فلسطين

الثّلاثاء 19 مايو 2026 2:07 مساءً - بتوقيت القدس

استطلاع لنيويورك تايمز: غالبية الأمريكيين يرفضون تقديم مساعدات عسكرية واقتصادية لإسرائيل

أظهرت نتائج استطلاع حديث للرأي أجراه معهد 'سيينا كوليدج' بالتعاون مع صحيفة 'نيويورك تايمز' تحولاً جذرياً في مواقف المواطنين الأمريكيين تجاه الدعم الخارجي. حيث كشفت البيانات أن غالبية المشاركين باتوا يعارضون بشكل صريح تقديم أي مساعدات اقتصادية أو عسكرية لدولة الاحتلال الإسرائيلي في الوقت الراهن. وتعكس هذه الأرقام فجوة متزايدة بين السياسات الرسمية للإدارة الأمريكية وتوجهات القاعدة الشعبية التي بدأت تضيق ذرعاً بالانحياز المطلق.

وبحسب الأرقام التفصيلية التي أوردها الاستطلاع، فإن نحو 57% من الأمريكيين أعلنوا رفضهم القاطع لاستمرار تدفق المساعدات إلى إسرائيل، مقابل نسبة لم تتجاوز 37% من المؤيدين. كما سجل الاستطلاع تفوقاً في كفة التعاطف الشعبي لصالح الفلسطينيين بنسبة 37%، بينما تراجعت نسبة المتعاطفين مع الجانب الإسرائيلي لتصل إلى 35%، وهو ما يشير إلى تغير ملموس في موازين القوى داخل المجتمع الأمريكي.

الاستطلاع الذي نُفذ في منتصف شهر مايو الجاري، شمل عينة واسعة تجاوزت 1500 مواطن أمريكي من مختلف الفئات العمرية والخلفيات السياسية. وأوضح القائمون على البحث أن هامش الخطأ الإحصائي لم يتجاوز 2.8 نقطة مئوية، مما يعزز من دقة هذه النتائج ومصداقيتها في التعبير عن المزاج العام السائد في الولايات المتحدة حالياً تجاه الصراع في الشرق الأوسط.

وفي سياق متصل، استحضرت تقارير إعلامية نتائج سابقة لمؤسسة 'غالوب' كانت قد أشارت بدورها إلى تحول تاريخي غير مسبوق منذ بدء القياس السنوي في عام 2001. حيث أظهرت تلك البيانات أن 41% من الأمريكيين يميلون في تعاطفهم نحو الجانب الفلسطيني، متفوقين على نسبة المتعاطفين مع إسرائيل التي بلغت 36%، وهو ما يؤكد أن التغير الحالي ليس مجرد موجة عابرة بل مسار تراكمي مستمر.

ويرى مراقبون ومحللون سياسيون أن هذا التحول المتسارع يعود بالأساس إلى النشاط المكثف للحركات الشعبية والطلابية المؤيدة لفلسطين داخل المدن والجامعات الأمريكية. فقد نجحت هذه القوى في كسر القيود الإعلامية والسياسية التي فرضت لسنوات طويلة حول النقاش المتعلق بالانتهاكات الإسرائيلية في قطاع غزة والضفة الغربية، مما ساهم في إعادة تشكيل وعي جيل جديد من الأمريكيين تجاه القضية.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 19 مايو 2026 2:06 مساءً - بتوقيت القدس

وداعاً أوروبا.. كيف رسمت إسبانيا طريقاً مغايراً تجاه غزة؟

يرى الكاتب إغناسيو ألفاريز أوسوريو أن القارة الأوروبية تعيش حالة من الشلل السياسي تجاه ما يحدث من إبادة جماعية في قطاع غزة، معتبراً أن هذا التقاعس ليس وليد الصدفة، بل هو نتيجة مباشرة للانقسامات الحادة التي تضرب أروقة الاتحاد الأوروبي وتمنعه من اتخاذ موقف أخلاقي أو سياسي موحد.

ويشير أوسوريو إلى أن الموقف الألماني يمثل العقبة الكبرى أمام أي تحرك أوروبي جاد، حيث تواصل برلين تقديم دعم غير مشروط للاحتلال الإسرائيلي، مما يجهض المحاولات الرامية لفرض ضغوط دولية لوقف الحرب. هذا الانحياز، بحسب المقال، لا يغذي الصراع في فلسطين فحسب، بل يمتد ليشمل الموقف من التصعيد ضد إيران، مما يضع مصداقية أوروبا على المحك.

في المقابل، يبرز المقال التجربة الإسبانية كنموذج للخروج عن التبعية والجمود الأوروبي. ويؤكد الكاتب أن الإسبان قد عرفوا طريقهم بوضوح عبر الانحياز للقيم الإنسانية والعدالة، بعيداً عن الحسابات السياسية المعقدة التي تكبل بقية العواصم الأوروبية، مشدداً على أن هذا المسار يمثل قطيعة مع حالة العجز التي وسمت أداء الاتحاد خلال الأشهر الماضية.

اسرائيليات

الثّلاثاء 19 مايو 2026 1:37 مساءً - بتوقيت القدس

غلاء المعيشة يلاحق نتنياهو مع اقتراب الانتخابات: وعود شعبوية وأزمات اقتصادية متفاقمة

مع انطلاق السباق الانتخابي في دولة الاحتلال، تصدرت القضايا السياسية والأمنية واجهة الدعاية الحزبية، إلا أن الأزمات الاقتصادية الخانقة بدأت تفرض نفسها بقوة على المشهد. ويبذل رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو جهوداً مكثفة لتضليل المتضررين من غلاء المعيشة، عبر تفعيل آلة إعلامية تهدف لإلقاء المسؤولية على عاتق الحكومات السابقة.

أفادت مصادر إعلامية بأن نتنياهو يسعى جاهداً لسد فجوة الإخفاقات التي تراكمت خلال سنوات حكمه الماضية في غضون ثلاثة أشهر فقط. وقد تجلى هذا الارتباك في الإلغاء المفاجئ لاجتماع اللجنة الوزارية للتشريع، والذي كان مخصصاً لمناقشة مقترح دعم الرهن العقاري المثير للجدل.

المقترح الذي قدمه البروفيسور آفي سيمحون، رئيس المجلس الاقتصادي، واجه معارضة شديدة من قبل الخبراء والمختصين. وحذرت دائرة الميزانية في ورقة موقف رسمية من العواقب الوخيمة لهذه الخطوة، واصفة إياها بالإجراء الوهمي الذي يفتقر إلى المنطق الاقتصادي السليم.

رغم الضغوط التي مارسها سيمحون وانتقاداته اللاذعة لبنك إسرائيل ووزارة المالية، إلا أن التدخل السياسي كان حاسماً. فقد طلب وزير المالية بيتسلئيل سموتريتش من نتنياهو سحب الاقتراح من جدول الأعمال في اللحظات الأخيرة، وهو ما استجاب له رئيس الحكومة فوراً.

تعتبر هذه التحركات جزءاً من سلسلة مقترحات اقتصادية شعبوية يتوقع نشرها تباعاً قبل موعد الانتخابات. وتهدف هذه الخطط إلى التغطية العاجلة على فشل الائتلاف الحاكم في معالجة الارتفاع الجنوني في تكاليف المعيشة التي أرهقت كاهل المستوطنين.

على صعيد الاقتصاد الكلي، تشير البيانات إلى مفارقة غريبة، حيث يظهر الأداء استثنائياً على المستوى الدولي رغم الحروب المستمرة. فقد انخفض العجز المالي إلى 3.8% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أدنى مستوى يسجل منذ عامين ونصف العام، نتيجة زيادة الإيرادات الضريبية وتجميد الإنفاق.

شهدت العملة المحلية تحولات ملحوظة، حيث تراجع سعر صرف الدولار إلى مستويات متدنية وصلت إلى أقل من 2.9 شيكل. ومع ذلك، فإن هذه المؤشرات الإيجابية لم تنعكس بشكل ملموس على حياة الإسرائيليين اليومية، الذين يواجهون انهياراً في قدرتهم الشرائية.

تمتنع وكالات التصنيف الائتماني العالمية، وعلى رأسها 'ستاندرد آند بورز'، عن رفع تصنيف إسرائيل رغم وجود احتياطيات نقد أجنبي ضخمة بلغت 230 مليار دولار. وتكمن المعضلة في أن هذه الأرقام تظل حبيسة السجلات الرسمية دون أن تخفف من وطأة الأعباء المعيشية الحقيقية.

تواصل آلية تقلب الأسعار العمل على مدار الساعة، مستهدفة قطاعات حيوية مثل الغذاء والوقود والإسكان. كما طالت الارتفاعات أسعار تذاكر الطيران وضرائب العقارات، مما جعل إسرائيل واحدة من أغلى الدول في العالم الغربي خلال العقدين الأخيرين.

تسببت ضرائب الحرب واقتطاعات التأمين الوطني في تقليص الدخل المتاح للأسر بشكل كبير، مما زاد من حالة السخط الشعبي. ويبدو أن اهتمام نتنياهو انصب في السنوات الأخيرة على ضمان سلامة ائتلافه الحاكم، حتى لو كلف ذلك خزينة الدولة مليارات الشواقل.

تشير التقارير إلى أن نتنياهو مستعد لإشعال جبهات عسكرية جديدة بتكاليف مالية باهظة لضمان بقائه في سدة الحكم. وتكشف استطلاعات الرأي أن تكلفة المعيشة ستكون العامل الحاسم الذي سيحدد توجهات الناخبين في صناديق الاقتراع المقبلة.

يثور تساؤل جوهري في الشارع الإسرائيلي حول قدرة الحكومة على معالجة أزمات فشلت في حلها على مدار ثلاث سنوات خلال فترة وجيزة تسبق الانتخابات. ويرى مراقبون أن الوعود الحالية لا تتعدى كونها مناورات سياسية تهدف لكسب الوقت وتضليل القاعدة الانتخابية.

إن الاستراتيجية التي يتبعها نتنياهو تعتمد على 'التمتمة' بنجاحات وهمية في نهاية الحملات الانتخابية لإقناع الجمهور بجدوى سياساته. لكن الواقع الاقتصادي المرير قد يشكل عائقاً أمام تكرار سيناريوهات الخداع السابقة، خاصة مع وصول الأزمة إلى رغيف الخبز والسكن.

في نهاية المطاف، يبقى الاقتصاد الإسرائيلي رهينة للتجاذبات السياسية والمصالح الشخصية للقيادة الحالية. وبينما تتحدث الأرقام الرسمية عن 'معجزة اقتصادية'، يعيش المستوطنون واقعاً مأزوماً يهدد الاستقرار الاجتماعي والسياسي داخل دولة الاحتلال.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 19 مايو 2026 1:37 مساءً - بتوقيت القدس

بنية الكيان الصهيوني: لماذا لا تستطيع إسرائيل العيش بدون حروب؟

تتصاعد التساؤلات حول فرص نجاح المفاوضات بين طهران وواشنطن في ظل الشرط الإيراني الجوهري المتمثل في وقف العدوان على كافة الجبهات. ويبدو أن الأزمة ستظل قائمة أو معلقة لفترة طويلة، نظراً لأن الاحتلال الإسرائيلي لن يوافق على تهدئة شاملة تنهي مبررات وجوده العسكري وتوسعه المستمر في المنطقة.

تتجلى العقبات بوضوح في تركيبة الوفد الأمريكي المفاوض، الذي يضم شخصيات مثل ستيف ويتكوف وجاري كوشنر، وهما رجلا أعمال يفتقران للخلفية السياسية الدبلوماسية لكنهما يمثلان الموقف الإسرائيلي بدقة متناهية. وقد كشفت تقارير عن وقوع صدامات حادة بينهما وبين نائب الرئيس جي دي فانس خلال جولة إسلام آباد، مما أدى لتعثر التفاهمات.

لا يمكن للمراقب أن يتخيل الكيان الإسرائيلي دون ممارسة القمع اليومي في جنوب لبنان أو مواصلة قصف وتهجير المدنيين. إن استمرار الاحتلال في الجولان السوري، الذي شهد توسعاً ملحوظاً في العامين الأخيرين، يؤكد أن الاستراتيجية الإسرائيلية لا تعترف بحدود ثابتة أو سلام دائم.

في قطاع غزة، تستمر فصول حرب الإبادة الجماعية، بينما تشهد الضفة الغربية والقدس المحتلة عمليات ضم ممنهجة وعنصرية يومية. هذه الممارسات ليست مجرد ردود فعل أمنية، بل هي جزء أصيل من بنية كيان يقتات على التنكيل بالأسرى ومنع المصلين من الوصول لمقدساتهم.

تتمحور الاجتماعات الأمنية الإسرائيلية دائماً حول خطط التوسع تحت مسميات مضللة مثل 'تغيير وجه المنطقة' أو 'خريطة الشرق الأوسط الجديد'. هذه الطموحات تستند في جوهرها إلى أساطير ونبوءات توراتية تسعى لفرض الهيمنة من النيل إلى الفرات على حساب حقوق الشعوب الأصيلة.

إن العقيدة الصهيونية لم تُصمم للعيش في وئام أو هدوء، بل ترعرعت على القتل والتهجير القسري. ومن هنا، يجد قادة الاحتلال في حالة 'السلم' نوعاً من الملل أو التهديد الوجودي لمشروعهم القائم أساساً على التعبئة العسكرية الدائمة والعدوان المستمر.

المثير للدهشة في المشهد الحالي هو حالة التشرذم العربي غير المسبوقة تجاه القضية الفلسطينية التي كانت يوماً قضية العرب المركزية. وبدلاً من مواجهة التحديات، هرولت بعض الأنظمة نحو التطبيع والتعاون الأمني والعسكري مع الاحتلال دون الحصول على أي مقابل سياسي حقيقي.

لقد أثبتت أحداث العقود الثمانية الماضية أن وجود هذا الكيان في قلب المنطقة هو المصدر الرئيسي للقلاقل والأزمات العابرة للأجيال. إن استمرار هذا الواقع يورث الأجيال القادمة مستقبلاً مثقلاً بالحروب، مما يتطلب وقفة جادة لإعادة البوصلة نحو نبذ الاحتلال وعزله دولياً وإقليمياً.

أظهر الصمود الإيراني في مواجهة الضغوط الاقتصادية والعسكرية الأمريكية أن إرادة الشعوب قادرة على موازنة القوى الكبرى. هذا النموذج يؤكد أن الدعم الأمريكي المطلق للاحتلال لا ينبغي أن يكون مبرراً للخنوع العربي الذي ساد خلال العقود الأربعة الأخيرة.

وعلى الصعيد الميداني، قدمت المقاومة الفلسطينية برهاناً ساطعاً على أن تفوق السلاح ليس قدراً محتوماً للاستسلام. فقد سقطت أسطورة 'الجيش الذي لا يقهر' أمام مجموعات صغيرة تمتلك إرادة صلبة وأسلحة بسيطة، مما يشكل دافعاً معنوياً للأمة لإعادة النظر في خياراتها.

لم يعد هناك أي مبرر منطقي للاستمرار في مسار التطبيع أو بناء علاقات مع كيان يعلن جهاراً عن أطماعه التوسعية في دول الجوار. إن الواجب القومي والأخلاقي يحتم قطع كافة العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية رداً على المجازر اليومية التي يرتكبها الاحتلال بحق المدنيين.

يجب العمل على استعادة الوعي العربي من خلال المناهج التعليمية التي تؤكد على أن فلسطين أرض محتلة وأن الكيان الصهيوني غاصب لا بد من رحيله. إن غرس هذه الحقائق في نفوس الناشئة هو السبيل الوحيد لضمان عدم ضياع الحقوق التاريخية في ظل محاولات التزييف المستمرة.

بات من الضروري إعادة الاعتبار لجامعة الدول العربية عبر إعلان صريح بالتخلي عن مبادرات 'الأرض مقابل السلام' التي أثبتت فشلها. فالتعنت الإسرائيلي المستمر يؤكد أننا أمام طرف لا يسعى للسلام، بل يستخدم المفاوضات كغطاء لكسب الوقت وفرض الوقائع على الأرض.

إن التحالفات الإقليمية الواقعية مع قوى مثل تركيا وإيران وباكستان هي البديل الأجدى لحماية مصادر القوة في المنطقة. وكما قيل سابقاً فإن 'المتغطي بالأمريكان عريان'، مما يستوجب بناء منظومة أمنية إقليمية مخلصة بعيداً عن الانتهازية الاستعمارية التي يمثلها الاحتلال وحلفاؤه.

اسرائيليات

الثّلاثاء 19 مايو 2026 1:23 مساءً - بتوقيت القدس

تأجيل ترمب لضربة إيران يربك حسابات تل أبيب وتسريبات عن خطة للاستيلاء على اليورانيوم

تسبب قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بتأجيل ما وُصف بـ 'الضربة المحتملة' ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية في حالة من التخبط الواسع داخل المؤسستين السياسية والعسكرية في إسرائيل. وجاء هذا القرار المفاجئ في وقت بلغت فيه حالة الاستنفار الإسرائيلية ذروتها، حيث كانت تل أبيب تترقب تصعيداً عسكرياً وشيكاً قد يغير موازين القوى في المنطقة.

وأفادت مصادر مطلعة بأن الصدمة خيمت على دوائر صنع القرار في القدس المحتلة، خاصة أن التوقعات كانت تشير إلى تحرك أمريكي حاسم تجاه الملف النووي الإيراني. هذا التراجع في التوقيت أدى إلى إعادة تقييم شاملة للخطط الإسرائيلية التي كانت مبنية على فرضية الدعم العسكري الأمريكي المباشر في هذه المرحلة.

وفي سياق متصل، تداولت وسائل إعلام عبرية معلومات حول وجود سيناريو لعملية مشتركة بين واشنطن وتل أبيب، لا تهدف إلى شن حرب شاملة بل تركز على تنفيذ عمليات 'كوماندوس' نوعية. وتستهدف هذه الخطط المفترضة منشأة أصفهان النووية بشكل خاص، بهدف السيطرة على كميات من اليورانيوم المخصب ونقلها خارج البلاد.

وتشير التقارير المسربة إلى أن المخطط يتضمن عمليات إنزال جوي وتسلل استخباراتي معقد داخل العمق الإيراني للوصول إلى المواقع الحساسة. وتضع هذه السيناريوهات منشآت فوردو ونطنز وأراك وبوشهر ضمن دائرة الاستهداف المحتملة، نظراً لاحتوائها على البنية التحتية الأساسية لبرنامج التخصيب الإيراني.

من جانبها، فرضت الرقابة العسكرية الإسرائيلية قيوداً مشددة على تداول هذه المعلومات، حيث طلبت حذف تفاصيل تقنية معينة ومنعت استكمال نقاشات إعلامية حول دقة هذه التسريبات. هذا الإجراء الرقابي زاد من حالة الغموض وأثار تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الخطط قد دخلت بالفعل حيز التنفيذ أو أنها مجرد أدوات للضغط النفسي.

وعلى الصعيد السياسي، عقد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اجتماعين للمجلس الوزاري المصغر 'الكابينت' خلال أقل من 24 ساعة لمناقشة التطورات الأخيرة. وتركزت المداولات على كيفية التعامل مع الموقف الجديد في ظل استمرار حالة التأهب القصوى التي تعيشها الأجهزة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية.

ويرى خبراء عسكريون أن الكشف عن هذه السيناريوهات في هذا التوقيت يعكس حالة من الإرباك المتبادل بين الجانبين الأمريكي والإسرائيلي في إدارة الصراع مع طهران. وأوضحت مصادر تحليلية أن تسريب مثل هذه الخطط المعقدة قد يهدف إلى جس نبض الجانب الإيراني أو التغطية على تراجع خيار المواجهة الشاملة.

وحذر محللون من أن مخاطر تنفيذ عملية للاستيلاء على اليورانيوم تعد مرتفعة للغاية وغير مضمونة النتائج بالنظر إلى التحصينات الإيرانية الضخمة. فالمواقع النووية الإيرانية ليست مجمعة في مكان واحد، بل موزعة جغرافياً ومحمية بأنظمة دفاعية متطورة تجعل من عمليات الكوماندوس مغامرة عسكرية غير مسبوقة.

كما تشير التقديرات إلى أن إيران قد استخلصت دروساً من الهجمات السابقة، وقامت بتأمين مخزونها من المواد النووية في أعماق الجبال وتحت تحصينات خرسانية يصعب اختراقها. وأي محاولة للرد المباشر من قبل طهران على مثل هذا الاستهداف قد تشعل فتيل مواجهة إقليمية واسعة لا يمكن السيطرة على تداعياتها.

وحتى اللحظة، تلتزم واشنطن وتل أبيب الصمت الرسمي تجاه هذه التسريبات، بينما تظل المنطقة تعيش حالة من الترقب الحذر بانتظار الخطوة القادمة من البيت الأبيض. وتبقى هذه السيناريوهات، رغم تفاصيلها الدقيقة، في إطار التقديرات الإعلامية ما لم يصدر تأكيد رسمي يحدد مسار التحرك القادم تجاه طهران.

فلسطين

الثّلاثاء 19 مايو 2026 1:23 مساءً - بتوقيت القدس

مفارقة النجلين: رامي شعث يواجه الترحيل من فرنسا وياسر عباس يصعد لقيادة 'فتح'

تتقاطع سيرة نجلين من البيت السياسي الفلسطيني عند مصيرين متعاكسين تماماً، حيث يواجه رامي شعث، نجل القيادي نبيل شعث، خطر الترحيل من فرنسا، في وقت يشهد فيه ياسر عباس، نجل الرئيس الفلسطيني، صعوداً سياسياً لافتاً. يظهر شعث في مقاطع مصورة متوشحاً بالكوفية الفلسطينية، ليعلن أن السلطات الفرنسية أبلغته بنيتها ترحيله بدعوى أنه يشكل تهديداً خطيراً للأمن العام، رغم إقامته القانونية وزواجه من مواطنة فرنسية.

