقد سرّنا رؤية أسماء وكفاءات تمتلك إرادة للعمل وتحمل مسؤولية مدينة بحجم نابلس، لأن المرحلة المقبلة لا تحتاج إدارة يومية فقط، بل تحتاج رؤية وقدرة على إعادة التفكير بطريقة تشغيل المدينة وإدارة مواردها.


وفي المقابل، فإن هذا الواقع يضع على عاتق المجلس الحالي مسؤولية كبيرة، وربما واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا وحساسية. لكنها، رغم صعوبتها، ليست مهمة مستحيلة. فنابلس لا تعاني من غياب الطاقات أو نقص الكفاءات، بل تمتلك مخزونًا هائلًا من الخبرات الإدارية والميدانية والطاقات الشبابية القادرة على الإسناد والدعم والعمل. وهناك كثيرون يمتلكون الرغبة الحقيقية في تقديم ما يستطيعون، لا بحثًا عن منصب أو عنوان، بل إيمانًا بأن خدمة المدينة مسؤولية جماعية.


وما تحتاجه هذه الطاقات في كثير من الأحيان ليس أكثر من مساحة حقيقية، وثقة، وإطار واضح يتيح لها المساهمة وصناعة الأثر. لأن الاستثمار الحقيقي ربما لا يبدأ من البحث عمّا ينقصنا، بل من إعادة اكتشاف ما نملكه أصلًا، وفتح المجال أمام الكفاءات التي تنتظر فقط فرصة حقيقية لتكون جزءًا من الحل.


فأحيانًا، لا تكون المدن بحاجة إلى موارد جديدة… بل إلى من يعيد اكتشاف ما تملكه أصلًا. ‏

عربي ودولي

الجمعة 22 مايو 2026 6:49 مساءً - بتوقيت القدس

ترتيبات لزيارة دولة تاريخية للملك محمد السادس إلى باريس لترسيخ الشراكة الاستراتيجية

تشهد العلاقات المغربية الفرنسية حراكاً دبلوماسياً مكثفاً يمهد لزيارة دولة مرتقبة يقوم بها العاهل المغربي الملك محمد السادس إلى باريس، في خطوة تعكس تجاوز البلدين لسنوات من الجمود والتوتر. وأكدت مصادر رسمية في الرباط أن الترتيبات اللوجستية والسياسية لهذه الزيارة قد بدأت بالفعل، مما يشير إلى رغبة مشتركة في نقل الشراكة بين العاصمتين إلى مستويات غير مسبوقة.

وجاء الإعلان الرسمي عن هذه الخطوة على لسان وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، الذي أوضح خلال مؤتمر صحافي أن الزيارة باتت 'مبرمجة' ضمن الأجندة الدبلوماسية العليا. وتزامن هذا التصريح مع زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو إلى المملكة، حيث شدد الأخير على أهمية هذه المحطة في تاريخ العلاقات الثنائية، مؤكداً أن باريس تترقب استقبال الملك بمراسم تليق بزيارة الدولة.

وتكتسب هذه الزيارة أهمية رمزية وتاريخية كبرى، كونها الزيارة الرسمية الثانية من هذا الطراز للملك محمد السادس منذ اعتلائه العرش، حيث تعود الزيارة الأولى إلى عام 2000. ومن المتوقع أن تشمل المراسم استقبالاً رسمياً في قصر الإليزيه، ولقاءات موسعة مع كبار المسؤولين الفرنسيين في الحكومة والبرلمان، بالإضافة إلى فعاليات تجمع الملك بالجالية المغربية المقيمة في فرنسا.

وتشير التقارير الدبلوماسية إلى أن الزيارة قد تتم في فصل الخريف المقبل، وتحديداً عقب افتتاح الدورة البرلمانية المغربية في شهر أكتوبر. ويأتي هذا التوقيت ليتوج مساراً من التقارب بدأ في صيف عام 2024، حين اتخذت فرنسا موقفاً صريحاً بدعم سيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، وهو ما اعتبرته الرباط مفتاحاً أساسياً لاستعادة الثقة المتبادلة.

أبرز مخرجات هذه الزيارة المرتقبة ستكون التوقيع على 'معاهدة صداقة' استراتيجية، وُصفت بأنها الأولى من نوعها التي تبرمها فرنسا مع دولة خارج القارة الأوروبية. هذه المعاهدة تهدف إلى وضع إطار قانوني وسياسي شامل للتعاون في مجالات الأمن والاقتصاد والثقافة، بما يضمن استدامة المصالح المشتركة بعيداً عن التقلبات السياسية العابرة.

وقد أسندت مهمة صياغة بنود هذه المعاهدة التاريخية إلى لجنة رفيعة المستوى تضم شخصيات فكرية ودبلوماسية بارزة، من بينها الكاتبة ليلى سليماني ووزير الخارجية الفرنسي الأسبق هوبير فيدرين. ويعكس هذا الاختيار رغبة الطرفين في تضمين المعاهدة أبعاداً إنسانية وحضارية تتجاوز المصالح الاقتصادية الضيقة، لتشمل رؤية مستقبلية للتعاون الأورومتوسطي.

وقبل وصول الملك إلى باريس، من المقرر أن تستضيف الرباط اجتماعاً حكومياً رفيع المستوى في شهر يوليو المقبل، يهدف إلى وضع اللمسات الأخيرة على الاتفاقيات القطاعية. وسيشكل هذا الاجتماع فرصة لتنسيق المواقف بشأن القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وبحث سبل تعزيز الاستثمارات الفرنسية في المشاريع التنموية الكبرى بالمغرب.

لقد مرت العلاقات بين الرباط وباريس بتقلبات حادة خلال السنوات الأخيرة، بدأت بأزمة التجسس المزعومة 'بيغاسوس' عام 2021، ومرت بتوترات مرتبطة بتقليص منح التأشيرات للمواطنين المغاربة. إلا أن الدبلوماسية الهادئة نجحت في احتواء هذه الخلافات، خاصة بعد أن أدركت باريس أن 'مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس'، وأن الشراكة يجب أن تقوم على الوضوح والندية.

ويرى مراقبون أن الموقف الفرنسي الجديد بشأن قضية الصحراء الغربية كان المحرك الأساسي لهذا الانفراج، حيث اعتبر الرئيس إيمانويل ماكرون أن حاضر ومستقبل المنطقة يندرج ضمن السيادة المغربية. هذا التحول الجذري في الموقف الفرنسي فتح الباب أمام الشركات الفرنسية الكبرى للعودة بقوة للاستثمار في الأقاليم الجنوبية، مما عزز من متانة الروابط الاقتصادية.

وتسعى فرنسا من خلال هذه المعاهدة إلى استعادة مكانتها كشريك تجاري وأمني أول للمملكة، في ظل المنافسة الدولية المتزايدة من قوى أخرى مثل الولايات المتحدة وألمانيا وإسبانيا. وتدرك باريس أن استقرار المغرب ونموه الاقتصادي يمثلان ركيزة أساسية لاستقرار منطقة شمال أفريقيا والساحل، مما يجعل من تعميق التحالف مع الرباط ضرورة استراتيجية.

وعلى الصعيد الداخلي الفرنسي، تحظى هذه الزيارة باهتمام إعلامي وسياسي واسع، حيث يُنظر إليها كفرصة لإعادة صياغة السياسة الخارجية الفرنسية في القارة الأفريقية انطلاقاً من البوابة المغربية. ومن المتوقع أن تساهم الزيارة في تفعيل آليات التعاون الأمني لمكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية، وهي ملفات تحظى بأولوية قصوى لدى الحكومة الفرنسية.

ختاماً، تمثل زيارة الملك محمد السادس إلى باريس تدشيناً لعهد جديد من 'الوضوح والطموح' في العلاقات الثنائية، بعيداً عن ضبابية المواقف السابقة. ومن المنتظر أن تؤسس معاهدة الصداقة المرتقبة لنموذج فريد من التعاون بين ضفتي المتوسط، يجمع بين الاحترام المتبادل للسيادة الوطنية والسعي المشترك نحو تحقيق التنمية والازدهار الاقتصادي.

عربي ودولي

الجمعة 22 مايو 2026 6:17 مساءً - بتوقيت القدس

تحركات دبلوماسية مكثفة لإنهاء التوتر بين واشنطن وطهران ووساطة باكستانية تدخل مرحلة حاسمة

كشفت تقارير إعلامية دولية عن حراك دبلوماسي مكثف يهدف إلى صياغة 'رسالة نيات' نهائية، تمهيداً لاتفاق ينهي حالة الصراع الممتدة بين واشنطن وطهران. وتهدف هذه الوثيقة إلى وضع إطار زمني محدد للمفاوضات يمتد لثلاثين يوماً، سعياً للوصول إلى تفاهمات أوسع تشمل الملف النووي الإيراني المعقد.

من جانبه، أكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن الإدارة الأمريكية لا تزال متمسكة بمسار الحل السياسي مع كافة الأطراف المعنية. وأشار روبيو إلى ضرورة توخي الحذر وعدم المبالغة في تقدير النتائج الحالية، مشدداً على أن العملية التفاوضية لا تزال في أطوارها الأولى ولم تبلغ النضج الكافي بعد.

وفي سياق التحوط الأمني، دعا الوزير الأمريكي إلى ضرورة إعداد خطة بديلة لمواجهة أي سيناريوهات محتملة تتعلق بحرية الملاحة في مضيق هرمز. وأوضح أن واشنطن تراقب الموقف عن كثب، مع استمرار رغبتها في التوصل إلى اتفاق يضمن الاستقرار الإقليمي ويمنع التصعيد العسكري في المنطقة.

على الصعيد الميداني، وصل قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إلى العاصمة الإيرانية طهران في زيارة مفاجئة لم يتم الإعلان عن تفاصيل أجندتها الرسمية. وتأتي هذه الخطوة في إطار الدور المحوري الذي تلعبه إسلام أباد كوسيط إقليمي يسعى لتقريب وجهات النظر بين القوى الدولية والجانب الإيراني.

وأفادت مصادر مطلعة بأن التحركات الدبلوماسية الباكستانية شهدت تسارعاً ملحوظاً، حيث تم تمديد زيارة وزير الداخلية الباكستاني في طهران. وقد عقد الوزير لقاءات إضافية مع المسؤولين الإيرانيين، مما يعطي مؤشرات قوية على وجود تقدم ملموس في مسار المحادثات الجارية خلف الكواليس.

وفي خطوة تنظيمية تعكس جدية الجانب الإيراني، قرر رئيس البرلمان ورئيس الوفد المفاوض محمد باقر قاليباف تعيين إسماعيل بقائي متحدثاً رسمياً باسم الوفد. وسيتولى بقائي هذه المهمة إلى جانب منصبه الحالي كمتحدث باسم وزارة الخارجية، لتوحيد الخطاب الإعلامي الإيراني خلال هذه المرحلة الحساسة.

وقد صرح بقائي لوسائل إعلام دولية بأن طهران متمسكة بحقوقها السيادية ولن تتنازل عنها تحت الضغوط، مؤكداً أن الهدف من المفاوضات هو انتزاع هذه الحقوق. وأوضح أن الموقف الإيراني يرتكز على ضرورة رفع القيود الاقتصادية المفروضة على البلاد كشرط أساسي لنجاح أي اتفاق مستقبلي.

وتشدد طهران في خطابها الدبلوماسي على الطابع السلمي لبرنامجها النووي، مشيرة إلى التزامها الكامل بمعاهدة حظر الانتشار النووي. وترى القيادة الإيرانية أنه لا يوجد مبرر قانوني أو تقني للمطالبة بالتخلي عن قدراتها النووية السلمية طالما أنها تخضع لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وتشير التقارير إلى أن الساعات الأخيرة شهدت زخماً غير مسبوق في اللقاءات الثنائية والمتعددة الأطراف، مما يوحي بقرب التوصل إلى تفاهمات أولية. ويعول الوسطاء على 'رسالة النيات' لتكون جسراً يعبر بالطرفين من حالة الانسداد السياسي إلى مرحلة بناء الثقة المتبادلة.

ورغم التفاؤل الحذر، تظل التحديات قائمة في ظل تباين المطالب بين واشنطن التي تسعى لضمانات نووية مشددة، وطهران التي تطالب بضمانات اقتصادية ورفع شامل للعقوبات. وستكشف الأيام القليلة القادمة مدى قدرة الوساطة الباكستانية والدولية على تذليل هذه العقبات والوصول إلى اتفاق مستدام.

فلسطين

الجمعة 22 مايو 2026 6:17 مساءً - بتوقيت القدس

شهيدان في غزة ورفح وتصعيد مدفعي يستهدف خان يونس

استشهد مواطنان فلسطينيان، اليوم الجمعة، في هجمات منفصلة نفذتها طائرات الاحتلال الإسرائيلي المسيرة على قطاع غزة ومدينة رفح. وتأتي هذه الاعتداءات في سياق التصعيد المستمر الذي تمارسه قوات الاحتلال، ضاربة عرض الحائط باتفاق وقف إطلاق النار المعلن منذ أكتوبر من العام الماضي، مما أدى إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية والميدانية في مختلف مناطق القطاع.

وفي تفاصيل الهجمات، أفادت مصادر طبية بوصول جثمان الشهيد رأفت عادل بريكة، البالغ من العمر 42 عاماً، إلى المستشفى إثر استهدافه بشكل مباشر من قبل طائرة مسيرة غربي مدينة رفح. وأكد شهود عيان أن مسيرة من نوع 'كواد كابتر' أطلقت قنبلة تجاه الشهيد أثناء تواجده في منطقة الشاكوش، حيث كان يمارس عمله في رعي الأغنام، مما أدى إلى ارتقائه على الفور.

وفي مدينة غزة، استشهد فلسطيني آخر جراء غارة شنتها طائرة استطلاع إسرائيلية استهدفت محيط منزله الواقع بجوار مسجد الرضوان في منطقة عسقولة شرقي المدينة. وقد تسبب القصف في دمار مادي بالمنطقة المحيطة، وسط حالة من الذعر بين السكان الذين يواجهون استهدافات متكررة رغم الهدوء الهش الذي يفترض أن يوفره اتفاق وقف إطلاق النار.

الميدان في جنوب القطاع شهد أيضاً تصعيداً لافتاً، حيث قصفت المدفعية الإسرائيلية بشكل مكثف المناطق الشرقية لمدينة خان يونس. وتزامن هذا القصف مع تنفيذ قوات الاحتلال لعمليتي نسف لمبانٍ سكنية في الجهة الشمالية الشرقية للمدينة خلال ساعات الليل، في خطوة تهدف إلى تدمير ما تبقى من البنية التحتية والمربعات السكنية في تلك المناطق.

وتشير البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة إلى أن حصيلة ضحايا خروقات الاحتلال منذ سريان اتفاق العاشر من أكتوبر 2025 قد بلغت 883 شهيداً و2648 جريحاً. وتعكس هذه الأرقام المرتفعة حجم الانتهاكات الممنهجة التي يمارسها الجيش الإسرائيلي عبر القصف الجوي والمدفعي وإطلاق النار المباشر تجاه المدنيين في مختلف محافظات قطاع غزة.

يُذكر أن حرب الإبادة الجماعية التي يشنها الاحتلال منذ الثامن من أكتوبر 2023 قد خلفت إرثاً ثقيلاً من الدمار، حيث تجاوز عدد الشهداء 72 ألفاً والجرحى 172 ألفاً. كما تسببت العمليات العسكرية المستمرة في تدمير نحو 90% من البنية التحتية للقطاع، مما جعل العيش في المناطق المستهدفة تحدياً يومياً في ظل غياب الخدمات الأساسية واستمرار التهديدات العسكرية.

عربي ودولي

الجمعة 22 مايو 2026 5:47 مساءً - بتوقيت القدس

بكين مركزاً للجاذبية: كيف تعيد الصين صياغة الدبلوماسية العالمية؟

شهدت العقود الماضية هيمنة مطلقة لواشنطن على مسارات الدبلوماسية العالمية، حيث كانت الأزمات الكبرى وصياغة التحالفات الاستراتيجية تتم داخل أروقة الإدارة الأمريكية وحلفائها الغربيين. إلا أن المشهد الجيوسياسي الراهن يمر بتحولات متسارعة، تبرز من خلالها بكين كقوة جذب جديدة تعيد رسم موازين القوى الدولية.

لم تعد الصين تكتفي بدورها التقليدي كـ 'مصنع للعالم' أو عملاق تجاري عابر للقارات، بل انتقلت إلى مرحلة فرض الذات كلاعب دبلوماسي محوري. وتتجلى هذه القوة في قدرة بكين على فتح قنوات اتصال متزامنة مع الخصوم والأنداد والكتل المتنافسة، مما جعلها مقصداً للحكومات الساعية لتحقيق توازن استراتيجي.

يعود هذا التحول الجذري إلى رؤية استراتيجية بعيدة المدى صاغها الرئيس الصيني شي جين بينغ، تهدف إلى تقديم بلاده كمركز بديل للنفوذ الدولي. وقد نجحت هذه السياسة في وضع الصين بقلب المثلث الجيوسياسي الأهم عالمياً، من خلال إدارة علاقات معقدة مع كل من واشنطن وموسكو في آن واحد.

بينما تنخرط الولايات المتحدة في أزمات عسكرية ممتدة من شرق أوروبا إلى الشرق الأوسط، تتبنى الصين لغة مغايرة تركز على الاستقرار والحوار والربط الاقتصادي. هذا التوجه منح بكين ميزة تنافسية في مناطق النزاع، حيث يُنظر إليها كفاعل يسعى لخفض التصعيد وحماية المصالح المشتركة.

يعد الشرق الأوسط النموذج الأبرز للصعود الدبلوماسي الصيني، خاصة بعد نجاح بكين في الوساطة التاريخية بين السعودية وإيران عام 2023. هذا الاتفاق لم يكن مجرد تهدئة إقليمية، بل كان إعلاناً صريحاً عن قدرة الصين على إنجاز ملفات عجزت واشنطن عن حلها لسنوات طويلة.

منذ تصاعد التوترات الأخيرة، حرصت الصين على تموضع دبلوماسي مدروس يدعو لحماية طرق الطاقة وتغليب الحوار السياسي على الحلول العسكرية. وقد حافظت بكين على تواصل مستمر مع كافة الأطراف، بما في ذلك دول الخليج وإيران وروسيا، دون الانزلاق إلى التدخل العسكري المباشر.

تتميز الدبلوماسية الصينية بكونها براغماتية بامتياز، حيث تبتعد عن التأطير الأيديولوجي أو التدخل في أنظمة الحكم تحت مسميات الديمقراطية. وتركز رسالتها الموجهة لـ 'الجنوب العالمي' على مبادئ السيادة الوطنية والتنمية الاقتصادية، وهو نهج يلقى قبولاً واسعاً لدى الدول المنهكة من العقوبات.

