تحليل إخباري
أعاد الإفراج الأخير عن وثائق جديدة مرتبطة بقضية جيفري إبستين، عبر وزارة العدل الأميركية، فتح واحدة من أكثر الملفات إثارة للجدل في العقدين الأخيرين. فالرجل الذي ارتبط اسمه بشبكات استغلال جنسي واسعة وبعلاقات متشعبة مع شخصيات نافذة في المال والسياسة، لا يزال ملفه يحمل طبقات إضافية من الأسئلة التي لم تُحسم، ولا سيما ما يتصل بطبيعة علاقاته الخارجية المحتملة.
وبينما تُظهر الوثائق المتداولة إشارات إلى تورط أو معرفة عدد كبير من الأفراد، تتزايد – وفق ما يراه بعض الباحثين والمراقبين – مؤشرات تلمّح إلى وجود صلات بين إبستين وشخصيات أو دوائر مرتبطة بإسرائيل. غير أن هذه الزاوية تحديدًا لم تحظَ، بحسب منتقدين، بالقدر نفسه من الاهتمام الذي حظيت به فرضيات أخرى، في مقدمتها ما شهدته الأيام الماضية من موجة تغطية إعلامية تُروّج لاحتمال كون إبستين “أصلًا” أو “أداة” بيد روسيا.
وهنا تبرز مفارقة لا تخلو من دلالة: إذ يبدو أن الإعلام الأميركي – في كثير من الأحيان – أكثر استعدادًا لتناول فرضيات تمس خصوم واشنطن التقليديين، مقابل حذر شديد أو صمت شبه كامل عندما تتقاطع الأسئلة مع إسرائيل. ليست المسألة، وفق هذا المنظور، مجرد اختلاف في قوة الأدلة، بل انعكاس لبنية سردية أوسع تُعيد إنتاج ما يمكن تسميته بـ**“الاستثنائية الإسرائيلية”**: أي التعامل مع إسرائيل باعتبارها حالة خاصة، تُدار حولها الأسئلة بمنطق مختلف، وتُطبق عليها معايير غير تلك التي تُطبق على غيرها.
ففي حين أن الحديث عن نفوذ روسي محتمل في قضايا أميركية يُقدَّم بوصفه تحقيقًا مشروعًا، فإن مجرد طرح سؤال مشابه يتعلق بإسرائيل قد يُواجه فورًا بتوتر سياسي وأخلاقي، وبخوف من الاتهام، أو من خسارة الدعم، أو من الدخول في منطقة ملغّمة داخل المجال العام الأميركي. وهكذا تتحول الصحافة – من حيث تدري أو لا تدري – إلى جزء من هندسة "المسموح والممنوع"، لا إلى أداة لكسرها.
ويشير مراقبون إلى أن انتقائية التغطية لا تنبع فقط من “مزاج” غرف الأخبار، بل من شبكة مصالح وضغوط معقدة: علاقات المؤسسات الإعلامية بمراكز نفوذ، وحسابات التمويل والإعلانات، وميزان اللوبيات، فضلًا عن حساسية الاتهامات الجاهزة التي تُستخدم أحيانًا لإغلاق النقاش بدل تفنيده. وفي هذا السياق، تصبح إسرائيل – سياسيًا وإعلاميًا – حالة لا تُعامل وفق معيار واحد مع الدول الأخرى، حتى عندما يتعلق الأمر بملفات خطيرة وحساسة.
ومن بين الأسماء التي تكررت في هذا السياق اسم رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، الذي ظهر في بعض الوثائق والتقارير السابقة بوصفه أحد من التقوا إبستين أو ارتبطوا به في مناسبات مختلفة. كما برزت مراسلة إلكترونية تعود إلى عام 2018، حاول فيها إبستين ترتيب لقاء بين باراك ورئيس الوزراء القطري الأسبق حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، وتضمنت عبارة تبدو ساخرة أو مراوغة يقول فيها إبستين: "يجب أن توضح أنني لا أعمل للموساد".