في المقابل، أُعلن السبت الماضي عن فوز ياسر عباس بعضوية اللجنة المركزية لحركة فتح، وهي أعلى هيئة قيادية في الحركة، مما أثار نقاشات واسعة حول قضية الخلافة والنفوذ. ويأتي هذا الصعود لنجل الرئيس البالغ من العمر 64 عاماً، ليعزز التكهنات حول دور سياسي أكبر ينتظره في المستقبل، مدعوماً بمكانة والده وتغلغله في الملفات الاقتصادية والسياسية الحساسة.

رامي شعث، الذي يبلغ من العمر 54 عاماً، يجد نفسه أمام فصل جديد من الملاحقة بعد سنوات قضاها في السجون المصرية انتهت بترحيله إلى باريس عام 2022. ورغم أن والده نبيل شعث كان مستشاراً للرئيس جمال عبد الناصر وحصل على الجنسية المصرية، إلا أن رامي أُجبر على التنازل عنها كشرط لنيل حريته ومغادرة القاهرة باتجاه المنفى الفرنسي.

على الضفة الأخرى، يبرز ياسر عباس كرجل أعمال ناجح يحمل الجنسية الكندية ويدير إمبراطورية اقتصادية ضخمة تشمل قطاعات المقاولات والاتصالات عبر مجموعة شركات 'فالكون'. ولم يُعرف عن عباس الابن انخراط مباشر في العمل السياسي الميداني أو النضالي، بل ارتبط اسمه بالاستثمارات التي تُقدر قيمتها بعشرات ملايين الدولارات قبل أن يبدأ ظهوره السياسي الرسمي كممثل خاص لوالده.

تتهم شرطة مدينة نانتير الفرنسية رامي شعث بإقامة علاقات مع شخصيات مرتبطة بالقضية الفلسطينية وجماعات مؤيدة لغزة، من بينها منظمة 'أورجنس بالستين'. كما تشير التقارير الأمنية الفرنسية إلى تصريحاته التي وصفتها بالمثيرة للجدل، خاصة تنديده بالاحتلال الإسرائيلي وجرائمه في قطاع غزة خلال التظاهرات التي شهدتها العاصمة باريس مؤخراً.

من جانبه، يرى شعث أن هذه الإجراءات، التي شملت إغلاق حسابه البنكي ووقف تأمينه الصحي، تأتي ضمن حملة عنصرية تستهدف المتضامنين مع فلسطين في أوروبا. وأكد الناشط الفلسطيني أنه سيواجه هذا القرار أمام القضاء الفرنسي والأوروبي، مشدداً على أن ملاحقته لن تثنيه عن مواصلة نشاطه السياسي الذي بدأه منذ عقود في مصر وفلسطين.

تاريخ رامي شعث النضالي ارتبط بشكل وثيق بثورة يناير المصرية عام 2011، حيث كان أحد الوجوه البارزة في الحراك الديمقراطي وشارك في تأسيس حزب الدستور. كما نشط بشكل مكثف كمنسق لحركة المقاطعة (BDS) في القاهرة، مما جعله هدفاً دائماً للسلطات الأمنية التي اعتقلته في عام 2019 ضمن ما عُرف بقضية 'خلية الأمل'.

أما ياسر عباس، فقد بدأ تأهيله السياسي يظهر بوضوح خلال السنوات الخمس الأخيرة، حيث بات يرافق والده في رحلاته الخارجية وزياراته الرسمية إلى دول مثل الأردن وروسيا. وقد كلفه الرئيس عباس بمهام حساسة، منها تولي شؤون لبنان في منظمة التحرير الفلسطينية والإشراف على ملف تسليم السلاح الفلسطيني للجيش اللبناني، مما مهد الطريق لدخوله اللجنة المركزية.

يثير فوز ياسر عباس بعضوية المركزية مخاوف داخل صفوف حركة فتح حول 'توريث السلطة' والتحايل على اللوائح الداخلية للحركة لضمان بقاء النفوذ في يد عائلة الرئيس. ويرى منتقدون أن هذه الخطوة تعكس حالة من العزلة تعيشها القيادة الفلسطينية، حيث يتم تفضيل الولاءات العائلية على الكفاءات النضالية والتاريخية في صفوف الحركة الشابة.

المفارقة تكمن في أن كلا الرجلين ولدا في بيئة متشابهة؛ فوالداهما من مدينة صفد المحتلة وانتميا لحركة فتح في بداياتها، لكن المسارات افترقت بين 'ابن المنفى' و'ابن السلطة'. فبينما اختار رامي مسار المعارضة والعمل الشعبي بعيداً عن الامتيازات، اختار ياسر مسار المال والنفوذ الذي انتهى به في قمة الهرم القيادي الفلسطيني.

المنظمات الحقوقية الدولية، بما فيها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، كانت قد ضغطت بقوة على الإدارة الفرنسية للتدخل في قضية شعث أثناء اعتقاله في مصر. واليوم، تجد هذه المنظمات نفسها في مواجهة مع الحكومة الفرنسية التي كانت تطالب بحرية شعث بالأمس، وأصبحت اليوم تسعى لطرده من أراضيها بسبب مواقفه السياسية.

رامي شعث أكد في رسالته الأخيرة أنه تعرض لمحاولات تلفيق قضايا تحت مسمى 'تبرير الإرهاب'، لكن القضاء الفرنسي أغلقها لعدم كفاية الأدلة، مما دفع السلطات للجوء إلى إجراءات إدارية للترحيل. ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تعكس ضيق صدر العواصم الأوروبية بالحراك المتضامن مع غزة، ومحاولة لتحجيم الرموز الفلسطينية المؤثرة في الرأي العام الغربي.

في المقابل، يرى أنصار الرئيس عباس أن وصول نجله للجنة المركزية هو استحقاق طبيعي نظراً لخبرته الإدارية والمهام التي كُلف بها مؤخراً. ويشير هؤلاء إلى أن الحركة تحتاج إلى دماء جديدة قادرة على التعامل مع الملفات الدولية والاقتصادية المعقدة، بعيداً عن الشعارات التقليدية التي لم تعد تجدي نفعاً في ظل الواقع السياسي الراهن.

بين باريس ورام الله، تظل قصة شعث وعباس تجسيداً لواقع فلسطيني منقسم بين نضال الشارع ودهاليز الحكم، حيث يدفع البعض ثمن مبادئه تشريداً وملاحقة، بينما يحصد آخرون ثمار القرب من مراكز القرار. وتظل الكوفية التي يرتديها شعث في منفاه بباريس، والبدلة الرسمية التي يرتديها عباس في اجتماعات المركزية، رمزين لمسارين لن يلتقيا في المدى المنظور.

عربي ودولي

الثّلاثاء 19 مايو 2026 1:07 مساءً - بتوقيت القدس

انهيار منظومة الإغاثة في الصومال: الجوع يهدد الملايين وسط تراجع التمويل الدولي

يواجه الصومال تدهوراً حاداً في الأوضاع الإنسانية، حيث تتقاطع آثار الجفاف الشديد مع تراجع الدعم الدولي وارتفاع جنوني في أسعار المواد الأساسية. وأفادت مصادر بأن رقعة الجوع اتسعت بشكل مخيف في مناطق واسعة، مما أدى إلى انهيار الخدمات الأساسية وتهديد حياة ملايين السكان، لا سيما الأطفال والنازحين الذين فقدوا مصادر رزقهم الوحيدة.

وسلطت تقارير ميدانية الضوء على معاناة آلاف العائلات التي تضطر للسير مئات الأميال بحثاً عن الغذاء والماء، مثل عائلة عبد الله عبدي التي قطعت مسافة 140 ميلاً سيراً على الأقدام للوصول إلى مدينة دولو الحدودية. هذه الرحلات الشاقة تعكس حجم اليأس الذي أصاب السكان بعد نفوق ماشيتهم وتحول أراضيهم إلى مساحات قاحلة بلا موارد.

وعند وصول النازحين إلى مراكز الإغاثة، يصطدمون بواقع مرير يتمثل في انسحاب المنظمات الدولية أو تقليص خدماتها بشكل حاد نتيجة نقص التمويل. وأكدت مصادر أن مدينة دولو، التي كانت ملاذاً لأكثر من مئة ألف نازح، باتت تعاني من خلو العيادات الصحية من الأدوية وتوقف المنح النقدية المخصصة لشراء الغذاء.

ويعود السبب الرئيسي لهذا الانهيار الإغاثي إلى قرارات سياسية دولية، أبرزها حل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID)، مما أفقد الصومال مصدره الأساسي للمساعدات. كما خفضت دول كبرى مثل بريطانيا وألمانيا تمويلاتها الإنسانية، مما أجبر المنظمات على إعادة توزيع مواردها المحدودة جداً بعيداً عن المناطق الأكثر احتياجاً.

وزاد اندلاع صراع عسكري في منطقة الشرق الأوسط من تعقيد المشهد، حيث أدى إغلاق مضيق هرمز إلى تعطيل شحنات النفط والأسمدة والسلع الأساسية. هذا الاضطراب في سلاسل الإمداد تسبب في ارتفاع تكاليف النقل بشكل مباشر، مما انعكس على أسعار الغذاء في بلد يعتمد على الاستيراد لتغطية 70% من احتياجاته.

وفي ظل هذه الظروف، تضاعفت أسعار الأرز ودقيق القمح، مما جعل الحصول على وجبة يومية واحدة حلماً بعيد المنال للكثير من الأسر الصومالية. ويعبر المواطنون عن ألمهم العميق وهم يشاهدون أطفالهم يعانون من الجوع الشديد، بينما تكتفي العائلات بتناول أعشاب برية تُجمع من ضفاف الأنهار لسد الرمق.

وحذر برنامج الأغذية العالمي من أن استمرار الأعمال العدائية في المنطقة قد يرفع عدد الأشخاص الذين يعانون من الجوع الحاد عالمياً إلى 363 مليون شخص. ويشير الخبراء إلى أن الاستجابة الدولية الحالية لا تقارن بما حدث خلال أزمات سابقة، حيث انخفض إجمالي التمويل الإنساني العالمي بشكل ملحوظ خلال العام الأخير.

وتشير الإحصائيات الأممية إلى أن نحو 6.5 مليون شخص في الصومال، أي ما يعادل ثلث السكان، يعانون حالياً من مستويات جوع تصنف كحالة طوارئ. ومن بين هؤلاء، يوجد أكثر من 1.8 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء تغذية حاد، وهي أرقام مرشحة للارتفاع في ظل غياب التدخل الدولي العاجل.

ويعاني برنامج الأغذية العالمي، المزود الأكبر للمساعدات في البلاد، من فجوة تمويلية هائلة تمنعه من دعم أكثر من 300 ألف شخص شهرياً. هذا الرقم يمثل تراجعاً كبيراً مقارنة بمليوني شخص كان يتم دعمهم في أوائل عام 2025، مما يضع المنظمات أمام خيارات أخلاقية قاسية وصعبة.

ووصف مسؤولون إغاثيون الوضع الحالي بأنه "تسلسل هرمي للمعاناة"، حيث تضطر المنظمات للتركيز فقط على الحالات التي باتت على حافة الموت. وفي بعض المخيمات، يتم اتخاذ قرارات مؤلمة بتقديم الغذاء للأطفال وحرمان الأمهات الحوامل منه، في محاولة يائسة لإنقاذ من يمكن إنقاذه.

ولم تقتصر الأزمة على نقص الغذاء، بل امتدت لتشمل قطاع النقل والخدمات اللوجستية، حيث تأخرت شحنات إغاثية حيوية لمدة 40 يوماً بسبب ازدحام الموانئ البديلة. هذا التأخير حرم مئات الآلاف من النساء والأطفال من إمدادات غذائية وطبية كانت كفيلة بإنقاذ حياتهم من خطر الموت جوعاً.

وفي السودان المجاور، لا يبدو الوضع أفضل حالاً، حيث يعاني نحو 41% من السكان من انعدام الأمن الغذائي الحاد وسط صعوبات بالغة في إيصال المساعدات. وتواجه منظمات مثل اليونيسف تحديات هائلة في نقل الإغاثة نتيجة نقص الوقود وامتناع شركات الشحن عن العمل في مناطق النزاع المسلح.

وتشير البيانات المالية إلى تراجع حاد في المساهمة الأمريكية للصومال، حيث انخفضت من مئات الملايين إلى بضعة ملايين فقط خلال الأشهر الأخيرة. هذا التراجع الحاد وضع ضغوطاً سياسية ومالية على دول أخرى، مما أدى إلى تقليص العمليات الإنسانية في 21 مقاطعة فقط من أصل 90 مقاطعة محتاجة.

ختاماً، يمثل ما يحدث في الصومال انهياراً شاملاً لمنظومة الإغاثة العالمية التي لم تعد قادرة على مواجهة الأزمات المتداخلة. إن تداخل آثار التغير المناخي مع الصراعات السياسية والعسكرية الدولية يضع ملايين البشر في مواجهة مباشرة مع الموت، في ظل صمت دولي وتراجع غير مسبوق في قيم التضامن الإنساني.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 19 مايو 2026 1:07 مساءً - بتوقيت القدس

المهاجر العربي في الغرب: صراع القيم وتحديات الاندماج بين الهوية والاغتراب

تعد الهجرة في العصر الراهن تحولاً جذرياً يتخطى فكرة الانتقال المكاني، لتتحول إلى تجربة وجودية عميقة تعيد صياغة انتماء الفرد ووعيه بذاته. فعندما يقرر المهاجر العربي مغادرة موطنه، فإنه يحمل معه مخزوناً ثقيلاً من القيم والتقاليد والمفاهيم الدينية التي تشكلت عبر أجيال طويلة.

في المقابل، يجد المهاجر نفسه أمام منظومة قيمية غربية مغايرة تماماً، ترتكز على الفردانية المطلقة والحرية الشخصية التي لا تتقيد بالضوابط المجتمعية التقليدية. هذا التباين يخلق حالة من التنازع الفكري والثقافي، حيث يجد المهاجر نفسه في قلب صراع معقد يحاول فيه التوفيق بين عالمين متناقضين.

تتجلى أولى ملامح هذا الصراع في أزمة الهوية الذاتية، حيث يصطدم المهاجر في سنواته الأولى بصدمة ثقافية تجعل من مسلماته الأخلاقية السابقة مجرد خيارات شخصية في المجتمع الجديد. هذا الوضع يضع الفرد أمام خيارين صعبين، إما الانغلاق التام لحماية الهوية، أو الذوبان الكامل وفقدان الجذور الأصلية.

على الصعيد الفكري، يبرز الصدام مع منظومة الحقوق والحريات الغربية التي قد تتقاطع مع المرجعيات القيمية والشرعية للمهاجر. فبينما يقدس الغرب حرية التعبير إلى أقصى حدودها، يرى المهاجر القادم من بيئة تعظم المقدس أن هناك خطوطاً حمراء يجب عدم تجاوزها للحفاظ على السلم القيمي.

هذا التناقض يضع وعي المهاجر في اختبار مستمر بين احترام قوانين الدولة المضيفة وبين التزامه الأخلاقي تجاه مبادئه الثابتة. ومن هنا ينشأ نمط من المقاومة الثقافية التي تسعى لإعادة صياغة مفهوم الحداثة بما يتوافق مع الخصوصية العربية والإسلامية للمهاجر.

ينتقل هذا التوتر الثقافي من الفضاء العام ليتسلل إلى داخل الأسرة العربية، حيث يبرز صدام الأجيال كأحد أكثر الأبعاد حساسية. يواجه الآباء تحدي تربية أبناء يتشربون قيم المجتمع المضيف عبر المدارس ووسائل الإعلام، مما يخلق فجوة عميقة في الفهم والسلوك.

يميل الأبناء في المهجر غالباً إلى تبني لغة المجتمع المضيف وطريقة تفكيره، وهو ما يصطدم بالنموذج التربوي العربي القائم على الترابط الأسري الوثيق والامتثال لسلطة العائلة. هذا الفارق الجيلي يولد شعوراً لدى الآباء بفقدان السيطرة، بينما يشعر الأبناء باغتراب عن ماضي ذويهم.

تزداد المعضلة تعقيداً عند الاحتكاك بالمؤسسات التعليمية والقوانين الغربية التي تتبنى منظوراً خاصاً لحقوق الطفل. فالممارسات التربوية التي يراها الآباء نوعاً من الحزم، قد تصنفها القوانين الغربية كنوع من الضغط النفسي أو التعدي على الحريات الفردية للطفل.

تؤدي هذه الحالة إلى نشوء جو من الحذر والخوف المستمر لدى الأسر العربية من تدخل المؤسسات الاجتماعية التي تملك صلاحية فصل الأطفال عن ذويهم. هذا الخوف قد يعيق الأسرة عن ممارسة دورها التوجيهي الطبيعي، مما يترك الأبناء عرضة لتبني قيم مشوهة.

إن الخروج من هذا المأزق القيمي لا يمكن أن يتحقق عبر العزلة التامة أو الانصهار الأعمى في الثقافة المضيفة. بل يتطلب الأمر تبني مفهوم الاندماج الذكي الذي يحول المهاجر من عقلية الضحية إلى عقلية المشارك الفاعل والمؤثر في محيطه الجديد.

يجب على المهاجر أن يدرك أن الغرب ليس كتلة صماء، بل يمتلك قيماً إنسانية عليا تتقاطع مع الجوهر العربي والإسلامي. فقيم مثل احترام القانون، وإتقان العمل، والعدالة الاجتماعية هي ركائز مشتركة يمكن البناء عليها لتعزيز الوجود العربي في الخارج.

يعتمد النجاح الحقيقي في المهجر على قدرة الفرد على فرز المنظومة القيمية المحيطة به، فيأخذ منها ما يعزز ذاته ويبني مستقبله. وفي الوقت ذاته، يجب عليه رفض ما يتصادم مع ثوابته العقدية والأخلاقية بوعي وحكمة، دون الدخول في صراعات عدائية غير منتجة.

إن التحول إلى جسر حضاري هو الغاية الأسمى للمهاجر، حيث يثري مجتمعه الجديد بخلفيته الثقافية ويشرف وطنه الأصلي بنجاحاته. هذا التوازن يتطلب جهداً فكرياً وتربوياً مستمراً لتجاوز عقبات الاغتراب النفسي والاجتماعي التي تفرضها ظروف الهجرة.

في نهاية المطاف، تبقى تجربة الهجرة اختباراً كبيراً للقيم والمبادئ، وقدرة الإنسان على التكيف دون فقدان الجوهر. والاندماج المتوازن هو السبيل الوحيد لضمان استقرار الأسر العربية في المهجر والحفاظ على هويتها في عالم يتسم بالتغير المتسارع.

عربي ودولي

الثّلاثاء 19 مايو 2026 12:53 مساءً - بتوقيت القدس

تقارير استخباراتية: إيران تعيد ترميم قدراتها الصاروخية وتستعد لجولة مواجهة جديدة

أفادت مصادر عسكرية مطلعة بأن الجانب الإيراني استغل حالة الهدنة ووقف إطلاق النار المستمرة منذ نحو شهر لإعادة تأهيل ترسانته العسكرية وترميم المواقع التي طالها القصف الأمريكي سابقاً. وأوضحت المصادر أن طهران نجحت في إعادة فتح عشرات المواقع الصاروخية الاستراتيجية، بالتزامن مع تحريك منصات إطلاق متنقلة وتغيير واسع في التكتيكات الميدانية المتبعة، وذلك في إطار التحضير لاحتمالات اندلاع جولة جديدة من الصدام المسلح في المنطقة.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن المؤسسة العسكرية الإيرانية عمدت إلى تخزين كميات ضخمة من الصواريخ الباليستية داخل منشآت محصنة وكهوف جبلية محفورة في صخور الغرانيت الصلبة. وتواجه القوات الجوية الأمريكية صعوبات بالغة في تدمير هذه القواعد نظراً لتحصيناتها الطبيعية، حيث اقتصرت فاعلية الضربات السابقة على استهداف المداخل والممرات الخارجية التي تمكنت الفرق الهندسية الإيرانية من إصلاحها وإعادتها للخدمة بشكل سريع.

وفي سياق تطوير القدرات الدفاعية، كشفت التقارير أن القادة العسكريين في طهران، وبدعم فني محتمل من موسكو، عكفوا على دراسة وتحليل أنماط تحليق المقاتلات والقاذفات الأمريكية في الأجواء الإقليمية. ويهدف هذا التحليل الاستخباراتي إلى سد الثغرات في منظومات الدفاع الجوي الإيراني، وهو ما انعكس فعلياً على أرض الواقع من خلال تسجيل إصابات دقيقة في صفوف الطيران الأمريكي خلال الأسابيع القليلة الماضية.

وتؤكد المصادر أن النجاحات الدفاعية الأخيرة، والتي شملت إسقاط مقاتلة من طراز 'إف-15 إي' الشهر الماضي وإصابة طائرة 'إف-35' بنيران أرضية، رفعت من سقف التوقعات لدى القيادة الإيرانية بشأن القدرة على الصمود. وقد ترافق ذلك مع إعادة توزيع استراتيجي للأسلحة النوعية المتبقية، بما يضمن استمرارية العمليات العسكرية حتى في حال تعرض مراكز القيادة والسيطرة لضربات مركزة أو فقدان بعض الكوادر القيادية.

وتهيمن على الدوائر السياسية والعسكرية في طهران قناعة متزايدة بإمكانية ردع الضغوط الأمريكية عبر خيارات استراتيجية متعددة، من بينها التهديد المباشر للملاحة الدولية في مضيق هرمز أو استهداف البنية التحتية للطاقة في دول الجوار. ورغم الخسائر البشرية التي طالت رتباً رفيعة في الحرس الثوري، إلا أن التقييمات تشير إلى أن الهيكل العسكري الإيراني أظهر مرونة عالية وقدرة على التكيف مع ظروف الحرب القاسية.

فلسطين

الثّلاثاء 19 مايو 2026 12:53 مساءً - بتوقيت القدس

الاحتلال يستولي على 40 قارباً من 'أسطول الصمود' ويعتقل مئات الناشطين في عرض البحر

أفادت مصادر أمنية بأن سلاح البحرية في جيش الاحتلال الإسرائيلي نفذ عملية سيطرة واسعة استهدفت 'أسطول الصمود العالمي' في عرض البحر المتوسط. وأكدت المصادر أن القوات الإسرائيلية استولت على أكثر من 40 قارباً وسفينة كانت في طريقها إلى قطاع غزة المحاصر، في محاولة لكسر القيود المفروضة على السكان منذ سنوات طويلة.