تمثل مجموعة 'بريكس' منصة سياسية متصاعدة تعكس الثقل الصيني المتنامي، حيث تحولت من تكتل اقتصادي إلى بديل للمؤسسات الدولية التي يقودها الغرب. وتستخدم بكين هذه المنظمة لتعميق روابطها مع القوى الناشئة وتضخيم صوت الدول النامية في المحافل الدولية.

إلى جانب 'بريكس'، تبرز مبادرة 'الحزام والطريق' كشبكة دبلوماسية واسعة النطاق تتجاوز حدود الاستثمارات الاقتصادية التقليدية. فالمشاريع الكبرى من موانئ وسكك حديدية أصبحت أدوات نفوذ سياسي تربط مستقبل العديد من الدول بالقرار الاستراتيجي في بكين.

تلعب سياسات الطاقة دوراً حاسماً في تعزيز هذا النفوذ، كون الصين المشتري الأكبر للنفط والغاز من منطقة الخليج وإيران. هذا الاعتماد المتبادل يمنح بكين ثقلاً كبيراً في تأمين الممرات المائية الدولية، مثل مضيق هرمز، ويدفعها للعب دور الضامن للاستقرار العالمي.

رغم هذا الصعود، يواجه الدور الصيني تحديات وتناقضات، أبرزها تجنب بكين تحمل الأعباء الأمنية والعسكرية الكبرى التي تضطلع بها الولايات المتحدة. ويرى مراقبون أن الصين تفضل جني ثمار الوساطة دون الالتزام بتكاليف إدارة الأزمات الأمنية المعقدة على الأرض.

تظل الشكوك الغربية، ولا سيما الأوروبية، قائمة تجاه النوايا الاستراتيجية الصينية وعلاقاتها الوثيقة مع قوى مثل روسيا وإيران. فالثقة الدولية تعد ركيزة أساسية للنفوذ الدبلوماسي، وهو ما تحاول بكين بناءه عبر سياسات 'القوة الناعمة' والتعاون الاقتصادي المكثف.

يدخل العالم اليوم مرحلة 'القوة المتشرذمة' في نظام متعدد الأقطاب، حيث لا يمكن لقطب واحد الانفراد بالقرار الدولي. وفي هذا السياق، تبرز بكين كمركز اتصال حيوي يربط بين الأقاليم المتنافسة، مستفيدة من تفوقها في مجالات التجارة والتكنولوجيا والطاقة.

في الماضي، كانت الرحلات الدبلوماسية للقادة تتجه نحو واشنطن طلباً للشرعية أو الضمانات الأمنية، أما اليوم فقد أصبحت بكين وجهة رئيسية للباحثين عن حلول سياسية. هذا التحول الجيوسياسي قد يكون السمة الأبرز التي ستشكل ملامح العلاقات الدولية في القرن الحادي والعشرين.

فلسطين

الجمعة 22 مايو 2026 5:47 مساءً - بتوقيت القدس

شهادات محتجزين لدى الاحتلال تكشف تفاصيل لقاءاتهم بـ 'شبح القسام' عز الدين الحداد

نشرت صحيفة 'يديعوت أحرونوت' العبرية تقريراً مفصلاً تضمن شهادات جديدة لمحتجزين سابقين لدى المقاومة في قطاع غزة، تركزت حول شخصية عز الدين الحداد، قائد لواء غزة في كتائب القسام. وأوضح المحتجزون الذين أفرج عنهم في صفقات سابقة أن الحداد يعد من أبرز القادة الذين تعاملوا معهم بشكل مباشر، واصفين إياه بالشخصية المؤثرة والمطلوبة بشدة لدى أجهزة أمن الاحتلال.

وأكدت الشهادات التي أدلى بها كل من 'غالي' و'زيف' و'إيميلي' أن القائد العسكري الملقب بـ 'الحاج' يتحدث اللغة العبرية بطلاقة لافتة، مما مكنه من التواصل معهم دون وسيط. وأشاروا إلى أن الحداد كان يتعمد استخدام مهاراته اللغوية للتأثير النفسي عليهم، ومناقشة تفاصيل العمليات العسكرية التي تنفذها المقاومة في الميدان.

وفي إحدى المواجهات المباشرة، نقل المحتجزون عن الحداد قوله متباهياً بعملية السابع من أكتوبر: 'لقد اعتقدتم أن هجومنا سيكون من تحت الأرض عبر الأنفاق، لكننا باغتكم من الأعلى وتجاوزنا الجدار الحدودي'. وتعكس هذه التصريحات، وفقاً للمحتجزين، حالة الفخر التي كان يبديها قادة القسام بالنجاح الاستراتيجي الذي حققوه في كسر المنظومة الأمنية للاحتلال.

وروى المحتجز 'زيف' تفاصيل لقائه بالحداد في مواقع مختلفة داخل القطاع، حيث كان القائد العسكري يحرص على كشف هويته بوضوح أمامهم. وفي إحدى المرات، اقترب الحداد منه وسأله بالعبرية إن كان يعرف مع من يتحدث، قبل أن يعرّف نفسه بأنه قائد لواء غزة، مكتفياً باستخدام لقب 'الحاج' الذي يطلقه عليه مرافقوه.

كما تضمنت الشهادات إشارات إلى محاولات التضليل الجغرافي التي كان يمارسها الحداد مع المحتجزين للحفاظ على سرية المواقع. فعندما اعتقد أحد المحتجزين أنه موجود في مدينة خان يونس، رد عليه الحداد بابتسامة ساخرة مؤكداً له أنه لا يزال في قلب مدينة غزة، وهو ما يعكس السيطرة الميدانية للقادة العسكريين رغم القصف المكثف.

من جانبه، ذكر المحتجز 'غالي' أنه التقى بالحداد أربع مرات على الأقل، وكان في إحدى هذه المرات برفقة قادة رفيعي المستوى من حركة حماس. ووصف غالي كيف كان الحداد يستخدم جهاز كمبيوتر محمولاً لعرض صور لمحتجزين آخرين، في إطار عملية لجمع المعلومات أو ممارسة ضغوط نفسية لمعرفة مصير بعض الجنود.

وأشار 'غالي' إلى أن الحداد عرض عليه صوراً للجندي 'إيتاي تشين'، وتحدث باستفاضة عن التدريبات التي سبقت عملية 'طوفان الأقصى' وكيفية اختراق السياج الفاصل. وأكد المحتجز أن جميع هذه اللقاءات كانت توثق بكاميرات خاصة تابعة للمقاومة، مما يشير إلى وجود توثيق أمني وإعلامي دقيق لكل مراحل الاحتجاز.

وفي واقعة وصفت بأنها 'غريبة'، تحدث المحتجزون عن نقلهم من عتمة الأنفاق إلى شاطئ بحر غزة بشكل مفاجئ تحت أشعة الشمس. ووصفوا تلك اللحظة بأنها كانت صادمة لبصرهم بعد فترة طويلة من العيش تحت الأرض، حيث تم نقلهم في سيارات مجهزة بكاميرات رصدت ردود أفعالهم تجاه البيئة الخارجية.

واعتبر المحتجزون أن الهدف من جولة 'شاطئ البحر' كان دعائياً بامتياز، حيث سعت حماس لإظهار قدرتها على التحرك بحرية في القطاع رغم الرقابة الجوية للاحتلال. كما هدفت الحركة من خلال ذلك إلى إيصال رسالة بأنها تعامل المحتجزين بطريقة إنسانية وتسمح لهم برؤية الشمس وممارسة حياة شبه طبيعية في ظروف استثنائية.

بدورها، أفادت المحتجزة 'إيميلي' بأن لقب 'الحاج' الذي يطلقه الجميع على عز الدين الحداد جاء بعد أدائه لمناسك الحج في مكة المكرمة. وأكدت أن الحداد كان يتابع بدقة متناهية كل ما ينشر في إعلام الاحتلال، حيث كان يستمع يومياً لإذاعة جيش الاحتلال 'غالي تساهل' وإذاعة 'ريشيت بييت' الناطقة بالعبرية.

وأوضحت 'إيميلي' أن قدرة الحداد على المتابعة الاستراتيجية كانت مذهلة، حيث كان يحلل الأخبار العبرية فور صدورها ويناقش مستجدات الحرب مع المحتجزين. وأضافت أن إتقانه للغة العبرية كان بمستوى عالٍ جداً، مع وجود لكنة خفيفة لا تؤثر على وضوح حديثه أو فهمه للمصطلحات العسكرية والسياسية المعقدة.

وذكرت الشهادات أن الحداد قضى فترات طويلة مع المحتجزات لمتابعة شؤونهن اليومية وضمان تلبية احتياجاتهن الأساسية، وهو ما يتقاطع مع تقارير سابقة حول دور قادة الألوية في الإشراف المباشر على ملف المحتجزين. وتؤكد هذه التفاصيل أن قيادة القسام كانت تدير الملف بمستويات قيادية عليا لضمان تحقيق أقصى مكاسب سياسية وأمنية.

تأتي هذه التسريبات في وقت يواصل فيه جيش الاحتلال محاولاته للوصول إلى عز الدين الحداد، الذي يلقبه الإعلام العبري بـ 'الشبح' نظراً لفشل محاولات اغتياله المتكررة. وتكشف هذه الشهادات عن صورة مغايرة لما يروجه الاحتلال حول تدمير الهيكلية القيادية لكتائب القسام في شمال ووسط قطاع غزة.

اقتصاد

الجمعة 22 مايو 2026 5:47 مساءً - بتوقيت القدس

قرقاش يوضح دوافع انسحاب الإمارات من 'أوبك': نقترب من نهاية عصر النفط

أفصح المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، أنور قرقاش، عن الدوافع الاستراتيجية التي قادت بلاده لإنهاء عضويتها في منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك). وأكد قرقاش أن هذه الخطوة لم تكن وليدة اللحظة، بل خضعت لتقييم ودراسة دقيقة استمرت لمدة ثلاث سنوات قبل اتخاذ القرار النهائي.

وأوضح المسؤول الإماراتي أن الرؤية الاقتصادية للدولة تستند إلى قناعة بأن العالم يشارف على دخول مرحلة 'خريف عصر الهيدروكربونات'. وبناءً على ذلك، تجد الإمارات ضرورة ملحة في رفع وتيرة الإنتاج وتحقيق أقصى استفادة مالية ممكنة من مواردها النفطية في الوقت الراهن، لتمويل التحولات الاقتصادية المستقبلية.

ودخل قرار الانسحاب حيز التنفيذ رسمياً في الأول من مايو/أيار الجاري، لتطوي الإمارات بذلك صفحة عضوية تاريخية استمرت لنحو ستة عقود داخل المنظمة. ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تعكس رغبة أبوظبي في التحرر من قيود حصص الإنتاج التي تفرضها سياسات أوبك الجماعية.

وأشار قرقاش إلى أن الالتزام بحصص الإنتاج السابقة كان يمنع الدولة من استغلال كامل إمكاناتها الفنية، حيث ظل الإنتاج الفعلي أقل بكثير من القدرة الإنتاجية المتاحة. واعتبر أن استثمار العوائد النفطية الحالية في قطاعات بديلة هو الخيار الأمثل لضمان استدامة الاقتصاد الوطني بعيداً عن تقلبات سوق الطاقة.

وعلى صعيد الأرقام، تمتلك الإمارات حالياً طاقة إنتاجية تصل إلى 4.85 مليون برميل يومياً، مع خطط طموحة لزيادتها لتصل إلى 5 ملايين برميل بحلول عام 2027. وتأتي هذه التوجهات في وقت كان فيه سقف إنتاجها ضمن تحالف 'أوبك+' لا يتجاوز 3.5 مليون برميل يومياً، مما شكل فجوة كبيرة بين الطموح والواقع المفروض.

من جانبه، أكد سلطان الجابر، الرئيس التنفيذي لشركة 'أدنوك' أن خروج الإمارات من المنظمة لا يعني تخليها عن دورها العالمي المتزن. وشدد الجابر على أن الدولة ستواصل العمل كقوة مسؤولة تساهم في استقرار أسواق الطاقة العالمية وضمان أمن الإمدادات، بعيداً عن الأطر التنظيمية للمنظمة.

وفيما يخص التأثيرات المباشرة على السوق الدولية، استبعدت مصادر مطلعة حدوث هزات سعرية كبرى في المدى المنظور. ويعود ذلك بشكل أساسي إلى التوترات الجيوسياسية الراهنة، وتحديداً الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز من قبل إيران، وهو ما يمتص أي زيادة محتملة في المعروض الإماراتي.

ومع ذلك، حذر محللون من أن التداعيات الحقيقية للانسحاب ستظهر بوضوح عندما تعود تدفقات النفط العالمية إلى طبيعتها. إذ قد تواجه منظمة أوبك صعوبة متزايدة في السيطرة على المعروض العالمي والحفاظ على توازن الأسعار في ظل خروج منتج رئيسي بحجم الإمارات عن مظلتها.

وتأتي هذه التطورات في سياق تحول جذري في العلاقات الإقليمية، حيث انتقلت الروابط بين السعودية والإمارات من التحالف الوثيق إلى نوع من التنافس الاقتصادي والسياسي. وقد برزت هذه التباينات في عدة ملفات، شملت سياسات النفط وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى المنطقة.

ولم يقتصر التباين على الجوانب الاقتصادية فحسب، بل امتد ليشمل قضايا جيوسياسية حساسة في الشرق الأوسط. وقد تجلى هذا التوتر بشكل علني في وقت سابق من العام الجاري، إثر وقوع احتكاكات ميدانية في اليمن بين قوى محلية مدعومة من الطرفين، مما عكس عمق الخلافات في الرؤى.

ختاماً، يمثل الانسحاب الإماراتي من أوبك تحولاً جوهرياً في خريطة الطاقة العالمية، حيث تضع أبوظبي مصالحها الوطنية والتحول الاقتصادي فوق الالتزامات الجماعية التقليدية. ويبقى التساؤل قائماً حول قدرة المنظمة على الصمود أمام موجة محتملة من الانسحابات أو التمرد على حصص الإنتاج في المستقبل.

GENERAL

الجمعة 22 مايو 2026 5:18 مساءً - بتوقيت القدس

بقرار قضائي.. السلطات المصرية تحجب حسابات فنانين وإعلاميين وصحافياً إسرائيلياً

أقدمت السلطات المصرية على تنفيذ إجراءات تقنية واسعة لحجب مجموعة من الحسابات الشخصية والقنوات التابعة لنشطاء وإعلاميين يقيمون في الخارج، بالإضافة إلى حساب الصحافي الإسرائيلي إيدي كوهين. وتأتي هذه الخطوة في إطار تنفيذ قرار رسمي أصدرته نيابة الشؤون الاقتصادية وغسل الأموال، والذي استند بدوره إلى حكم قضائي صادر عن المحكمة الاقتصادية في منتصف شهر مايو الجاري.

وشمل القرار القضائي الصادر في القضية التي تحمل رقم 1038 لسنة 2026، استهداف 12 حساباً نشطاً على منصة 'إكس'، مع توجيهات صريحة بمد نطاق الحجب ليشمل كافة المنصات الرقمية الأخرى. وتتضمن هذه المنصات كلاً من فيسبوك، يوتيوب، إنستغرام، تيك توك، وتطبيق تليغرام، لضمان تقييد وصول المحتوى المنشور عبر هذه الحسابات داخل النطاق الجغرافي المصري.

وضمت القائمة التي أعلن عنها القرار أسماء بارزة في الوسط الفني والإعلامي، من بينهم الفنان عمرو واكد وصانع المحتوى عبد الله الشريف. كما شملت الإجراءات حسابات إعلاميين معروفين ببرامجهم السياسية مثل محمد ناصر وأسامة جاويش وسامي كمال الدين، الذين ينشطون بشكل أساسي من خارج الأراضي المصرية عبر منصات البث الرقمي.

ولم يقتصر الحجب على الوجوه الإعلامية فحسب، بل امتد ليشمل حساب الناشط يحيى موسى، الذي سبق وأن وجهت له وزارة الداخلية اتهامات تتعلق بتأسيس حركات مسلحة. كما تضمنت القائمة حسابات كل من هيثم أبو خليل وخالد السرتي، بالإضافة إلى شريف عثمان الذي يقدم نفسه كمحلل استراتيجي، وشخص آخر يدعى هشام صبري.

وأفادت مصادر مطلعة بأن القرار استند بشكل أساسي إلى محاضر رسمية حررها الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بعد عمليات رصد دقيقة لهذه الحسابات. وأكدت المحاضر أن أصحاب هذه الحسابات تعمدوا استخدام منصاتهم في نشر مواد تسيء بشكل مباشر لمؤسسات الدولة المصرية، وتجاوزوا حدود حرية الرأي والتعبير المتعارف عليها دولياً.

وأوضحت السلطات أن المحتوى المرصود تضمن خطابات تحريضية وكراهية تهدف إلى إثارة الفتنة بين أطياف الشعب المصري ونشر معلومات مغلوطة. واعتبرت جهات التحقيق أن هذه الممارسات تشكل جرائم جنائية تستوجب التدخل القانوني الفوري لحماية السلم المجتمعي ومنع تضليل الرأي العام عبر الفضاء الإلكتروني.

ومن الناحية القانونية، استندت النيابة في قرارها إلى المادة السابعة من قانون مكافحة تقنية المعلومات المصري، والتي تمنح جهات التحقيق صلاحية الأمر بحجب المواقع الإلكترونية. وتتيح هذه المادة اتخاذ مثل هذه الإجراءات متى توفرت أدلة فنية تثبت بث محتوى يشكل تهديداً حقيقياً للأمن القومي أو يعرض اقتصاد البلاد للخطر.

ويعد إدراج اسم الصحافي الإسرائيلي إيدي كوهين في هذه القائمة لافتاً، حيث عُرف كوهين بمنشوراته المثيرة للجدل والتي تتناول الشأن المصري والعربي بشكل متكرر. ويرى مراقبون أن شموله بالقرار يعكس رغبة القاهرة في تحجيم كافة الأصوات التي تعتبرها محرضة أو مهددة للاستقرار، بغض النظر عن جنسية صاحب الحساب أو مكان إقامته.

وتأتي هذه التحركات في وقت تزايد فيه الجدل حول حدود الرقابة على الفضاء الرقمي في مصر ومدى توافقها مع القوانين المحلية والدولية. وبينما تدافع السلطات عن هذه الإجراءات كضرورة أمنية، تثير قرارات الحجب تساؤلات مستمرة في الأوساط الحقوقية حول تأثيرها على تدفق المعلومات وحرية الوصول إلى المحتوى الرقمي المتنوع.

