د. جمال حرفوش: نتنياهو يراوغ لكسب الوقت لترتيب أولوياته والاستفادة من الضغوط الدولية لتأطير الصفقة بما يخدم أجندته
فايز عباس: الموقف الإسرائيلي الحالي يجعل التوصل إلى صفقة تبادل أمراً شبه مستحيل في الوقت الراهن
محمد أبو علان دراغمة: تصريحات نتنياهو المتكررة بخصوص تراجعه عن إتمام الصفقة تأتي ضمن الحرب النفسية
نزار نزال: نتنياهو يركز على التفاصيل الصغيرة لتأجيل القرارات الكبيرة كوسيلة للمماطلة ومنحه مزيداً من الوقت
ياسر مناع: المعارضة الإسرائيلية تعاني من ضعف وعجز واضحين وتفتقر إلى رؤية متماسكة أو برنامج مضاد لسياسات نتنياهو
تشهد المفاوضات حول صفقة تبادل الأسرى بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية تعقيدات متزايدة، مع استمرار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في تبني سياسة المماطلة والمراوغة، التي أتقنها نتنياهو لأكثر من عام بالتزامن مع ارتكابه جرائم حرب في قطاع غزة.
وتشهد الأيام الحالية جولات مكوكية يقوم بها وفود التفاوض من أجل محاولات إحراز تقدم لإبرام الصفقة، ورغم كل ما قيل عن تلك المفاوضات من تصريحات قد توصف بأنها إيجابية لكن على ارض الواقع تبقى المماطلة حاضرة، وتزداد معها معاناة الفلسطينيين.
ويعتقد كتاب ومحللون ومختصون، في أحاديث منفصلة لـ"ے"، أن هذه السياسة التي يمارسها نتنياهو ليست مجرد تأخير عشوائي، بل استراتيجية مدروسة تهدف إلى تعزيز سلطته داخليًا وتحقيق مكاسب دبلوماسية وأمنية تخدم أجندته.
ويعتقدون أن نتنياهو يسعى من خلال هذه المماطلة إلى استنزاف المقاومة الفلسطينية، مستغلاً الضغوط الدولية لترتيب أولويات إسرائيل بما يتماشى مع مصالحها، في الوقت ذاته، يعمل على تعزيز شعبيته بين أنصاره والمحافظة على تماسك حكومته اليمينية، بينما لا يستغل عدم وجود معارضة إسرائيلية تمنع تلك السياسة، ويحاول تأخير إبرام صفقة جزئية يريدها لأجل استمراره في سياسته.
ويؤكدون أن استمرار مماطلة نتنياهو حول إبرام الصفقة يزيد تعقيد الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة، والمتواصلة منذ نحو 15 شهراً، في ظل عجز عالمي عن إيقاف نتنياهو عن الجرائم اليومية التي يرتكبها في القطاع.
استراتيجية سياسية وأمنية تهدف لتحقيق مكاسب داخلية وخارجية
يؤكد البروفيسور د. جمال حرفوش، أستاذ مناهج البحث العلمي والدراسات السياسية في جامعة المركز الأكاديمي للأبحاث في البرازيل أن مراوغات بنيامين نتنياهو بشأن إبرام صفقة في قطاع غزة ليست إلا استراتيجية سياسية وأمنية تهدف إلى تحقيق مكاسب داخلية وخارجية على حساب الحلول الواقعية.
ويوضح حرفوش أن نتنياهو يسعى لتعزيز شعبيته لدى اليمين الإسرائيلي والمحافظة على تماسك ائتلافه الحكومي الهش من خلال استغلال الصفقة كورقة للتأكيد على قوته في مواجهة المقاومة الفلسطينية.
ويشير إلى أن نتنياهو يحاول أن يستنزف المقاومة الفلسطينية عبر إطالة أمد المفاوضات، معتقداً أن ذلك قد يؤدي إلى تقليل مطالبها.