وذكرت تقارير عبرية أن وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، تلقى تقارير ميدانية تفيد باحتجاز أكثر من 300 ناشط دولي من أصل 500 مشارك كانوا على متن السفن. وأشارت المصادر إلى أن عملية السيطرة لم تنتهِ بشكل كامل بعد، حيث لا تزال بعض القوارب في عرض البحر تحت ملاحقة الزوارق الحربية الإسرائيلية.

من جانبه، أوضح المستوى السياسي في تل أبيب أنه بصدد اتخاذ قرار نهائي بشأن مصير المتضامنين المعتقلين، حيث يتم المفاضلة بين نقلهم إلى مراكز احتجاز داخل إسرائيل أو ترحيلهم وتسليمهم إلى دولة أخرى في المنطقة. وتأتي هذه التحركات وسط استنفار أمني إسرائيلي لمنع وصول أي إمدادات إنسانية عبر البحر إلى القطاع.

وفي سياق متصل، أكدت وسائل إعلام إسرائيلية أن البحرية أتمت السيطرة على نحو 95% من السفن ذات المنشأ التركي المشاركة في الأسطول. ووصفت الدوائر العسكرية الإسرائيلية القافلة البحرية بأنها 'أسطول استفزازي'، مدعية أن الجزء الأكثر تعقيداً من العملية العسكرية التي بدأت يوم الاثنين قد أُنجز بالفعل.

وعلى الصعيد الدولي، فجر الهجوم الإسرائيلي موجة غضب واسعة، حيث أصدرت عشر دول، من بينها تركيا والأردن وإسبانيا والبرازيل، بياناً مشتركاً يدين الاعتداء بأشد العبارات. واعتبرت الدول الموقعة أن استهداف السفن المدنية يمثل خرقاً فاضحاً للمواثيق الدولية وحقوق الإنسان، محملة الاحتلال المسؤولية عن سلامة المشاركين.

وشدد وزراء خارجية الدول العشر في بيانهم على ضرورة الإفراج الفوري وغير المشروط عن كافة الناشطين المحتجزين، مؤكدين على حقهم في الكرامة والسلامة الجسدية. كما طالب البيان المجتمع الدولي بالخروج عن صمته واتخاذ خطوات فعلية لإنهاء سياسة الإفلات من العقاب التي تتمتع بها إسرائيل تجاه انتهاكاتها المتكررة.

وفي نيويورك، أعربت الأمم المتحدة عن قلقها البالغ إزاء مصير المدنيين الذين كانوا على متن الأسطول، داعية إلى ضبط النفس وتجنب العنف. وصرح المتحدث باسم الأمين العام، فرحان حق، بأن المنظمة الدولية تتابع التقارير الواردة وتشدد على ضرورة ضمان أمن جميع الأشخاص وعدم تعرضهم لأي أذى جسدي خلال عملية الاحتجاز.

وكان أسطول الصمود قد انطلق يوم الخميس الماضي من ميناء مرمريس التركي، بمشاركة 54 سفينة وقارباً تحمل مساعدات رمزية وناشطين من 39 دولة. ويهدف الأسطول إلى تسليط الضوء على المعاناة الإنسانية في قطاع غزة والمطالبة بإنهاء الحصار الجائر المستمر منذ عام 2007، رغم المخاطر الأمنية المحدقة بالرحلة.

ويعيد هذا الهجوم إلى الأذهان اعتداءات مماثلة نفذها جيش الاحتلال في نهاية أبريل الماضي قبالة جزيرة كريت، حين استهدف قوارب تابعة للأسطول ذاته. وفي ذلك الوقت، تم الاستيلاء على 21 قارباً واحتجاز 175 ناشطاً، قبل أن يتم الإفراج عن معظمهم لاحقاً باستثناء اثنين جرى ترحيلهما قسراً من داخل إسرائيل.

وتأتي هذه التطورات البحرية في وقت يعاني فيه نحو 2.4 مليون فلسطيني في غزة من أوضاع معيشية وصحية كارثية نتيجة حرب الإبادة المستمرة. وتشير الإحصائيات إلى وجود أكثر من 1.5 مليون نازح يفتقرون لأدنى مقومات الحياة، في ظل استمرار القيود الإسرائيلية المشددة على دخول القوافل الإغاثية عبر المعابر البرية.

ورغم وجود اتفاق معلن لوقف إطلاق النار منذ أكتوبر 2025، إلا أن الميدان يشهد خروقات إسرائيلية يومية أدت لسقوط المئات من الشهداء والجرحى. وتؤكد البيانات المحلية أن القصف المستمر وتقنين المساعدات ساهما في رفع حصيلة الضحايا إلى أرقام غير مسبوقة، مما يجعل من مبادرات كسر الحصار ضرورة إنسانية ملحة.

ختاماً، يرى مراقبون أن الاستهداف الإسرائيلي لأسطول الصمود يهدف إلى توجيه رسالة ردع للقوى الدولية والمنظمات الحقوقية التي تحاول كسر العزلة عن غزة. ومع بقاء عدد قليل من السفن في عرض البحر، تترقب الأوساط الدبلوماسية ما ستسفر عنه الساعات القادمة من قرارات بشأن الناشطين المحتجزين وتأثير ذلك على العلاقات المتوترة أصلاً بين تل أبيب والعواصم المنددة.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 19 مايو 2026 11:28 صباحًا - بتوقيت القدس

من الخفاء إلى عمق الصحراء!

د. ابراهيم ملحم

رئيس التحرير

أقل الكلام

ليس جديداً على إسرائيل أن تتحرك في الخفاء، بَيْدَ أنّ الجديد والمثير للقلق هو قدرتها على العمل بحريةٍ في عمق الصحراء العربية، بعيداً عن أعين راداراتٍ إما أنها عاجزةٌ عن تغطية تلك المساحات الشاسعة، أو جرى تعطيلها وإبطال مفعولها عن عمد.

بمحض الصدفة، وفي عمق صحراء النجف بالعراق، اكتشف راعي أغنامٍ وجوهاً غريبة الوجه واللسان، فبادر لإعلام السلطات التي سارعت بإرسال قوةٍ عسكرية، لتُجابَه فور وصولها بوابلٍ كثيفٍ من الرصاص. المفاجأة الصادمة تجلت في طبيعة تلك القوة المكتشَفة؛ إذ تبيّن أنها وحدة إسرائيلية متكاملة بمعداتٍ ثقيلةٍ وبنيةٍ تحتيةٍ مجهزة، تضم مهبطاً للطائرات بطول نحو 800 متر، أُقيم فوق سطح بحيرةٍ جفت مياهها بفعل التغيّر المناخي، لتكون قاعدة انطلاق متقدمة لعملياتٍ خاطفةٍ ضد إيران.

هذا التواجد الإسرائيلي لم يقتصر على بادية العراق، بل تمدد ليجد له موطئ قدمٍ في الصحراء الإيرانية نفسها، بهدف إدارة وتوجيه شبكة الجواسيس الضخمة، التي أعلنت طهران مؤخراً أنّ تعدادها تجاوز ستة آلاف عميل؛ وهو ما يفسر بدقة "الجراحة الموضعية" للصواريخ والمُسيّرات في اصطياد القادة وتصفيتهم داخل مكاتبهم وغرف نومهم.

رغم أن طهران لم تتوقف عن استهداف دول الخليج، فإنه ليس من المستبعد أن تكون تلك القواعد الصحراوية السرية هي المصدر الفعلي للصواريخ مجهولة الهوية التي استهدفت بعض العواصم العربية مؤخراً؛  لإذكاء الصراعات البينيّة، وإبقاء المنطقة بأسرها رهينةً لدوامة الفوضى وحالة عدم اليقين.


فلسطين

الثّلاثاء 19 مايو 2026 11:27 صباحًا - بتوقيت القدس

تهديدات ترمب..سيناريوهات مفتوحة ومخاطر استئناف الحرب تلوح في الأفق

د. أمجد بشكار: تهديدات ترمب لا يمكن فصلها عن الحراك الدبلوماسي القائم بما يعكس استخدام أدوات الضغط العسكري بالتزامن مع التفاوض

نور عودة: احتمال العودة للمواجهة العسكرية لا يزال قائماً في ظل وجود مصالح إسرائيلية أمريكية يمكن أن تمارس ضغوطاً على ترمب للعودة للحرب

د. حسني شيلو: الولايات المتحدة لا تزال تدير الملف الإيراني وفق مبدأ "القوة من أجل السلام" مع ضغط إسرائيل نحو تحجيم ما تعتبره "الخطر الإيراني"

سليمان بشارات: السلوك والحشد الأمريكيان بالشرق الأوسط حتى الآن يوحيان بالميل لخيار المواجهة أكثر من كونهما أداة ضغط لتحسين شروط التفاوض

د. ولاء قديمات: واشنطن لن تسمح باستقرار كامل في المنطقة إلا إذا ضمنت قدراً من المرونة الصينية خاصة فيما يتعلق بدفع إيران نحو القبول بشروطها

جهاد حرب: العودة إلى حرب واسعة ضد إيران تبدو معقدة خاصة مع استنفاد ترمب استخدام القوة العسكرية دون العودة إلى موافقة الكونغرس


رام الله - خاص بـ"القدس"-

تعود احتمالات التصعيد في المنطقة إلى الواجهة مجدداً مع تصاعد خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تجاه إيران، وسط أجواء سياسية وأمنية توحي بأن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة شديدة الحساسية، ما يجعل إمكانية عودة الحرب على إيران مجدداً خياراً وارداً،أو ربما تكون التهديدات في سياق الضغط التفاوضي.

ويوضح كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات، في أحاديث منفصلة مع "ے"، أن المرحلة حساسة، بين مؤشرات الحشد العسكري والضغوط الاقتصادية التي تتقاطع مع جهود وساطة ومحاولات لخفض التوتر، وبين التوازي مع تصاعد المخاوف من أن يتحول التصعيد السياسي إلى مواجهة أوسع قد تمتد آثارها إلى أسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.

ويرون أنه رغم استمرار الحديث عن فرص التفاهم، فإن تعقيدات المشهد المرتبطة بالمصالح الأمريكية والإسرائيلية، إلى جانب حسابات الصين وروسيا وموقع إيران في معادلات الطاقة، تجعل الوصول إلى تسوية أمراً بالغ الصعوبة، لافتين إلى أنه بين خيار المواجهة المحدودة أو استمرار الضغوط طويلة الأمد، تبقى المنطقة في حالة ترقب لسيناريوهات مفتوحة لا تزال ملامحها غير محسومة.



ضغوط عسكرية وتحركات سياسية


يوضح أستاذ العلوم السياسية د. أمجد بشكار أن التهديدات التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشأن احتمال عودة الحرب على إيران جاءت في توقيت متزامن مع تحولات دبلوماسية مهمة، خصوصاً فيما يتعلق بالدور الذي باتت تؤديه باكستان في ملف الوساطة بين طهران وواشنطن، معتبراً أن المشهد الحالي يجمع بين الضغوط العسكرية والتحركات السياسية في آن واحد.

ويشير إلى أن الدور الباكستاني شهد تحولاً ملحوظاً خلال المرحلة الأخيرة، إذ انتقل من مجرد قناة لنقل الرسائل والمعلومات بين الطرفين الأمريكي والإيراني إلى دور أقرب إلى "المفاوض غير المباشر"، بحيث أصبحت إسلام آباد لاعباً مركزياً في محاولات بلورة تفاهمات بين الجانبين.

ويبين بشكار أن باكستان باتت تجلس مع الوفد الأمريكي وتعمل على تعديل بعض المطالب المطروحة، إلى جانب الدفع باتجاه تخفيض سقف بعض الشروط بما يساهم في تقريب وجهات النظر.

ويشير بشكار إلى أن هذا المسار الدبلوماسي تزامن أيضاً مع تقارير إعلامية، خاصة ما ورد عبر وكالة "فارس" الإيرانية، بشأن وجود تطورات مرتبطة بإحدى أبرز القضايا الخلافية، وهي ملف تخصيب اليورانيوم.

ويبيّن أن الحديث يدور حول إمكانية قبول أمريكي بإبقاء مفاعل واحد لتخصيب اليورانيوم بنسبة محددة، مع تأجيل النقاش حول مصير الكميات المخصبة بمستويات عالية، والتي يمكن أن تُستخدم نظرياً في إنتاج سلاح نووي.

ويرى بشكار أن تهديدات ترمب لا يمكن فصلها عن هذا الحراك الدبلوماسي، معتبراً أنها جاءت بالتوازي مع المساعي السياسية التي تسير بها الولايات المتحدة وباكستان، بما يعكس استخدام أدوات الضغط العسكري بالتزامن مع التفاوض.


جميع الاحتمالات ما تزال قائمة


وفي ما يتعلق بالسيناريوهات المحتملة، يؤكد بشكار أن جميع الاحتمالات لا تزال قائمة، خاصة بعد مغادرة بعض الطائرات ووسائل الشحن من المنطقة، مرجحاً إمكانية تكرار سيناريو شبيه بحرب "الأيام الـ12"، عبر منح الاحتلال الإسرائيلي ضوءاً أخضر لتنفيذ ضربة واسعة تستهدف منشآت النفط والطاقة والكهرباء والبنية التحتية الإيرانية، قبل الانسحاب سريعاً.

ويرى بشكار أن جوهر الصراع لم يعد يتركز فقط على إسقاط النظام الإيراني، بل انتقل بصورة متزايدة إلى ملف إدارة وتأمين مضيق هرمز، الذي بات يشكل محوراً رئيسياً في طبيعة المواجهة القائمة.


إدارة النفوذ الأمريكي بالتوتر وعدم الاستقرار


ترى الكاتبة والمحللة السياسية المختصة بالعلاقات الدولية والشؤون الدبلوماسية نور عودة أن التهديدات التي يطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشأن العودة إلى الحرب مع إيران تعكس، في جوهرها، نمطاً سياسياً بات واضحاً أمام مختلف دول العالم، يقوم على إدارة النفوذ الأمريكي من خلال خلق حالة مستمرة من التوتر وعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني، بما يخدم أجندة تهدف إلى تعزيز الهيمنة الأمريكية وإعادة تكريس موقع الولايات المتحدة باعتبارها القوة الأكثر تأثيراً في النظام الدولي.

وتوضح عودة أن ترمب يوظف ما تمتلكه الولايات المتحدة من نفوذ سياسي واقتصادي وعسكري لإبقاء العالم في حالة استنفار دائم، انطلاقاً من اعتقاد بأن إدارة الأزمات والتوترات تمنحه قدرة أكبر على توسيع النفوذ الأمريكي وفرض وقائع سياسية واقتصادية جديدة.

وتشير عودة إلى أن هذه السياسات قد تدفع كثيراً من الدول، بما فيها الحلفاء التقليديون لواشنطن، إلى إعادة تقييم طبيعة الدور الأمريكي ومدى إمكانية الاعتماد عليه في إدارة الملفات الدولية.

وتوضح عودة أن ما يفعله ترمب، سواء عبر التهديدات أو السياسات المرتبطة بإدارة الأزمات، يفاقم حالة عدم الاستقرار، ويضع مصالح العديد من الدول، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، أمام تحديات متزايدة، بغض النظر عن المواقف السياسية المعلنة.


فتح الباب أمام مراجعات دولية أوسع


وتعتبر عودة أن ذلك قد يفتح الباب أمام مراجعات دولية أوسع لطبيعة النظام العالمي والحاجة إلى خلق توازنات جديدة تقلل من هيمنة طرف واحد على القرار الدولي.

وفي ما يتعلق بطبيعة المواجهة الراهنة، تشدد عودة على أن العالم لا يعيش حالة "سلام"، بل يمر بمرحلة "لا حرب ولا سلم"، لكنها مرحلة شديدة العنف اقتصادياً، مع تأثيرات بعيدة المدى قد تمتد لأشهر أو حتى سنوات.

وتؤكد أن تداعيات الأزمة لا تقتصر على المواجهات العسكرية المباشرة أو احتمالات سقوط ضحايا، بل تمتد إلى تهديد الأمن الغذائي العالمي واضطراب الأسواق وسلاسل الإمداد، في ظل التأثيرات المتصاعدة على الطاقة والاقتصاد العالمي.


إمكانية العودة للمواجهة العسكرية المفتوحة


وترى عودة أن احتمال العودة إلى مواجهة عسكرية مفتوحة لا يزال قائماً، خاصة في ظل وجود مصالح إسرائيلية أمريكية متقاطعة، يمكن أن تمارس ضغوطاً على ترمب للعودة إلى الحرب.

وتلفت إلى أن هذا السيناريو قد يتجاهل حسابات الطرف الإيراني، وقدرته على الصمود وخوض حرب استنزاف طويلة قد تمتد لأشهر وربما سنوات.


حسابات المصالح الأمريكية


وتشير عودة إلى أن ترمب وحلفاءه داخل الولايات المتحدة قد يكونون من المستفيدين اقتصادياً من حالة التوتر الراهنة، لا سيما مع ارتفاع أهمية النفط والطاقة في ظل الأزمات العالمية، موضحة أن واشنطن، باعتبارها منتجاً رئيسياً للطاقة، تراهن على زيادة اعتماد العالم على النفط الأمريكي في ظل اضطراب الأسواق.

وتوضح عودة أن الإدارة الأمريكية تسعى، من خلال "الاختناق الاقتصادي والجيوسياسي"، إلى تضييق خيارات الدول في ملف الطاقة، بما يتيح فرض شروط سياسية واقتصادية جديدة، خاصة تجاه الصين، معتبرة أن ما يجري حالياً يتجاوز كونه مواجهة مع إيران، ليعكس صراعاً أوسع على النفوذ العالمي وإعادة تشكيل موازين القوى الدولية.


سياسة ضغط متواصلة


يعتبر الكاتب والمحلل السياسي والمختص بالعلاقات الدولية د.حسني شيلو أن تهديدات ترمب بالعودة إلى الحرب مع إيران تندرج في إطار سياسة ضغط متواصلة تهدف إلى دفع القيادة الإيرانية للاستجابة للشروط الأمريكية، مشيراً إلى أن هذه التهديدات ليست جديدة، بل تأتي في سياق متكرر من التصعيد السياسي والإعلامي الذي تعتمده إدارة ترمب منذ فترة، خاصة في ظل رفض طهران للمقترحات الأمريكية الأخيرة لعدم احتوائها على "تنازلات ملموسة".

ويوضح شيلو أن المشهد لا يزال محكوماً بمحاولات دولية لتفادي التصعيد العسكري، رغم التصريحات الأمريكية المتقلبة، لافتاً إلى أن ترمب يصدر خلال يوم واحد مواقف متعددة قد تبدو متناقضة أحياناً، بين التهديد بالحرب والحديث عن فرص التفاهم.


رسائل سياسية إلى قوى دولية كبرى


ويرى شيلو أن جزءاً من هذه التصريحات يحمل رسائل سياسية إلى قوى دولية كبرى، وفي مقدمتها الصين وروسيا، خصوصاً في ظل استمرار العلاقة الاستراتيجية بين بكين وطهران، باعتبار إيران مصدراً مهماً للطاقة بالنسبة للصين.

ويشير شيلو إلى أن زيارة ترمب الأخيرة إلى بكين، رغم طابعها الدبلوماسي والبروتوكولي، لم تحقق النتائج التي كانت تطمح إليها واشنطن، لا سيما فيما يتعلق بمحاولة توظيف النفوذ الصيني للضغط على إيران ودفعها نحو تقديم تنازلات في الملفات الخلافية.

ويوضح شيلو أن بكين حافظت على موقف متوازن ولم تتخل عن حليفتها الإيرانية، وهو ما دفع ترمب إلى تبني خطاب أكثر حدّة تجاه طهران.


الضغوط الداخلية الأمريكية


ويبيّن شيلو أن الضغوط الداخلية الأمريكية، مع اقتراب الانتخابات النصفية، تشكل عاملاً إضافياً يدفع ترمب إلى الاستمرار بسياسة التهديد، واصفاً الرئيس الأمريكي بأنه يتعامل بمنطق "التاجر السياسي" الذي يسعى إلى قطف المكاسب سريعاً.

ويلفت شيلو إلى أن ترمب يعتمد ما يمكن تسميته باستراتيجية "الضغط المتفجر"، القائمة على منح طهران مهلاً قصيرة وممارسة ضغوط مكثفة لدفعها نحو قبول اتفاق شامل وفق الشروط الأمريكية، أو مواجهة عسكرية تستهدف بنية الدولة الإيرانية ومؤسساتها الرئيسة.


القوة من أجل السلام


ويرى شيلو أن الولايات المتحدة لا تزال تدير الملف الإيراني وفق مبدأ "القوة من أجل السلام"، مع وجود دور إسرائيلي ضاغط يدفع نحو تحجيم ما تعتبره تل أبيب "الخطر الإيراني"، إلى جانب هواجس أمريكية متصاعدة مرتبطة بأمن مضيق هرمز، الذي أدى التوتر فيه إلى ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، بما ينعكس على الاقتصاد الأمريكي ويزيد الضغوط الداخلية على إدارة ترمب.

ويشير شيلو إلى أن الربط بين الملفات الدولية، بما فيها العلاقة مع الصين، والأزمة الأوكرانية الروسية، وممرات الطاقة، يعزز احتمالات عودة التصعيد العسكري، لكن شيلو يحذّر في الوقت نفسه من أن البيئة الدولية المتقلبة تجعل قرار الحرب محفوفاً بمخاطر اقتصادية وجيوسياسية واسعة، تشمل التضخم العالمي واضطراب سلاسل الإمداد، لا سيما في أوروبا.


نتنياهو المستفيد الأكبر من عودة الحرب


ويوضح شيلو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يبدو المستفيد الأكبر من احتمالات العودة للحرب، في ظل سعيه للهروب من أزماته الداخلية ودفع واشنطن إلى مزيد من الانخراط في الملف الإيراني.