عربي ودولي

الجمعة 22 مايو 2026 5:17 مساءً - بتوقيت القدس

رسمياً.. الجزائر تقر قانون تجريم الاستعمار الفرنسي وتصنفه 'جريمة دولة لا تسقط بالتقادم'

أعلنت السلطات الجزائرية رسمياً عن صدور قانون تجريم الاستعمار الفرنسي في العدد الأخير من الجريدة الرسمية، وذلك بعد استكمال كافة المراحل التشريعية ومصادقة البرلمان عليه بصفة نهائية. ويصنف القانون الجديد الحقبة الاستعمارية التي استمرت 132 عاماً كجريمة دولة لا تسقط بالتقادم، مؤكداً على ضرورة كشف الحقائق التاريخية ونشرها للأجيال القادمة.

يهدف النص القانوني إلى تحديد المسؤوليات القانونية والسياسية المترتبة على آثار الاستعمار المباشرة وغير المباشرة. ويشدد القانون على أن جميع الجرائم التي ارتكبها الجيش الفرنسي أو الأجهزة التابعة له، بما في ذلك الميليشيات الداعمة للسلطات الاستعمارية، تظل ملاحقة قانونياً بغض النظر عن صفة مرتكبيها أو أدوارهم في التنفيذ أو التحريض.

وفي خطوة لتعزيز الجبهة الداخلية وحماية الذاكرة، اعتبر القانون أن كل أشكال التعاون مع السلطات الاستعمارية ضد الثورة التحريرية والمقاومة الشعبية تُعد جريمة خيانة عظمى. ويستهدف هذا البند بشكل مباشر الفئات التي عُرفت بـ'الحركي'، والذين ساندوا الاحتلال الفرنسي ضد تطلعات الشعب الجزائري في نيل الاستقلال والسيادة.

وتحمل المقتضيات الجديدة الدولة الفرنسية المسؤولية القانونية الكاملة عن ماضيها الاستعماري في البلاد، مع التأكيد على حق الجزائر في انتزاع اعتراف رسمي بهذه الجرائم. كما تصر الدولة الجزائرية عبر هذا التشريع على استرجاع الأرشيف الوطني المنهوب والممتلكات الثقافية، بالإضافة إلى استعادة رفات رموز المقاومة الوطنية التي لا تزال محتجزة.

وعلى صعيد الملفات التقنية العالقة، نص القانون على مطالبة باريس بتنظيف مواقع التفجيرات النووية التي خلفت تلوثاً إشعاعياً في الصحراء الجزائرية. ويُلزم القانون الجانب الفرنسي بتسليم الخرائط الدقيقة لتلك التفجيرات، مع ضرورة تقديم تعويضات عادلة لضحايا التجارب الكيميائية والألغام التي زرعت خلال فترة الحرب.

تضمن الشق الجزائي من القانون عقوبات صارمة تهدف إلى ردع أي محاولات لتمجيد الحقبة الاستعمارية أو تبريرها. وتتراوح عقوبات السجن بين سنة وعشر سنوات، بالإضافة إلى غرامات مالية قد تصل إلى مليون دينار جزائري ضد كل من يثبت ترويجه للاستعمار أو إنكاره لطابعه الإجرامي في الأوساط الأكاديمية أو الإعلامية.

كما يمنع القانون أي شكل من أشكال الإساءة أو التشهير التي قد تستهدف المجاهدين أو المقاومين الذين شاركوا في الثورة التحريرية. ويأتي هذا في إطار التزام مؤسسات الدولة، بالتنسيق مع فعاليات المجتمع المدني، بحماية الذاكرة الوطنية وتعزيز الهوية التاريخية والثقافية للشعب الجزائري وضمان انتقالها للأجيال الجديدة.

وأفادت مصادر مطلعة بأن النسخة النهائية للقانون، التي وقعها الرئيس عبد المجيد تبون، ضمت 26 مادة قانونية مفصلة. وأوضحت المصادر أن الصيغة النهائية شهدت تعديلات جوهرية تعكس الرؤية السياسية الحالية للدولة الجزائرية في التعامل مع ملف الذاكرة بعيداً عن الحسابات المادية الضيقة.

ومن أبرز التعديلات التي طرأت على النص الأصلي، التخلي عن مطلب التعويضات المالية والاعتذار الرسمي كشرط أساسي. وينسجم هذا التوجه مع تصريحات سابقة للرئاسة الجزائرية أكدت فيها أن دماء الشهداء وتضحياتهم لا تقدر بثمن، وأن الاعتراف المعنوي والتاريخي بالجرائم هو المطلب الذي لا يمكن التنازل عنه.

يأتي صدور هذا القانون في وقت تشهد فيه العلاقات الثنائية بين الجزائر وباريس تحسناً تدريجياً، إلا أن القيادة الجزائرية شددت على أن ملف الذاكرة منفصل تماماً عن المسارات الدبلوماسية. وتؤكد الجزائر أن هذا التشريع هو حق تاريخي سيادي لا يخضع للتفاوض أو التفاهمات السياسية الظرفية مع أي طرف خارجي.

وتعتزم الجزائر ترجمة نص القانون إلى عدة لغات عالمية لاستخدامه كأداة قانونية ودبلوماسية في المحافل الدولية والمنظمات الحقوقية. وتهدف هذه الخطوة إلى تدويل قضية الذاكرة الجزائرية وضمان اعتراف دولي واسع بالجرائم التي ارتكبت خلال الحقبة الاستعمارية، مما يضع فرنسا تحت ضغط قانوني وأخلاقي مستمر.

من المتوقع أن يثير هذا القانون ردود فعل واسعة داخل الأوساط السياسية الفرنسية، لا سيما لدى تيارات اليمين المتطرف التي ترفض مراجعة التاريخ الاستعماري. ويرى مراقبون أن هذا التشريع سيظل حجر زاوية في صياغة مستقبل العلاقات بين البلدين، خاصة في ظل استمرار الجدل حول ملفات الهجرة والتأشيرات والأرشيف.

أقلام وأراء

الجمعة 22 مايو 2026 4:48 مساءً - بتوقيت القدس

أزمة الأسرة المصرية: كيف تحول الزواج من ميثاق غليظ إلى ساحة للصراع القانوني؟

تشهد أروقة محاكم الأسرة في مصر ازدحاماً غير مسبوق بملفات المتخاصمين، في إشارة واضحة إلى تصدع الروابط التي طالما ميزت المجتمع المصري بصلابته وقوة صلة الرحم فيه. هذا التحول الدراماتيكي جعل من الطرفين خصمين في ساحات القضاء، مما أدى إلى غياب فرص الإصلاح والوساطة العائلية التي كانت تشكل صمام أمان للبيوت.

تاريخياً، لم تكن الأسرة في مصر مجرد وحدة اجتماعية عابرة، بل مثلت الحصن الأخير الذي حمى المجتمع من الانهيارات الكبرى عبر العصور. لقد كانت الوعاء الحافظ للهوية الدينية والأخلاقية والثقافية، متجاوزة كافة الأزمات والتحولات السياسية والاقتصادية التي عصفت بالبلاد في فترات مختلفة.

إن الفلسفة التي قام عليها البيت المصري استمدت روحها من القيم الدينية التي تعتبر الزواج سكناً وطمأنينة نفسية قبل أن يكون عقداً قانونياً. فالسكن يعني الاحتواء والأمان، والمودة تضمن استمرار الروابط رغم ضغوط الحياة، بينما تمثل الرحمة الخيط الخفي الذي يحمي البيوت من الانهيار عند أول بادرة خلاف.

بيد أن الواقع الراهن يشير إلى تحولات مقلقة تهدد هذا التوازن الفطري، حيث بدأت العلاقة بين الرجل والمرأة تتحول من شراكة إنسانية إلى صراع قانوني مفتوح. هذا المناخ المشحون بالتحسب جعل قطاعاً واسعاً من الشباب ينظر إلى فكرة الارتباط باعتبارها مغامرة غير مأمونة العواقب ومجهولة النتائج.

يتساءل الشاب المصري اليوم بقلق عن مصيره ومصير أطفاله في حال فشل الزواج، وهل سيتحول دوره الطبيعي كأب إلى مجرد ملف في المحاكم؟ إن الخوف من فقدان التأثير التربوي والإنساني، والتحول إلى مجرد ممول مالي، أصبح جزءاً أصيلاً من الوعي الجمعي لجيل كامل يتردد في اتخاذ خطوة الزواج.

هذه الحالة من القلق تمثل كارثة صامتة، فالمجتمع الذي يفقد فيه الزواج معناه الحضاري يدخل في مرحلة من التآكل البطيء. إن القضية لا تقتصر فقط على ارتفاع معدلات الطلاق، بل تمتد لتشمل انهيار الثقة المتبادلة وتحول العلاقة الأسرية إلى معادلة قانونية باردة يسعى فيها كل طرف لحماية نفسه.

يشعر الكثير من الرجال في ظل التوجهات القانونية والاجتماعية الحديثة بأن دور الأب يتم تهميشه وتحويله إلى طرف ثانوي بعد الانفصال. ورغم المسؤوليات المالية والأخلاقية الملقاة على عاتقه، يجد الأب نفسه أمام صعوبات بالغة في المشاركة التربوية الفعلية، مما يؤدي إلى تجريف تدريجي لمفهوم الأبوة.

إن تحول وجود الأبناء من باب للبركة والاستقرار إلى مصدر للخوف من الالتزامات القانونية المرهقة يعد مؤشراً خطيراً. فالشباب باتوا يخشون التورط في علاقات قد تنتهي بحرمانهم من أبسط حقوقهم الإنسانية في رؤية أبنائهم وتربيتهم، مما يعزز العزوف عن تكوين أسر جديدة.

الأزمة التي يواجهها المجتمع اليوم ليست اقتصادية فحسب، بل هي أزمة حضارية وأخلاقية تمس جوهر الوجود الإنساني. فعندما يصبح الطريق المشروع للارتباط معقداً ومهدداً، تبرز البدائل المشوهة والعلاقات الهشة التي تفتقر للمسؤولية، مما يؤدي إلى تفكك اجتماعي وفردانية قاسية.

تنهار الأمم حين تفقد الأسرة قدرتها على إنتاج إنسان سوي ومتوازن نفسياً، وحين تتحول البيوت من مساحات للرحمة إلى ساحات للنزاع. إن الثمن الذي يدفعه المجتمع في سلوك الأجيال القادمة وصحتهم النفسية باهظ جداً، ولا يمكن تداركه إلا برؤية شاملة تعيد الاعتبار لمؤسسة الزواج.

أي محاولة لتطوير قوانين الأسرة يجب أن تنبع من فهم عميق للهوية الحضارية والدينية للمجتمع المصري، بعيداً عن استيراد نماذج غريبة. فالنماذج الغربية الحديثة تعاني أصلاً من تفكك واسع وتراجع حاد في معدلات الاستقرار الأسري، ولا يمكن إسقاطها على بيئة لها خصوصيتها الثقافية.

تبرز هنا ضرورة العودة إلى المرجعية الشرعية الأصيلة المتمثلة في الأزهر الشريف عند صياغة أي تشريعات تخص الأحوال الشخصية. إن إقرار القوانين بمعزل عن التكوين النفسي والديني للمجتمع يحولها إلى مجرد هندسة اجتماعية باردة لا تخدم استقرار الأسر ولا تحفظ حقوق أفرادها.

الحفاظ على كيان الأسرة لا يعني بالضرورة ظلم المرأة، كما أن حماية حقوق المرأة لا ينبغي أن تؤدي إلى تهميش دور الأب. فالأسرة في جوهرها هي شراكة تكاملية وليست معركة انتصار، ولا يمكن للحياة أن تستقيم دون توازن دقيق يحفظ لكل طرف كرامته ودوره الطبيعي.

المجتمع المصري بحاجة ماسة اليوم إلى رؤية تعيد بناء الثقة في مؤسسة الزواج وتعزز قيم المودة والرحمة. إن الدفاع عن الأسرة هو في الحقيقة دفاع عن بقاء المجتمع نفسه، وحماية لآخر الحصون الأخلاقية والحضارية التي تضمن استمرار الأمة وقوتها في مواجهة التحديات.

فلسطين

الجمعة 22 مايو 2026 4:47 مساءً - بتوقيت القدس

عاصفة دولية ضد بن غفير: مطالبات بعقوبات أوروبية بعد التنكيل بمتضامني أسطول الصمود

تصاعدت حدة الغضب الدولي تجاه الممارسات الإسرائيلية عقب نشر وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، مقاطع مصورة توثق التنكيل بناشطي أسطول الصمود العالمي. وأثارت هذه المشاهد موجة من الاستدعاءات الدبلوماسية لسفراء الاحتلال في عواصم كبرى، وسط تنديد واسع بسوء معاملة المتضامنين الدوليين واحتجازهم القسري.

برزت في الأوساط الأوروبية تحركات جادة لمحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات، حيث دعا 29 نائباً في البرلمان الأوروبي إلى إدراج بن غفير ضمن قائمة العقوبات العالمية لحقوق الإنسان. كما تقدمت إيطاليا بطلب رسمي للاتحاد الأوروبي لمناقشة فرض إجراءات عقابية ضد الوزير اليميني المتطرف على خلفية الاعتداءات الموثقة بحق الناشطين.

شملت ردود الفعل الغاضبة دولاً عدة منها إسبانيا، فرنسا، بريطانيا، كندا، وهولندا، بالإضافة إلى البرازيل وبلجيكا، حيث عبرت هذه الدول عن احتجاجها الشديد على العنف الممارس ضد مواطنيها المشاركين في المهمة الإنسانية. واعتبرت هذه العواصم أن ما جرى يمثل تجاوزاً خطيراً للأعراف الدبلوماسية والقوانين الدولية التي تحمي الناشطين السلميين.

على الصعيد الفلسطيني، أدانت القيادة الفلسطينية بشدة عملية القرصنة التي تعرض لها الأسطول في المياه الدولية، واصفة إياها بالدليل القاطع على تجرد الاحتلال من القيم الأخلاقية. وأكدت مصادر فلسطينية أن تعمد نشر فيديوهات الإذلال يعكس توجهاً رسمياً لدى حكومة الاحتلال لشرعنة الانتهاكات والتباهي بها أمام الرأي العام.

داخلياً، تسببت تصرفات بن غفير في انقسام حاد داخل الحكومة الإسرائيلية، حيث حاول مسؤولون التنصل من تداعيات النشر الإعلامي دون إدانة الفعل نفسه. وأعرب وزير الخارجية جدعون ساعر عن قلقه من الضرر البالغ الذي لحق بـ 'صورة إسرائيل' في الخارج، معتبراً أن توثيق هذه اللحظات كان خطأً استراتيجياً فادحاً.

في المقابل، لم يتراجع التيار اليميني المتطرف عن دعمه لبن غفير، حيث أشاد نواب من حزبه بمشاهد التنكيل واعتبروها ضرورة لحماية ما وصفوه بـ 'السيادة والأمن'. هذا الانقسام يعكس عمق الأزمة الهيكلية في الخطاب الإسرائيلي بين محاولات التجميل الدبلوماسي والنزعات المتطرفة العلنية.

أظهرت تحليلات رقمية تداولتها مصادر إعلامية ارتفاعاً قياسياً في الخطاب السلبي الموجه ضد إسرائيل على منصات التواصل الاجتماعي بنسبة تجاوزت 400%. ورصدت التقارير نحو نصف مليون تفاعل سلبي مرتبط بالحادثة، مما يشير إلى خسارة فادحة في معركة الرأي العام العالمي بسبب توثيق الانتهاكات بالصوت والصورة.

حاولت وزارة الخارجية الإسرائيلية احتواء الأزمة المتفاقمة عبر الإعلان عن تسريع إجراءات ترحيل الناشطين الأجانب إلى بلدانهم. وتأتي هذه الخطوة غير المعتادة في محاولة لتقليل سقف المطالبات الدولية وتخفيف الضغط الدبلوماسي الذي بدأ يهدد مصالح إسرائيل في القارة الأوروبية وأمريكا اللاتينية.

المقطع الذي نشره بن غفير يوم الأربعاء أظهر مشاهد مهينة تضمنت إجبار الناشطين على الركوع وهم مكبلو الأيدي تحت تهديد السلاح. كما وثق الفيديو إجبار المتضامنين على الاستماع للنشيد الإسرائيلي في وضعيات مذلة، في خطوة وصفها مراقبون بأنها تهدف إلى 'التحطيم النفسي' للمشاركين في كسر حصار غزة.

وفقاً لبيانات منظمي أسطول الصمود، فإن القوات الإسرائيلية اعترضت نحو 50 قارباً كانت تحمل 428 ناشطاً ينتمون لـ 44 دولة مختلفة. وكانت هذه القوافل تهدف إلى إيصال مساعدات إنسانية عاجلة لقطاع غزة المحاصر، إلا أن اعتراضها في عرض البحر حال دون وصول هذه الإمدادات الحيوية للسكان.

تؤكد الوقائع الميدانية أن الناشطين تعرضوا لعنف جسدي ونفسي ممنهج خلال عملية الاحتجاز، وهو ما وثقته شهادات أولية للمفرج عنهم. وتبقى هذه الأزمة مرشحة للتصاعد في ظل إصرار اليمين الإسرائيلي على مواصلة سياسات التنكيل، مما يضع علاقات إسرائيل الدولية على المحك أمام مطالبات حقوقية غير مسبوقة.

تحليل

الجمعة 22 مايو 2026 4:31 مساءً - بتوقيت القدس

استنزاف الدفاعات الأميركية في سماء إسرائيل

رسالة واشنطن


واشنطن - سعيد عريقات -22/5/2026


كشفت صحيفة واشنطن بوست، في تقرير استند إلى تقييمات سرية داخل وزارة الدفاع الأميركية، أن الجيش الأميركي استنزف جزءاً ضخماً من مخزونه الاستراتيجي من الصواريخ الاعتراضية المتطورة خلال دفاعه عن إسرائيل في المواجهة الأخيرة مع إيران، مستخدماً كميات من الذخائر عالية التقنية تجاوزت بكثير ما استخدمته إسرائيل نفسها. وأثار هذا الكشف صدمة داخل الأوساط العسكرية والسياسية الأميركية، بعدما سلط الضوء على حجم الاعتماد الإسرائيلي على المظلة الدفاعية الأميركية، كما فتح الباب أمام تساؤلات متزايدة بشأن قدرة واشنطن على الحفاظ على جاهزيتها العسكرية عالمياً، في ظل تصاعد التوترات الدولية واتساع نطاق التحديات الأمنية التي تواجهها الولايات المتحدة.