ويوضح حرفوش أن نتنياهو يدير هذا الملف بحذر لتجنب غضب الشارع الإسرائيلي، خاصة من عائلات المحتجزين، الذين يطالبون بحلول عاجلة، ما يجعله يناور دون الالتزام بحل جذري.
ويؤكد حرفوش أن المراوغات تتيح لنتنياهو كسب الوقت لترتيب أولويات إسرائيل الدبلوماسية، والاستفادة من الضغوط الدولية لتأطير الصفقة بما يخدم الأجندة الإسرائيلية.
ويعتقد حرفوش أن حديث نتنياهو عن "عقبات بحاجة لقرار سياسي" يعني أن القضايا العالقة تتجاوز حدود التقنية أو التفاصيل الإجرائية، وتتطلب شجاعة وإرادة سياسية للتغلب على الضغوط والمعوقات، فالعقبات تنشأ عندما تتطلب الحلول تنازلات سياسية قد تُضعف موقف الطرف الذي يتخذ القرار.
ويلفت حرفوش إلى أن القرار السياسي هنا هو المفتاح لتجاوز انقسامات داخلية أو ضغوط خارجية، ويعكس مدى قدرة القيادة على التوفيق بين المصالح الوطنية والخسائر المحتملة، علاوة على أن اتخاذ القرار يحتاج إلى قبول عواقبه على المستويين المحلي والدولي، مما يبرز أهمية الجرأة السياسية.
من جانب آخر، يؤكد حرفوش أن تصرفات نتنياهو تكشف عن إدارة متعمدة للأزمات لتحقيق مكاسب سياسية شخصية، بغض النظر عن الأوضاع الإنسانية في غزة.
ويرى حرفوش أن خلق الأزمات يعكس انقسامًا سياسيًا داخليًا يُوظف من قبل نتنياهو لتعزيز بقائه في السلطة، بالرغم من اعتراضات المعارضة، وهذه الأزمات تمنحه مساحة للمناورة بين مطالب الشارع وضغوط حلفائه.
ويشير حرفوش إلى أن استمرار هذه الأزمات يُعمّق المعاناة الإنسانية، حيث يؤدي إلى تعطيل أي خطوات نحو تخفيف الحصار أو تحسين الأوضاع المعيشية، فيما يعرقل هذا السلوك أي محاولات للوساطة الدولية، مما يعزز حالة الجمود السياسي.
ويعتقد حرفوش أن نتنياهو يستخدم الأزمات كوسيلة لإطالة أمد الوضع الراهن، مدركًا أن أي انفراجة قد تمنح المقاومة الفلسطينية انتصارًا سياسيًا أو معنويًا، وهو ما يسعى لتجنبه بأي ثمن.
إلى ذلك، يوضح حرفوش أن هناك انعكاسات للمراوغات السياسية على هذا الملف والتي تلقي بظلالها على المحتجزين الإسرائيليين في غزة حيث ان استمرار الاحتجاز يضعف ثقة عائلاتهم في الحكومة الإسرائيلية ويزيد الضغط الشعبي على القيادة، ويخلق حالة من الإحباط بين الجنود الإسرائيليين ويؤثر على الروح المعنوية للجيش.
أما بالنسبة للأسرى الفلسطينيين، يوضح حرفوش أن تأخير الصفقة يعمّق معاناة الأسرى وعائلاتهم، لكنه يعزز صمودهم كرموز للنضال الفلسطيني، ويدفع المقاومة الفلسطينية لتكثيف العمليات النوعية، خاصة محاولات الأسر، مما يؤدي إلى تصعيد ميداني.
ويؤكد أن استمرار الجمود يفاقم من معاناة الناس في غزة والضفة الغربية، ويزيد من تعقيد الصراع، وان أي تأخير في إبرام الصفقة يُظهر عجزًا سياسيًا لدى كلا الطرفين في إيجاد حلول مستدامة، مما يرسخ فكرة أن الصراع هو الأداة الدائمة لفرض الشروط.