ويؤكد شيلو أن واشنطن تراهن حالياً على أدوات أقل كلفة، مثل الحصار البحري والعقوبات الاقتصادية لإجبار إيران على تعديل سلوكها، في إطار استراتيجية الأمن القومي الأمريكية التي تضع طهران في صدارة التهديدات.

لكن شيلو يشدد على أن صعوبة التنبؤ بسلوك ترمب، إلى جانب طبيعة النظام الإيراني وعقيدته السياسية والدينية، تجعل المنطقة أمام احتمالات مفتوحة، قد تتراوح بين استمرار الضغوط أو الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تعيد رسم ملامح النظام الدولي.


إسرائيل الأكثر اندفاعاً نحو التصعيد العسكري



يؤكد الكاتب والمحلل السياسي سليمان بشارات أن معادلة العودة إلى الحرب ضد إيران ما تزال حاضرة بقوة في الذهنية الأمريكية والإسرائيلية، مرجحاً أن تكون إسرائيل الطرف الأكثر اندفاعاً نحو خيار التصعيد العسكري، في ظل مؤشرات ميدانية وسياسية تدفع باتجاه المواجهة أكثر من التفاوض، وسط تعقيدات تجعل فرص الوصول إلى تسوية سياسية شاملة محدودة في المرحلة الراهنة.

ويوضح بشارات أن السلوك والحشد الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط، حتى الآن، يوحي بأن واشنطن تميل إلى خيار المواجهة، مستدلاً بحشد القوات الأمريكية وتعزيز الوجود العسكري في محيط مضيق هرمز، وهو يعد مؤشراً واضحاً على التحضير لاحتمالات عسكرية، أكثر من كونه أداة ضغط لتحسين شروط التفاوض.


معركة طهران الوجودية


ويرى بشارات أن المسار التفاوضي المطروح حالياً لا يبدو، من وجهة النظر الإيرانية، قابلاً للتحقق، باعتبار أن الطرح الأمريكي يقوم على ما يشبه "الاستسلام الكامل" من قبل طهران، وهو ما يصعب على النظام الإيراني القبول به في ظل الظروف الراهنة.

ويشير بشارات إلى أن إيران تنظر إلى المواجهة الحالية باعتبارها معركة وجودية تتجاوز البعد العسكري المباشر، لتطال مستقبل مشروعها السياسي والإقليمي برمّته، لافتاً إلى أن النظام الإيراني يدرك أن التراجع أو الاستجابة الكاملة للشروط الأمريكية قد يضعه في مواجهة مع الداخل الإيراني ويؤثر على قدرته في الحفاظ على تماسكه السياسي.

ويلفت بشارات إلى أن طهران تتحرك وفق معادلة تقوم على "إما تحقيق انتصار أو تجنب الانكسار"، بحيث يُنظر إلى مجرد عدم انهيار النظام أو الحفاظ على بنيته الأساسية بوصفه شكلاً من أشكال النجاح الاستراتيجي.


التمسك بالسقوف المرتفعة


ويبيّن بشارات أن الأطراف الثلاثة الرئيسة المنخرطة في الأزمة، وهي "الولايات المتحدة، وإسرائيل، وإيران"، لا تزال تتمسك بسقوف مرتفعة في ما يتعلق بشروط المرحلة المقبلة، الأمر الذي يقلل من احتمالات الوصول إلى نقاط التقاء سياسية في المدى المنظور.

وفي السياق ذاته، يرى بشارات أن الولايات المتحدة تعرضت بعد المواجهة الأخيرة، التي امتدت 39 يوماً، إلى هزة في مشروعها الإقليمي، معتبراً أن واشنطن باتت تواجه صعوبة متزايدة في إقناع حلفائها بجدوى استمرار الهيمنة الأمريكية أو قدرتها على توفير الحماية الأمنية لشركائها في الشرق الأوسط. ويشير بشارات إلى أن أي تراجع أمريكي في هذه المرحلة دون تحقيق إنجازات واضحة قد ينعكس سلباً على مستقبل النفوذ الأمريكي في المنطقة ويعزز الشكوك بشأن فعالية الدور الأمريكي.


بكين لاعب دولي مركزي


ويتطرق بشارات إلى تداعيات زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى الصين، معتبراً أن ترمب عاد دون تحقيق اختراقات كبرى يمكن تسويقها للشارع الأمريكي، في وقت باتت فيه بكين لاعباً دولياً مركزياً ينافس واشنطن بشكل متصاعد.

ويوضح بشارات أن بقاء إيران مسيطرة على ممرات الطاقة وتدفقات النفط، خاصة نحو الصين، قد يُفسر أمريكياً بوصفه تعزيزاً لمحور الصين وروسيا على حساب النفوذ الأمريكي، وهو ما يجعل واشنطن أكثر حساسية تجاه أي تراجع في هذا الملف.


احتمال قوي للعودة لمسار المواجهة العسكرية


وحول السيناريوهات المحتملة، يطرح بشارات ثلاثة مسارات رئيسة؛ الأول يتمثل في العودة إلى المواجهة العسكرية، وهو السيناريو الأقرب حتى الآن، متوقعاً أنه إذا اندلعت الحرب مجدداً فإنها ستكون أكثر شراسة وتدميراً، مع محاولات لإحداث هزة عميقة داخل النظام الإيراني بهدف تسريع إسقاطه وتحقيق "الحسم السريع".

أما السيناريو الثاني، وفق بشارات، فيقوم على استمرار حالة الشد والجذب الحالية عبر الحصار الاقتصادي والمناوشات السياسية والعسكرية المحدودة، بما يشبه "حرباً باردة" طويلة الأمد، وهو خيار تفضله إيران نسبياً لأنه ينسجم مع استراتيجية "الصبر الاستراتيجي"، لكنه لا يحظى بتفضيل إدارة ترمب أو رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نظراً لكلفته الزمنية والسياسية.

وفي المقابل، يعتبر بشارات أن السيناريو الثالث وهو الوصول إلى اتفاق سياسي يبقى الأقل حظوظاً في المرحلة الحالية، إلا إذا طرأت تطورات مفاجئة أو دخلت أطراف جديدة قادرة على إحداث اختراق حقيقي.

ويعتقد بشارات أن المنطقة تبدو أقرب إلى خيارين؛ إما تصعيد واسع ومدمر، أو استمرار حالة "اللا سلم واللا حرب" بما يحمله ذلك من استنزاف طويل وإبقاء المشهد الإقليمي والعالمي في حالة ترقب دائم.


التحولات بالعلاقة الأمريكية الصينية


تعتبر الكاتبة والباحثة السياسية د.ولاء قديمات أن تهديدات ترمب بالعودة إلى الحرب مع إيران لا يمكن قراءتها بمعزل عن التحولات في طبيعة العلاقة الأمريكية الصينية، ولا سيما في أعقاب زيارته الأخيرة إلى بكين، التي أظهرت أن الصين لم تعد مجرد قوة صاعدة تنافس الولايات المتحدة، بل باتت لاعباً دولياً نداً يمتلك القدرة على فرض شروطه وإدارة الحوار مع واشنطن من موقع أكثر قوة.

وتوضح قديمات أن الإدارة الأمريكية تنظر إلى استقرار منطقة الشرق الأوسط باعتباره ملفاً مرتبطاً مباشرة بحسابات التنافس الدولي مع الصين، مشيرة إلى أن واشنطن لن تسمح باستقرار كامل في المنطقة إلا إذا ضمنت قدراً من المرونة الصينية، خاصة فيما يتعلق بدفع إيران نحو القبول بالشروط الأمريكية المطروحة في الملفات السياسية والأمنية.

وتؤكد أن ترمب سعى خلال المرحلة الماضية إلى توظيف الدور الصيني للضغط على طهران وانتزاع استحقاقات سياسية تتوافق مع الرؤية الأمريكية، مستفيداً من الانفتاح النسبي الذي أبدته بكين في الحوار مع واشنطن.

إلا أن هذا الانفتاح، بحسب قديمات، جاء في إطار إدارة التنافس والصراع بين القوتين، وليس بهدف منح الولايات المتحدة تنازلات استراتيجية أو تلبية مطالبها تجاه إيران.

وتبيّن قديمات أن المنطقة، بما تمتلكه من أهمية جيوسياسية وموقع حيوي في معادلات الطاقة والتوازنات الدولية، تشكل ساحة رئيسية لإدارة هذا التنافس، ما يجعل تهديدات ترمب جزءاً من أدوات الضغط السياسي وإدارة الملف الإيراني بما ينسجم مع المصالح الأمريكية.


التصعيد الأمريكي الحذر


وترى قديمات أن الولايات المتحدة، رغم إدراكها أن التصعيد العسكري قد يضر بمصالحها، ستتجه على الأرجح إلى نمط من "التصعيد الحذر" تجاه إيران، يهدف إلى زيادة الضغط ودفع طهران تدريجياً نحو القبول بشروط واشنطن دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

وتؤكد قديمات أن المنطقة ستبقى، خلال المرحلة المقبلة، ضمن دائرة توتر وتصعيد محسوب، تُدار فيه المواجهة بأشكال وأدوات مختلفة، في ظل سعي الولايات المتحدة إلى استثمار هذا الواقع لتعزيز نفوذها الإقليمي وإدارة تنافسها المتصاعد مع الصين.


سياسة التهديد والضغط المكثف


يعتقد الكاتب والمحلل السياسي جهاد حرب أن ترمب لا يزال يوظف سياسة التهديد والضغط المكثف تجاه إيران بهدف دفعها إلى تقديم تنازلات أو الوصول إلى اتفاق يتناسب مع الشروط الأمريكية، معتبراً أن هذه المقاربة تنسجم مع النهج السياسي الذي تبنته الإدارة الأمريكية منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض، والقائم على استخدام أدوات القوة بمختلف أشكالها لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية.

ويوضح أن مفهوم "استخدام القوة لتحقيق السلام"، الذي تتبناه إدارة ترمب، لا يقتصر فقط على القوة العسكرية المباشرة أو تنفيذ الضربات العسكرية، بل يشمل أيضاً أدوات الضغط الاقتصادي والعقوبات والتهديدات السياسية والنفسية، إلى جانب توظيف صورة الولايات المتحدة باعتبارها قوة قادرة على فرض إرادتها وإخضاع خصومها عبر وسائل متعددة.

ويشير حرب إلى أن تصريحات ترمب الأخيرة بشأن عودة الحرب على إيران تأتي ضمن السياق ذاته الذي اتبعه في ملفات أخرى، مستشهداً بخطابه السابق حول قطاع غزة وما رافقه من تهديدات حادة، قبل أن تتبعها تطورات عسكرية ومواقف متقلبة.

ويلفت حرب إلى أن المشهد الأمريكي تجاه إيران اتسم خلال الأشهر الثلاثة الماضية بتصريحات متباينة ومتقلبة من الرئيس الأمريكي، موضحاً أن ترمب غالباً ما يجمع في تصريحاته بين التهديد باستخدام القوة والدعوة في الوقت ذاته إلى التوصل لاتفاق، وهو ما يعكس أسلوباً تفاوضياً قائماً على رفع سقف الضغوط لدفع الطرف المقابل إلى تقديم تنازلات.


العودة للحرب معقدة


ورغم إقراره بأن المنطقة ما تزال تقف على حافة احتمالات التصعيد العسكري، يعتبر حرب أن العودة إلى حرب واسعة ضد إيران تبدو معقدة أمام الإدارة الأمريكية لاعتبارات داخلية وخارجية.

ويلفت حرب إلى أن ترمب استنفد الإطار الزمني الذي يتيح استخدام القوة العسكرية دون العودة إلى موافقة الكونغرس الأمريكي، إلى جانب وجود ضغوط اقتصادية داخلية تؤثر على مستوى التأييد الشعبي للرئيس، خاصة مع اقتراب الانتخابات النصفية للكونغرس.


الكلفة المرتفعة لأي مواجهة عسكرية شاملة


ويشير حرب إلى أن الكلفة المرتفعة لأي مواجهة عسكرية شاملة، فضلاً عن الضغوط والتدخلات الدولية الرامية إلى منع اندلاع حرب جديدة، قد تدفع واشنطن إلى تبني خيارات أقل كلفة، تتمثل في تشديد الحصار البحري على إيران، مع احتمال تنفيذ ضربات موضعية ومحدودة تستهدف منشآت مرتبطة بالبرنامج النووي أو الصاروخي الإيراني، سواء في المناطق الساحلية أو داخل العمق الإيراني، مع الحرص على تجنب خسائر بشرية كبيرة قد تؤدي إلى توسيع نطاق المواجهة.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 19 مايو 2026 11:26 صباحًا - بتوقيت القدس

خطر المستعمرة النووي

وصف الرئيس الأميركي ترمب الخطر النووي الإيراني على أنه: "يستهدف إسرائيل (المستعمرة) والشرق الأوسط (العالم العربي) وأوروبا".

واضح أن الرئيس الأميركي، قلبه واسع، وإحساسه بالمسؤولية كبير، ولكن السؤال لماذا يتناول الخطر النووي الإيراني على المستعمرة الإسرائيلية؟؟ بدون الحديث والاهتمام عن الخطر النووي الإسرائيلي؟؟ لماذا لا يوازي ويساوي الخطر النووي الإيراني بالخطر النووي الإسرائيلي على العالم العربي وعلى الإقليم؟؟ لماذا يسكت عن رفض المستعمرة التوقيع على حظر الانتشار النووي في منطقتنا العربية؟؟ لماذا يتغاضى عن رفض المستعمرة السماح  للوكالة الدولية للطاقة الذرية بالتفتيش على المفاعل النووي الإسرائيلي في ديمونا لدى صحراء النقب الفلسطينية؟؟.

ألا يعرف الرئيس الأميركي المبجل أن المستعمرة تحتل كامل خارطة فلسطين؟؟ وتحرم شعبها من حق المساواة في مناطق 48، وفق قيم حقوق الإنسان؟؟ وترفض الانسحاب من مناطق 67، وفق قرارات الأمم المتحدة؟؟؟ وتحرم الشعب الفلسطيني من حقوقه ولا تحترم قرارات الأمم المتحدة المتضمنة لهذه الحقوق: حق الدولة وفق القرار 181، حق العودة وفق القرار 194، والانسحاب وفق القرار 242 ؟؟.

ألا يعرف الرئيس الأميركي الحريص على أمن المستعمرة أنها تحتل أراضي جنوب لبنان وتتوسع فيه إلى حدود نهر الليطاني وتطمع إلى ما بعده؟؟ وتحتل الأراضي السورية في الجولان وتوسعت في محافظتي القنيطرة ودرعا؟؟.

ألا يعرف الرئيس الأميركي أن المستعمرة قامت بالهجوم على سوريا بعد سقوط النظام السابق يوم 9/12/2024، ودمرت كافة قدرات الجيش السوري البرية والبحرية والجوية؟؟، فالنظام السابق المفترض أنه في حالة حرب مع المستعمرة تم إسقاطه، فلماذا يتم تدمير الجيش السوري طالما تم تغيير النظام وسياساته؟؟ هذا يعني أن الهدف المطلوب هو خلو بلدان الشرق العربي من أي قدرة على حماية حقوقها واستقلالها وسيادتها، ومقابل ذلك تعمل المستعمرة على الهيمنة والسيطرة المنفردة على منطقتنا العربية!!.

الادعاء الأميركي خال من المصداقية، وقد ثبت أن الوجود الأميركي هو فقط حماية المستعمرة ودعمها وإسنادها في مواصلة الاحتلال والتوسع، فقد أعلن الرئيس ترمب يوم 6/12/2017، إعترافه بالقدس الموحدة عاصمة للمستعمرة، وأعلن يوم 25/3/2019 اعترافه أن الجولان السوري جزء من خارطة المستعمرة، وأعلن يوم 28/1/2020، صفقة القرن لتسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وصفقة القرن هذه تتضمن: إلغاء حق العودة، وإيجاد البديل بالتوطين خارج فلسطين، أو الاستيعاب في حدود الدولة الفلسطينية الضيقة المحدودة، وتتضمن الاعتراف الفلسطيني أن المستعمرة هي "دولة اليهود"، وتتضمن ضم القدس الشرقية لتكون موحدة عاصمة للمستعمرة، وإعطاء المستعمرة حق السيطرة على كامل فلسطين مما يجعل الدولة المقترحة معازل أو كانتونات غير متصلة بعد ضم المستوطنات والغور الفلسطيني لحدود المستعمرة وجغرافيتها، وخلاصة خطة ترمب تجعل من الدولة الفلسطينية خاضعة لسيادة المستعمرة أمنياً وعسكرياً، وتلغي مقومات الدولة المستقلة ذات السيادة.

وبذلك لا يمكن للولايات المتحدة أن تكون وسيطاً محايداً، بل هي عنوان الدعم لبقاء المستعمرة وهيمنتها، على منطقة الشرق العربي، وبذلك تفقد مكانتها كدولة كبرى تحترم قيم حقوق الإنسان والديمقراطية وتقرير المصير حيث كانت تُنادي بها.


أقلام وأراء

الثّلاثاء 19 مايو 2026 11:23 صباحًا - بتوقيت القدس

بعد نتائج المؤتمر الثامن لحركة فتح: من شرعية الصندوق إلى اختبار الفعل

عندما تُغلق صناديق الاقتراع، وتنتهي عملية إعلان النتائج النهائية، يبدو المشهد للوهلة الأولى وكأنه لحظة حسم. أسماء تُعلن، مواقع تُوزع، وخرائط تنظيمية جديدة تتشكل على الورق. لكن في التجارب الحركية الكبرى، لا تكون هذه اللحظة نهاية الحدث، بل بداية السؤال الحقيقي: ماذا بعد؟

ففي الحركات التي تحمل مشروعًا وطنيًا ممتدًا، لا تُقاس النتائج فقط بميزان الأرقام، بل بقدرتها على إنتاج فعل جديد، ورؤية جديدة، وسلوك تنظيمي أكثر كفاءة وانسجامًا مع حجم التحديات.

أولًا: شرعية النتائج لا تكفي وحدها

الانتخابات في أي تنظيم سياسي تمنح شرعية إجرائية، لكنها لا تمنح تلقائيًا شرعية الفعل أو الكفاءة أو القدرة على الإنجاز. فالفارق دائمًا يبقى بين "الشرعية التنظيمية" "والفعالية الحركية"

إن السؤال الذي يفرض نفسه بعد إعلان النتائج ليس: من فاز؟
بل: هل تغيّر شيء في طريقة العمل؟ في منطق القرار؟ في جودة الأداء؟

ثانيًا: من التمثيل إلى المسؤولية

المواقع التنظيمية ليست امتيازًا، بل عبء مسؤولية. ومع إعلان النتائج، ينتقل الفائزون من موقع التنافس إلى موقع الاختبار الحقيقي: اختبار القدرة على تحويل الثقة التنظيمية إلى فعل ملموس يخدم المشروع الوطني.

فالموقع لا يصنع الفاعل، بل الفاعل هو من يصنع معنى الموقع.

ثالثًا: خطر إعادة إنتاج الأزمة

أخطر ما يمكن أن يحدث بعد أي انتخابات تنظيمية هو أن تتحول النتائج إلى مجرد إعادة تدوير للواقع نفسه: نفس أنماط التفكير، نفس أدوات الإدارة، ونفس منطق التعامل مع التحديات.

حينها تصبح الانتخابات تغييرًا في الأشخاص لا في البنية، وتتحول اللحظة المفصلية إلى فرصة ضائعة لإعادة البناء.

رابعًا: بين التغيير الشكلي والتغيير الحقيقي

التغيير الحقيقي لا يُقاس بوجوه جديدة فقط، بل بقدرة هذه الوجوه على:

كسر الجمود التنظيمي، إعادة تعريف الأولويات، استعادة الثقة الداخلية والخارجية، وتحويل القرار إلى فعل.

أما التغيير الشكلي، فهو أن تتغير المواقع ويبقى المنطق كما هو.

خامسًا: السؤال المؤجل دائمًا

بعد كل مؤتمر، يبقى السؤال الذي لا يمكن تأجيله طويلًا:
هل نحن أمام مرحلة تجديد حقيقي، أم أمام دورة جديدة من إدارة الأزمة بأدوات مختلفة؟

هذا السؤال لا تجيب عليه البيانات الرسمية، بل يجيب عليه الزمن، والممارسة، وسلوك القيادة في الميدان.

خاتمة: الاختبار يبدأ الآن

إن إعلان النتائج ليس نهاية المرحلة، بل بداية اختبارها الحقيقي. فالقيمة ليست في لحظة الانتخاب، بل فيما يتبعها من قدرة على تحويل الشرعية إلى إنجاز، والموقع إلى مسؤولية، والتنظيم إلى فعل حيّ قادر على مواجهة الواقع.

وفي النهاية، لا تحكم التجارب السياسية بما تعلنه صناديقها، بل بما تصنعه في وعيها وسلوكها ومستقبلها.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 19 مايو 2026 11:22 صباحًا - بتوقيت القدس

مبنى البلدية القديم في الخليل… قراءة في أخطر مراحل الاستهداف

لم يكن ما جرى فوق سطح مبنى بلدية الخليل التاريخي حدثًا عابرًا أو تفصيلًا هندسيًا يمكن المرور عليه بصمت، بل هو مشهد يحمل في داخله رسائل سياسية خطيرة، ويعكس مرحلة جديدة من محاولات فرض السيطرة على البلدة القديمة ومؤسساتها الوطنية الفلسطينية.

فالاحتلال حين يقتحم مبنى بلدية تاريخيًا، ويغلقه بقرار عسكري، ثم يسمح لاحقًا للمستوطنين بالصعود إلى سطحه والبناء فوقه تحت حماية قواته، فهو لا يتعامل مع المكان باعتباره مجرد عقار أو مبنى إداري، بل باعتباره هدفًا سياسيًا ورمزيًا يسعى للسيطرة عليه وإعادة تشكيل هويته ووظيفته وواقعه.

ما يجري اليوم ليس قضية “سطح مبنى”، بل محاولة بناء فوق السيادة الفلسطينية، وفوق الذاكرة الوطنية، وفوق حضور المدينة التاريخي والمؤسساتي داخل البلدة القديمة.