وبحسب المعلومات التي نقلتها الصحيفة عن مسؤولين أميركيين، أطلقت الولايات المتحدة أكثر من مئتي صاروخ من منظومة "ثاد" الاعتراضية، أي ما يقارب نصف المخزون المتوافر لدى البنتاغون من هذا النظام المتطور. كما استخدمت السفن الحربية الأميركية في شرق البحر الأبيض المتوسط أكثر من مئة صاروخ من طرازي "ستاندرد 3" و"ستاندرد 6" لاعتراض الصواريخ الإيرانية. في المقابل، استخدمت إسرائيل أعداداً أقل من منظومات "آرو" و"مقلاع داود"، ما عكس اعتماداً إسرائيلياً متزايداً على القدرات الأميركية خلال الحرب.


هذا التفاوت دفع محللين عسكريين إلى التحذير من تداعيات بعيدة المدى، خصوصاً أن خطوط الإنتاج الأميركية الحالية لا تبدو قادرة على تعويض هذا الاستنزاف بسرعة. ووصفت الباحثة كيلي غريكو من مركز "ستيمسون" الأرقام بأنها "لافتة"، مؤكدة أن الولايات المتحدة تحملت الجزء الأكبر من عمليات الدفاع الصاروخي، فيما احتفظت إسرائيل بجزء مهم من مخزونها الدفاعي. ويعني ذلك، وفق تقديرات خبراء، أن أي مواجهة جديدة قد تضع واشنطن أمام أزمة تسليح حقيقية، خاصة إذا توسعت التوترات في آسيا أو شرق أوروبا.


ويكشف هذا التطور عن تحول عميق في طبيعة العلاقة العسكرية بين واشنطن وتل أبيب. فعلى الرغم من الخطاب السياسي الذي يقدم إسرائيل باعتبارها قوة عسكرية مكتفية ذاتياً، فإن الوقائع الميدانية أظهرت اعتماداً شبه كامل على المظلة الأميركية عند مواجهة تهديد استراتيجي واسع. كما أن استنزاف المخزون الأميركي دفاعاً عن إسرائيل يطرح تساؤلات داخلية في الولايات المتحدة بشأن جدوى استمرار الدعم المفتوح، في وقت تواجه فيه واشنطن تحديات متصاعدة مع الصين وكوريا الشمالية وروسيا. ومن المرجح أن يتحول هذا الملف إلى مادة سجال داخل الكونغرس مع تصاعد الانتقادات المتعلقة بكلفة الحروب الخارجية على الأمن القومي الأميركي.


وأثار الكشف عن تراجع المخزون الأميركي مخاوف لدى حلفاء واشنطن في آسيا، وخاصة اليابان وكوريا الجنوبية، اللتين تعتمدان على الردع الأميركي في مواجهة كوريا الشمالية والصين. ويرى خبراء أن أي ضعف في منظومات الدفاع الأميركية قد يبعث برسائل خاطئة إلى الخصوم، ويشجعهم على اختبار قدرة واشنطن على إدارة أزمات متزامنة في أكثر من جبهة. كما أن الحرب كشفت محدودية القدرة الصناعية الأميركية على إنتاج الذخائر المتطورة بوتيرة تناسب الحروب الحديثة طويلة الأمد.


وفي موازاة ذلك، دافع البنتاغون عن أداء القوات الأميركية، مؤكداً أن التعاون العسكري مع إسرائيل جرى وفق أعلى درجات التنسيق. وقال المتحدث باسم الوزارة شون بارنيل إن أنظمة الاعتراض ليست سوى جزء من شبكة دفاعية متكاملة استخدمت فيها الطائرات المقاتلة ومنظومات مكافحة الطائرات المسيرة وأنظمة الرصد المتقدمة. كما شددت السفارة الإسرائيلية في واشنطن على أن التعاون بين الطرفين يخدم مصالح مشتركة، ووصفت إسرائيل بأنها الشريك العسكري الأكثر جاهزية وفاعلية بالنسبة للولايات المتحدة في المنطقة.


ولا يرتبط الاستنزاف العسكري الحالي فقط بالحرب مع إيران، بل يعكس أيضاً أزمة أعمق في الاستراتيجية الأميركية بالشرق الأوسط. فمنذ سنوات، تحاول الإدارات الأميركية تقليص انخراطها العسكري المباشر والتركيز على مواجهة الصين في آسيا، غير أن الحروب المتكررة دفاعاً عن إسرائيل تعيد واشنطن إلى دائرة الاستنزاف نفسها. كما أن اعتماد إسرائيل المتزايد على القدرات الأميركية يضعف الرواية التي تروج لها تل أبيب حول تفوقها العسكري الذاتي. والأخطر أن هذه الحرب أظهرت قدرة إيران على فرض كلفة استراتيجية مرتفعة رغم الضربات القاسية التي تعرضت لها، ما يعني أن أي مواجهة جديدة قد تكون أكثر تعقيداً وخطورة.


وتشير التقديرات الاستخباراتية الأميركية إلى أن إيران ما زالت تحتفظ بنسبة كبيرة من ترسانتها الصاروخية، رغم الضربات الواسعة التي استهدفت منشآتها وقواعدها العسكرية. كما أن إغلاق مضيق هرمز أدى إلى اضطراب إمدادات الطاقة العالمية وارتفاع معدلات التضخم، ما زاد الضغوط على الإدارة الأميركية. وبينما يواصل الرئيس دونالد ترمب التهديد باستئناف العمليات العسكرية، يحذر مسؤولون من أن أي جولة جديدة ستؤدي إلى استنزاف أكبر للمخزون الأميركي، خصوصاً بعد إخراج بعض بطاريات الدفاع الإسرائيلية من الخدمة لإجراء عمليات صيانة.


وتكشف الحرب الأخيرة أن ميزان الردع في المنطقة لم يعد محسومًا بالكامل لصالح إسرائيل والولايات المتحدة كما كان يُعتقد سابقاً. فبرغم التفوق الجوي والتكنولوجي الكبير، لم تتمكن واشنطن وتل أبيب من منع إيران من الاحتفاظ بجزء مهم من قدراتها الصاروخية. كما أن استمرار الحاجة إلى إطلاق مئات الصواريخ الاعتراضية يعكس حجم التهديد الذي تمثله الترسانة الإيرانية. والأهم أن هذه المواجهة أبرزت هشاشة الاقتصاد العالمي أمام أي اضطراب في الخليج، ما قد يدفع قوى دولية كبرى إلى ممارسة ضغوط متزايدة لاحتواء التصعيد ومنع تحول المنطقة إلى ساحة حرب مفتوحة طويلة المدى.


وفي خلفية المشهد، تحدث مسؤولون أميركيون عن دور محوري لعبه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في إقناع الرئيس دونالد ترمب بالمضي في الحرب، عبر وعود بإضعاف النظام الإيراني ودفع البلاد نحو تغييرات داخلية كبرى. غير أن تطورات المعارك الميدانية جاءت مختلفة عن التوقعات الأولية، بعدما أظهرت إيران قدرة على مواصلة إطلاق الصواريخ والحفاظ على جزء مهم من بنيتها العسكرية. كما أدى طول أمد المواجهة إلى تصاعد الخلافات بين دوائر القرار في واشنطن بشأن جدوى استمرار العمليات، وسط مخاوف من انزلاق الولايات المتحدة إلى حرب استنزاف جديدة في الشرق الأوسط، يصعب التحكم بنتائجها السياسية والاقتصادية والعسكرية. في المستقبل القريب وعلى امتداد المنطقة بأسرها.

عربي ودولي

الجمعة 22 مايو 2026 4:05 مساءً - بتوقيت القدس

أزمة محصول البطيخ في كفر الشيخ: استغاثات من الخسائر وتحرك رسمي للتحقيق

ضجت منصات التواصل الاجتماعي بمقاطع فيديو توثق استغاثات مريرة لمزارعي البطيخ في محافظة كفر الشيخ، وتحديداً في منطقة البرلس التابعة لمركز بلطيم. وأعرب المزارعون عن صدمتهم من فشل الموسم الزراعي الحالي، مؤكدين أن المحاصيل لم تحقق النتائج المرجوة رغم مرور أكثر من أربعة أشهر على بدء الزراعة وتحملهم تكاليف باهظة لتوفير مستلزمات الإنتاج والتقاوي.

وأشار المزارعون المتضررون إلى أنهم أنفقوا مبالغ طائلة تجاوزت 150 ألف جنيه للفدان الواحد، طمعاً في محصول وفير يعوضهم عن غلاء المعيشة، إلا أنهم فوجئوا بثمار ذات جودة رديئة جداً أو انعدام الإثمار في بعض الأراضي. ووصف البعض الثمار الناتجة بأنها تشبه 'الحنظل' في طعمها، مما أدى إلى تراكم الديون عليهم وعجزهم عن سداد الالتزامات المالية التي أثقلت كاهلهم.

وفي رد فعل سريع على هذه الاستغاثات، أصدر وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، علاء فاروق، توجيهات عاجلة بتشكيل لجنة علمية وفنية متخصصة للوقوف على أسباب الأزمة. وانتقلت اللجنة بشكل ميداني إلى الأراضي المتضررة في مركز بلطيم لإجراء المعاينات اللازمة وفحص عينات من التربة والتقاوي والنباتات لتحديد مكامن الخلل التي أدت إلى تراجع الإنتاجية بهذا الشكل.

وأوضحت وزارة الزراعة في بيان رسمي أن إجمالي المساحات المنزرعة بمحصول البطيخ في تلك المنطقة يصل إلى نحو 3500 فدان، مشيرة إلى أن الفحص الأولي حصر المشكلة في مساحة محدودة جداً لا تتجاوز 7.5 فدان. وأكدت الوزارة أن المعاينة الظاهرية أظهرت وجود نمو خضري جيد للنباتات، مما ينفي وجود إصابات فيروسية أو آفات مدمرة شاملة للمحصول في المنطقة ككل.

وبحسب التقرير الفني الأولي للجنة، فقد أُرجعت أسباب ضعف الإثمار في المساحات المتضررة إلى اتباع 'ممارسات زراعية خاطئة' من قبل بعض المزارعين، وهو ما أثر سلباً على العمليات الحيوية للنبات خلال فترة التزهير والعقد. وشددت الوزارة على عدم وجود أزمة عامة في التقاوي المستخدمة، مؤكدة أن بقية المساحات المنزرعة في المحافظة تسير وفق المعدلات الطبيعية للنمو والإنتاج.

ورغم التوضيحات الرسمية، لا يزال المزارعون يطالبون بفتح تحقيق موسع يشمل جودة الأدوية الزراعية والتقاوي التي يتم تداولها في الأسواق، مؤكدين أن الخسائر التي تعرضوا لها تفوق قدرتهم على الاحتمال. وتعهدت وزارة الزراعة باستمرار المتابعة الفنية وتقديم الدعم الإرشادي اللازم للمزارعين لضمان تلافي مثل هذه المشكلات في المواسم القادمة وحماية الأمن الغذائي.

عربي ودولي

الجمعة 22 مايو 2026 4:04 مساءً - بتوقيت القدس

ترمب وسلاح "السلوباغاندا".. كيف يغرق الذكاء الاصطناعي الدعاية السياسية بالفوضى؟

بات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب يتصدر المشهد السياسي العالمي كأكثر القادة استخداماً لتقنيات الذكاء الاصطناعي في صياغة رسائله الإعلامية. ولا يتوقف الأمر عند مجرد التلاعب بالصور، بل يمتد إلى استراتيجية ممنهجة تهدف إلى طمس الحدود بين الحقيقة والخيال في أذهان الناخبين والمتابعين.

أظهر تحليل معمق أجري مؤخراً لمنشورات ترمب على منصة "تروث سوشيال" أن وتيرة استخدامه للمحتوى المولد آلياً شهدت قفزة هائلة. فقد ارتفع عدد الصور المنتجة عبر الذكاء الاصطناعي بمقدار سبعة أضعاف خلال شهر مايو الجاري، مما يشير إلى تحول جذري في أدواته الدعائية.

يُطلق الخبراء والمحللون على هذا السلوك الجديد مصطلح "السلوباغاندا" أو الدعاية الفوضوية، وهي تعتمد على إغراق المنصات بمحتوى بصري مكثف ومضلل أحياناً. وتهدف هذه السياسة إلى خلق حالة من الإرباك الدائم لدى الجمهور، مما يجعل من الصعب التمييز بين الواقع والسيناريوهات المتخيلة.

تشير البيانات الرقمية إلى أن ترمب نشر أكثر من 2700 تدوينة منذ مطلع عام 2026، وهو ما يمثل معدلاً مرتفعاً يصل إلى 19 منشوراً في اليوم الواحد. وتتضمن نصف هذه المنشورات تقريباً وسائط بصرية، مما يعزز من قدرته على جذب الانتباه بعيداً عن القنوات الإعلامية الرسمية والتقليدية.

تستخدم هذه التقنيات لرسم صور ذهنية تضفي هالة من الأسطورية على شخصية ترمب، حيث تظهره في مواقف بطولية أو انتصارات عسكرية متخيلة. كما يتم توظيفها لتقديم وعود سياسية ومشاريع بنية تحتية خيالية لم تدخل حيز التنفيذ بعد، لإعطاء انطباع بالإنجاز المستقبلي.

لم تخلُ هذه الاستراتيجية من الهجمات الشخصية الحادة التي تجاوزت حدود الفكاهة إلى الإساءة المباشرة لخصومه السياسيين. ففي حوادث سابقة، تم رصد منشورات عنصرية استهدفت عائلة الرئيس الأسبق باراك أوباما عبر صور مشوهة، قبل أن يتم حذفها لاحقاً بعد موجة من الانتقادات.

امتد استخدام الذكاء الاصطناعي ليشمل قضايا دولية شائكة، حيث نشر ترمب مقاطع فيديو تظهر تصورات مستقبلية لإعادة إعمار قطاع غزة. وتعكس هذه الخطوة رغبته في استخدام التكنولوجيا لتصوير أوهام سياسية ووعود براقة تسبق الواقع بمراحل طويلة، بهدف كسب التأييد الشعبي.

تؤكد مصادر صحفية أن البيت الأبيض غالباً ما يجد نفسه في موقف الدفاع لتبرير هذه السلوكيات الرقمية بحجج توصف بأنها غير واقعية. ويحاول الفريق المحيط بترمب الهروب من المسؤولية الأخلاقية والمهنية تجاه نشر محتوى زائف عبر اعتباره نوعاً من التعبير السياسي الحر.

تفاعل رواد منصات التواصل الاجتماعي مع هذه التحليلات بآراء متباينة، حيث رأى البعض أن ترمب يعلم تماماً تأثير هذه الصور على الصحافة التي ستصفه بعدم الاتزان. بينما اعتبر آخرون أن الذكاء الاصطناعي بات أداة فعالة جداً في حشد الدعم الشعبي وتجاوز الرقابة الإعلامية التقليدية.

في نهاية المطاف، يبرز ترمب كأكبر المستفيدين من ثورة الذكاء الاصطناعي في المجال السياسي، حيث ينجح في إيصال رسائله دون الحاجة لإثبات صحتها. وتظل منصة "تروث سوشيال" المختبر الأساسي لهذه التجربة الرقمية التي قد تعيد صياغة مفهوم الدعاية الانتخابية في العصر الحديث.

عربي ودولي

الجمعة 22 مايو 2026 4:04 مساءً - بتوقيت القدس

التنوع البيولوجي: شبكة الحياة التي تحمي اقتصاد البشر وصحتهم من الانهيار

يحيي العالم في الثاني والعشرين من مايو كل عام اليوم الدولي للتنوع البيولوجي، وهو موعد سنوي يهدف لتسليط الضوء على أهمية التنوع الحيوي في استمرار الحياة على كوكب الأرض. ويأتي شعار عام 2026 تحت عنوان 'العمل محلياً من أجل تأثير عالمي'، ليؤكد أن حماية الطبيعة تبدأ من الممارسات اليومية البسيطة التي تتراكم لتشكل فارقاً حقيقياً على المستوى الدولي.

لا يقتصر مفهوم التنوع البيولوجي على حماية الغابات البعيدة أو الكائنات النادرة التي تظهر في الوثائقيات، بل هو نظام معقد يمس تفاصيل الحياة اليومية للبشر. فهذه الشبكة الحيوية هي المسؤول الأول عن جودة الطعام الذي نأكله، ونقاء المياه التي نشربها، وحتى استقرار المناخ الذي نعيش فيه، مما يجعل الحفاظ عليها ضرورة بقاء لا مجرد رفاهية بيئية.

تُعرف الأوساط العلمية التنوع البيولوجي بأنه تعدد أشكال الحياة بكافة مستوياتها، بدءاً من التنوع الجيني داخل النوع الواحد وصولاً إلى النظم البيئية الشاملة. وتعتمد هذه المنظومة على علاقات متبادلة دقيقة، حيث تقوم الحشرات بتلقيح المحاصيل، وتعمل الكائنات الدقيقة على حفظ خصوبة التربة، بينما تساهم الطيور في نقل البذور لضمان تجدد الغطاء النباتي.

يشكل الأمن الغذائي العالمي أحد أكثر القطاعات تأثراً بتراجع التنوع الحيوي، حيث تعتمد معظم المحاصيل الزراعية على الملقحات الطبيعية مثل النحل والفراشات. ومن دون هذه الكائنات، ستواجه المجتمعات تراجعاً حاداً في إنتاج الفواكه والخضروات والمكسرات، مما يؤدي بالضرورة إلى ارتفاع الأسعار وتهديد سلاسل الإمداد الغذائية العالمية.

تلعب التربة دوراً محورياً لا يقل أهمية، إذ تحتضن ملايين الكائنات الدقيقة التي تضمن تدوير المواد العضوية وإعادة المغذيات للأرض. وعندما تتعرض التربة للتدهور نتيجة الاستخدام المفرط للكيماويات أو إزالة الغابات، تفقد قدرتها على الإنتاج، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على جودة المحاصيل وتوفرها في الأسواق المحلية والعالمية.

في سياق الموارد المائية، تؤدي الطبيعة دور 'المصفاة' والمخزن الاستراتيجي، حيث تعمل الغابات والأراضي الرطبة على تنقية المياه وتنظيم دورتها الطبيعية. إن تجفيف المستنقعات أو قطع الأشجار لا يؤدي فقط إلى فقدان الموائل، بل يضعف قدرة البيئة على امتصاص مياه الفيضانات وتخزين المياه الجوفية اللازمة لمواجهة فترات الجفاف.