ويوضح حرفوش أن إدارة هذا الملف تحتاج إلى قرارات شجاعة ومواقف تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة، حيث إن مصير المحتجزين الإسرائيليين والأسرى الفلسطينيين يظل رمزًا للصراع، وجسرًا نحو تحقيق العدالة إذا أُحسن التعامل معه بحكمة ومسؤولية.
نتنياهو يسعى لتجنب أي صفقة تؤدي لوقف النار
يرى المختص بالشأن الإسرائيلي فايز عباس أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يسعى لتجنب أي صفقة تؤدي إلى وقف إطلاق النار أو انسحاب إسرائيلي من قطاع غزة.
ويشير عباس إلى أن نتنياهو لا يعلن موقفه هذا بشكل صريح خشية ردود فعل عائلات المحتجزين والمجتمع الإسرائيلي الذي يطالب بإعادتهم بأي ثمن، لكنه يدرك أن شركاءه في الحكومة، مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش وأوريت ستروك، قد يسقطون حكومته إذا أبرم صفقة تُلزم إسرائيل بالانسحاب من القطاع، لذلك، يعتبر بقاؤه في السلطة أولويته الأساسية، وليس حياة المحتجزين.
ويوضح أن العقبات التي تُعيق التوصل إلى صفقة تتطلب قرارات سياسية، وليست أمنية أو عسكرية، ومن بين هذه العقبات قضية الانسحاب من محاور استراتيجية مثل محور فيلادلفيا ونيتساريم، بالإضافة إلى رفض إسرائيل إطلاق سراح أسرى محكوم عليهم بفترات طويلة، وعلى رأسهم مروان البرغوثي، وهذه القضايا تعتبر "خطوطاً حمراء" لدى الحكومة الإسرائيلية الحالية، مما يعقّد المفاوضات ويُفشل أي تقدم يُذكر.
وبالرغم من الحديث الإعلامي عن تقدم محتمل في المفاوضات، يشير عباس إلى أن الواقع يخلو من أي انفراج حقيقي، حيث إن إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن تحاول الترويج لتقدم مزعوم في المفاوضات، مشيرة إلى أن الصفقة قد تُنجز في غضون أسابيع أو قريباً جداً، لكن عباس يؤكد أن هذه التصريحات لم تترجم إلى خطوات ملموسة بسبب الموقف الإسرائيلي المتعنت.
ويشير عباس إلى أنه مؤخراً، قام رئيس المخابرات الأمريكية بزيارة الدوحة في محاولة لتسريع المفاوضات، لكنه غادر بعد يوم واحد بعدما توصل إلى قناعة بأن الصفقة غير ممكنة في ظل الموقف الإسرائيلي الحالي، ورغم ذلك، تُصر إدارة بايدن على أن قيادة حماس هي العائق الرئيسي أمام التوصل إلى الصفقة، ما يُظهر التباين في الرؤى بين الطرفين.
ويلفت عباس إلى أن أوضاع المحتجزين الإسرائيليين في غزة تزداد سوءاً، خاصة في ظل الظروف القاسية التي يعيشها القطاع، حيث إن العديد من المحتجزين كبار في السن أو أصيبوا أثناء أسرهم، ما يجعل من الصعب الحفاظ على حياتهم في الأنفاق، خاصة مع دخول فصل الشتاء، وهذا الوضع يضع ضغطاً إضافياً على الجانب الإسرائيلي للتسريع في التوصل إلى حل.
ويؤكد عباس أنه في الوقت ذاته، تواصل حكومة نتنياهو وبن غفير التنكيل بالأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية.
ويوضح أن الأسرى الفلسطينيين يعانون من أوضاع إنسانية كارثية، تشمل نقص الغذاء والرعاية الصحية، والاكتظاظ داخل الزنازين، والتفتيش اليومي المهين، ومنذ السابع من أكتوبر، تصاعدت هذه المعاناة بشكل ملحوظ، حيث تم قتل أكثر من 35 أسيراً نتيجة السياسات الإسرائيلية القمعية.