الاحتلال يدرك جيدًا أن البلدة القديمة في الخليل ليست مجرد أحياء سكنية، بل عنوان للوجود الفلسطيني المتجذر، وأن مبنى البلدية التاريخي يمثل رمزًا للهوية الإدارية والوطنية والخدماتية للمدينة، ولذلك فإن استهدافه بهذا الشكل يحمل أبعادًا تتجاوز المكان نفسه.

في السنوات الأخيرة، لم تعد أدوات السيطرة تقتصر على الحواجز العسكرية والإغلاقات، بل انتقلت إلى مرحلة أخطر تقوم على فرض الوقائع التدريجية:

حفريات هنا، ومصادرة هناك، واستيلاء على بيت، ثم السيطرة على سطح أو نقطة مرتفعة، إلى أن يتحول الأمر الواقع المؤقت إلى وجود دائم تحرسه القوة العسكرية وتحاول السياسة شرعنته لاحقًا.

والأخطر من ذلك أن الاحتلال يختبر دائمًا رد الفعل الفلسطيني:

هل سيكون صامتًا؟

هل سيبقى في حدود البيانات؟

هل سيتحول الاعتياد على الانتهاك إلى أمر طبيعي؟

لذلك فإن المعركة اليوم ليست فقط على مبنى بلدية، بل على الإرادة السياسية والوطنية في الدفاع عن المدينة ومؤسساتها وحقها في البقاء.

إن الصمت في مثل هذه اللحظات لا يُقرأ ضعفًا فقط، بل يُستغل كمساحة إضافية للتوسع وفرض السيطرة، بينما المطلوب هو موقف وطني ومؤسساتي جامع يؤكد أن الخليل ليست مدينة بلا أصحاب، وأن مؤسساتها ليست متروكة للاستباحة.

ومن هنا، فإن المواجهة لا يجب أن تكون انفعالية أو موسمية، بل منظمة ومستمرة، تبدأ بالمسار القانوني عبر ملاحقة هذا الاعتداء أمام كافة الجهات الممكنة، وتمر عبر التوثيق الإعلامي والحقوقي، ولا تنتهي عند بناء حالة شعبية ووطنية تحمي البلدة القديمة وتعزز صمود أهلها ومؤسساتها.

كما أن إعادة فتح مبنى البلدية القديم وإعادة الخدمات البلدية إليه يجب أن تتحول إلى أولوية وطنية ومؤسساتية، لأن بقاء المؤسسات الفلسطينية داخل البلدة القديمة هو جزء أساسي من معركة الصمود والوجود.

إن الاحتلال لا يبني فقط فوق سطح مبنى…

بل يحاول البناء فوق الرواية الفلسطينية نفسها.

لكن الخليل التي حافظت على هويتها رغم الحصار والاستيطان والاقتحامات، قادرة أيضًا على حماية ذاكرتها ومؤسساتها وحقها التاريخي في مدينتها.

فالمعركة على البلدة القديمة ليست معركة حجارة وأسقف فقط، بل معركة وجود وهوية وسيادة ووعي وطني يجب أن يبقى حاضرًا في كل مرحلة من مراحل الصراع المفتوح.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 19 مايو 2026 11:21 صباحًا - بتوقيت القدس

إسرائيل والفاشية القانونية... إعدام الفلسطيني تحت غطاء القضاء

بدخول قانون “إعدام الأسرى الفلسطينيين” حيّز التنفيذ، تكون إسرائيل قد انتقلت إلى مرحلة جديدة من التشريعات العنصرية التي تحاول منح القتل صفة قانونية وقضائية في نظرها، فالقانون الذي دفع به وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير لا يتعلق فقط بتشديد العقوبات، بل يؤسس عملياً لسياسة إعدامات رسمية تستهدف الفلسطينيين الواقعين تحت الاحتلال.

وينص القانون على أن المحاكم العسكرية الإسرائيلية ستتعامل مع عقوبة الإعدام باعتبارها العقوبة الأساسية بحق الفلسطينيين المتهمين بتنفيذ عمليات ضد الإسرائيليين، مع تقليص فرص استبدال الحكم بالسجن المؤبد إلا في “ظروف استثنائية”، كما يمنع القانون طلب العفو أو تخفيف العقوبة، ويلغي الحاجة إلى إجماع القضاة لإصدار حكم الإعدام، ما يعني تسهيل تنفيذ الأحكام وتحويل المحاكم العسكرية إلى أدوات جاهزة لإصدار قرارات القتل.

خطورة هذا القانون تكمن في أنه يُطبق ضمن منظومة الاحتلال العسكري، أي على شعب واقع تحت الاحتلال وليس داخل دولة ذات سيادة، فإسرائيل تستخدم محاكمها العسكرية لفرض قوانين استثنائية على الفلسطينيين، بينما يتمتع المستوطن الإسرائيلي بقضاء مدني مختلف حتى عندما يرتكب جرائم بحق الفلسطينيين، وهذا يكشف الطبيعة العنصرية للقانون الذي يقوم على التمييز بين الإنسان الفلسطيني والإسرائيلي أمام القضاء والعقوبة.

كما أن القانون يحمل بعداً انتقامياً واضحاً، خاصة مع تضمينه بند تنفيذ الإعدام شنقاً خلال فترة محددة، فالمسألة لم تعد مرتبطة بما تسميه إسرائيل “الأمن”، بل بمحاولة ترهيب الفلسطينيين عبر تشريع القتل العلني وإضفاء الشرعية عليه، ويأتي ذلك في ظل تصاعد الخطاب الفاشي داخل المجتمع الإسرائيلي، وتنامي نفوذ اليمين المتطرف الذي بات يدفع باتجاه مزيد من القوانين القائمة على الكراهية والعنف.

وفي الوقت الذي تسعى فيه إسرائيل إلى تسويق نفسها كـ“دولة ديمقراطية”، يكشف هذا القانون حقيقة النظام الإسرائيلي الذي يعتمد المحاكم العسكرية والإعدامات والتمييز العرقي كأدوات لإدارة الاحتلال، لذلك لم يكن مستغرباً أن يثير القانون انتقادات حقوقية ودولية واسعة، باعتباره انتهاكاً للقانون الدولي واتفاقيات جنيف التي تحظر على قوة الاحتلال استخدام قوانينها لقمع السكان الواقعين تحت الاحتلال بهذه الطريقة.

لكن التاريخ يؤكد أيضاً أن سياسة الإعدامات لم تنجح يوماً في كسر إرادة الشعوب، فالمشانق والسجون لم تنه حركات التحرر، بل غالباً ما تحولت إلى دليل على وحشية الاحتلال وعجزه عن فرض الاستسلام بالقوة، ولهذا فإن قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين لا يعكس قوة إسرائيل بقدر ما يكشف حجم تطرفها وأزمتها الأخلاقية والسياسية، في وقت تتزايد فيه عزلتها الدولية وتتآكل صورتها أمام العالم بعد سنوات طويلة من القتل والقمع والحروب المفتوحة ضد الشعب الفلسطيني.

في النهاية، لا تكشف قوانين الإعدام عن قوة الاحتلال بقدر ما تكشف خوفه وأزمته العميقة، فالدولة التي تلجأ إلى المشانق والمحاكم العسكرية لإخضاع شعب بأكمله، تعترف عملياً بفشلها في كسر إرادته رغم عقود القتل والسجون والحصار، وما تحاول إسرائيل فرضه اليوم تحت اسم “القانون” ليس عدالة، بل شرعنة للانتقام وتحويل القضاء إلى أداة قتل سياسي، لكن الشعوب لا تُهزم بالمشانق، والدم الفلسطيني الذي حاول الاحتلال مراراً إسكات صوته، كان دائماً يولد مزيداً من التمسك بالحق والحرية، وبينما تتجه إسرائيل أكثر نحو الفاشية والعنصرية، تتساقط آخر الأقنعة التي حاولت إخفاء حقيقة مشروع قائم على القمع والإبادة، في وقت بات فيه العالم يرى بوضوح أن الاحتلال الذي يكتب قوانينه بالحبال والسجون، إنما يكتب أيضاً بداية سقوطه الأخلاقي والسياسي أمام الإنسانية والتاريخ.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 19 مايو 2026 11:20 صباحًا - بتوقيت القدس

معادلة: من الوعد إلى النكبة فالنكسة فالفخ فالطوفان

 ما الذي يمكن أن نراه بوضوح في ذكرى إقامة دولة إسرائيل على أنقاض الشعب الفلسطيني بعد ثمانية وسبعين سنة، من الوعد الوعيد الذي مهّد النكبة إلى النكسة إلى الفخ السلامي "أوسلو" إلى الطوفان؟ وعلى الجانب الآخر الإسرائيلي، من الوعد التبشيري، إلى الدولة، إلى استكمال "التحرير" في ستة أيام، إلى سلام الذئب مع الخروف، إلى المحرقة "هولوكوست 2". 

 هذه هي المراحل الأساسية الخمسة التي عبرنا خلالها– نحن وهم بمسميات مختلفة لكل مرحلة- قرناً كاملاً تقريباً، بين كل مرحلة وأخرى تلتها 20 إلى 30 سنة. ولن نغوص بما فعلنا وبما فعلوا خلال كل مرحلة، فهذا لم يعد ملكنا ولا ملكهم، بل ملك التاريخ، "العلم الوحيد الذي نعترف به" وفق كارل ماركس، لأنه حدث وانتهى الأمر، قد نقرأه بعينين مختلفتين، فيروا في نكبتنا استقلالهم، ونرى في استقلالهم نكبتنا، قد يروا في "أوسلو" انهم أعطونا أكثر من حقنا وأكثر مما نستحق، وقد نراه فخا وقعنا فيه كما أسرّ صاحبه ياسر عرفات قبل رحيله مسموماً، قد يروا في طوفاننا هولوكوست، ونرى في هولوكوستهم نضالا مشروعا ضد الاحتلال، لكن كل هذا ليس له علاقة بالتاريخ وأحداث التاريخ. 

 نحن اليوم شعب حقيقي قوامه نحو ستة عشر مليونا، نسبة الأمية فيه تكاد تكون صفرية، المرأة نصفنا، غادرت المطبخ مع سبق إصرار وتعمد، تعمل جنبا إلى جنب مع الرجل، ومع تخوفنا حلول قوى دينية ان تطبق على طاقتها وإمكانياتها الإنسانية الهائلة، من باب التحليل والتحريم والتكفير، كما يفعل بعض جيراننا بمن فيهم الدولة المعادية التي تدعي العلمانية، الا ان هذه القوى حسمت نفسها على انها جزء لا يتجزأ من حركات التحرر الوطني، وقد أغلق هذا الباب تقريبا ونتطلع ان يكون اغلاقا مطبقا إلى الابد، وهذا انتصار لا يمكن رؤيته بالعين المجردة من قبل قصّار النظر، وهم بالمناسبة كثيرون، بعضهم تأثر بما يحدث داخل بعض الفصائل الكبيرة، وراهنوا ان تنجح في التصحيح والتصويب والتطهير ورأب الصدع فالتحرير، لكن من قال إن مجيء ترمب إلى البيت الأبيض لن يسهم إسهاما محسوما في تسويده، بل من كان غيره يستطيع فعل ذلك في زمن قياسي لم يتجاوز السنة. 

 لقد انتفضت الأرض بكل شعوبها ولغاتها وآرائها وأجناسها وألوانها تتنتصر لفلسطين وتحررها من نير مغتصبيها، انظروا اسبانيا، فرنسا، إيطاليا، هولندا، بلجيكا، كندا، حتى بريطانيا، التي بدأت تنبش "بلفور"؛ وعده وربما قبره. 

أقلام وأراء

الثّلاثاء 19 مايو 2026 11:19 صباحًا - بتوقيت القدس

الجنائية الدولية وجناية عدم التسلح بها

من دون خطوات فلسطينية وعربية، مكملة لقرارات المحكمة الجنائية الدولية، ورفدها بملفات جرائم تتضخم كل ساعة، فإن مذكرات التوقيف الصادرة ضد مسئولين إسرائيليين عن المحكمة، بتهم ارتكاب جرائم حرب وضد الإنسانية، ستبقى فاعليتها محدودة ومعنوية، وتعيد طرح النقاش المتعلق بالاهتمام الفلسطيني الرسمي بالتواصل مع الجهات العربية والدولية الفاعلة بهذا الشأن، مع تراجع الخطاب الفلسطيني أيضا المتعلق بالتركيز على هذا الملف الهام، والذي يعد عملياً آخر الأسلحة المتبقية في الجعبة الفلسطينية النازفة، فبعد كل قرار مماثل عن المنظمات الدولية والمحاكم، نواكب ترحيب فلسطيني بها، سرعان ما يختفي ويتم نسيان ما قبله، أي لا يتحول لبرنامج عمل يومي ضروري وهام. وهنا السؤال عن الفاعلية المرجوة، إذا كان التوجه النضالي " السلمي والقانوني "على هذا النحو القاتل والمجهض لجملة التراكمات النضالية من حركات مقاطعة إسرائيل على مستوى العالم وقرارات المحاكم الدولية التي تدين جرائم الاحتلال، لا تستنفر الجهود الذاتية، لأداء الدبلوماسية الفلسطينية التي تتبعها العربية بالطبع، فمصيرها الإجهاض.

 وعليه نتذكر أن ما يجعل التمييز بين العدالة والظلم ليس فقط بالتذكير المستمر بواجب وفاء المحاكم الدولية لنظامها الأساسي، وولايتها بإقامة العدل على مبادئ العدالة الدولية، بل التمسك بذلك باعتباره اختبار مباشر للمصداقية الذاتية للنضال القانوني والسلمي، وامتحان لمصداقية حماية الضحايا وحقوقهم في وطنهم. لم يعد أحد يطرح قرار محكمة لاهاي بخصوص إزالة جدار الفصل العنصري ولا تقرير " غولدستون  ووليم شاباس "، مع أنهم بشرا بولادة جديدة للعدالة الدولية عند صدورهما بين عامي 2009-2014، وكذلك فعلت المحكمة الجنائية الدولية بتصنيف نتنياهو ووزير حربه السابق غالانت، كمجرمي حرب وإبادة جماعية وأصدرت مذكرات توقيف ضدهم، ويقال في أخبار اليومين الماضيين أن هناك مذكرات توقيف سرية أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية بحق خمسة مسئولين إسرائيليين، وهناك تحرك متململ في الاتحاد الأوربي بفرض عقوبات على إسرائيل، وتعليق التجارة معها ومعاقبة عصابات المستوطنين عقاباً لها على سياسات العدوان والفصل العنصري، لكن هذا التململ بحاجة لتصليب بمواقف حاشدة فلسطينيا وعربياً، لكن للأسف تبدل واقع العرب والفلسطينيين منذ ترك مفاتيح العدالة الدولية، ولم يعد هناك إجماع لا بفرض عقوبات على إسرائيل ومقاطعتها، ولا بمواجهة جرائمها التي تعاظمت بفعل التراخي المخزي معها.

فكل مرة يسجل فيها الضحايا الفلسطينيون انتصاراً بمعركة قانونية ودبلوماسية، يتم الالتفاف والتآمر عليها، لإفلات اسرائيل من العقاب، وتتم تسوية من نوع ما بين وكلاء الضحايا وبين جلادهم، وهذا حصل بوقائع كثيرة ويحصل كل يوم، وملف الجدار وتقرير غولستون شاهدين نافرين على ذلك، مع متابعة ملف مذكرات الجنائية الدولية أو دعم بعض المواقف الدولية المطالبة بفرض عقوبات على إسرائيل واتخاذها خطوة قطع العلاقات معها.

باب العدالة لن يغلق، والشكوى من نفوذ أمريكا وتغلغل لوبيات المؤسسة الصهيونية، كُسر مع سردية صهيونية في شوارع القارات الخمس، لسبب بسيط أن حاجة الشعب الفلسطيني للعدالة اقترنت بوعي عالمي يتشكل بفضح جرائم الاحتلال لنفسها، لكن تسليط الضوء على هذه الحاجة يبقى منقوصاً بجناية عدم التسلح بها فلسطينياً وعربياً، وتصطدم امنياتنا كل مرة ومع كل موقف وقرار يناصر عدالة قضية وشعب، بواقع سياسي يمنح المجرم أشكال متعددة للإفلات من العقاب تتعارض كل مرة مع واقع سياسي يُظهر أشكال متعددة للإفلات من العقاب، بعد أن أصبحت الإشارة للقانون الدولي، أحد المكونات الأساسية للعبة سياسية وجيوسياسية، والسياق الحالي ليس سياق الإقرار بعدالة قضايا الشعب الفلسطيني كما يراها البعض العربي والفلسطيني، على أهمية مقاضاته في المحاكم الدولية، بل سياق توسيع إرهاب وعدوان إسرائيل في المنطقة وهو ما يعيد ويلزم الجميع الإقلاع عن التلعثم والتردد والتمييع والامتثال للضغوط، لأن فاشية وجرائم الاحتلال ومستعمريه تمنح الضحايا فرص لا تنضب في إعادة فتح ملفات جرائمه ، قبل أن يغلق عليها باب المساومة  وتلك جناية لا يغفرها الضحايا.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 19 مايو 2026 11:18 صباحًا - بتوقيت القدس

ميلادينوف وأموال المقاصة محاولات لا تتوقف!!

كنت أول من كتب عن الجهود الأمريكية لتحويل أموال المقاصة المحجوزة لدى إسرائيل الى مجلس السلام وذلك في مقال منشور في وكالة وطن  للأنباء ووكالة مدى للأخبار، واستمرارا لمحاولات الضغط على السلطة الوطنية الفلسطينية للقبول بمبدأ تقاسم الأموال الفلسطينية خاصة وان الكل يعلم ان السلطة تعاني من أزمة مالية وجودية لم تعد تخفى على احد، واستكمالا لمحاولات الضغط على السلطة الوطنية عقد  لقاء جمع يوم الجمعة الماضي الموافق 15 5 2026  بين ميلادينوف ورئيس الحكومة الفلسطينية  الدكتور محمد مصطفى حول ملف المقاصة وإعادة الإعمار في قطاع غزة.

ان الجهود الأمريكية من خلال ميلادينوف تتخلص بالمسائل التالية:

1. الضغط للحصول على الموافقة الفلسطينية لرصد مليار دولار من اموال المقاصة لصالح مجلس السلام واللجنة الادارية مما يعني ان اخر خيط يربط قطاع غزة بالضفة الغربية سيقطع بموافقة فلسطينية، وهذا ما رفضه رئيس الوزراء وتمسك بحق الحكومة بأموال المقاصة كاملة على ان يتم اجراء ترتيبات مع مجلس السلام بخصوص طريقة تحويل اي اموال لقطاع غزة لضمان الاستمرار بدفع الرواتب والمساهمة في عملية الاعمار من خلال الحكومة الفلسطينية، اي ان مجلس السلام يريد ان يبدأ أعماله ويسدد التزاماته بأموال الشعب الفلسطيني اي ان العاملين فيه سيكلفون الخزينة العامة الفلسطينية بدل أعمالهم!


2. ان الحصول على موافقة السلطة الفلسطينية يعني ان اسرائيل ستبدأ بتقسيم الاموال كما ترغب وستصبح مصادرة الاموال جزءا من امر واقع، كما ان مجلس السلام بدلا من ان يكون اضافة نوعية للتخفيف من معاناة الناس اصبح عبئا على جيوب الفلسطينيين، بل ان الموظفين في قطاع غزة سيحصلون على رواتبهم من خلال مجلس السلام ومن اموال الشعب الفلسطيني وليس من المليارات التي رصدت او اعلن عنها من خلال مجلس السلام.


3. ان حركة حماس وبعد اجتماعها الاخير مع ميلادينوف رفضت الصيغ المقدمه لها لنزع السلاح وقدم لها الاخير خطة معدلة لذلك وامهل ميلادينوف حركة حماس ليوم الثلاثاء الموافق 19 5 2026 للرد على مقترحه، وعلى ما يبدو انه وفي حال رفض حركة حماس للمقترح الجديد فان مجلس السلام سيبدأ العمل بمنطقة المواصي كبداية لاعادة الاعمال محاولا تجاوز عقبة تجريد حماس من سلاحها.


المطلوب من السلطة الوطنية والحكومة الفلسطينية ان تقوم بعدد من الخطوات بهذا الشأن:

1. الإعلان عن طبيعة الضغوطات الممارسة عليها للناس ومشاركة الجمهور للعروض المقدمة، مع العلم ان الولايات المتحدة قد تقوم بخطوة السيطرة على اموال المقاصة دون موافقة السلطة عليها، ان رفض السلطة او تقديم بديل هو امر هام وحيوي ولا يمنح شرعية لأحد للحصول على الاموال الخاصة بالشعب الفلسطيني.

2. يجب ان يتم الإعلان عن الصيغة المستقبلية لطبيعة العلاقة الوظيفية بين مجلس السلام والسلطة الوطنية بخصوص رواتب الموظفين في غزة وعدم تركها للتطورات الميدانية والضغوط السياسية.

3. يجب على السلطة الوطنية الفلسطينية وحركة حماس والدول الضامنة من مصر وتركيا وقطر والسعودية ان يجدوا أرضية لضمان وجود دور تمثيلي للسلطة في ادارة قطاع غزة وعدم ترك الملف في يد ميلادينوف ومجلس السلام فقط.

لا نعلم ان كانت ستصمد السلطة الفلسطينية امام كل هذه الضغوطات ام انها ستقبل بحل وسط يضمن تدفق اموال المقاصة لحين حدوث انفراجة ما، أم انها ستصمم على الحفاظ على كافة الأموال كما هو موقفها لغاية الآن، لننتظر ونرى!