ترتبط صحة الإنسان ارتباطاً وثيقاً بسلامة النظم البيئية، حيث أن جزءاً كبيراً من الأدوية الحديثة واللقاحات مستخلص من مركبات طبيعية ونباتية. ويحذر الخبراء من أن فقدان التنوع الحيوي يقلل من فرص اكتشاف علاجات مستقبلية للأمراض المستعصية، كما يزيد من احتمالات انتقال الأوبئة من الحيوانات البرية إلى البشر نتيجة تداخل الموائل.

تشير تقارير صادرة عن منظمة اليونسكو إلى أن التنوع البيولوجي يتراجع حالياً بوتيرة غير مسبوقة في التاريخ البشري، مع وجود مليون نوع مهدد بالانقراض. وتعود أسباب هذا التدهور إلى مزيج من التغير المناخي، والتلوث المتزايد، والتوسع العمراني العشوائي الذي يلتهم المساحات الخضراء والموائل الطبيعية للكائنات الحية.

على الصعيد الاقتصادي، تدفع القطاعات الحيوية مثل الزراعة والصيد والسياحة أثماناً باهظة نتيجة تدهور النظم البيئية. فالمجتمعات التي تعتمد على الصيد البحري تتضرر مباشرة من تراجع الثروة السمكية، كما أن قطاع السياحة البيئية ينهار مع اختفاء المعالم الطبيعية، مما يحول الأزمة البيئية إلى أزمة مالية واجتماعية خانقة.

إن محاولة إنقاذ نوع واحد من الانقراض دون حماية موطنه الطبيعي هي محاولة غير مكتملة، تماماً كمن يحاول ترميم غرفة في منزل ينهار أساسه. لذا، يجب أن يركز العمل البيئي على حماية 'العلاقات' بين الكائنات، وضمان سلامة الممرات الطبيعية والمراعي والشعاب المرجانية التي تضمن استمرارية دورة الحياة بشكل طبيعي.

تؤكد مصادر بيئية أن الحلول للأزمات العالمية تبدأ من المبادرات المحلية، مثل دعم الزراعة المستدامة وترشيد استهلاك المياه في المنازل. إن الحفاظ على الأشجار المحلية وتقليل النفايات البلاستيكية قد تبدو خطوات صغيرة، لكن تبنيها على نطاق واسع يساهم في بناء خط دفاع قوي ضد التغيرات المناخية المتسارعة.

إن اختفاء أي كائن حي ليس مجرد خبر عابر في المجلات العلمية، بل هو تصدع جديد في جدار الحماية الذي يحيط بالبشرية. ومع كل غابة تتراجع أو نهر يتلوث، يفقد العالم جزءاً من توازنه، مما يجعل الإنسان أكثر عرضة للكوارث الطبيعية والأزمات الصحية والاقتصادية التي كان التنوع البيولوجي يصدها عنه.

لا يمكن فصل الاقتصاد عن الطبيعة، فالاستثمار في حماية البيئة هو في الحقيقة استثمار في استقرار الأسواق وتأمين مستقبل الأجيال القادمة. الطبيعة ليست ترفاً يمكن تأجيل الاهتمام به، بل هي البنية التحتية الحقيقية التي تقوم عليها كافة الأنشطة البشرية، وضمان سلامتها هو الضمان الوحيد لاستمرار النمو والازدهار.

في الختام، يذكرنا اليوم الدولي للتنوع البيولوجي بحقيقة بسيطة وهي أن الإنسان جزء لا يتجزأ من هذا الكوكب وليس سيداً عليه. إن حماية التنوع الحيوي تعني حماية أنفسنا، وفهم أن كل خلل نحدثه في الطبيعة سيعود أثره علينا عاجلاً أم آجلاً، مما يتطلب تحركاً فورياً وجاداً لإنقاذ ما تبقى من شبكة الحياة.

فلسطين

الجمعة 22 مايو 2026 3:32 مساءً - بتوقيت القدس

تحت وطأة التهديدات الأمريكية.. فلسطين تتراجع عن ترشحها لنيابة رئاسة الجمعية العامة للأمم المتحدة

قررت البعثة الدبلوماسية الفلسطينية لدى الأمم المتحدة التراجع عن ترشيح المندوب الدائم، رياض منصور، لمنصب نائب رئيس الجمعية العامة للمنظمة الدولية في دورتها المقبلة. وجاءت هذه الخطوة المفاجئة استجابة لضغوط صارمة مارستها الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترمب، والتي لوحت باتخاذ إجراءات عقابية ضد الدبلوماسيين الفلسطينيين في نيويورك. وأفادت مصادر بأن التهديدات شملت بشكل مباشر إمكانية إلغاء تأشيرات الدخول الخاصة بأعضاء البعثة، مما قد يعيق قدرتهم على ممارسة مهامهم الدبلوماسية داخل مقر المنظمة الدولية.

من جانبها، أكدت لانيس كولينز، المتحدثة الرسمية باسم رئاسة الجمعية العامة للأمم المتحدة أن المنظمة تلقت إخطاراً رسمياً يفيد بسحب ترشيح دولة فلسطين للمنصب المذكور. وأوضحت كولينز في بيان صحفي أن دولة لبنان تقدمت رسمياً بطلب ترشيحها لشغل مقعد نائب الرئيس المخصص للمجموعة الجغرافية المعنية، وذلك خلال الدورة السنوية الحادية والثمانين للجمعية العامة. ويأتي هذا التحول في وقت تشهد فيه العلاقات الدبلوماسية الفلسطينية-الأمريكية توتراً متصاعداً حيال التمثيل الفلسطيني في المحافل الدولية.

وفيما يتعلق بآلية اختيار نواب رئيس الجمعية العامة، أشارت الناطقة الرسمية إلى أن الهيكلية المتبعة تعتمد بشكل أساسي على مبدأ التوزيع الجغرافي العادل بين المناطق المختلفة. وتتألف هيئة نواب الرئيس من 21 عضواً، يتم اختيار 16 منهم بناءً على ترشيحات المجموعات الإقليمية الدولية، بينما يشغل المقاعد الخمسة المتبقية رؤساء اللجان الرئيسية الدائمة في الجمعية العامة بشكل تلقائي. وتعتبر هذه المناصب حيوية في إدارة أجلسات الجمعية وتحديد أولويات الأجندة الدولية السنوية.

ويرى مراقبون أن رضوخ البعثة الفلسطينية لهذه الضغوط يعكس حجم التحديات التي تواجهها الدبلوماسية الفلسطينية في ظل الإدارة الأمريكية الحالية. وتعد هذه الحادثة مؤشراً على استخدام واشنطن لسلاح التأشيرات والقيود اللوجستية كأداة للضغط السياسي داخل أروقة الأمم المتحدة. ورغم سحب الترشيح، تواصل البعثة الفلسطينية مساعيها لتعزيز مكانة فلسطين كدولة مراقب، وسط دعوات دولية لضرورة حماية العمل الدبلوماسي من الضغوطات السياسية المباشرة التي تمس سيادة المنظمات الدولية.

فلسطين

الجمعة 22 مايو 2026 3:02 مساءً - بتوقيت القدس

شهيد في رفح وتفاقم الأزمة الإنسانية جراء تقييد المعابر في غزة

استشهد مواطن فلسطيني، اليوم الجمعة، إثر هجوم نفذته طائرة مسيرة تابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي في مدينة رفح جنوب قطاع غزة. وتأتي هذه الحادثة في ظل استمرار الخروقات الإسرائيلية المتكررة لاتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر لعام 2025.

وأكدت مصادر طبية وصول جثمان الشهيد رأفت عادل بريكة، البالغ من العمر 42 عاماً، إلى المستشفى بعد استهدافه بشكل مباشر في المنطقة الغربية لمدينة رفح. وأوضح شهود عيان أن طائرة مسيرة من طراز 'كواد كابتر' أطلقت قنبلة صوب راعي أغنام في منطقة الشاكوش، مما أدى لارتقائه على الفور.

وفي مدينة غزة، أصيب مواطن بجروح متفاوتة جراء غارة جوية استهدفت مركبة تابعة لعناصر الشرطة بالقرب من دوار الصفطاوي. وتزامن ذلك مع قصف مدفعي مكثف طال المناطق الشرقية لمدينة خان يونس، مما أثار حالة من الذعر بين المواطنين الذين يحاولون العودة لحياتهم الطبيعية.

وتشير البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة إلى أن عدد الشهداء منذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار قد ارتفع إلى 883 شهيداً. كما بلغت حصيلة الإصابات خلال الفترة ذاتها نحو 2648 جريحاً، مما يعكس هشاشة الالتزام الإسرائيلي بالتهدئة المعلنة.

وتأتي هذه التطورات الميدانية بعد حرب إبادة دموية استمرت لعامين كاملين، خلفت دماراً هائلاً طال نحو 90% من البنية التحتية في القطاع. وقد أسفرت تلك الحرب عن استشهاد أكثر من 72 ألف فلسطيني وإصابة ما يزيد على 172 ألفاً آخرين في حصيلة غير مسبوقة.

على الصعيد الإنساني، كشف تقرير أسبوعي صادر عن حركة المعابر والمنافذ التجارية عن تدهور خطير في حركة تنقل الأفراد والبضائع. وأوضح التقرير أن القيود الإسرائيلية المشددة لا تزال تحول دون دخول الاحتياجات الأساسية للسكان المحاصرين في سجن كبير.

ووفقاً للمكتب الإعلامي الحكومي، لم يتمكن سوى 403 مسافرين من عبور معبر رفح خلال أسبوع واحد، وهي نسبة ضئيلة جداً. وتمثل هذه الأعداد نحو 28% فقط من إجمالي الحالات التي كان من المفترض السماح لها بالسفر، والبالغ عددها 1400 حالة.

وأشار التقرير إلى أن الاحتلال يتبع سياسة ممنهجة لتقييد حرية الحركة، حيث لا يزال أكثر من 18 ألف مريض وجريح بانتظار الإجلاء الطبي. ومنذ إعادة فتح معبر رفح بشكل محدود في فبراير الماضي، لم يتمكن سوى 700 مريض فقط من المغادرة لتلقي العلاج.

أما فيما يخص حركة الشاحنات، فقد دخلت 1287 شاحنة فقط إلى القطاع من أصل 4200 شاحنة كان من المقرر دخولها وفقاً للجداول الزمنية. وتعادل هذه الكمية نحو 30% من الاحتياجات الفعلية، مما يفاقم العجز في المواد الغذائية والطبية والوقود.

وتوزعت الشاحنات التي سمح بدخولها بين 559 شاحنة تجارية و693 شاحنة مساعدات إنسانية، بالإضافة إلى كميات محدودة من الوقود. وشملت إمدادات الطاقة 7 شاحنات فقط من الغاز التجاري و28 شاحنة من السولار المخصص للمؤسسات الحيوية.

وشددت مصادر مسؤولة على أن تقليص إمدادات الوقود والشاحنات يمثل خرقاً صريحاً لبنود اتفاق وقف إطلاق النار. وينص الاتفاق بوضوح على ضرورة إدخال 600 شاحنة بضائع ومساعدات يومياً، إلى جانب 50 شاحنة وقود لتشغيل المرافق الأساسية.

وتظهر الإحصائيات التراكمية أن إسرائيل سمحت بدخول 37% فقط من الشاحنات المقررة منذ بدء الاتفاق وحتى منتصف أبريل الماضي. ويستمر هذا الحصار في ظل ظروف معيشية مأساوية، حيث يفتقر السكان لأدنى مقومات الحياة من غذاء ودواء ومواد إيواء.

فلسطين

الجمعة 22 مايو 2026 3:02 مساءً - بتوقيت القدس

الرئاسة الفلسطينية تندد بـ'قرصنة' الاحتلال ضد أسطول الصمود وتطالب بمحاسبة بن غفير

أصدرت الرئاسة الفلسطينية بياناً شديد اللهجة أدانت فيه الجريمة التي ارتكبها وزير الأمن القومي للاحتلال، إيتمار بن غفير، عقب اعتراض واحتجاز سفن 'أسطول الصمود العالمي' في عرض البحر الأبيض المتوسط. وأكدت الرئاسة أن هذا الاعتداء الذي وقع في المياه الدولية يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، حيث كان الناشطون في مهمة إنسانية سلمية تهدف لكسر الحصار المفروض على قطاع غزة وإيصال المساعدات الإغاثية للسكان المحاصرين.

وأعربت السلطة الفلسطينية عن استيائها العميق من المشاهد الاستفزازية التي نشرها بن غفير خلال زيارته لميناء أسدود، والتي أظهرت المتضامنين العرب والدوليين مكبلي الأيدي ومطروحين على الأرض في وضع مهين. وأشارت المصادر إلى أن سلطات الاحتلال مارست ضغوطاً نفسية على المحتجزين شملت إجبارهم على الاستماع للنشيد الإسرائيلي، وهو ما يعكس العقلية العنصرية التي تدار بها الحكومة الحالية وتفاخرها بانتهاك حقوق الإنسان أمام المجتمع الدولي.

ميدانياً، تواصلت جرائم الاحتلال في قطاع غزة حيث استشهد المواطن رأفت عادل بريكة (42 عاماً) إثر استهدافه بقنبلة من مسيرة 'كواد كابتر' في منطقة الشاكوش غربي رفح. وتزامن ذلك مع قصف مدفعي عنيف استهدف الأحياء الشرقية لمدينة خانيونس، بالإضافة إلى تنفيذ عمليات نسف واسعة للمباني السكنية شمال شرق المدينة، مما يرفع حصيلة ضحايا الخروقات الإسرائيلية منذ تشرين الأول الماضي إلى 883 شهيداً وآلاف الجرحى.

وفي سياق متصل، امتدت الاعتداءات لتشمل الأراضي اللبنانية حيث استشهد أربعة أشخاص في غارة استهدفت مركزاً للهيئة الصحية في بلدة حناويه، وسط تقديرات اقتصادية تشير إلى وصول خسائر العدوان في لبنان إلى نحو 20 مليار دولار. ودعت الرئاسة الفلسطينية الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياتهم القانونية والأخلاقية للضغط على تل أبيب لرفع الحصار عن غزة ووقف حرب الإبادة التي خلفت دماراً طال 90% من البنية التحتية للقطاع.

عربي ودولي

الجمعة 22 مايو 2026 2:47 مساءً - بتوقيت القدس

توتر صامت خلف الكواليس: لماذا تخشى القاهرة من نفوذ أبو ظبي الصاعد؟

سلط تقرير حديث لمجلة إيكونوميست الضوء على طبيعة العلاقة المتوترة بين القاهرة وأبو ظبي، مشيراً إلى أن على مصر أن تنظر بحذر إلى جارتها الخليجية الصاعدة. واستشهد التقرير بواقعة استقبال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في السابع من مايو الماضي، حيث غابت المراسم الرسمية المعتادة في القصور الرئاسية، واستعيض عنها بلقاء في أحد مراكز التسوق لتناول الشاي مع الشيخ محمد بن زايد.

هذا السلوك البروتوكولي أثار استياءً واسعاً في الأوساط المصرية، حيث اعتبره مراقبون دليلاً على تراجع مكانة مصر الإقليمية التي طالما لُقبت بـ 'أم الدنيا'. وفي المقابل، يرى الجانب الإماراتي أن القاهرة لم تظهر الامتنان الكافي للدعم المالي الضخم الذي أنقذ الاقتصاد المصري من الانهيار الكامل خلال السنوات الأخيرة، خاصة في ظل الأزمات المتلاحقة.

وتشعر النخبة المصرية بمرارة متزايدة جراء ما تصفه بـ 'تطويق' الإمارات لبلادهم عبر دعم حركات انفصالية وميليشيات في دول الجوار. كما يسود القلق من اضطرار الدولة المصرية لبيع أصول استراتيجية ومساحات شاسعة من الأراضي لمستثمرين خليجيين لسداد الديون المتراكمة، مما يمس السيادة الوطنية في نظر الكثيرين.

من جهتها، تنظر أبو ظبي إلى مصر كحليف 'ناكر للجميل'، حيث يرى المسؤولون هناك أنهم قدموا مليارات الدولارات لدعم استقرار النظام المصري لعقود. ومع ذلك، لم يلمس الإماراتيون موقفاً مصرياً حازماً تجاه التهديدات الإيرانية، بل إن القاهرة فضلت لغة الدبلوماسية وإرسال الوزراء للتفاوض بدلاً من الانخراط العسكري المباشر.

وتشير المصادر إلى وجود تململ في أروقة الحكم بأبو ظبي، حيث يلوح البعض بضرورة 'تلقين مصر درساً' على غرار ما حدث مع باكستان سابقاً. وكانت الإمارات قد طالبت إسلام آباد بسداد قروض بمليارات الدولارات وقامت بترحيل آلاف العمال، وهو سيناريو يخشى البعض تكراره مع الـ 400 ألف مصري المقيمين في الإمارات.

على الصعيد الجيوسياسي، تتسع فجوة الخلاف حول ملف السودان، حيث تتهم القاهرة أبو ظبي بدعم قوات الدعم السريع التي تخوض حرباً ضد الجيش السوداني. ورغم نفي الإمارات لاستمرار هذا الدعم، إلا أن مصر ترى في هذه التحركات تهديداً مباشراً لأمنها القومي على حدودها الجنوبية، وتخشى من تداعيات عدم الاستقرار هناك.

ولا يتوقف القلق المصري عند حدود السودان، بل يمتد ليشمل النفوذ الإماراتي في ليبيا ودعم الانفصاليين في أرض الصومال، وصولاً إلى فكرة دعم إدارة مستقلة في قطاع غزة. هذه الملفات مجتمعة تشعر صانع القرار في القاهرة بأن هناك محاولات لتقليص دور مصر التاريخي في المنطقة لصالح أجندات إقليمية جديدة.

أما الملف الأكثر حساسية فيتمثل في التقارب الإماراتي مع إثيوبيا، خاصة في ظل أزمة سد النهضة التي تهدد شريان الحياة الوحيد للمصريين. وترى مصادر مصرية أن الاستثمارات الإماراتية الضخمة في أديس أبابا شجعت حكومة آبي أحمد على التعنت في المفاوضات، مما وضع الأمن المائي المصري في خطر حقيقي.

وفي محاولة لترميم هذه التصدعات، سعى الرئيس السيسي لتقديم بوادر حسن نية عبر عرض إرسال طيارين مقاتلين لحماية الأجواء الإماراتية في حال نشوب صراع مع إيران. كما صدرت توجيهات لوسائل الإعلام المحلية بوقف أي انتقادات موجهة للدولة الخليجية، في محاولة لتهدئة الأجواء وضمان استمرار التدفقات المالية.