ويؤكد عباس أن الموقف الإسرائيلي الحالي يجعل التوصل إلى صفقة تبادل أمراً شبه مستحيل في الوقت الراهن.
ويلفت عباس إلى أنه رغم جهود الوساطة الدولية والضغوط الداخلية، تظل الأولوية لحكومة نتنياهو هي الحفاظ على السلطة، حتى لو كان ذلك على حساب حياة المحتجزين الإسرائيليين أو معاناة الأسرى الفلسطينيين.
مواقف نتنياهو ليست مجرد مراوغات سياسية
يرى الكاتب والمختص بالشأن الإسرائيلي محمد أبو علان دراغمة أن مواقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تجاه صفقة تبادل الأسرى ليست مجرد مراوغات سياسية، بل تعكس استراتيجية واضحة تعتمد على استمرار الحرب في قطاع غزة ورفض أي صفقة تؤدي إلى وقف إطلاق النار أو انسحاب إسرائيلي شامل من القطاع.
ووفقًا لدراغمة، يسعى نتنياهو إلى تحقيق صفقة تبادل جزئية تُفرج عن عدد محدود من المحتجزين الإسرائيليين، مما يضمن له استمرار وجود قوات الاحتلال داخل غزة، ويتيح له مواصلة الحرب إلى أجل غير مسمى.
ويعتقد دراغمة أن هذه السياسة تأتي في إطار هدف نتنياهو المعلن منذ بداية الحرب، وهو السيطرة على غزة لفترة طويلة.
ويتطرق دراغمة إلى تقارير دولية وإسرائيلية أشارت إلى أن جيش الاحتلال يعمل على بناء بنية تحتية عسكرية داخل القطاع، مما يؤكد نية إسرائيل في البقاء لفترة طويلة.
ويرى دراغمة أن نتنياهو لا يخفي سياسته، بل يعبّر عنها بمسميات مختلفة تهدف إلى تضليل الرأي العام المحلي والدولي.
وفي ما يتعلق بالمفاوضات الجارية حول صفقة تبادل الأسرى، يشير دراغمة إلى أن العقبات التي تواجه هذه العملية تتعلق بصلاحيات الوفد الإسرائيلي المفاوض الذي يتحرك ضمن حدود ضيقة.
ويشير دراغمة إلى أنه عندما تطرأ مستجدات تتجاوز صلاحيات هذا الوفد، يكون لزامًا عليه العودة إلى المستوى السياسي لاتخاذ القرارات اللازمة، وهذا ما يفسر عودة الوفد الإسرائيلي من الدوحة مؤخرًا، حيث كان الهدف إجراء المزيد من المشاورات الداخلية، حيث أن هذه الديناميكية تعكس القيود السياسية التي تفرضها حكومة نتنياهو على أي تقدم في المفاوضات.
ويؤكد دراغمة أن نتنياهو لا يُعير أي اهتمام لمواقف المعارضة داخل الكنيست أو للضغوط الشعبية في الشارع الإسرائيلي، بفضل أغلبيته البرلمانية التي تضم 68 عضوًا في الكنيست، ويتمكن من تنفيذ سياساته دون أي عوائق تُذكر.
أما الحديث الإعلامي عن تقدم محتمل في المفاوضات، فيعتبره دراغمة جزءاً من لعبة المفاوضات الدعائية، حيث يتم تداول تسريبات غير موثوقة حول تحقيق تقدم، لكن من الصعب تحديد مدى صحة هذه الادعاءات.
ويصف دراغمة الوضع في قطاع غزة بأنه كارثي، حيث وصل الأهالي إلى مرحلة يصعب معها تحمل الأوضاع الحالية، وبالتالي تأخير الصفقة يعني مزيدا من المعاناة.