أقلام وأراء

الثّلاثاء 19 مايو 2026 11:18 صباحًا - بتوقيت القدس

بين نكبة الأمس وتيه اليوم: هل تتحول المأساة إلى مسخرة؟

في الخامس عشر من أيار/مايو 1948، لم يدخل الفلسطينيون النكبة مجردين من السلاح ومسلوبي الأرض فقط، بل، ومجردين أيضًا من بنية وطنية قادرة على حماية مجتمعهم من الانهيار. فقد وقعت الكارثة فيما كانت الهيمنة التقليدية، العائلية والإقطاعية، تمسك بالمجتمع الفلسطيني، عاجزة عن بناء مشروع تحرر حديث يوحّد الناس حول رؤية وطنية جامعة. أما الأنظمة العربية، التي رفعت رايات الإنقاذ والتحرير، فقد دخلت الحرب بإرادات متناقضة وصراعات نفوذ جعلت فلسطين ساحة أكثر منها قضية. وحين وقعت الهزيمة، لم يُترك الفلسطينيون فقط بين اللجوء والمنفى والخذلان، بل جرى العمل على احتواء قضيتهم وإخضاعها لمنطق الوصاية والتذويب والطمس السياسي والوطني.

وبعد نحو ثمانية عقود، ورغم مسيرة طويلة من النضال منذ انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة، والانتفاضات الشعبية الكبرى، والتضحيات الهائلة التي قدمها الشعب الفلسطيني، وآخرها ما يتعرض له أهل غزة من حرب إبادة وتجويع وتدمير شامل، يبدو المشهد وكأنه يعود بأسماء وأدوات مختلفة. فالحركة الوطنية التي نشأت أصلًا لتجاوز ذلك العجز التاريخي، وصون الهوية الوطنية من الطمس والتمزيق، واستعادة مكانته كشعب موحد، أخذت هي الأخرى تتآكل تدريجيًا تحت وطأة الانقسام، وصراعات السلطة، والمصالح الفئوية، وتفكك البنية السياسية والأخلاقية التي كان يفترض أن تحمل المشروع الوطني.

والأخطر أن هذا التآكل يحدث في اللحظة الأكثر خطورة منذ النكبة الأولى، حيث لم تعد الصهيونية اليمينية تخفي مشروعها القائم على الحسم النهائي للقضية الفلسطينية، عبر التهجير، والتطهير، وتحويل الوجود الفلسطيني نفسه إلى عبء قابل للإزالة. فما يطرحه اليمين الفاشي في إسرائيل اليوم ليس مجرد احتلال دائم، بل استكمال متدرج للنكبة، عبر دفع الفلسطينيين إلى اليأس، وكسر قدرتهم على البقاء، وتحويل غزة خصوصًا إلى منطقة غير قابلة للحياة.


ما أشبه اليوم بالبارحة!


فكما اختُزل الوطن يومًا في زعامات تقليدية عاجزة، يجري اليوم اختزال القضية في هياكل وقيادات فقد جزء كبير منها الصلة الحية بالناس وبالهدف الوطني الجامع وبالواقع نفسه، بل إن ضجيج الحديث عن "الشرعيات" و"المؤسسات" و"الممارسة الديمقراطية" بات، في كثير من الأحيان، مجرد غطاء لإعادة إنتاج الهيمنة ذاتها داخل بنية سياسية متآكلة. إذ تُستدعى الديمقراطية لا بوصفها أداة لتجديد الإرادة الشعبية، بل كآلية شكلية لترسيخ حكم الفرد والهيمنة والإقصاء، وإعادة توزيع الحصص داخل الحلقة المغلقة نفسها، بعيدًا عن أي مساءلة حقيقية أو مراجعة وطنية جدية وشاملة.وفي الوقت الذي تتعرض فيه غزة لحرب وجودية مفتوحة، تبدو قطاعات واسعة من الطبقة السياسية الفلسطينية غارقة في حسابات المواقع، والمحاصصة، وترتيبات الخلافة، والصراع على التمثيل، وكأن القضية الأساسية لم تعد كيف نوقف الكارثة وننقذ الناس والوطن؟ بل؛ من يملك حق التحدث باسمهم بعد الكارثة؟

هنا تكمن المعضلة الأخطر. إذ لم يعد الانقسام مجرد خلاف سياسي، بل تحول إلى نمط حكم وإدارة وهيمنة، يعيش على استدامة الأزمة بدل حلها. ولذلك تبدو بعض البنى السياسية وكأنها تستهلك التضحيات الفلسطينية سياسيًا وإعلاميًا وتنظيميًا، دون أن تقدم إجابة واضحة عن السؤال الجوهري: لماذا يضحي الناس؟ وما المشروع الوطني الذي تُدفع من أجله هذه الأثمان الهائلة؟

ولعل هذا الفراغ بالذات هو ما يفسر التآكل المتزايد في ثقة الناس بالبنية السياسية القائمة، وتعاظم الشعور بالعزلة والغضب وفقدان المعنى. فالشعوب تستطيع احتمال الألم، لكنها لا تستطيع احتمال العبث بتضحياتها أو تحويل دمائها إلى مادة للاستثمار السياسي أو الرمزي.

ومع ذلك، فإن ما يمنع الانهيار الكامل حتى الآن، ليس كفاءة النظام السياسي ولا حكمة النخب، بل بقاء الفلسطيني نفسه حيًا داخل قضيته، وصامدًا فوق أرضه. فالشعب الذي واجه النكبة، والمنافي، والحصار، والحروب المتكررة، ما زال يمتلك قدرة استثنائية على البقاء والتمسك بالوطن، حتى حين تتآكل المؤسسات التي يُفترض أن تجسد هذا المعنى وتحميه.

ولهذا، فإن أولوية اللحظة الراهنة لا ينبغي أن تكون إعادة ترتيب موازين القوى داخل النظام السياسي المتداعي، بل إنقاذ ما تبقى من المشروع الوطني نفسه. وأي حديث عن انتخابات، أو شرعيات، أو إعادة تشكيل للمؤسسات، يفقد معناه إذا لم يكن جزءًا من توافق وطني شامل يعيد تعريف الأولويات على أساس واضح وفي مقدمتها وقف الابادة والعدوان، وإنقاذ غزة، وحماية وحدة الشعب، وتجديد الشرعية الوطنية الجامعة، لا تكريس الهيمنة الفردية والإقصاء .

فالمطلوب اليوم ليس مجرد إعادة تدوير السلطة، بل إعادة بناء فكرة القيادة الوطنية نفسها؛ قيادة تعتبر أن وظيفتها الأولى حماية الناس وتعزيز صمودهم وقدرتهم على البقاء، لا إدارة الانقسام أو التنافس على النفوذ. كما أن المطلوب ليس فقط تجديد المؤسسات، بل تأسيس بنية حكم شفافة وخاضعة للمساءلة، تستمد شرعيتها من خدمة الناس والدفاع عن حقوقهم الوطنية، لا من احتكار التمثيل أو امتلاك أدوات القوة.

وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة من مجرد مقارنة تاريخية؛ هل يعيد التاريخ نفسه فعلًا؟

أم أن المأساة، حين تعجز النخب عن التعلم منها، تتحول تدريجيًا إلى شكل من أشكال الكوميديا السوداء؛ حيث يستمر الناس في دفع أثمان وجودهم، بينما تنشغل البنى السياسية بإدارة خرائبها؟

وربما يكون التحدي الأعمق في هذه اللحظة التاريخية، ونحن نعيد استخلاص دروس النكبة هو: كيف يُعاد بناء الحركة الوطنية باعتبارها أداة لتحرير الإنسان الفلسطيني وصون بقائه، لا عبئًا يُعتاش على تضحياته؟ وكيف يُستعاد القرار الوطني الموحد ليعود فعلًا إلى الشعب الذي دفع، وما يزال يدفع، أغلى الأثمان دفاعًا عن حقه في البقاء والحياة والحرية والكرامة الوطنية؟


أقلام وأراء

الثّلاثاء 19 مايو 2026 11:17 صباحًا - بتوقيت القدس

6 أشهر صعبة… هل نملك خطة إنقاذ اقتصادي حقيقية؟



عندما قال رئيس الحكومة إننا مقبلون على "6 أشهر صعبة"، لم يكن يقول شيئاً جديداً، لكنه كان يقول الحقيقة بصراحة. والحقيقة اليوم أن الاقتصاد الفلسطيني لا يواجه مجرد أزمة سيولة مؤقتة، بل معادلة معقدة تجمع بين أموال مقاصة متعثرة، ودين عام يقترب من 47 مليار شيكل، وارتفاع حاد في أسعار المحروقات، وتقلبات في أسعار الصرف، ورواتب حكومية تُدفع بنسب جزئية لا تغطي الحد الأدنى من الاحتياجات. وفوق كل هذا، هناك سؤال يشغل المواطن أكثر من أي شيء آخر: هل لدينا خطة حقيقية لعبور هذه الأزمة؟

الواقع الاقتصادي الفلسطيني يكشف هشاشة تراكمت على مدار سنوات طويلة. فقد تشكل الاقتصاد حول دورة تعتمد بصورة كبيرة على المقاصة والإنفاق الحكومي والاستهلاك المحلي، دون بناء قاعدة إنتاجية قوية قادرة على امتصاص الصدمات السياسية والمالية المتكررة. وعندما تتعثر المقاصة، لا تتوقف الأزمة عند حدود وزارة المالية، بل تنتقل مباشرة إلى الأسواق، والبنوك، والقطاع الخاص، والأسر الفلسطينية التي باتت تعيش في حالة إدارة بقاء من شهر إلى آخر.

والخطر الحقيقي اليوم أن الضغوط لا تأتي من اتجاه واحد.
 فأسعار السولار تجاوزت 8 شواكل للتر في بعض الفترات، مدفوعة بالتوترات الإقليمية وارتفاع أسعار النفط عالميًا، فيما انعكس ارتفاع البنزين مباشرة على تكاليف النقل والإنتاج وأسعار السلع الأساسية. وفي اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على الاستيراد، فإن أي ارتفاع في الوقود يتحول تلقائيًا إلى موجة تضخم يشعر بها المواطن في كل تفاصيل حياته اليومية.

وفي الوقت ذاته، شهد الدولار والدينار تقلبات واضحة أمام الشيكل خلال الفترات الأخيرة،حيث تخطى حاجز 3 شواكل لل بينما بقيت أسعار السلع مرتفعة في السوق المحلي. وهذا يعني أن المواطن خسر جزءًا من قدرته الشرائية حتى في الفترات التي تحسن فيها الشيكل نسبيًا، نتيجة ما يعرف اقتصاديًا بـ”جمود الأسعار”، حيث ترتفع الأسعار سريعًا مع الأزمات لكنها لا تنخفض بالسرعة نفسها عند تحسن بعض المؤشرات.

في الأسواق اليوم، لا تحتاج إلى تقارير اقتصادية معقدة لترى الأزمة.
 حركة الشراء أضعف، الطلب على السلع غير الأساسية تراجع، والمواطن بات يعيد ترتيب أولوياته وفق قاعدة واحدة: كيف أنهي الشهر بأقل الخسائر الممكنة؟

الموظف الحكومي يتقاضى أحيانًا بين 40% و50% من راتبه فقط. الأسرة تقترض لسد النقص، والتاجر يقلل من طلبياته، والبنك يراقب الديون المتأخرة وهي ترتفع تدريجيًا. لكن الأزمة لا تتعلق فقط بنحو 150 ألف موظف حكومي، بل تمتد إلى ملايين الفلسطينيين الذين تتأثر حياتهم مباشرة بأي تراجع في السيولة وحركة السوق.

ومع اقتراب المواسم والأعياد، يصبح المشهد أكثر حساسية. كثير من العائلات الفلسطينية لم تعد تسأل عن تحسين مستوى الحياة، بل عن القدرة على تأمين الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار اللحوم والمواد الغذائية وتراجع القدرة الشرائية بصورة غير مسبوقة.

لكن هناك جزءًا من الأزمة أكثر خطورة من كل ما سبق.
 فالقلق اليوم لا يرتبط فقط باستمرار الاقتطاعات أو تأخير تحويل أموال المقاصة، بل أيضًا بتصاعد أحاديث سياسية حول إمكانية إعادة توجيه جزء من هذه الأموال أو ربطها بترتيبات إدارية وتمويلية جديدة مرتبطة بإعادة إعمار غزة أو بأجسام سياسية يجري الحديث عنها في المرحلة المقبلة.

وهنا تكمن المخاوف الاقتصادية الحقيقية.

فالمقاصة ليست مجرد بند مالي للحكومة، بل العمود الفقري للتدفقات النقدية في الاقتصاد الفلسطيني. وأي تغيير في آلية توزيعها أو توظيفها سياسيًا سيؤثر مباشرة على قدرة السلطة الفلسطينية على الوفاء بالتزاماتها في الضفة الغربية، وسيضاعف الضغوط على الرواتب، والبنوك، والقطاع الخاص، والاستقرار الاجتماعي بشكل عام.

إذاً، ما الحل؟

الحقيقة أن المرحلة الحالية تتطلب أكثر من مجرد إدارة شهرية للأزمة. نحن بحاجة إلى خطة إنقاذ اقتصادي وطنية واضحة، تشارك فيها الحكومة والقطاع الخاص والمؤسسات المالية، وتقوم على الشفافية والواقعية وإعادة ترتيب الأولويات.

أولى خطوات هذه الخطة يجب أن تكون المصارحة الكاملة مع المواطنين، لأن الثقة عنصر أساسي في استقرار أي اقتصاد. كما أن إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام أصبحت ضرورة لا تحتمل التأجيل، عبر توجيه الموارد نحو القطاعات الأكثر ارتباطًا بصمود المجتمع، مثل الصحة، والتعليم، والأمن الغذائي، والطاقة، مع تقليص أي نفقات غير ضرورية.

وفي المقابل، لا يمكن الاستمرار في اقتصاد يعتمد على الاستهلاك والقروض والتحويلات فقط. المرحلة الحالية تتطلب تحفيز القطاعات الإنتاجية بصورة عاجلة، خاصة الزراعة، والصناعات الغذائية، والطاقة البديلة، والمشاريع الصغيرة القادرة على خلق فرص عمل وتحريك عجلة السوق محليًا.

كما أن الاقتصاد الرقمي لم يعد رفاهية أو خيارًا ثانويًا. ففي عالم يقوده الذكاء الاصطناعي والعمل عن بعد، تستطيع فلسطين خلق فرص حقيقية للشباب في البرمجة والخدمات الرقمية والعمل الحر، بعيدًا عن القيود التقليدية المرتبطة بالحركة والمعابر.

أما ملف الدين العام، فقد أصبح يحتاج إلى معالجة أكثر جرأة وواقعية. فالوصول إلى قرابة 47 مليار شيكل يعني أن أي تأخير في الإصلاحات سيزيد كلفة المعالجة مستقبلًا. ولذلك، فإن إعادة هيكلة الالتزامات المالية وتخفيف كلفة الاقتراض أصبحت خطوات ضرورية وليست رفاهية اقتصادية.

ورغم كل هذه الضغوط، ما زال الفلسطيني يمتلك قدرة استثنائية على الصمود والتكيف. لكن الصمود وحده لا يكفي إلى الأبد. فالشعوب لا تستطيع بناء مستقبلها على إدارة الأزمات فقط، بل تحتاج إلى رؤية اقتصادية واضحة تعيد الثقة والأمل والإنتاج.

الأشهر الستة القادمة ستكون صعبة فعلًا، وربما تحمل ضغوطًا اقتصادية وسياسية أكبر مما نتوقع. لكن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في ارتفاع أسعار النفط أو تقلبات الدولار أو أزمة المقاصة، بل في أن تدخل فلسطين مرحلة اقتصادية تُدار فيها الأزمات بمسكنات مؤقتة، بينما يتآكل تدريجيًا ما تبقى من قدرة الاقتصاد على الصمود والإنتاج والاستقرار.

فلسطين اليوم لا تحتاج فقط إلى إدارة أزمة مالية، بل إلى مشروع إنقاذ اقتصادي وطني شامل، يجمع بين الشفافية والتخطيط، وبين إدارة الأزمة الحالية وبناء أساس اقتصادي أكثر قوة واستدامة للمستقبل.

فالاقتصادات لا تنهار فقط عندما تنفد الأموال… بل عندما تغيب الرؤية.


اقتصاد

الثّلاثاء 19 مايو 2026 11:12 صباحًا - بتوقيت القدس

بتحسن ملحوظ في النتائج مقارنة مع نفس الفترة من العام الماضي .. الشركة العربية الفلسطينية للاستثمار (أيبك) تحقق 900 ألف دولار كصافي الربح العائد لمساهمي الشركة في الربع الأول 2026


أعلنت الشركة العربية الفلسطينية للاستثمار (أيبك) عن نتائجها أعمالها للربع الأول من العام 2026. وصرح السيد طارق العقاد، رئيس مجلس إدارة الشركة ورئيسها التنفيذي عن تحقيق أيبك لمجمل ايرادات بقيمة 324.7 مليون دولار، بنمو نسبته %11 مقارنة مع نفس الفترة من العام 2025، وبلغت الأرباح قبل الفوائد والضرائب والاستهلاكات والإطفاءات 16.9 مليون دولار بنمو نسبته %38.7، وارتفع الربح من العمليات بنسبة %41 وبلغ 14.1 مليون دولار، فيما بلغت صافي الربح العائد لمساهمي الشركة 900 ألف دولار أمريكي في الربع الاول من العام 2026، مقارنة مع صافي خسائر بقيمة 320 ألف دولار لنفس الفترة من العام 2025.


وبلغت إجمالي الموجودات 1,028.2 مليون دولار بنمو نسبته %2.7 عن نهاية العام 2025، وبلغت اجمالي المطلوبات 761.3 مليون دولار بارتفاع نسبته %3.8. فيما بلغت حقوق ملكية مساهمي أيبك 229 مليون دولار محافظة على استقرار نسبي مع انخفاض طفيف بنسبة 0.1% مقارنة بنهاية عام 2025.


وعبر العقاد عن ارتياحه للتحسن الملحوظ في نتائج الربع الأول من العام الجاري مقارنة مع نفس الفترة من العام الماضي على الرغم من استمرار التحديات المحلية والاقليمية التي تواجهها شركات المجموعة، وأهمها التباطؤ الاقتصادي العميق بسبب حجز الاحتلال لأموال السلطة ومــا نتــج عنــه مــن عجــز الحكومــة الفلســطينية عــن دفــع كامل رواتــب موظفيهـا أو الوفـاء بالتزاماتهـا الماليـة للقطـاع الخـاص، مما أثر بشكل كبير على أداء الشركات التابعة،  حيث وصلت قيمة المديونية المتأخرة على السلطة الفلسطينية لشركات المجموعة بشكل مباشر وغير مباشر لمستويات غير مسبوقة وبلغت حوالي 158 مليون دولار وبمتوسط تكلفة تمويل سنوية بحوالي 7.5 مليون دولار. بالإضافة الى التحديات الخارجية المستمرة في تركيا نتيجة تطبيق المعيار المحاسبي الدولي رقم 29 مما كبّد الشركة خسائر غير نقدية تُقدّر بحوالي 2.5 مليون دولار أمريكي خلال الربع الأول من العام 2026.


وأيبك هي شركة استثمارية مساهمة عامة مدرجة في بورصة فلسطين (PEX:APIC). تتنوع استثماراتها في قطاعات التصنيع والتجارة والتوزيع والخدمات في فلسطين، والأردن، والسعودية، والإمارات والعراق وتركيا من خلال مجموعة شركاتها تابعة وهي: شركة سنيورة للصناعات الغذائية، شركة يونيبال للتجارة العامة، الشركة الفلسطينية للسيارات، شركة التوريدات والخدمات الطبية، الشركة الوطنية لصناعة الألمنيوم والبروفيلات (نابكو)، شركة ريما للورق الصحي، شركة سكاي للدعاية والإعلان والترويج، الشركة العربية للتأجير التمويلي، الشركة الفلسطينية للتخزين والتبريد. وتسعى الشركة الى تحقيق التنويع الاستثماري والجغرافي خارج فلسطين وعلى مستوى الأسواق الإقليمية والعالمية من خلال ذراعها الاستثماري  أيبك كابيتال التي تدير محفظة استثمارية تجمع بين حصص مباشرة في شركات خاصة وشركات مساهمة عامة مدرجة، الى جانب استثمارات في نخبة من صناديق الأسهم الخاصة وصناديق رأس المال الاستثماري الرائدة. وتوظف أيبك ما يزيد عن 3,400 كادر في شركات المجموعة. للمزيد من المعلومات: https://apic.ps/



اقتصاد

الثّلاثاء 19 مايو 2026 11:07 صباحًا - بتوقيت القدس

بعد توقف دام 80 يوماً.. إيران تستأنف تداولات سوق الأسهم تحت رقابة مشددة

أفادت مصادر رسمية إيرانية، اليوم الثلاثاء، بصدور قرار يقضي بإعادة تشغيل سوق الأسهم وتفعيل منصات التداول بعد فترة انقطاع ناهزت الثمانين يوماً. وجاءت هذه الخطوة عقب سلسلة من الاضطرابات المالية التي عصفت بالبلاد نتيجة تصاعد حدة التوترات العسكرية في المنطقة، مما دفع الهيئات التنظيمية للتدخل المباشر.

وبدأت الهيئة المشرفة على سوق الأوراق المالية في طهران بتنفيذ خطة تشغيل تدريجية انطلقت مع الجلسة الصباحية، وسط تدابير رقابية وصفت بالصارمة. وتهدف هذه الإجراءات إلى كبح جماح أي تقلبات سعرية حادة قد تضر بالمؤسسات المالية الكبرى أو تتبخر معها مدخرات صغار المستثمرين الذين واجهوا ضغوطاً قاسية خلال الأشهر الماضية.

وكانت هيئة الأوراق المالية والبورصات قد اتخذت قراراً استثنائياً بتجميد العمليات المالية في بورصة العاصمة، في محاولة استباقية للحد من الانهيارات المتوقعة. وأرجعت السلطات ذلك القرار إلى حالة عدم اليقين التي سادت أسواق الطاقة والنقل والمال في عموم الإقليم، مما جعل من استمرار التداول مخاطرة غير محسوبة العواقب.

من جانبه، أكد حميد ياري، نائب المشرف على منظمة البورصة أن قرار التعليق الذي اتخذ منذ اندلاع المواجهات كان ضرورياً لتوفير بيئة تسعير عادلة وشفافة بعيداً عن قرارات البيع الناتجة عن الهلع. وأشار ياري إلى أن المرحلة الحالية ستشهد عودة النشاط بشكل كامل وشامل لكافة القطاعات المدرجة ضمن سوق رأس المال الإيراني.