رغم هذه التوترات، يرجح المحللون أن الطرفين لن يسمحا بانهيار العلاقة بشكل كامل نظراً للمصالح الحيوية المشتركة. ومع ذلك، بدأت القاهرة في تنويع تحالفاتها عبر تعزيز الروابط مع قطر والسعودية وتركيا، في إشارة واضحة إلى أنها لا ترغب في وضع كل أوراقها في السلة الإماراتية التي لم تعد مضمونة كما كانت.

أقلام وأراء

الجمعة 22 مايو 2026 2:34 مساءً - بتوقيت القدس

السلام المؤجل: كيف تحوّل النظام السياسي الإسرائيلي إلى عائق بنيوي أمام التسوية مع الفلسطينيين؟

في الشرق الأوسط، لا تموت مشاريع السلام دائماً بسبب الحروب. أحياناً تموت بسبب الانتخابات.

على مدى أكثر من ثلاثة عقود، بدا المشهد الفلسطيني الإسرائيلي وكأنه يدور داخل حلقة مغلقة: مفاوضات تبدأ، صور مصافحة تُلتقط أمام العالم، وعود تُقال عن “شرق أوسط جديد”، ثم ينهار كل شيء فجأة، ويعود العنف والتشكيك وانعدام الثقة إلى الواجهة. وفي كل مرة كان السؤال نفسه يتكرر: لماذا يفشل السلام دائماً؟

الإجابة التقليدية كانت تبحث في النوايا: من رفض؟ من تنازل؟ من خان الاتفاق؟ لكن مع مرور الزمن بدأ سؤال أعمق يفرض نفسه بقوة أكبر: ماذا لو كانت المشكلة ليست فقط في الأشخاص أو النيات، بل في البنية السياسية نفسها؟ ماذا لو كان النظام السياسي الإسرائيلي، بتكوينه الداخلي، عاجزاً أصلاً عن إنتاج تسوية مستقرة وطويلة الأمد؟

إسرائيل لا تعتمد نموذج الحزبين الكبيرين كما في الولايات المتحدة، ولا النموذج البرلماني المستقر نسبياً كما في بريطانيا. بل تعتمد نظام التمثيل النسبي الكامل مع دائرة انتخابية واحدة وعتبة دخول منخفضة نسبياً. ظاهرياً يبدو هذا النظام ديمقراطياً وتمثيلياً إلى حد بعيد، لأنه يسمح بتمثيل واسع للتيارات المختلفة، لكنه عملياً أنتج مشهداً سياسياً متشظياً بصورة مزمنة.

في كل انتخابات تقريباً يدخل الكنيست أكثر من عشرة أحزاب، ما يجعل أي حكومة بحاجة إلى ائتلاف هش من قوى متناقضة أيديولوجياً. رئيس الوزراء لا يحكم فعلياً بقدر ما يدير توازناً دائماً بين شركاء قادرين على إسقاطه في أي لحظة. وهنا تظهر المفارقة الأخطر: الأحزاب الصغيرة الأكثر تشدداً تمتلك أحياناً قدرة تعطيل أكبر من حجمها الحقيقي.

حزب يمتلك ستة أو سبعة مقاعد فقط يمكنه تهديد الحكومة بالانهيار إذا شعر أن هناك تنازلاً للفلسطينيين. لذلك يتحول السلام نفسه إلى خطر سياسي داخلي. وكلما اقتربت أي حكومة إسرائيلية من تسوية حقيقية، اقتربت في الوقت ذاته من احتمال السقوط.

لهذا لم يكن فشل المفاوضات مجرد نتيجة لتعنت أيديولوجي أو سوء نوايا، بل نتيجة بنية سياسية كاملة تعاقب أي زعيم يحاول الذهاب بعيداً في التسوية.

ومع مرور السنوات، لم يقتصر أثر هذا الخلل البنيوي على تعطيل السلام فقط، بل بدأ يعكس نفسه داخل المجتمع الإسرائيلي ذاته. فمن الغريب أن تعتمد دولة تواجه صراعات أمنية وجودية مستمرة نظاماً انتخابياً يجزّئ مجتمعها أكثر مما يوحّده، بدلاً من أن تنتج بنية سياسية تدفع نحو تكتلات كبرى مستقرة قادرة على بناء إجماع طويل الأمد حول شكل الدولة ومسارها الاستراتيجي.

وعلى المدى البعيد، لا يهدد هذا التفتت فقط فرص التسوية مع الفلسطينيين، بل يفتح الباب أمام صراعات داخلية أعمق حول طبيعة إسرائيل نفسها: هل هي دولة مدنية ليبرالية أم دولة دينية قومية؟ ما حدود العلاقة بين الدين والقانون؟ ومن يملك تعريف “هوية الدولة”؟

ومع تصاعد وزن التيارات الدينية والحريدية، بدأت تظهر مخاوف فكرية وسياسية من أن يتحول هذا الانقسام إلى أشكال أكثر جذرية من التمايز الداخلي، تصل إلى مطالبات بالحكم الذاتي الثقافي أو الإداري داخل الدولة نفسها، انطلاقاً من رؤى دينية مختلفة لطبيعة السلطة والقانون والمجتمع.

وتبدو هذه التصدعات أكثر وضوحاً عند العودة إلى تجربة أوسلو.

حين وُقّعت اتفاقية أوسلو عام 1993، بدا المشهد وكأنه لحظة تاريخية نادرة: قيادة فلسطينية تعترف بإسرائيل، وإسرائيل تعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية، والعالم يتحدث بثقة عن نهاية الصراع. لكن الاتفاق لم يدخل إلى دولة مستقرة تمتلك إجماعاً سياسياً واضحاً حول السلام، بل دخل إلى نظام سياسي سريع التقلب، قابل للانقلاب على ذاته مع كل انتخابات تقريباً.

إسحق رابين اكتشف ذلك مبكراً. اتفاق أوسلو لم يسقط فقط برصاص متطرف يهودي اغتال رابين، بل سقط أيضاً داخل مجتمع سياسي لم يكن قادراً على تحمّل التحول الذي بدأه.

اغتيال رابين لم يكن مجرد اغتيال رجل، بل اغتيال الفكرة التي مثّلها: أن المجتمع الإسرائيلي قد يقبل دفع الثمن السياسي والأيديولوجي للسلام. ومنذ تلك اللحظة، بدا وكأن أي زعيم إسرائيلي يفكر بتسوية تاريخية عليه أن يفاوض الفلسطينيين، وفي الوقت نفسه يفاوض خوف مجتمعه، وانقسامات ائتلافه، واحتمال نهايته السياسية الشخصية.

وبعد اغتيال رابين، بدأت الحكومات الإسرائيلية تتغير بسرعة، وكل حكومة جديدة تعيد تفسير الاتفاق أو تبطئ تنفيذه أو تربطه بشروط أمنية إضافية، بينما كان الاستيطان يتمدد على الأرض بوتيرة مستمرة.

إيهود باراك دخل كامب ديفيد وهو يدرك أن أي تنازل كبير قد ينهي مستقبله السياسي. وإيهود أولمرت، رغم استعداده النسبي للتفاوض، كان يغرق في أزمات ائتلافية وتحقيقات داخلية جعلت أي اتفاق طويل الأمد شبه مستحيل.

وهنا بدأت المفارقة التاريخية الكبرى: هشاشة النظام السياسي الإسرائيلي لم تُضعف الثقة الفلسطينية بإسرائيل فقط، بل أضعفت أيضاً الفلسطينيين الذين راهنوا على خيار السلام نفسه.

فالفلسطيني العادي لم يرَ “سلاماً” بالمعنى الملموس؛ رأى انسحابات جزئية، وحواجز بقيت، واستيطاناً يتوسع، وجيشاً لا يزال يتحكم بالحياة اليومية. كان الفلسطينيون يوقعون الاتفاق، ثم يكتشفون أن الأرض السياسية التي يقفون عليها تتغير أسرع من الحبر على الورق.

ومع كل حكومة إسرائيلية جديدة كان الاتفاق يبدو أقل ثباتاً وأكثر هشاشة.

في هذا المناخ، بدأت الحركات الفلسطينية المناهضة لأوسلو تكبر وتكتسب شرعية أوسع. ولم يكن ذلك فقط بسبب خطابها العقائدي أو الأيديولوجي، بل لأن كثيرين شعروا أن إسرائيل لا تنفذ ما توقّعه فعلاً. وكلما تعطلت مرحلة من الاتفاق أو تبدلت حكومة إسرائيلية، كانت هذه الحركات تجد دليلاً إضافياً يدعم روايتها.

بمعنى آخر، تعثر النظام الإسرائيلي لم يضعف السلام فقط، بل ساهم بصورة غير مباشرة في تقوية القوى الفلسطينية التي عارضته منذ البداية.

ولو كان النظام السياسي الإسرائيلي أكثر استقراراً، بحكومات قادرة على الاستمرار لعقد كامل مثلاً، وتنفيذ التزامات طويلة الأمد، وإيقاف التوسع الاستيطاني ضمن رؤية واضحة، ربما كان المسار مختلفاً. فالمجتمعات لا تحكم على الاتفاقات بالنوايا، بل بالنتائج الملموسة. وربما عندها ما كانت الحركات الرافضة لأوسلو لتحصل على البيئة السياسية والنفسية التي سمحت لها بالنمو والتوسع.

لكن ما حدث كان العكس تماماً.

كل عملية عنف كانت تدفع الناخب الإسرائيلي أكثر نحو اليمين، وكل جمود سياسي كان يدفع الشارع الفلسطيني أكثر نحو القوى الرافضة للتسوية، حتى بدا الطرفان وكأنهما يدفعان بعضهما تدريجياً نحو الاستحالة.

الخوف الإسرائيلي من العنف قوّى اليمين الإسرائيلي، والجمود الإسرائيلي قوّى الحركات الفلسطينية المعارضة للتسوية، ثم استُخدمت قوة هذه الحركات داخل إسرائيل لتبرير مزيد من التشدد. وهكذا دخل الصراع في دائرة مغلقة ينتج فيها كل طرف الظروف التي تزيد خوف الطرف الآخر وتدفعه نحو مزيد من التطرف.

الفلسطينيون، من جهتهم، وجدوا أنفسهم أمام معضلة عبثية: مع من يجب التفاوض إذا كانت الحكومة قد تتغير بعد أشهر؟ وما قيمة التوقيع مع رئيس وزراء قد يسقط غداً بسبب انسحاب حزب صغير من الائتلاف؟

هكذا تحولت العملية السياسية إلى ما يشبه بناء بيت فوق الرمال. ليس لأن الاتفاقات كانت مستحيلة نظرياً، بل لأن النظام الذي يفترض أن يحميها كان عاجزاً عن توفير الاستمرارية.

هذا لا يعني أن الفلسطينيين بلا أخطاء أو مسؤوليات. الانقسام الداخلي، وضعف المؤسسات، والتردد الاستراتيجي في بعض اللحظات التاريخية، كلها عوامل حقيقية أثرت في المسار السياسي. لكن تحميل الفلسطينيين وحدهم مسؤولية الفشل يتجاهل حقيقة أن الطرف المقابل نفسه يعيش أزمة بنيوية تمنعه من اتخاذ قرار تاريخي مستقر.

المشكلة أن العالم تعامل طويلاً مع الصراع كأنه نزاع بين طرفين متكافئين في القدرة على اتخاذ القرار، بينما الواقع أكثر تعقيداً. الفلسطينيون لم يتفاوضوا مع دولة مستقرة ذات رؤية ثابتة، بل مع نظام سياسي سريع الانقلاب على ذاته، تتحكم فيه الحسابات الانتخابية القصيرة أكثر مما تحكمه الرؤية الاستراتيجية الطويلة.

ومع مرور الوقت، بدأ سؤال جديد يطفو على السطح: إذا كان حل الدولتين غير قابل للتحقق في ظل هذه البنية الإسرائيلية، فهل يجب تغيير طبيعة المطالب الفلسطينية نفسها؟

هنا ظهر تيار فلسطيني ودولي يدعو إلى نقل النقاش من “الدولة” إلى “الحقوق”. أي من المطالبة بحدود وسيادة فقط، إلى المطالبة بالمساواة المدنية والسياسية الكاملة بين البشر الواقعين تحت السيطرة الإسرائيلية. بالنسبة لهؤلاء، فإن المعضلة الحقيقية التي تواجه إسرائيل ليست فقط الاحتلال، بل التناقض المتزايد بين تعريفها لنفسها كدولة ديمقراطية وبين استمرار سيطرتها على ملايين الفلسطينيين دون مساواة كاملة.

وفي المقابل، اتجه الفلسطينيون أكثر نحو المسار القانوني الدولي، مستفيدين من مؤسسات مثل محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، باعتبار أن الضغط القانوني أقل تأثراً بتغير الحكومات الإسرائيلية. الفكرة هنا ليست أن المحاكم ستحرر الأرض مباشرة، بل أنها ترفع الكلفة السياسية والأخلاقية للاحتلال تدريجياً.

لكن حتى هذه الاستراتيجيات تبقى محدودة ما دام الانقسام الفلسطيني قائماً. فالانقسام لا يضعف فقط الموقف التفاوضي، بل يسمح لإسرائيل بتكرار الحجة الأكثر فاعلية في خطابها الدولي: “لا يوجد شريك موحد”.

وربما هنا تكمن المأساة الحقيقية للصراع كله: طرف عاجز عن توحيد نفسه، وطرف عاجز عن تثبيت قراره.

ومع ذلك، فإن التاريخ نادراً ما يبقى ثابتاً. أنظمة كثيرة بدت عصية على التغيير قبل أن تنهار فجأة حين تغيرت حسابات الكلفة. جنوب أفريقيا في الثمانينيات كانت تبدو راسخة، لكن التراكم البطيء للعزلة الدولية والانقسام الداخلي والضغط الاقتصادي غيّر المعادلة خلال سنوات قليلة.

السياسة لا تتحرك فقط بالأخلاق، بل أيضاً بالكلفة. وحين يصبح استمرار الوضع القائم أكثر خطراً من تغييره، تبدأ الأنظمة بإعادة حساباتها.

ولهذا، قد لا يكون السؤال الأهم اليوم: “لماذا فشل السلام؟” بل سؤال أكثر قسوة وواقعية: “هل امتلك النظام السياسي الإسرائيلي، بصيغته الحالية، القدرة أصلاً على صنع سلام قابل للحياة؟”

إلى أن تتغير هذه البنية، سيبقى الفلسطينيون يتفاوضون مع دولة تتبدل أسرع من اتفاقاتها، وسيبقى السلام في الشرق الأوسط مشروعاً مؤجلاً دائماً؛ يظهر في الصور التذكارية أكثر مما يظهر على الأرض.


اسرائيليات

الجمعة 22 مايو 2026 2:19 مساءً - بتوقيت القدس

أزمة معيشية خانقة.. 60% من طالبي المساعدات في إسرائيل عائلات عاملة

تتصاعد التبعات الاقتصادية للعدوان الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة والتوترات الإقليمية مع إيران، لتلقي بظلالها الثقيلة على الأسواق المحلية وأماكن العمل داخل إسرائيل. وأشارت تقارير اقتصادية حديثة إلى أن البيانات المقلقة تؤكد تحول الأزمة من مجرد ضائقة عابرة إلى تهديد بنيوي يمس استقرار الأسر.

وكشفت مصادر إعلامية عبرية أن أكثر من 60% من متلقي المساعدات الإسرائيليين هم في الواقع عائلات تقع ضمن سن العمل، مما يعكس عمق الأزمة التي لم تعد تقتصر على الفئات المهمشة تقليدياً. هذا التحول يشير إلى أن الدخل الناتج عن العمل لم يعد كافياً لتغطية الاحتياجات الأساسية في ظل التضخم المتزايد.

ومع مرور فترة طويلة على اندلاع المواجهات العسكرية، لا تزال التداعيات الاقتصادية تلاحق الإسرائيليين في تفاصيل حياتهم اليومية، حيث تحول القلق المالي إلى سلوك دائم يؤثر على قرارات الاستهلاك. وتؤكد البيانات أن حالة عدم اليقين أدت إلى تآكل الدخل المتاح وارتفاع حاد في تكلفة المعيشة بشكل غير مسبوق.

وأفادت مصادر مطلعة بأن الوضع الاقتصادي المتدهور ترافق مع زيادة ملحوظة في أعراض القلق النفسي، حيث أبلغ نحو 21% من الإسرائيليين عن معاناتهم من اضطرابات نفسية مرتبطة بالوضع الراهن. وتختلف هذه الأزمة عن سابقاتها بكونها تتسم بديمومة الإنفاق الأمني المرتفع وتضرر قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة.

الميدان الاقتصادي يترجم هذا القلق إلى أرقام ملموسة، إذ سجلت المؤسسات الإغاثية قفزة بنسبة 22% في الطلب على السلال الغذائية خلال أسبوع واحد فقط من جولات التصعيد. هذا الارتفاع المفاجئ يعكس هشاشة الأمان الغذائي لدى قطاعات واسعة من المستوطنين الذين يجدون صعوبة في التنبؤ بمستقبلهم المالي.

وفي هذا السياق، يرى البروفيسور إيال فروختر، المختص في الصحة النفسية أن الإسرائيليين يعيشون حالة من 'اليقظة المفرطة' بسبب عدم القدرة على تقييم الاستقرار المالي طويل الأمد. هذا التوتر المستمر يؤدي إلى إرهاق جسدي وعقلي يتجلى في صعوبة التركيز وضعف القدرة على اتخاذ قرارات اقتصادية متوازنة.

ويضيف فروختر أن الإسرائيليين اعتادوا في السابق على حالات الطوارئ القصيرة التي تتطلب 'حالة بقاء' مؤقتة، لكن استمرار الحرب لأشهر طويلة استنزف قدراتهم على الصمود. وبالرغم من أن الكثيرين يواصلون أداء وظائفهم ظاهرياً، إلا أنهم يعانون من عبء داخلي ناتج عن فقدان الأمن الشخصي والمالي.

ورصدت المنظمات الاقتصادية زيادة مطردة في طلبات المساعدة من أفراد كانوا في السابق قادرين على تدبير شؤونهم بأنفسهم دون الحاجة لدعم خارجي. هؤلاء الأشخاص سقطوا في فخ الفقر نتيجة الارتفاع الجنوني في تكاليف المعيشة وتوقف بعض الأنشطة التجارية التي كانوا يعتمدون عليها.

من جانبه، أوضح الخبير الاقتصادي إيلي كوهين أن الصعوبات المالية تتطور تدريجياً لتصبح عبئاً نفسياً يدفع البعض إلى 'الهروب من الواقع'. ويلاحظ كوهين أن أعداداً متزايدة من العاملين يتجنبون مراجعة حساباتهم البنكية أو مواجهة حقيقة ديونهم المتراكمة خوفاً من الانهيار.