ويرى دراغمة أن تصريحات نتنياهو المتكررة حول تراجعه عن إتمام الصفقة وعدم المضي قدمًا بها تأتي ضمن إطار الحرب النفسية التي يشنها على أهالي غزة.
ووفق دراغمة، فإن هذه التصريحات تُثير في البداية آمالًا بإمكانية إنهاء الحرب، لكنها تتحول سريعًا إلى خيبة أمل تُفاقم من معاناة أهالي غزة الذين يعيشون تحت وطأة القصف المستمر والإبادة اليومية.
من جانب آخر، يوضح دراغمة أن الأسرى الفلسطينيين يترقبون صفقة التبادل التي قد تؤدي إلى إطلاق سراح عدد كبير منهم أو على الأقل تحسين ظروف اعتقالهم، في الوقت ذاته، يعيش المحتجزون الإسرائيليون في غزة ظروفًا صعبة مشابهة لما يواجهه سكان القطاع، حيث تتزايد المخاوف على حياتهم بسبب استمرار العمليات العسكرية والقصف الإسرائيلي، كماأن بعض المحتجزين أصيبوا خلال هذه الهجمات، مما يفاقم من معاناتهم.
ويلفت دراغمة إلى أن الحرب الإسرائيلية في غزة لا تهدف فقط إلى تحقيق أهداف عسكرية، بل تحمل في طياتها أبعادًا إنسانية كارثية، حيث تتجلى سياسة الإبادة الجماعية بحق أهالي القطاع.
ويؤكد دراغمة أن هذه الحرب، التي يديرها نتنياهو دون اكتراث بعدد الشهداء أو الجرحى، تترك آثارًا مدمرة على المدنيين الفلسطينيين الذين أصبحوا أسرى لأمل ضئيل في وقف الحرب وإنهاء المعاناة.
ويشير دراغمة إلى أن سياسة نتنياهو تُعبّر عن رؤية طويلة الأمد للسيطرة على غزة، مع تجاهل تام للمعاناة الإنسانية في القطاع، وفي ظل استمرار العقبات السياسية وتعنت الحكومة الإسرائيلية، يظل أفق التوصل إلى صفقة تبادل شاملة بعيد المنال، مما يعمق من معاناة أهالي قطاع غزة الصعبة المتواصلة منذ 15 شهراً.
نتنياهو يسعى لتجنب تقديم أي تنازلات كبيرة بهذه المرحلة
يؤكد الباحث نزار نزال أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعتمد سياسة المراوغة وكسب الوقت لتحقيق أهدافه الاستراتيجية والشخصية.
ويرى نزال أن نتنياهو يسعى لتجنب تقديم أي تنازلات كبيرة في هذه المرحلة، حيث يعمل على تأجيل اتخاذ قرارات حاسمة حتى تولي دونالد ترامب منصب الرئاسة في الولايات المتحدة في 20 كتنرن الثاني/يناير المقبل.
ويشير نزال إلى أن نتنياهو يدرك أهمية عدم تقديم أي هدية سياسية للديمقراطيين الذين يوشكون على مغادرة البيت الأبيض، في الوقت ذاته، يسعى لتقديم "إنجاز سياسي" لترمب، الذي يعد صديقاً شخصياً لنتنياهو وحليفاً قوياً لإسرائيل، لذلك، فإن أي اتفاق لوقف إطلاق النار بشكل شامل مستبعد حالياً، وبدلاً من ذلك، يعمل نتنياهو على صياغة هدنة محددة زمنياً ومشروطة، يتم تنفيذها بالتزامن مع دخول ترامب البيت الأبيض.
ويعتقد نزال أن هذه الهدنة ستكون بمثابة "تكتيك سياسي" يسمح لنتنياهو باستئناف العمليات العسكرية لاحقاً، متذرعاً بحجج مثل تغييرات في تكتيكات المقاومة الفلسطينية، حيث يهدف ذلك إلى ضمان استمرارية الضغط العسكري الإسرائيلي، مع الحفاظ على توازن سياسي يخدم مصالحه الشخصية واستراتيجيته مع الولايات المتحدة.