وتأتي هذه العودة في وقت لا تزال فيه الأجواء الإقليمية مشحونة بالتوترات والمواجهات المتبادلة، والتي تركت أثراً عميقاً على قيمة العملة المحلية والمؤشرات الاقتصادية الداخلية. وتسعى الحكومة الإيرانية من خلال استئناف العمل في البورصة إلى إرسال رسائل استقرار للداخل والخارج، رغم استمرار الرقابة الحكومية اللصيقة على كافة التحركات المالية.

اقتصاد

الثّلاثاء 19 مايو 2026 11:07 صباحًا - بتوقيت القدس

أزمة الطاقة تلاحق إدارة ترامب: خيار وحيد لخفض أسعار الوقود وتوقعات بوصول البرميل لـ 150 دولاراً

تواجه الإدارة الأمريكية الحالية برئاسة دونالد ترامب تحديات اقتصادية وسياسية متفاقمة، حيث تحولت أزمة الطاقة إلى كابوس مالي يهدد استقرار الأسواق المحلية. ومع عودة معدلات التضخم للارتفاع وتراجع الأجور الحقيقية، بدأ الناخبون الأمريكيون في تحميل البيت الأبيض مسؤولية القفزات المتتالية في أسعار المحروقات.

أفادت مصادر إعلامية بأن سعر غالون البنزين في الولايات المتحدة لامس عتبة 4.50 دولار، وهو ما يضع ترامب أمام اختبار حاسم لمنع الأسعار من تجاوز الأرقام القياسية التي سُجلت في عهد سلفه جو بايدن. وتشير التحليلات إلى أن الإدارة استنفدت العديد من أوراقها التقليدية للسيطرة على هذا الارتفاع الجنوني.

اتخذت واشنطن بالفعل سلسلة من الإجراءات الطارئة، شملت استنزاف المخزون الاستراتيجي للنفط بوتيرة غير مسبوقة، ورفع القيود المفروضة على عمليات الشحن البحري. كما لجأت الإدارة إلى تخفيف بعض العقوبات الاقتصادية المفروضة على دول مثل روسيا وفنزويلا في محاولة لزيادة المعروض العالمي.

رغم هذه التحركات، يرى خبراء اقتصاد أن الوسيلة الوحيدة الفعالة لخفض الأسعار بشكل ملموس تتمثل في إعادة فتح مضيق هرمز. ويُعد هذا الممر المائي شرياناً حيوياً للإمدادات العالمية، حيث يؤدي إغلاقه إلى اختناقات حادة ترفع التكاليف على المستهلك النهائي في أمريكا.

توقعت جان ستيوارت، خبيرة استراتيجيات الطاقة في شركة 'بايبر ساندلر' أن تتفاقم الأزمة خلال فصلي الربيع والصيف المقبلين. وأشارت إلى أن سعر غالون البنزين قد يصل إلى 5 دولارات قريباً، مؤكدة أن الإدارة الأمريكية الحالية لا تملك خيارات واسعة للمناورة في ظل الظروف الراهنة.

في سياق متصل، تشير التوقعات إلى أن متوسط أسعار خام برنت قد يبلغ 130 دولاراً للبرميل خلال الربع القادم من العام. ومن المرجح أن تظل الأسعار قريبة من حاجز 100 دولار طوال العام المقبل، مما يعزز المخاوف من ركود تضخمي طويل الأمد يؤثر على القوة الشرائية.

من جانبه، دافع البيت الأبيض عن سياساته، مشيراً إلى منح إعفاءات مؤقتة من 'قانون جونز' للسماح للسفن الأجنبية بنقل البضائع بين الموانئ الأمريكية. وصرحت المتحدثة باسم البيت الأبيض، تايلور روجرز، بأن الرئيس ترامب يرى هذه الاضطرابات كمرحلة عابرة ستنتهي بعودة الملاحة الطبيعية.

على صعيد آخر، يدور جدل واسع حول مقترح تعليق الضريبة الفيدرالية على الوقود البالغة 18.4 سنتاً للغالون كحل لتخفيف العبء عن المواطنين. إلا أن تحليلات مالية من مركز 'بن وارتون' حذرت من أن هذه الخطوة ستكلف خزينة الدولة مليارات الدولارات دون تقديم وفورات حقيقية للمستهلك.

أوضح التقرير أن تعبئة خزان وقود بسعة متوسطة لن توفر للمواطن سوى مبالغ زهيدة لا تتجاوز 35 دولاراً على مدار أربعة أشهر. وفي المقابل، سيؤدي هذا الإجراء إلى خسارة صندوق الطرق السريعة لنحو 11.5 مليار دولار، مما يضعف القدرة على صيانة البنية التحتية.

يرى جيسون بوردوف، مدير مركز سياسات الطاقة بجامعة كولومبيا أن خفض الضرائب قد يؤدي لنتائج عكسية عبر زيادة الطلب في سوق يعاني أصلاً من نقص الإمدادات. وحذر من أن أي زيادة في الاستهلاك في هذا التوقيت ستؤدي حتماً إلى موجة غلاء جديدة في أسعار النفط الخام.

بالنسبة للإنتاج المحلي، لم ينجح شعار 'احفر يا عزيزي احفر' الذي رفعه ترامب في تحقيق قفزات نوعية في معدلات استخراج النفط الأمريكي. ووفقاً لبيانات إدارة معلومات الطاقة، استقر الإنتاج عند 13.7 مليون برميل يومياً، وهو رقم لم يتغير كثيراً منذ نهاية العام الماضي.

تشير التقديرات الرسمية إلى أن إنتاج النفط الخام الأمريكي سيظل مستقراً عند مستوياته الحالية طوال العام الجاري مع زيادات طفيفة فقط في العام المقبل. ويعزو المحللون ذلك إلى حذر شركات الطاقة من التوسع في الاستثمارات الرأسمالية رغم تجاوز سعر البرميل حاجز الـ 100 دولار.

تطرق التحليل أيضاً إلى تراجع الدور التقليدي للسعودية في موازنة الأسواق، حيث كان المسؤولون الأمريكيون يعتمدون سابقاً على الرياض لزيادة الضخ. وأوضح بوب ماكنالي، المستشار السابق للطاقة أن هذا الخيار أصبح معقداً للغاية بسبب تعطل الصادرات السعودية نتيجة التوترات في مضيق هرمز.

ختاماً، تلوح في الأفق بوادر مواجهة متجددة مع إيران، حيث تشير التقديرات إلى ضآلة فرص الحل الدبلوماسي لفتح المضيق. وحذر ماكنالي من أن استمرار الانسداد قد يدفع أسعار خام برنت للوصول إلى 150 دولاراً، وهو مستوى يقترب من القمة التاريخية المسجلة في عام 2008.

عربي ودولي

الثّلاثاء 19 مايو 2026 10:53 صباحًا - بتوقيت القدس

عمدة نيويورك زهران ممداني يتحدى إرث ريغان: 'عملت طوال اليوم ولا أستطيع إطعام عائلتي' هي الكلمات الأكثر رعباً

قدم عمدة مدينة نيويورك، زهران ممداني، رؤية سياسية واقتصادية مغايرة للإرث الرأسمالي التقليدي، رداً على المقولة الشهيرة للرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان حول دور الحكومة. وخلال فعالية رسمية، استذكر ممداني تصريح ريغان الصادر عام 1986، والذي اعتبر فيه أن أكثر الكلمات إثارة للرعب هي 'أنا من الحكومة وأنا هنا لمساعدتك'، ليعلن العمدة معارضته الصريحة لهذا النهج الذي يقلص دور الدولة في حياة المواطنين.

واعتبر ممداني أن الرعب الحقيقي لا يكمن في تدخل الحكومة، بل في عجز الكادحين عن تأمين لقمة العيش رغم العمل الشاق، صياغاً مقولة بديلة تتألف من تسع كلمات: 'عملت طوال اليوم ولا أستطيع إطعام عائلتي'. وأكد العمدة أن إدارته ستسخر قوة القانون وموارد المدينة لخفض الأسعار المرتفعة، وضمان وصول سكان نيويورك إلى الغذاء بكرامة وسهولة، مشدداً على أن هذا هو الواجب الأساسي للسلطة المحلية.

وأوضح العمدة في حديثه أن الحكومة عندما تدرك أن هدفها الأسمى هو خدمة الطبقة العاملة التي تعرضت للتهميش طويلاً، فإنها تصبح قادرة على إحداث تغيير جذري وملموس. وأشار إلى أن التحديات الإلحاحية التي تواجه نيويورك اليوم تتطلب تدخلاً مباشراً، مؤكداً أن الأمر لا يتوقف عند قدرة الحكومة على المساعدة، بل يتعداه إلى كون المساعدة واجباً أخلاقياً وسياسياً ستلتزم به إدارته بشكل كامل.

وفي سياق الخطوات العملية، كشف ممداني عن خطة المدينة لافتتاح متجر بقالة ضخم تديره السلطات المحلية بمساحة تصل إلى 20 ألف قدم مربع في حي برونكس. ومن المقرر أن يقع هذا المتجر ضمن مشروع 'Peninsula' التنموي، حيث تستهدف الإدارة تدشينه رسمياً قبل نهاية العام المقبل، ليكون ركيزة أساسية في توفير السلع الغذائية بأسعار مدعومة ومنافسة للسوق التقليدي.

ويعد هذا المتجر هو الموقع الثاني الذي تعلن عنه المدينة ضمن سلسلة المتاجر الحكومية، بعد الكشف سابقاً عن مشروع مماثل في منطقة إيست هارلم من المتوقع أن يفتح أبوابه في عام 2029. وتهدف هذه المبادرة إلى كسر احتكار السلاسل الكبرى وتوفير بدائل حقيقية لسكان المناطق التي تعاني من نقص في الخيارات الغذائية الصحية والأسعار المعقولة، مما يعزز الأمن الغذائي في الأحياء الفقيرة.

وشدد ممداني على أن ضمان قدرة كل مواطن في نيويورك على شراء طعام طازج وبأسعار معقولة داخل حيه السكني هو جزء لا يتجزأ من خطة أوسع لتحسين القدرة على تحمل تكاليف المعيشة. وأعرب عن فخره ببدء هذا المشروع من جنوب برونكس، مؤكداً التزام إدارته بافتتاح متجر بقالة حكومي في كل حي من أحياء المدينة الخمسة قبل انقضاء ولايته الأولى كعمدة للمدينة.

تأتي هذه التحركات في وقت تشهد فيه المدن الأمريكية الكبرى ضغوطاً تضخمية أثرت بشكل مباشر على القوة الشرائية للعائلات، مما دفع بعض المسؤولين المحليين لتبني سياسات أكثر تقدمية. وبحسب مصادر مطلعة، فإن تجربة نيويورك في إدارة متاجر التجزئة ستكون تحت المجهر، لتقييم مدى نجاح القطاع العام في سد الفجوات التي خلفها القطاع الخاص في تلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين.

فلسطين

الثّلاثاء 19 مايو 2026 10:53 صباحًا - بتوقيت القدس

ازدواجية المعايير الإسرائيلية: غضب من تعنيف 'كلبة' وصمت مطبق تجاه إبادة الفلسطينيين

رصد مراقبون ومحللون حالة من التناقض الصارخ داخل المجتمع الإسرائيلي، الذي ضجت منصاته مؤخراً بموجة غضب عارمة إثر توثيق اعتداء مستوطن على كلبة في قرية فلسطينية. وفي المقابل، يسود صمت مطبق وتجاهل تام تجاه الجرائم الممنهجة وعمليات القتل الجماعي التي يرتكبها جيش الاحتلال والمستوطنون بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وحذر الكاتب الصحافي بن درور يميني، في مقال نشرته صحيفة 'يديعوت أحرونوت'، من تداعيات ما وصفه بـ'الإرهاب اليهودي' الذي يغذي كراهية إسرائيل عالمياً. وأشار يميني إلى أن الاستمرار في هذا النهج القائم على المصالح الضيقة بعيداً عن الأخلاق سيؤدي حتماً إلى عزلة دولية شاملة ومقاطعة لا تستثني أحداً.

من جانبه، انتقد المحلل السياسي ناحوم بارنياع السقوط الأخلاقي المتمثل في عمليات السلب والنهب والقتل التي تجري في الضفة الغربية تحت غطاء حكومي. واتهم بارنياع الحكومة بتقديم دعم مباشر لهذه الانتهاكات، كما انتقد صمت المعارضة التي تفضل الحسابات الانتخابية على اتخاذ موقف إنساني واضح.

وفي سياق متصل، وصفت الناشطة الفلسطينية حنين مجادلة شفقة الإسرائيليين على الكلبة 'لوسي' بأنها كشفت حدود الضمير الإسرائيلي المشوه. وأكدت مجادلة أن المجتمع الذي ينتفض لأجل حيوان هو نفسه الذي يشيطن الفلسطينيين منذ عقود ويعاملهم كأرقام بلا قيمة، متجاهلاً آلاف الأطفال الذين استشهدوا في غزة.

وتشير التقارير إلى أن هذا العنف الموجه ضد الفلسطينيين بدأ يرتد إلى داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، حيث تفاقمت عدوى العدوانية بين الشباب. وتؤكد مصادر مطلعة أن تجاهل 'الإرهاب اليهودي' في الأرياف الفلسطينية ساهم في خلق مناخ من الفوضى وعدم احترام القانون داخل المدن الإسرائيلية.

وعقدت لجان برلمانية في الكنيست جلسات طارئة لمناقشة تصاعد حوادث القتل والعنف بين الفتية الإسرائيليين، واصفة الوضع بأنه 'أزمة وطنية'. ومع ذلك، تجنبت هذه اللجان الإشارة إلى الحرب المتواصلة أو ثقافة الاحتلال كأسباب جوهرية لهذا التدهور السلوكي الحاد.

وكشفت بيانات مركز الأبحاث في الكنيست عن ارتفاع حاد في القضايا الجنائية المفتوحة ضد المراهقين خلال العام الماضي، حيث بلغت أكثر من 6200 قضية. وأوضحت الأرقام أن نحو 20% من هذه المخالفات تتعلق بعنف جسدي مباشر، مما يعكس حالة من التفكك القيمي داخل جيل الشباب.

ودعت رئيسة اللجنة الخاصة لحقوق الطفل إلى تشديد العقوبات على القاصرين المتورطين في جرائم القتل، مطالبة بخطة حكومية شاملة لمواجهة هذه الظاهرة. ورغم هذه المطالبات، لا تزال وزارة المالية تماطل في تخصيص الميزانيات اللازمة لتنفيذ برامج الوقاية والتدخل النفسي المبكر.

وانتقد تقرير صادر عن مركز 'مدار' الفلسطيني للشؤون الإسرائيلية غياب أي ذكر لتأثير المناخ السياسي العنيف على سلوك الشباب خلال المداولات البرلمانية. وأشار التقرير إلى أن المؤسسات الإسرائيلية تتعامل مع النتائج فقط دون الجرأة على تشخيص الأسباب المرتبطة بالاحتلال والتحريض العنصري.

وفي إطار تشخيص الأزمة، اعتبرت وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية أن المدرسة لا تعمل بمعزل عن الواقع المحيط المشبع بالعنف. وأكدت نائبة المدير العام للوزارة أن المسؤولية مشتركة بين الأهل والمجتمع والفضاء الرقمي الذي بات يشكل وعي الأطفال بعيداً عن القيم الإنسانية.

ويرى مختصون نفسيون أن السياسة الإسرائيلية تركز فقط على تطبيق القانون بعد وقوع الجريمة، بينما يغيب التدخل الوقائي بشكل شبه كامل. ويعاني القطاع العام من نقص حاد في المختصين النفسيين، مما يؤدي إلى وصول العديد من الشباب لحالات حرجة من التطرف دون علاج.

ونقلت مصادر عن أحد مديري المدارس قوله إن تجربة الحروب السابقة أثبتت أن التطرف السياسي يظهر بوضوح حتى لدى طلاب المدارس الابتدائية. وأضاف أن الأطفال باتوا يرددون عبارات تمنّي الموت لجميع العرب في غزة، وهي ظاهرة لم تكن بهذا الوضوح قبل التصعيد العسكري الأخير.

واتهمت عضو الكنيست نعاما لزيمي الائتلاف الحاكم بنزع الشرعية عن مؤسسات الدولة وتمجيد المجرمين، مما خلق جيلاً يعتقد أنه فوق القانون. وقالت لزيمي إن التفكك الاجتماعي الحالي ليس مجرد خطأ عابر، بل هو سياسة ممنهجة تتبعها الحكومة لإنتاج فوضى مخطط لها.

وخلص مراقبون إلى أن نبوءة المفكر يشعياهو لايفوفيتش بدأت تتحقق، حيث أن العنف الممارس ضد الفلسطينيين لم يبقَ محصوراً خلف الجدار. إن ارتدادات الاحتلال باتت تضرب عمق المجتمع الإسرائيلي، محولةً ثقافة القتل والتحريض إلى سكين تهدد النسيج الداخلي لمنظومة الاحتلال نفسها.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 19 مايو 2026 10:49 صباحًا - بتوقيت القدس

إسرائيل على بُعد انتخابات واحدة من السلام


لأول مرة منذ سنوات طويلة، أعتقد أن السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين قد يكون أقرب بكثير مما يتخيّله معظم الناس. ليس لأن حماس تغيّرت، ولا لأن الاحتلال انتهى، بل لأن المشهد الاستراتيجي في الشرق الأوسط قد تغيّر بصورة جذرية.

قد تكون إسرائيل على بُعد انتخابات واحدة فقط من السلام.

بعد السابع من أكتوبر، وبعد قضية الرهائن، والحرب في غزة، والتوسع الاستيطاني الهائل والتطهير العرقي الجاري في الضفة الغربية، يبدو هذا الكلام بالنسبة لكثير من الإسرائيليين والفلسطينيين ضرباً من الخيال. فمعظم الإسرائيليين لم يعودوا يؤمنون بأن الفلسطينيين شركاء حقيقيون للسلام، ومعظم الفلسطينيين لم يعودوا يعتقدون أن إسرائيل تنوي إنهاء الاحتلال أو السماح بقيام استقلال فلسطيني حقيقي. ومع ذلك، فخلف الصدمة واليأس، أصبحت أسس التسوية السياسية الإقليمية أكثر نضجاً اليوم مما كانت عليه في أي وقت منذ سنوات أوسلو.

إن معالم السلام معروفة منذ زمن طويل: دولتان على أساس حدود عام 1967 مع تبادل متفق عليه للأراضي، وترتيبات أمنية تضمن أمن إسرائيل وسيادة فلسطين، والقدس عاصمة للدولتين، وضمانات إقليمية. نحن لا نعاني من نقص في المعرفة الدبلوماسية، بل من نقص في الشجاعة السياسية.

إن شرق أوسط عام 2026 ليس هو شرق أوسط الماضي. فالسعودية ودول الخليج ومصر والأردن ولبنان وسوريا والمغرب، جميعها تمتلك مصالح استراتيجية في التكامل الإقليمي والتنمية الاقتصادية والتعاون الأمني. وهناك إدراك متزايد بأن إعادة إعمار غزة وتحقيق الاستقرار في المنطقة لا يمكن أن يتحققا من دون أفق سياسي للفلسطينيين.

القوة العسكرية وحدها لا تستطيع حل هذا الصراع. تستطيع إسرائيل تدمير البنية العسكرية لحماس واحتلال غزة بالكامل، لكنها لا تستطيع تدمير الحركة الوطنية الفلسطينية وتطلعات شعب بأكمله إلى الحرية، تماماً كما لم يستطع الفلسطينيون تدمير إسرائيل عبر الإرهاب والعنف. وكل حرب جديدة تنتهي بالأسئلة السياسية نفسها من دون حل.

ولهذا السبب تحديداً، فإن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة تحمل أهمية استثنائية.

في ظل حكومة إسرائيلية مختلفة، قد تصبح أمور تبدو اليوم مستحيلة ممكنة سياسياً بصورة مفاجئة: مبادرة إقليمية جدية بمشاركة السعودية، دعم دولي لإعادة إعمار غزة، استئناف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، ووصول تدريجي إلى تطبيع كامل بين إسرائيل والعالم العربي بأسره.

وفي قلب هذه الإمكانية يقف الرئيس دونالد ترامب.

قد يجد كثير من القراء هذا الكلام مفاجئاً صادراً عن شخص أمضى عقوداً يدافع عن حل الدولتين عبر التفاوض. لكن ترامب قد يكون في موقع فريد لتحقيق ما عجز عنه الرؤساء الأمريكيون السابقون.

فكل رئيس أمريكي منذ جيمي كارتر تعامل مع السلام الفلسطيني الإسرائيلي باعتباره عملية دبلوماسية. أما ترامب فيتعامل معه باعتباره صفقة استراتيجية إقليمية. وعلى خلاف الرؤساء السابقين، يمتلك ترامب مصداقية لدى اليمين الإسرائيلي، ولا يستطيع أي رئيس وزراء إسرائيلي تصويره على أنه معادٍ لإسرائيل أو ضعيف في قضايا الأمن.

كما يدرك ترامب أن هذا الصراع لا يمكن حله بمعزل عن الشرق الأوسط الأوسع. فالسعودية ودول الخليج الأخرى ومصر والأردن والمغرب ليست مجرد أطراف مراقبة، بل شركاء أساسيون في إعادة الإعمار، والترتيبات الأمنية الإقليمية، ودمج إسرائيل في إطار إقليمي أوسع.

هذا ليس إحياءً لاتفاق أوسلو.

لقد حاول أوسلو بناء السلام عبر خلق الثقة تدريجياً بين الإسرائيليين والفلسطينيين وحدهم. لكن أوسلو لم يفشل لأن السلام كان مستحيلاً، بل لأن خصومه على الجانبين عملوا بصورة منهجية على إفشاله.