هذا السلوك الهروبي، بحسب الخبراء، يؤدي إلى فقدان السيطرة الكاملة على إدارة الحياة المعيشية، ويزيد من احتمالية السقوط في دوامة اقتصادية لا يمكن الخروج منها. فالتوسع في استخدام الائتمان وتأجيل سداد الدفعات المستحقة يخلق كرة ثلج قد تنفجر عند أي نفقة طارئة غير محتسبة.

وتشير التقارير إلى أن قطاع العاملين لحسابهم الخاص هو الأكثر تضرراً، حيث تآكلت هوامش الربح لديهم بفعل تراجع القوة الشرائية وزيادة الضرائب غير المباشرة. هذا التآكل دفع بالكثير من المصالح التجارية الصغيرة إلى حافة الإفلاس، مما زاد من معدلات البطالة المقنعة في السوق الإسرائيلي.

إن حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الجبهات العسكرية المختلفة، سواء في غزة أو الشمال، تجعل من الصعب على المؤسسات المالية وضع خطط استرداد واضحة. ويظل الإنفاق العسكري الضخم يستنزف الميزانية العامة على حساب الخدمات الاجتماعية والرفاه، مما يعمق الفجوات الطبقية داخل المجتمع.

وفي نهاية المطاف، يبدو أن 'التهديد الوجودي' الذي تتحدث عنه الأوساط الإسرائيلية لم يعد عسكرياً فحسب، بل أصبح يهدد التماسك الاجتماعي والاقتصادي. فالعائلات التي كانت تشكل العمود الفقري للطبقة الوسطى باتت اليوم تصطف في طوابير المساعدات، مما ينذر بانفجار اجتماعي داخلي.

ويبقى التساؤل قائماً حول قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على تحمل استنزاف طويل الأمد في ظل تراجع الاستثمارات الأجنبية وهروب الرساميل. إن المعطيات الحالية تشير إلى أن التعافي من آثار هذه الحرب سيستغرق سنوات، وسيتطلب تغييرات جذرية في السياسات المالية التي أرهقت كاهل المواطن العادي.

فلسطين

الجمعة 22 مايو 2026 2:19 مساءً - بتوقيت القدس

انقسام في 'نيويورك تايمز' بعد تحقيق حول انتهاكات جنسية بحق الأسرى الفلسطينيين

أعلنت إدارة صحيفة 'نيويورك تايمز' الأمريكية تمسكها بصحة ما ورد في مقال الرأي للكاتب نيكولاس كريستوف، والذي حمل عنوان 'الصمت إزاء الاغتصاب ضد الفلسطينيين'. وتضمن المقال اتهامات مباشرة لسلطات الاحتلال الإسرائيلي بممارسة اعتداءات جنسية ممنهجة بحق الأسرى الفلسطينيين في مراكز الاحتجاز، بما في ذلك استخدام الكلاب المدربة في عمليات التنكيل والاعتداء، وهو ما أثار ضجة واسعة في الأوساط الإعلامية والسياسية.

وأكدت محررة قسم الرأي، كاثلين كينغسبيري، بالاشتراك مع الكاتب أن المادة المنشورة خضعت لعمليات تدقيق مكثفة ومراجعة شاملة للحقائق قبل خروجها للعلن. وأوضحت المصادر أن الفحص اللاحق لم يثبت وجود أي أخطاء جوهرية، مشيرة إلى أن التقارير الصادرة عن منظمات حقوق الإنسان الدولية، وحتى بعض وسائل الإعلام العبرية، باتت توفر قاعدة بيانات متزايدة توثق العنف الجنسي والإهانة الجسدية التي يتعرض لها المعتقلون على يد قوات الأمن والمستوطنين.

في المقابل، تسبب هذا النشر في حالة من التوتر المتصاعد والانقسام الحاد داخل أروقة الصحيفة العريقة، حيث اصطدم قسم الأخبار مع قسم الرأي حول المعايير التحريرية المتبعة. وعبر عدد من الصحفيين داخل المؤسسة عن استيائهم، معتبرين أن نشر مثل هذه التحقيقات الحساسة في قسم الرأي قد يضعف من مصداقية الصحيفة عالمياً، ويفتح الباب أمام التشكيك في دقة التقارير الإخبارية التي تلتزم ببروتوكولات مهنية مختلفة.

وعلى المستوى السياسي، شن رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو هجوماً لاذعاً على الصحيفة، واصفاً ما ورد في المقال بأنه 'افتراء دموي' يهدف لتشويه صورة إسرائيل. وهدد مسؤولون في حكومة الاحتلال باتخاذ إجراءات قانونية وملاحقة الصحيفة بتهمة التشهير، إلا أن إدارة 'نيويورك تايمز' ردت بوضوح معتبرة هذه التهديدات محاولة مكشوفة لممارسة الضغط السياسي وتقويض التغطية الصحفية المستقلة التي تتبعها المؤسسة.

ولم تتوقف تداعيات المقال عند الجانب السياسي، بل امتدت لتشمل قاعدة القراء، حيث أقرت الناشرة بإلغاء عدد من الاشتراكات من قبل معارضين لمحتوى المقال. وفي الوقت الذي اتهم فيه البعض الكاتب بالترويج لدعاية سياسية، أعرب قراء آخرون عن تقديرهم لجرأة الصحيفة في تسليط الضوء على قضايا مسكوت عنها، مما أعاد فتح النقاش في الولايات المتحدة حول حدود الفصل بين الرأي والتقارير الاستقصائية في القضايا الدولية الشائكة.

فلسطين

الجمعة 22 مايو 2026 2:18 مساءً - بتوقيت القدس

استشهاد مواطن في رفح وقصف مدفعي يستهدف خانيونس ضمن خروقات الاحتلال المستمرة

أفادت مصادر ميدانية باستشهاد مواطن فلسطيني، اليوم الجمعة، إثر استهدافه بشكل مباشر من قبل طائرة مسيرة إسرائيلية في مدينة رفح جنوب قطاع غزة. وأوضح شهود عيان أن مسيرة من نوع 'كواد كابتر' أطلقت قنبلة تجاه المواطن رأفت عادل بريكة، البالغ من العمر 42 عاماً، أثناء تواجده في منطقة الشاكوش غربي المدينة، مما أدى إلى ارتقائه على الفور في جريمة جديدة تضاف لسلسلة خروقات الاحتلال المستمرة.

وفي سياق متصل، شهدت مدينة خانيونس تصعيداً عسكرياً ملحوظاً، حيث قصفت المدفعية الإسرائيلية بشكل مكثف وعنيف المناطق الشرقية للمدينة. وذكرت مصادر محلية أن جيش الاحتلال نفذ عمليتي نسف لمبانٍ سكنية في الجهة الشمالية الشرقية من خانيونس خلال ساعات الليل المتأخرة، وهو ما يعكس إصرار القوات الإسرائيلية على تدمير ما تبقى من بنى تحتية رغم التفاهمات القائمة.

وتأتي هذه التطورات الميدانية في وقت كشفت فيه وزارة الصحة عن حصيلة ثقيلة لضحايا الخروقات الإسرائيلية منذ سريان اتفاق وقف إطلاق النار في العاشر من أكتوبر 2025. ووفقاً للبيانات الرسمية، فقد قتل جيش الاحتلال نحو 883 فلسطينياً وأصاب 2648 آخرين في هجمات متفرقة، مما يضع الاتفاق الهش أمام اختبارات قاسية في ظل استمرار الاستهداف الممنهج للمدنيين.

وعلى الصعيد الإقليمي، لم تتوقف الاعتداءات عند حدود القطاع، حيث أفادت تقارير باستشهاد أربعة أشخاص وإصابة آخرين في غارات إسرائيلية استهدفت مراكز للهيئة الصحية في بلدة حناويه اللبنانية. وتشير التقديرات الاقتصادية إلى أن حجم الخسائر في لبنان نتيجة العدوان تجاوز 20 مليار دولار، مع توقعات بانكماش حاد في الاقتصاد اللبناني يصل إلى 10% نتيجة تدمير القطاعات الحيوية والزراعية.

يذكر أن قطاع غزة يعيش حالة من الدمار الشامل بعد حرب إبادة جماعية انطلقت في أكتوبر 2023، وأسفرت عن استشهاد أكثر من 72 ألف مواطن وإصابة ما يزيد عن 172 ألفاً. وقد طال الدمار نحو 90% من المرافق الحيوية والمدنية، فيما لا تزال التقارير الدولية تحذر من كارثة بيئية وإنسانية تهدد حياة الناجين بسبب تلوث المياه وتراكم النفايات في مراكز النزوح.

تحليل

الجمعة 22 مايو 2026 1:48 مساءً - بتوقيت القدس

خرافة الخيار الاستراتيجي: كيف أعاد 'أسطول الصمود' رسم خارطة النفوذ الإقليمي؟

تتجلى في الآونة الأخيرة ملامح تحول جذري في موازين القوى الإقليمية، حيث برزت تركيا كلاعب محوري من خلال تبنيها لـ 'أسطول الصمود' الإنساني. وقد أظهرت أنقرة جرأة سياسية لافتة برفضها الضغوط الأمريكية التي حاولت إعاقة انطلاق الأسطول من ميناء مرمريس، متحدية بذلك قوائم حظر الخزانة الأمريكية.

لم يقتصر الموقف التركي على الدعم اللوجستي، بل امتد ليشمل إدانة صريحة من وزير الخارجية هاكان فيدان لاستهداف الاحتلال الإسرائيلي للأسطول في أعالي البحار. هذا الموقف وضع تركيا في خندق واحد مع قوى دولية مثل إسبانيا وكوريا الجنوبية، التي أبدت مواقف نشطة ضد الغطرسة الإسرائيلية.

في المقابل، يرى مراقبون أن النظام الرسمي العربي لا يزال أسيراً لاستراتيجية 'السلام الاستراتيجي' العتيقة، التي باتت تفتقر للأدوات والبدائل في ظل بيئة دولية متغيرة. هذا الانكفاء أدى إلى حالة من التكيف السلبي مع الضغوط الخارجية، مما حدّ من قدرة الدول العربية على المناورة السياسية.

لقد أدى التمسك العربي بخيار أحادي إلى فراغ استراتيجي استغلته القوى الإقليمية الصاعدة لتعزيز نفوذها وحماية مصالحها القومية. فبينما كانت العواصم العربية تلوذ بالصمت، كانت أنقرة تنقل خط التماس والمواجهة من غزة إلى شرق المتوسط، موظفة الأزمة لخدمة القضية الفلسطينية ومصالحها البحرية.

على صعيد آخر، مكنت المواجهة الأخيرة إيران من إضافة عناصر قوة جديدة عبر تفعيل سيطرتها على مضيق هرمز الحيوي. وتحولت طهران إلى نقطة ارتكاز في إعادة هندسة الإقليم من خلال شراكات اقتصادية وعسكرية متينة مع قطبي الشرق، روسيا والصين، مما جعلها فاعلاً لا يمكن تجاوزه.

باكستان بدورها لم تقف مكتوفة الأيدي أمام تغلغل التحالف الهندي الإسرائيلي في منطقة الخليج، والذي بدأ يهدد أمنها القومي بشكل مباشر. وبادرت إسلام آباد بإنزال قواتها على الضفة الغربية للخليج العربي، في خطوة استباقية لقطع الطريق على التسلل الإسرائيلي عبر بلوشستان وكشمير.

إن حالة 'التكلس' التي تعاني منها المنظومة العربية جعلتها تتبنى أحياناً الخطاب السياسي الأمريكي والإسرائيلي لمواجهة الأسئلة الوجودية الداخلية. هذا التوجه هدد مفهوم الدولة الوطنية وسيادتها، بعد أن أصبح الاحتلال الإسرائيلي جزءاً من المناكفات الداخلية بدلاً من كونه تهديداً استراتيجياً.

ورغم هذا القتامة، تبرز بعض بوادر 'التململ' الإيجابي، لا سيما في التحركات السعودية الأخيرة التي دعت إلى اتفاق يشبه 'اتفاق هلسنكي' يجمع العرب مع جيرانهم الإقليميين. تهدف هذه المبادرة إلى بناء منظومة أمنية مشتركة تقوم على احترام الحدود السياسية ومنع الاعتداءات المتبادلة.

ومع ذلك، تبقى هذه المبادرات رهينة بمدى قدرة النظام العربي على التحرر من التبعية المطلقة للمرجعيات الغربية وقرارات واشنطن. فالعالم اليوم لم يعد محكوماً بمركزية أمريكية أوروبية، خاصة بعد أن فقدت هذه القوى الكثير من شرعيتها الأخلاقية والاقتصادية في المنطقة.

لقد كشف أسطول الصمود أن القوة والتاثير في الإقليم يتطلبان مرونة في التحالفات وتعدداً في الخيارات السياسية والعسكرية. فالدول التي حاصرت نفسها بخيارات ضيقة وجدت نفسها خارج سياق التأثير، بينما حجزت القوى المبادرة مقاعدها في صياغة النظام الإقليمي الجديد.

إن استمرار الدوران في حلقة مفرغة من الرهانات الخاسرة يهدد بانهيار الخطاب السياسي العربي وتعميق الأزمات الداخلية للدول. فالبيئة الدولية المتسارعة لا ترحم المترددين، والبقاء فيها للأقدر على توظيف عناصر القوة وتجاوز 'خرافة' الخيار الاستراتيجي الوحيد.

لقد أثبتت التجربة أن التماهي مع الرواية الأمريكية في حصار غزة لم يجلب الاستقرار المنشود، بل زاد من شهية الاحتلال للتوسع. فالمناطق العازلة التي يحاول الاحتلال فرضها في عمق الجغرافيا العربية هي نتاج مباشر لغياب الردع العربي الموحد والفعال.

في الختام، يمثل الدعم التركي والتحرك الباكستاني والإيراني دروساً في كيفية إدارة الصراعات الجيوسياسية بعيداً عن الإملاءات الخارجية. إن استعادة الدور العربي تتطلب شجاعة في مراجعة المسارات السابقة والانفتاح على تحالفات إقليمية تضع مصالح الشعوب فوق الحسابات الضيقة.

يبقى السؤال مطروحاً حول قدرة العواصم العربية على اللحاق بركب التحولات قبل فوات الأوان، خاصة وأن موازين القوى شرق المتوسط وفي الخليج تعاد صياغتها الآن. إن أسطول الصمود لم يكن مجرد سفن كسر حصار، بل كان اختباراً حقيقياً للإرادة السياسية في مواجهة الهيمنة.

اسرائيليات

الجمعة 22 مايو 2026 1:18 مساءً - بتوقيت القدس

دراسة إسرائيلية: القضية الفلسطينية ستعود للواجهة الدولية بقوة فور انتهاء الحرب مع إيران

كشفت دراسة حديثة صادرة عن معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب أن التحدي الأبرز الذي ينتظر إسرائيل عقب انتهاء المواجهة الحالية مع إيران هو العودة القوية للقضية الفلسطينية إلى صدارة الأجندات الدولية. وأوضحت الدراسة أن الصراع الذي ظل لعقود محوراً للوساطات الدولية، بدأ يشهد تحولاً في المقاربات العالمية نتيجة الجمود السياسي الراهن.

وأشارت المصادر البحثية إلى أن المبادرات السياسية السابقة، بدءاً من المبادرة العربية عام 2002 وصولاً إلى 'صفقة القرن'، انطلقت من فرضية إمكانية الحل عبر المفاوضات. إلا أن هذه المقاربة بدأت تتآكل بفعل الحرب الإقليمية، مما أدى لتراجع مؤقت لمكانة الصراع الفلسطيني كعنوان أساسي للتفاعلات في المنطقة.

وحذرت الدراسة من أن السلطة الفلسطينية هي الطرف الأكثر تضرراً من الواقع الحالي، حيث تواجه تآكلاً عميقاً في شرعيتها وقدرتها على التأثير. ويعود ذلك إلى الانقسام الداخلي المستمر وغياب الرؤية السياسية المشتركة، فضلاً عن تراجع الثقة الإقليمية والدولية في قدرتها على إدارة شؤون الدولة المستقبيلة.

وفي المقابل، ترى الدراسة أن حركة حماس تنجح في استغلال الفراغ الناتج عن غياب البدائل السياسية الفعالة في قطاع غزة لتعزيز بقائها. فالحركة تستفيد من عامل الوقت لإعادة التنظيم والتسلح، مستغلة سيطرتها على المساعدات الإنسانية لضمان مصادر تمويل مستدامة رغم الضغوط العسكرية الهائلة.

ونبه التقرير إلى أن صمود 'محور المقاومة' بعد الضربات الأخيرة يمنح حماس وحلفاءها أملاً في إعادة بناء القوة العسكرية. وهذا الواقع يعزز من قدرة الحركة على تأجيل أي استحقاقات جوهرية تتعلق بنزع السلاح أو نقل السلطة، طالما لا يوجد أفق سياسي واضح يطرحه المجتمع الدولي.

وعلى الصعيد الدولي، رصدت الدراسة تصاعداً في حدة الانتقادات الموجهة لإسرائيل، خاصة في الولايات المتحدة والدول الغربية. حيث بدأت قطاعات واسعة من الرأي العام تتبنى الرواية الفلسطينية، متأثرة بتصاعد اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة وفقدان الثقة في نوايا الحكومة الإسرائيلية.

وتطرقت الدراسة إلى 'خطة الحسم' التي يتبناها وزراء في الحكومة الإسرائيلية، معتبرة أنها تعزز الانطباع العالمي بأن إسرائيل تسعى لفرض سيادة كاملة على الضفة. هذا التوجه يثير قلقاً عربياً متزايداً من رغبة تل أبيب في 'تطويع المنطقة' بدلاً من السعي لتطبيع حقيقي قائم على السلام.

وحذر الباحثون من أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد لا يتمكن من تجاهل الضغوط الدولية والعربية المطالبة بموقف أكثر صرامة تجاه إسرائيل بعد الحرب. فقد تضطر الإدارة الأمريكية لاتخاذ خطوات تتجاوز رغبات الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني لفرض حل ينهي حالة الاستنزاف الإقليمي.

وحددت الدراسة ثلاثة مستويات من المخاطر تهدد الأمن القومي الإسرائيلي في حال استمرار الجمود، أولها تعميق الانقسامات الداخلية حول هوية الدولة الديمقراطية. أما المستوى الثاني فيتعلق بالعزلة السياسية الدولية، بينما يتمثل الثالث في انفجار العنف بشكل غير منظم في الضفة الغربية وخارجها.