وفي ما يتعلق بالمفاوضات الجارية، يشير نزال إلى أن نتنياهو يركز على التفاصيل الصغيرة لتأجيل القرارات الكبيرة، وكمثال على ذلك فإن المحادثات حول محور صلاح الدين ترغب إسرائيل بالانسحاب من المنطقة الحدودية بين قطاع غزة ومصر لتجنب انتهاك اتفاقية كامب ديفيد، لكن طبيعة هذا الانسحاب ما زالت موضع نقاش، حيث تسعى إسرائيل إلى إبقاء وجود عسكري محدود في بعض المناطق، مثل كرم أبو سالم ومعبر رفح.
وبحسب نزال، كما يناقش نتنياهو محور نتساريم، الذي يشهد موافقة إسرائيلية مبدئية على الانسحاب، لكن بشروط تتعلق بوضع كاميرات مراقبة تشرف عليها جهة دولية.
ويرى نزال أن هذه الشروط تُستخدم كوسيلة للمماطلة، حيث يطلب الوفد الإسرائيلي العودة إلى نتنياهو للتشاور قبل اتخاذ أي قرارات نهائية، ما يمنح نتنياهو مزيداً من الوقت.
على الصعيد الداخلي، يرى نزال أن نتنياهو نجح في تفتيت المعارضة الإسرائيلية، التي تعاني من ضعف وانقسام واضحين.
ويشير نزال إلى أنه رغم تحذيرات قادة المعارضة مثل بيني غانتس ويائير لابيد، إلا أن نتنياهو يتجاهلها تماماً بل ويعمل بعكس توجهاتهم، وكمثال على ذلك رفض غانتس دخول الجيش الإسرائيلي إلى رفح، وهو ما اعتبره نتنياهو فرصة لتهميش المعارضة بشكل أكبر.
ويؤكد نزال أن نتنياهو يستخدم ملف الأسرى الإسرائيليين كورقة ضغط لتبرير استمرار الحرب وتشويه صورة الشعب الفلسطيني في الغرب، ورغم الإدراك الشعبي في إسرائيل بعدم جدية نتنياهو تجاه قضية الأسرى، إلا أن الحكومة تستمر في استغلال هذا الملف لتحقيق أهداف سياسية داخلية وخارجية.
من ناحية أخرى، يشير نزال إلى أن إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين يواجه عقبات كبيرة بسبب الظروف التي أوجدها نتنياهو.
ويلفت نزال إلى أنه في المرحلة الأولى من أي صفقة تبادل، قد يتم الإفراج عن مئات الأسرى المحكومين بأحكام عالية ومؤبدات، ولكن خارج الأراضي الفلسطينية، وهو ما يتعارض مع مطالب المقاومة.
ويعتقد نزال أن المناكفات السياسية الإسرائيلية الداخلية لها انعكاسات كارثية على الشعب الفلسطيني، حيث يدفع الفلسطينيون فاتورة الدم والدمار نتيجة الحسابات السياسية الإسرائيلية.
ويؤكد نزال أن الدم الفلسطيني أصبح "سوقاً للمزايدة" بين النخب الحاكمة في إسرائيل، ما يعمق الألم والوجع الفلسطيني في ظل استمرار الصراع.
ويشير نزال إلى أن نتنياهو يواصل استخدام التكتيكات السياسية والمراوغة لتحقيق مكاسب شخصية واستراتيجية، مع إهمال القضايا الإنسانية مثل الأسرى، وفي المقابل، تظل المقاومة الفلسطينية تواجه تحديات كبيرة، في ظل استمرار القتل والدمار وغياب أفق سياسي حقيقي لإنهاء الصراع.
إنهاء الحرب والانسحاب الإسرائيلي الكامل من غزة
يرى الكاتب والمختص بالشأن الإسرائيلي ياسر مناع أن فهم الصفقة المحتملة بين الفلسطينيين والإسرائيليين يتطلب إدراك الرؤى المختلفة للطرفين.