فعلى الجانب الفلسطيني، نفذت حماس وجماعات رافضة أخرى عمليات تفجير انتحارية هدفت تحديداً إلى تدمير الدعم الإسرائيلي لعملية السلام. وعلى الجانب الإسرائيلي، عمل بنيامين نتنياهو ومعظم اليمين الإسرائيلي باستمرار على إضعاف أوسلو منذ أيامه الأولى. فقد بنى نتنياهو جزءاً كبيراً من مسيرته السياسية على معارضة الاتفاقات وإقناع الإسرائيليين بأن أي تسوية إقليمية ستجلب الإرهاب والخطر.

وبعد اغتيال إسحق رابين، أصبح إرهاب حماس ومعارضة اليمين الإسرائيلي يغذي كل منهما الآخر. فكل عملية تفجير نفذتها حماس كانت تقوي اليمين الإسرائيلي سياسياً، وكل توسع استيطاني كان يقوي الرافضين الفلسطينيين. وهكذا أصبح المتطرفون على الجانبين شركاء في تدمير الثقة.

والمأساة أن أوسلو أثبت فعلياً أن الإسرائيليين والفلسطينيين قادرون على التفاوض المباشر والاعتراف المتبادل والتنسيق الأمني وبناء أسس للتعايش. وما كان ينقص أوسلو لم يكن الإمكانية، بل القيادة القادرة على حماية العملية من أعدائها.

أما ما قد ينشأ اليوم فهو، إلى حد كبير، عكس أوسلو: إطار إقليمي من الأعلى إلى الأسفل، تدفعه المصالح الاستراتيجية المشتركة بين الولايات المتحدة والدول العربية وإسرائيل والفلسطينيين البراغماتيين. وفي هذا الإطار يصبح التطبيع مع السعودية، وإعادة إعمار غزة، والضمانات الأمنية، وقيام الدولة الفلسطينية، أجزاء مترابطة من اتفاق أكبر.

لكن شيئاً من هذا لن يحدث ما لم يبدأ السياسيون الإسرائيليون في إعداد الرأي العام الإسرائيلي للسلام خلال الحملة الانتخابية المقبلة.

لقد هيمن على السياسة الإسرائيلية لسنوات طويلة خطاب الخوف، والوهم بأن القوة العسكرية وحدها قادرة على ضمان المستقبل. وتنافس السياسيون على من يبدو أكثر تشدداً، وعلى من يستطيع إقناع الإسرائيليين بأنه “لا يوجد شريك”، وبالتالي لا يوجد بديل عن الصراع الدائم.

على القيادة المسؤولة أن تبدأ بقول الحقيقة للإسرائيليين: لا تستطيع إسرائيل أن تبقى إلى الأبد دولة ديمقراطية ويهودية وآمنة ومزدهرة، بينما تواصل السيطرة الدائمة على ملايين الفلسطينيين المحرومين من حقوقهم الوطنية.

وفي المقابل، تقع على القيادات الفلسطينية مسؤولية تاريخية مماثلة.

فعلى الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة أن يثبتوا بوضوح للرأي العام الإسرائيلي أنهم مستعدون لإنهاء الكفاح المسلح والسعي نحو تسوية سياسية دائمة مع إسرائيل. ويحتاج الإسرائيليون إلى سماع قادة فلسطينيين يقولون بوضوح إنه لن تكون هناك ميليشيات مسلحة دائمة إلى جانب الدولة الفلسطينية، ولا دعوات مستمرة لتدمير إسرائيل، ولا تمجيد للإرهاب.

وهذا مهم بشكل خاص بعد السابع من أكتوبر. فلا يمكن لأي حكومة إسرائيلية أن تتحرك نحو السلام ما لم يقتنع الإسرائيليون بأن الفلسطينيين أيضاً مستعدون للانتقال نحو التعايش.

كما أن للعالم العربي دوراً أساسياً لم يسبق له مثيل في أي مرحلة سابقة.

فعلى مدى عقود، جرى تعليم الإسرائيليين أن السلام مع الفلسطينيين لن يجلب سوى انعدام الأمن والعزلة. أما اليوم، فبإمكان الدول العربية أن تثبت العكس: أن حل الصراع يمكن أن يفتح الباب أمام اندماج إسرائيل الكامل في الشرق الأوسط.

وتلعب السعودية الدور المركزي في هذا التحول.

فإذا التزمت السعودية علناً بالتطبيع مع إسرائيل ضمن إطار عملية سياسية جدية تؤدي إلى قيام دولة فلسطينية، فسيفهم معظم الإسرائيليين فوراً أن السلام لم يعد مجرد إنهاء للصراع مع الفلسطينيين، بل تحول إسرائيل إلى شريك شرعي ومرحب به في العالمين العربي والإسلامي.

تخيلوا إسرائيل مندمجة اقتصادياً ودبلوماسياً مع السعودية ودول الخليج ومصر والأردن وسوريا ولبنان والمغرب. تخيلوا مشاريع بنية تحتية إقليمية، وشراكات في الطاقة، وسياحة، وتعاوناً تكنولوجياً، وترتيبات أمنية مشتركة ضد التطرف وإيران.

إن الدول العربية تستطيع أن تساعد الإسرائيليين على فهم أن السلام ليس تنازلاً يقود إلى الضعف، بل بوابة نحو الشرعية الإقليمية والازدهار والأمن والتطبيع على نطاق لم تعرفه إسرائيل من قبل.

لا شيء من هذا يضمن النجاح. فما زالت حماس موجودة، وما زال المتطرفون الإسرائيليون يرفضون الدولة الفلسطينية، وما زالت السياسة الفلسطينية منقسمة. لكن رغم كل شيء، لا يوجد حل عسكري لهذا الصراع، ولم يوجد يوماً.

هناك مستقبل واحد فقط في هذه الأرض: دولتان تعيشان في تعاون وتنسيق أمني وشراكة اقتصادية واعتراف متبادل — أو حرب لا تنتهي.

لقد عرف الإسرائيليون والفلسطينيون منذ زمن طويل ملامح السلام. والسؤال الحقيقي هو: هل سينتخب الإسرائيليون قادة مستعدين للسير نحوه؟ وهل سيُعِدّ القادة الفلسطينيون شعبهم للتعايش؟ وهل سيساعد العالم العربي والولايات المتحدة في جعل هذا المستقبل ممكناً سياسياً؟

قد لا تكون المسافة بين الحرب والسلام في الشرق الأوسط تُقاس بالسنوات، بل بانتخابات واحدة فقط.


عربي ودولي

الثّلاثاء 19 مايو 2026 10:23 صباحًا - بتوقيت القدس

صحفي بريطاني: يهود المملكة المتحدة يبحثون 'خطة رحيل' وسط تصاعد التوترات

أفاد الصحفي والمذيع البريطاني جوناثان ساساردوتي بأن الجالية اليهودية في المملكة المتحدة تمر بمرحلة مفصلية من القلق الوجودي. وأوضح في تصريحات صحفية أن النقاشات الداخلية لم تعد تقتصر على تقييم الأوضاع، بل انتقلت إلى مرحلة التخطيط العملي للهجرة والبحث عن وجهات بديلة توفر الأمان.

ورسم ساساردوتي صورة قاتمة للواقع الحالي، مشيراً إلى أن الشعور بعدم الاستقرار بات يهيمن على قطاعات واسعة من اليهود البريطانيين. واعتبر أن تصاعد ما وصفه بمظاهر العداء قد دفع الكثيرين لإعادة النظر في مستقبلهم داخل البلاد بشكل جدي وغير مسبوق.

وانتقد الصحفي بشدة الطريقة التي يتم بها تناول قضايا الجالية في الفضاء العام، مؤكداً أن أي حديث عن الاعتداءات التي يتعرضون لها يتم تحويله فوراً نحو الصراع في غزة. ويرى ساساردوتي أن هذا الربط المتعمد يضع الأفراد في موقف دفاعي دائم عن سياسات إسرائيل قبل السماح لهم بالتعبير عن مخاوفهم الشخصية.

وتطرق في حديثه إلى كواليس مشاركته في برامج تلفزيونية بريطانية، حيث وصف الأجواء بالعدائية والمشحونة. وزعم أنه تعرض لمقاطعات مستمرة واتهامات مباشرة بالمسؤولية عن أحداث غزة، وهو ما اعتبره خروجاً عن سياق النقاش المفترض حول أمن المواطنين البريطانيين.

وأشار ساساردوتي إلى حادثة الطعن التي وقعت في حي غولدرز غرين شمال لندن كدليل على تدهور الوضع الأمني الميداني. وأوضح أن استهداف أفراد من الجالية في وضح النهار يعزز القناعة لدى الكثيرين بأن إجراءات الحماية الحالية لم تعد كافية لردع الهجمات.

كما لفت إلى وقوع سلسلة من الحوادث التخريبية التي استهدفت مؤسسات حيوية، بما في ذلك محاولات إضرام النيران في مراكز مجتمعية. وذكر أن سيارات إسعاف تابعة لمنظمات إغاثية يهودية تعرضت هي الأخرى للاعتداء، مما أثار موجة من الذعر في صفوف العاملين والمتطوعين.

ووجه ساساردوتي انتقادات لاذعة لوسائل الإعلام البريطانية، واصفاً أداء بعضها بالمنحاز والمضلل في تغطية أحداث الشرق الأوسط وتداعياتها المحلية. واعتبر أن طريقة عرض الأخبار تساهم في تأجيج المشاعر العامة ضد الجالية اليهودية من خلال تبني روايات غير دقيقة حسب وصفه.

وخص بالذكر هيئة الإذاعة البريطانية، معتبراً إياها من أكثر المصادر التي تفتقر للموضوعية عند التعامل مع الملف الإسرائيلي. وادعى أن التغطية الإعلامية تتجاهل في كثير من الأحيان سياقات هامة، مما يؤدي إلى تشويه الصورة الذهنية لدى المشاهد العالمي والمحلي على حد سواء.

واستشهد بمواقف إعلامية أثارت جدلاً واسعاً، مثل المواجهة التي حدثت مع المعلقة مارينا فوركيس بشأن الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة. وأوضح أن التركيز على لقطات معينة وحصدها ملايين المشاهدات يعكس رغبة في الإثارة على حساب النقاش الجاد حول أمن الأقليات.

ويرى الصحفي أن المشكلة تكمن أيضاً في استضافة معلقين يفتقرون للخلفية المعرفية العميقة بالصراع، مما يحول المنصات الإعلامية إلى ساحات للمزايدة. وأكد أن هذا النهج يساهم في تغييب الحقائق واستبدالها بآراء عاطفية تزيد من حدة الانقسام المجتمعي.

وفيما يتعلق بمستقبل الجالية، أعرب ساساردوتي عن تشاؤمه العميق تجاه إمكانية استعادة الشعور الطبيعي بالحياة في بريطانيا. وأشار إلى أنه بات ينصح المقربين منه بضرورة امتلاك 'خطة بديلة' تشمل نقل الأعمال والوظائف إلى خارج الحدود البريطانية إذا لزم الأمر.

وأكد أن الفعاليات الاجتماعية والدينية لليهود في بريطانيا باتت تشهد حديثاً متكرراً عن 'موعد الرحيل'. وأضاف أن هذا الشعور بالارتحال لم يعد مجرد فكرة عابرة، بل تحول إلى هاجس يومي يؤثر على قرارات الاستثمار والتعليم وتربية الأطفال.

وشدد على أن الجيل الحالي يختلف عن الأجيال السابقة بامتلاكه خيارات أوسع للجوء إلى أماكن أخرى يراها أكثر أماناً. واعتبر أن وجود 'ملاذ' بديل يجعل قرار المغادرة أسهل تنفيذاً مما كان عليه الوضع في عقود ماضية شهدت أزمات مشابهة.

وختم ساساردوتي حديثه بالتأكيد على أن بريطانيا قد لا تكون المكان الأمثل لتربية أجيال يهودية جديدة في ظل الظروف الراهنة. ودعا السلطات البريطانية إلى مراجعة سياساتها تجاه حماية الأقليات وضمان فصل النقاش السياسي الدولي عن الحقوق المدنية للمواطنين في الداخل.

عربي ودولي

الثّلاثاء 19 مايو 2026 9:51 صباحًا - بتوقيت القدس

بوتين في بكين: قمة روسية صينية لتعزيز التنسيق في ملفات إيران وأوكرانيا والطاقة

وصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى العاصمة الصينية بكين في استهلال لزيارة رسمية تمتد ليومين، تهدف إلى تعزيز التنسيق المشترك حيال الأزمات الدولية المتصاعدة. وتأتي هذه الخطوة في وقت تشهد فيه الساحة العالمية تحولات كبرى، حيث يسعى الطرفان لترسيخ جبهة موحدة لمواجهة التحديات الجيوسياسية الراهنة.

وقبيل انطلاق المباحثات الرسمية، صرح الرئيس بوتين بأن الروابط التي تجمع موسكو وبكين بلغت مستوى تاريخياً غير مسبوق من القوة والمتانة. وقد قوبلت هذه التصريحات بترحيب رسمي من وزارة الخارجية الصينية، التي أكدت أن الشراكة بين البلدين تعيش حالياً أوج ازدهارها في المجالات السياسية والإستراتيجية.

ومن المقرر أن يعقد بوتين اجتماعاً رفيع المستوى مع نظيره الصيني شي جينبينغ، لمناقشة ملفات إقليمية ودولية شائكة تتصدرها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. وتبحث القمة سبل احتواء التصعيد العسكري في المنطقة ومنع انزلاق الأوضاع إلى مواجهة شاملة قد تؤثر على استقرار إمدادات الطاقة العالمية.

كما تبرز الحرب الروسية الأوكرانية كبند رئيسي على جدول الأعمال، خاصة مع تزايد الحراك الدبلوماسي الدولي الرامي لإيجاد صيغة لوقف القتال. وتسعى موسكو من خلال هذه الزيارة إلى ضمان دعم بكين لرؤيتها السياسية في أي مفاوضات مستقبلية تتعلق بالأمن الأوروبي وتوازنات القوى.

وعلى الصعيد الاقتصادي، أفادت مصادر بأن المباحثات ستتطرق بشكل معمق إلى تعزيز الشراكة في قطاع الطاقة والغاز الطبيعي. ويركز الجانبان على تسريع وتيرة العمل في مشروع خط أنابيب 'قوة سيبيريا 2'، الذي يهدف إلى زيادة تدفقات النفط والغاز الروسي نحو الأسواق الصينية المتعطشة للطاقة.

وتكتسب زيارة بوتين أهمية مضاعفة لكونها تأتي بعد أيام قليلة من مغادرة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للعاصمة الصينية. ويرى مراقبون أن توقيت الزيارة يعكس تنامي الثقل السياسي لبكين كمركز لإدارة التوازنات العالمية الكبرى والوساطة في النزاعات الدولية الأكثر تعقيداً.

وبالرغم من الجهود الدبلوماسية التي بذلها الرئيس الأمريكي خلال زيارته الأخيرة، إلا أن مصادر مطلعة أشارت إلى فشله في تحقيق اختراقات ملموسة في ملفي أوكرانيا وإيران. وهذا الفشل يمنح القمة الروسية الصينية زخماً إضافياً لرسم ملامح المرحلة المقبلة بعيداً عن الرؤية الأمريكية المنفردة.

اسرائيليات

الثّلاثاء 19 مايو 2026 9:38 صباحًا - بتوقيت القدس

فورين أفيرز: القواعد الأمريكية عبء أمني على الخليج ودعوات لنظام إقليمي جديد

أكدت مجلة "فورين أفيرز" في تحليل استراتيجي موسع أن المظلة الأمنية الأمريكية التي اعتمدت عليها دول الخليج لعقود طويلة لم تعد توفر الحماية المطلوبة، بل أصبحت عبئاً يضع المنطقة في مرمى النيران. وأشار الباحث ديفيد بي. روبرتس إلى أن القواعد العسكرية المنتشرة في المنطقة تحولت إلى أهداف محتملة تجعل البنية التحتية والمنشآت النفطية الخليجية عرضة لهجمات انتقامية في أي مواجهة بين واشنطن وطهران.

وأوضح التحليل أن الواقع الأمني الجديد بات يفرض على قادة دول الخليج التوقف عن انتظار الحلول من واشنطن، والبدء في رسم مستقبل المنطقة بأنفسهم. واعتبرت المجلة أن استمرار الرهان على الحماية الخارجية يغفل حقيقة أن المصالح الأمريكية قد تتبدل، مما يترك الحلفاء الإقليميين في مواجهة سيناريوهات غير محسوبة سواء عبر التصعيد العسكري أو التفاهمات المنفردة.

ورغم التراجع النسبي في بعض القدرات العسكرية الإيرانية، إلا أن طهران لا تزال تمتلك أدوات ردع مؤثرة وقدرة على تعطيل الملاحة في مضيق هرمز. ويرى المقال أن هذه القدرات تجعل من الضروري البحث عن صيغة تعايش إقليمي تنهي حالة الاستنزاف المستمرة، وتنتقل بالمنطقة من عقلية المواجهة بالوكالة إلى بناء توازنات داخلية مستدامة.

واقترحت المجلة صياغة معاهدة أمنية شاملة تقوم على مبدأ الانسحاب التدريجي والمنظم للقوات الأمريكية من القواعد الرئيسية في قطر والبحرين والإمارات والسعودية والكويت خلال خمس سنوات. وفي المقابل، تلتزم إيران بتقديم تنازلات جوهرية تشمل قيوداً صارمة على برامجها النووية والصاروخية، ووقف سياسات التصعيد الإقليمي تجاه جيرانها.

وشدد التحليل على أن هذا الانسحاب لا ينبغي أن يُفهم كضعف أو هزيمة استراتيجية، بل كخطوة مدروسة لإزالة الذرائع التي تستخدمها طهران لتبرير عقيدتها الردعية. فإزالة الوجود العسكري الأجنبي، الذي تعتبره إيران تهديداً وجودياً، قد يفتح الباب أمام تفاهمات دبلوماسية أكثر استقراراً وشفافية تحت إشراف إقليمي ودولي.

واستعرضت المجلة سوابق تاريخية تؤكد محدودية الاعتماد على القوى الكبرى، مشيرة إلى تخلي بريطانيا عن التزاماتها في القرن الماضي، وصمت واشنطن تجاه أحداث مفصلية مثل سقوط شاه إيران أو الهجمات على منشآت أرامكو في 2019. هذه الدروس تؤكد أن القوى الخارجية تتحرك دائماً وفق حسابات مصالحها القومية الضيقة، وليس بناءً على التزامات دائمة تجاه الحلفاء.

ولفت التقرير إلى واقعة تعرض قطر لهجمات في عام 2025 كدليل إضافي على أن التحالفات العسكرية التقليدية لا تمنع وقوع الضربات في ظل التوترات المتصاعدة. واعتبرت المجلة أن المثال الوحيد الناجح للتدخل الأمريكي في حرب تحرير الكويت عام 1991 كان مرتبطاً بلحظة تاريخية فريدة من الهيمنة الأحادية، ولا يمكن تعميمه كقاعدة أمنية دائمة.

ودعت "فورين أفيرز" دول الخليج إلى ضرورة تطوير قدراتها العسكرية الذاتية، خاصة في مجالات كشف الألغام البحرية والدفاع الجوي والحروب الإلكترونية. وأشارت إلى أن الاعتماد الطويل على الشركاء الدوليين أدى إلى ترهل في العقائد العسكرية المحلية، مما جعل الجيوش تركز على الرسائل الدبلوماسية أكثر من الكفاءة القتالية الفعلية في الميدان.

وأشاد التحليل ببعض النماذج الناجحة مثل عملية الإنزال البرمائي الإماراتية في عدن عام 2015، معتبراً إياها دليلاً على قدرة الجيوش الخليجية على تنفيذ مهام معقدة. ويرى الباحث أن تعميم هذه الكفاءة وتطوير أنظمة اعتراض الطائرات المسيّرة، المستوحاة من التجربة الأوكرانية، يمثلان حجر الزاوية في بناء قوة ردع خليجية مستقلة.

وفيما يخص الملف النووي، اقترح المقال إنشاء إطار إقليمي للتفتيش المتبادل وبناء الثقة، يضم البرامج النووية المدنية الخليجية والإيرانية على حد سواء. هذا التوجه قد يساهم في الحد من العمليات الأحادية ويقلل من دوافع طهران لامتلاك السلاح النووي إذا شعرت بزوال التهديد الوجودي المباشر من القواعد الأجنبية المحيطة بها.

أما بشأن الطائرات المسيّرة، فأوضح التحليل أن الحل يكمن في منظومة تفتيش متعددة الأطراف تفرض قيوداً على المدى والحمولة وتمنع نقل التكنولوجيا للجماعات المسلحة. ويرتبط نجاح هذا المسار بمنطق "الخطوات المتبادلة"، حيث يقابل كل التزام إيراني تخفيف تدريجي للعقوبات الاقتصادية وتقدم في جدول الانسحاب الأمريكي.

وأكدت المجلة أن إيران، رغم أيديولوجيتها، أظهرت براغماتية في محطات تاريخية عديدة عندما كانت الحوافز كافية، مثل اتفاقها مع السعودية في 2023. لذا، فإن الهدف من النظام الأمني المقترح هو جعل تكلفة الحرب مرتفعة على الجميع عبر تحويل الخليج إلى منطقة تكامل اقتصادي تمتلك فيها كافة الأطراف مصالح مباشرة.

وشددت المجلة على ضرورة أن تكون دول الخليج أطرافاً أصيلة في أي مفاوضات مستقبلية، لا مجرد مراقبين، لضمان عدم تحول الاتفاقات إلى تفاهمات ثنائية بين واشنطن وطهران. إن منح الدول الإقليمية دوراً مباشراً في إدارة آليات التحقق والتعاون الاقتصادي هو الضمانة الوحيدة لاستدامة أي معاهدة أمنية قادمة.

وخلص التحليل إلى أن غريزة الاحتماء بالمظلة الأمريكية هي نتاج عادات سياسية قديمة يجب تجاوزها لصالح بناء أمن ينبع من الداخل. فالولايات المتحدة سترحل في نهاية المطاف، والتحدي الحقيقي أمام دول المنطقة هو النجاح في صياغة شروط هذا الرحيل وترتيبات ما بعده، بدلاً من الاضطرار للتكيف مع واقع يفرضه الآخرون.