ودعت التوصيات إلى ضرورة اتخاذ خطوات عاجلة لمنع الانهيار الاقتصادي للسلطة الفلسطينية والحفاظ على التنسيق الأمني مع أجهزتها. واعتبرت الدراسة أن الامتناع عن تعزيز الحكم الفلسطيني سيؤدي حتماً إلى تفاقم التهديدات الوجودية على المدى البعيد.

وشددت الدراسة على أهمية التمييز بين السلطة الفلسطينية كعنوان 'براغماتي' وبين الحركات الراديكالية، لتجنب دفع النظام الفلسطيني بأكمله نحو التطرف. وأكدت أن الانسداد السياسي الحالي قد يدفع 'فتح' و'حماس' للتوحد مجدداً، مما يغلق الباب أمام أي تنسيق مستقبلي.

كما طالبت الدراسة بتعزيز التعاون مع مصر والأردن ودول الخليج لزيادة انخراطها في دعم أداء السلطة الفلسطينية وتمكينها من العودة لقطاع غزة. ورأت أن هذا المسار هو السبيل الوحيد لتحقيق استقرار مستدام في الساحة الفلسطينية بعد سنوات من الصراع الدامي.

وفي الختام، توقعت الدراسة أن نهاية الحرب مع إيران ستضع إسرائيل أمام واقع دولي جديد لا يقبل بفكرة 'إدارة الصراع' إلى الأبد. فالمجتمع الدولي قد يتجه لاستخدام وسائل ضغط اقتصادية وسياسية لفرض تسوية شاملة، مما قد يفقد إسرائيل القدرة على صياغة شروط الحل.

إن التحول من 'الوساطة' إلى 'التدخل المباشر' هو السيناريو الأكثر رعباً لصناع القرار في تل أبيب، بحسب الدراسة. وهذا يتطلب إعادة تبني مفهوم السلام كجزء لا يتجزأ من نظرية الأمن الإسرائيلي، لضمان الحفاظ على المكتسبات السياسية التي تحققت على مدار العقود الماضية.

اقتصاد

الجمعة 22 مايو 2026 1:17 مساءً - بتوقيت القدس

موازنة مصر 2026/2027: أرقام ضخمة للحماية الاجتماعية وتحديات ضريبية تلاحق الدخول الثابتة

تكشف ملامح موازنة مصر للعام المالي 2026/2027 عن معادلة اقتصادية بالغة التعقيد، حيث تسعى الدولة لرفع حصيلة الضرائب إلى مستويات قياسية غير مسبوقة. وتتزامن هذه التوجهات مع إعلانات حكومية متكررة حول تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي للفئات الأكثر احتياجاً في المجتمع المصري.

تضع الموازنة الجديدة مستهدفاً للمصروفات يقترب من حاجز 5.1 تريليون جنيه، بينما يُتوقع أن تتجاوز الإيرادات العامة 4 تريليونات جنيه. وتهدف الحكومة من خلال هذه الأرقام إلى تقليص العجز الكلي ليصل إلى 4.9%، مع خفض نسبة الدين العام إلى 78% من الناتج المحلي الإجمالي.

تبرز الضرائب كركيزة أساسية في تمويل هذه الموازنة، حيث تستهدف الحكومة جمع نحو 3.529 تريليون جنيه. ويقع العبء الأكبر من هذه التحصيلات على كاهل الأفراد والموظفين وأصحاب المهن الحرة، الذين سيتحملون وحدهم قرابة 1.76 تريليون جنيه.

في المقابل، خصصت الحكومة مبالغ كبيرة لبند الحماية الاجتماعية بلغت 832.3 مليار جنيه، في محاولة لامتصاص تداعيات السياسات المالية القاسية. ويشمل هذا الدعم تخصيص 178.3 مليار جنيه للسلع التموينية التي تعتمد عليها ملايين الأسر المصرية بشكل يومي.

وعلى صعيد قطاع الطاقة، رصدت الموازنة نحو 120 مليار جنيه كدعم، ذهب الجزء الأكبر منها للكهرباء بواقع 104.2 مليار جنيه. بينما تم تخصيص 15.8 مليار جنيه فقط للمواد البترولية، مما يشير إلى استمرار سياسة تقليص دعم الوقود التقليدي.

يرى مراقبون أن هذه الأرقام الضخمة للدعم قد تفقد قيمتها الحقيقية أمام موجات التضخم المتلاحقة وزيادة الضرائب غير المباشرة. فإذا كانت الأسعار ترتفع بوتيرة أسرع من زيادة المخصصات، فإن الدعم يتحول إلى مجرد أداة لتسكين الأزمات بدلاً من حلها.

تثير زيادة حصيلة الضرائب على المرتبات بنسبة تصل إلى 51% مخاوف جدية بشأن تآكل الأجر الحقيقي للعاملين في الدولة والقطاع الخاص. هذا الارتفاع يضع الدخول الثابتة في مواجهة مباشرة مع متطلبات المعيشة التي تزداد صعوبة يوماً بعد يوم.

يشير التحليل المالي للموازنة إلى أن النظام الضريبي الحالي قد يميل لتحميل الاستهلاك والدخول الثابتة أعباءً تفوق ما يتم تحصيله من الثروات الكبرى. وتؤدي الضرائب غير المباشرة، التي تفرض على السلع والخدمات، إلى استنزاف دخول محدودي الدخل بشكل غير متناسب.

تظهر الموازنة أيضاً انحيازاً هيكلياً نحو دعم البنية الاقتصادية الكبرى والأنشطة الأكثر رسملة من خلال بنود دعم الطاقة والإنتاج. وغالباً ما تكون القطاعات كثيفة الاستهلاك هي المستفيد الأكبر من هذه المخصصات، مقارنة بالأسر الفقيرة ذات الاستهلاك المحدود.

الخلل في الموازنة لا يقتصر على توزيع الأرقام فحسب، بل يمتد إلى فلسفة توزيع الأعباء والامتيازات بين طبقات المجتمع. فبينما تمنح بعض الإعفاءات للقطاعات القادرة على المناورة، يجد المواطن العادي نفسه محاصراً بضرائب ورسوم تلاحقه في تفاصيل حياته.

تؤكد تقارير اقتصادية أن الاعتماد المفرط على الضرائب التي يرتد أثرها على المستهلك النهائي يعمق الفجوة الطبقية. ويخلق هذا الوضع شعوراً بالاغتراب لدى المواطن الذي يرى نفسه وعاءً ضريبياً أكثر منه شريكاً في عوائد التنمية الاقتصادية.

إن محاولة الموازنة إرضاء المؤشرات الدولية عبر خفض العجز والدين قد تأتي على حساب العدالة الاجتماعية الشاملة. فالمؤشرات المالية الجيدة على الورق لا تعكس دائماً تحسناً في جودة حياة المواطنين أو قدرتهم على مواجهة تكاليف المعيشة.

تتحول الضغوط الاقتصادية المستمرة إلى عجز نفسي لدى الفئات التي تشعر أن الدعم الحكومي لا يواكب القفزات السعرية المتتالية. ويصبح السؤال المطروح دائماً هو مدى قدرة هذه السياسات على توفير حياة كريمة مستدامة بعيداً عن مسكنات الدعم الموقتة.

ختاماً، تظل موازنة 2026/2027 وثيقة تعكس توازنات حرجة بين طموحات الدولة المالية واحتياجات الشارع الملحة. وبينما تسعى الحكومة لضبط الدفات المحاسبية، يبقى الرهان الحقيقي على مدى قدرة هذه الأرقام على تحقيق توازن فعلي ينصف الفقراء ويوزع الأعباء بعدالة.

تحليل

الجمعة 22 مايو 2026 1:17 مساءً - بتوقيت القدس

رواية 'الجوع والعطش': حين يتحول الرعب الأدبي إلى مرآة لهشاشة المجتمعات الحديثة

لم يعد الأدب المعاصر مجرد وسيلة لسرد الحكايات الخيالية، بل تحول إلى مختبر فكري يفحص الأعطاب العميقة التي تضرب بنية المجتمعات الحديثة. وتأتي الروايات الكبرى اليوم لتكشف ما يختبئ خلف الواجهات السياسية والاجتماعية من تصدعات صامتة تؤرق الإنسان المعاصر.

في هذا السياق، تبرز رواية 'الجوع والعطش' للكاتبة البريطانية كلير فولر كعمل أدبي يتجاوز حدود الرعب التقليدي ليقدم قراءة عميقة لأزمة حضارية وسياسية. الرواية تمزج ببراعة بين الواقعية الاجتماعية وعناصر الرعب القوطي لتشريح واقع المجتمعات الغربية المعاصرة.

تنطلق أحداث الرواية من مأساة شخصية تعيشها البطلة 'أورسولا'، التي تطاردها صور الموت منذ طفولتها إثر حادثة أليمة في المغرب. هذا الحدث المؤسس في النص ليس مجرد ذكرى عابرة، بل هو البوابة التي تعبر من خلالها الكاتبة نحو أسئلة وجودية كبرى.

تعتبر الرواية أن الرعب الحقيقي لا يكمن في القوى الخارقة، بل في البنى الاجتماعية التي تنتج القلق والعزلة. فالبيت المهجور في السرد يمثل استعارة لمجتمع فقد قدرته على احتضان أفراده، وتحول إلى مصدر لإنتاج الخوف بدلاً من الأمان.

تربط فولر في عملها بين المصير الفردي لأبطالها والتحولات السياسية الجذرية التي شهدتها بريطانيا في ثمانينيات القرن الماضي. تلك الحقبة التي اتسمت بسياسات اقتصادية واجتماعية صارمة أدت إلى تآكل شبكات التضامن التقليدية وبروز الفرد المعزول.

يظهر النص كيف أن تقليص دور الدولة في الرعاية الاجتماعية خلال عهد مارغريت تاتشر ساهم في خلق جيل يعاني من الاقتلاع. وبدلاً من أن يجد الفرد الدعم في محيطه، وجد نفسه عالقاً في علاقات اجتماعية متآكلة ومؤسسات رعاية ضعيفة لا تلبي احتياجاته.

من الأفكار المركزية التي يطرحها العمل هي نقد الصناعة الإعلامية الحديثة التي تعيد إنتاج الألم البشري كسلعة. فالفيلم الوثائقي داخل الرواية يعمل كآلة لاستهلاك المآسي الإنسانية وتحويلها إلى مادة للفرجة الجماهيرية العامة.

يفتح هذا الطرح نقاشاً واسعاً حول أخلاقيات الإعلام في عصر المنصات الرقمية، حيث تتحول الجرائم والآلام إلى عروض ترفيهية. الرواية تحذر من منطق الاستهلاك العاطفي الذي يهيمن على وسائل التواصل ويجرد الإنسان من خصوصية معاناته.

يعيد العمل تعريف معنى 'الأشباح' في الأدب، حيث تصبح تجسيداً بصرياً للخيانة والوحدة وتفكك الروابط الإنسانية. فالخطر في منظور الرواية لم يعد يأتي من الخارج، بل من داخل البنية الاجتماعية والاقتصادية التي نعيش فيها.

تؤكد الرواية أن المجتمعات لا تطاردها أشباح الماضي فحسب، بل تطاردها أيضاً نتائج الخيارات السياسية التي صنعت حاضرها. هذا الاغتراب المتزايد يعكس فشل المنظومات الحديثة في توفير معنى جماعي يحمي الأفراد من الانهيار النفسي.

رغم أن الرواية تنطلق من سياق بريطاني محدد، إلا أن أسئلتها تتقاطع بشكل مثير مع الواقع في مناطق أخرى من العالم. فالعالم العربي يواجه بدوره أزمات مشابهة تتعلق بتآكل الروابط التقليدية واتساع مشاعر الاغتراب لدى الأجيال الشابة.

إن تحول المآسي الإنسانية، من حروب ولجوء وفقد، إلى مادة استهلاكية عابرة على منصات التواصل هو ظاهرة عالمية. الرواية تلامس هذا الواقع من خلال طرح تساؤلات حول مصير الإنسان عندما يصبح وحيداً تماماً داخل مجتمع مزدحم.

تكمن قوة الأدب الحقيقي في قدرته على كشف هشاشة الإنسان أينما كان، بعيداً عن القيود الجغرافية أو الزمنية. 'الجوع والعطش' تذكرنا بأن بعض أشكال الرعب هي نتاج التصدعات التي بنيناها بأيدينا في عالمنا المعاصر.

في الختام، تقدم كلير فولر عملاً لا يكتفي بإثارة الخوف، بل يدفع القارئ لاكتشاف الرعب الكامن في التفاصيل اليومية والسياسية. إنها دعوة للتأمل في كيفية استعادة الروابط الإنسانية قبل أن يبتلعنا منطق العزلة والفرجة على الألم.

أقلام وأراء

الجمعة 22 مايو 2026 1:04 مساءً - بتوقيت القدس

ابن نعمان: فرنسا توظف 'الجينات' لتزوير هوية المغرب العربي وضرب الوحدة الثقافية

تشهد منطقة المغرب العربي جدلاً فكرياً وسياسياً متواصلاً حول قضايا الهوية الوطنية وبناء الدولة في مرحلة ما بعد الاستعمار. تتداخل في هذا النقاش الأسئلة التاريخية بالتحولات المعاصرة، خاصة فيما يتعلق بعلاقة اللغة بالديناميات الاجتماعية وحدود توظيف العلوم في صياغة التصورات الهوياتية.

يرى الدكتور أحمد بن نعمان أن فرنسا تمارس ازدواجية معايير صارخة؛ فبينما تتبنى العلمانية والمساواة وتتجاهل الأصول العرقية لمسؤوليها في الداخل، تسعى لفرض الوحدة العرقية كشرط للهوية في مستعمراتها السابقة. هذا التوجه يهدف بحسب الكاتب إلى تفتيت النسيج الاجتماعي لدول الشمال الإفريقي عبر بوابة 'الأمزغة'.

أفادت مصادر بحثية بأن باريس حاولت منذ عام 2005، بإيعاز من أجهزتها الاستخباراتية، تحويل مشروع 'أمزغة' المنطقة من إطار سياسي فاشل إلى مشروع 'علمي' مزعوم. وقد تم ذلك عبر محاولة ربط العرق بالجينات، وهي خطوة وصفت بأنها تفتقر للمصداقية العلمية الرصينة وتخالف بديهيات الأنثروبولوجيا.

يشير النقاش إلى تورط مؤسسات علمية عالمية، مثل مجلة ناشيونال جيوغرافيك، في نشر تقارير انساقت وراء الرواية الفرنسية المشبوهة. وقد انتقد علماء متخصصون لاحقاً هذه النتائج، مؤكدين أن الجينات لا يمكنها تحديد الانتماء العرقي بدقة تتجاوز الجد الثالث أو الرابع للإنسان.

تعتمد المحاولات الفرنسية على فكرة 'النقاء العرقي'، وهي كذبة كبرى لا أساس لها في ظل تداخل الشعوب وتلاقح الثقافات عبر العصور. فالحضارة الإنسانية ونمو الفكر يتعارضان تماماً مع فكرة العزلة العرقية التي تحاول بعض الدوائر الاستعمارية الترويج لها في المنطقة المغاربية.

يؤكد الكاتب أن الإسلام كان سباقاً في تقرير أن الأمم لا تقوم على النقاء العرقي، بل على اللسان والثقافة المشتركة. ويستدل على ذلك بأن الهوية العربية هي وعاء ثقافي جامع استوعب كافة الأعراق تحت مظلة الحضارة الإسلامية التي شيدها العرب والأمازيغ معاً.

تتعرض الرموز الوطنية في المغرب العربي، مثل الشيخ عبد الحميد بن باديس وعلال الفاسي، لحملات تشويه ممنهجة تهدف للنيل من مشروعهم الوحدوي. ويُتهم هؤلاء القادة بأنهم أقصوا المكون الأمازيغي لصالح 'رؤية مستوردة'، وهو اتهام يراه بن نعمان جزءاً من الدعاية المسمومة.

كان علال الفاسي، مؤسس حزب الاستقلال في المغرب، من أبرز المدافعين عن التعريب الشامل كوسيلة للتخلص من الهيمنة الثقافية الفرنسية. وقد سعى من خلال مكتب تنسيق التعريب إلى تحقيق سيادة لسانية تحمي الدولة الحديثة من التبعية الفكرية للاستعمار القديم.

تزعم بعض التيارات المدعومة من لوبيات فرنسية أن الهوية الأمازيغية تعرضت للتهميش المتعمد في المناهج الدراسية والخطاب الرسمي. وتدعو هذه الأصوات إلى العودة لما تصفه بـ'الجذور الأصلية' التي سبقت الفتوحات الإسلامية، رابطة إياها أحياناً بأصول جرمانية أو رومانية.

يرى المدافعون عن الطرح العرقي أن سياسات التعريب استبدلت هيمنة استعمارية بأخرى ثقافية، مما حول الأمازيغ إلى 'أقلية' في أرضهم. ويستشهد هؤلاء بالاعتراف الدستوري بالأمازيغية في عام 2011 كدليل على ضرورة تصحيح ما يصفونه بـ'المسار الإقصائي' السابق.

في المقابل، يشدد بن نعمان على أن الهوية هي ثقافة ولسان وليست مجرد جينات مخبرية صماء. ويؤكد أن إسهام الأمازيغ في حضارة الأندلس والقيروان وتلمسان كان باللغة العربية، التي مثلت لغة البيان والوحدة الحضارية للمنطقة برمتها.

إن محاولات البحث عن صلة قرابة عرقية مع الوندال أو القوط تهدف في جوهرها إلى فك الارتباط بالهوية الإسلامية والعودة إلى أنماط قديمة. ويصف الكاتب هذه التوجهات بأنها 'ردة وثنية' تخدم أجندات صهيونية وفرنكوفونية تتغلغل في بعض مفاصل الإدارة المغاربية.

تعتبر الولايات المتحدة نموذجاً عالمياً يثبت أن الأمة القومية المتجانسة يمكن أن تضم آلاف الأعراق تحت مشروع ثقافي واحد. وهذا يدحض الادعاءات التي تحاول ربط الاستقرار السياسي والوحدة الوطنية بضرورة التطابق العرقي أو الجيني للسكان.

يبقى الدرس الأهم في هذا الصراع الرمزي هو أن الوحدة الوطنية الحقيقية لا تُبنى بإلغاء المكونات، ولكن أيضاً لا تُبنى باختراع هويات عرقية وهمية. فالمستقبل يتطلب اعترافاً بالتنوع الثقافي ضمن إطار الهوية الجامعة التي صهرت المنطقة في بوثقة حضارية واحدة لقرون طويلة.