وبالطبع، لا تكفي عبارة ساخرة في بريد إلكتروني لإثبات علاقة أمنية أو رسمية. غير أن تجاهلها الكامل لا يقل إشكالًا عن تضخيمها. فهي – في حدها الأدنى – تكشف عن إدراك إبستين لحساسية الاتهام، وعن حضور اسم "الموساد" في محيطه بوصفه احتمالًا قابلًا للتداول، وهو ما يستدعي، في منطق الصحافة الاستقصائية، سؤالًا طبيعيًا: لماذا تُغلق هذه الزاوية سريعًا، بينما تُفتح زوايا أخرى على اتساعها رغم هشاشة الأدلة فيها أحيانًا؟
وهنا يظهر الخلل المنهجي في التغطية: إذ يختلط على الجمهور – وأحيانًا على الإعلام نفسه – الفرق بين “قرائن مثيرة” وبين "إثباتات قانونية". فالإعلام الجاد لا يبني اتهامًا على تلميح، لكنه أيضًا لا يدفن تلميحًا لمجرد أن نتائجه السياسية محرجة. إن التعامل المهني يفترض إخضاع الإشارات للتحقق والتحقيق، لا تحويلها إلى “حقيقة نهائية” ولا طردها خارج النقاش العام.
وفي هذا الإطار، يصبح السؤال الحقيقي أبعد من قضية إبستين ذاتها. فالقضية تكشف اختبارًا لحدود الجرأة الإعلامية في الولايات المتحدة: من الذي يُسمح للصحافة أن تلاحقه بالأسئلة؟ ومن الذي يُعامل بوصفه خارج نطاق التشكيك؟ وما الذي يحدث عندما تُمنح دولة بعينها حصانة ضمنية من الأسئلة، حتى في ملفات تتعلق باستغلال جنسي واتجار بالبشر وشبكات نفوذ عابرة للحدود؟
إن تكريس “الاستثنائية الإسرائيلية” لا يعني بالضرورة وجود مؤامرة واحدة تدير الإعلام، بل يعني أن المجال العام الأميركي يعمل وفق توازنات تجعل بعض الأسئلة مكلفة، وبعضها رخيصًا، وبعضها “مستحسنًا”، وبعضها “محظورًا”. وفي هذه المعادلة، تتحول إسرائيل – في كثير من الأحيان – إلى نقطة استثناء: ما يُقال عن غيرها لا يُقال عنها، وما يُطالب به الآخرون لا يُطالب به معها، وما يُعتبر فضيحة عندما يطال دولة خصمًا يصبح مجرد "إيحاء غير مسؤول"إذا لامسها.
وتتعمق هذه المفارقة حين ندرك أن الاستثنائية لا تعمل فقط في الإعلام، بل تمتد إلى السياسة الدولية ذاتها. فلو كانت إسرائيل تُعامل كأي دولة أخرى ضمن النظام الدولي، لكان من الطبيعي أن تواجه ضغوطًا قانونية ودبلوماسية أكبر، وأن تُحمَّل مسؤولية أفعالها وفق المعايير نفسها التي تُفرض على غيرها. غير أن الواقع يشير إلى أن الولايات المتحدة ودولًا غربية عديدة تمنح إسرائيل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، هامشًا واسعًا من الحماية السياسية، بما يجعل المساءلة الفعلية أقل احتمالًا، وأعلى كلفة.
ومع استمرار الحديث عن كون ملفات إبستين لم تُنشر كاملة حتى الآن، تبقى أسئلة عديدة معلقة: هل صمت الإعلام الأميركي تجاه هذه الزاوية سببه غياب الأدلة؟ أم أنه جزء من نمط متكرر في التعامل مع إسرائيل باعتبارها “فوق المساءلة” داخل السرد السياسي والإعلامي الأميركي؟
في النهاية، قد لا تكون المسألة متعلقة بإسرائيل وحدها، لكنها تتجسد فيها بوضوح. فالقضية، قبل أن تكون صراعًا بين فرضيات استخباراتية، هي اختبار لمفهوم العدالة الإعلامية: هل تعمل الصحافة بمنطق معيار واحد على الجميع؟ أم أن هناك دولًا يُسمح بتفكيكها وتشريحها، وأخرى تُعامل بمنطق استثنائي يُعيد إنتاج فكرة قديمة في السياسة الدولية: ما يحق لإسرائيل، لا يحق لغيرها.