ويوضح مناع أن الرؤية الفلسطينية تتركز حول إنهاء الحرب بانسحاب إسرائيل الكامل من قطاع غزة، وضمان إعادة الإعمار، وهي رؤية تسعى لتحقيق السلام والاستقرار.
ويشير مناع إلى أنه بالمقابل، تنظر إسرائيل إلى الصفقة بشكل مختلف تماماً، حيث تراها جزئية وإنسانية، تُنفذ على مراحل قد تتسم بالمراوغة.
ويقارن مناع هذه الرؤية بنهج اتفاقية أوسلو، التي بدأت كإطار مؤقت ثم جرى تمديدها عبر مراحل لاحقة لتحقيق مكاسب استراتيجية.
ويشير مناع إلى أن الحرب الحالية تقدم لإسرائيل فرصة تاريخية لتحقيق أهداف استراتيجية متعددة، فعلى المستوى الداخلي، يعزز اليمين الإسرائيلي سيطرته من خلال تمرير قرارات قانونية تمكّنه من السيطرة على مفاصل الدولة، وتعمل إسرائيل على توسيع الاستيطان وضم أراضٍ في الضفة الغربية، إضافة إلى إعادة تشكيل قطاع غزة ديموغرافياً وجغرافياً، بما يخدم مصالحها الأمنية والاستيطانية.
ويؤكد مناع أن إسرائيل تستغل الحرب كفرصة لتنفيذ مخططاتها، مثل إعادة الاستيطان في شمال قطاع غزة وإعادة هندسة القطاع بما يتماشى مع رؤيتها الاستراتيجية.
ويشير مناع إلى أن تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حول الصفقة بأن"وجود عقبات تحتاج إلى قرار سياسي" تثير تساؤلات أساسية، أبرزها: هل إسرائيل مستعدة لإنهاء الحرب؟ هل ستنسحب بالكامل من غزة؟ ومن سيُدير القطاع في المستقبل؟ ويبدو أن إسرائيل تسعى لإدارة قطاع غزة كما تفعل في الضفة الغربية، عبر فرض سيطرة أمنية وتموضع استراتيجي، وهو ما يتعارض مع المطالب الفلسطينية.
على صعيد المعارضة الإسرائيلية، يشير مناع إلى أنها تعاني من ضعف وعجز واضحين، حيث تفتقر إلى رؤية متماسكة أو برنامج مضاد لسياسات نتنياهو.
ويوضح مناع أن المعارضة الإسرائيلية ليست فعلياً معارضة بالمفهوم التقليدي؛ ففي بعض القضايا، مثل العدوان على لبنان، تؤيد استمرار العمليات العسكرية، أما في ملف غزة، فقد تؤديد المعارضة صفقة تبادل الأسرى وستعارض الانسحاب الكامل، لكنها لا تملك رؤية بديلة لإدارة الحرب.
ويوضح مناع أن إسرائيل لا تعتبر الأسرى الإسرائيليين في غزة أولوية قصوى، بدليل استعدادها لاستهداف مواقع يُعتقد بوجودهم فيها.
ويؤكد مناع أنه في المقابل، يمثل ملف الأسرى أولوية قصوى بالنسبة للفلسطينيين، الذين يسعون لإطلاق سراح الأسرى ضمن أي صفقة محتملة. ومع ذلك، يتوقع مناع أن تضع إسرائيل عقبات أمام تنفيذ أي اتفاق يتعلق بالإفراج عن الأسرى الفلسطينيين.
ويرى مناع أن الأزمات التي تواجه إسرائيل ليست من صنع نتنياهو وحده، بل هي نتيجة لتحركات صناع القرار والدولة العميقة في إسرائيل، وعلى الرغم من قدرة نتنياهو على التغلب على بعض الأزمات، إلا أن التحديات ما زالت قائمة.