وجدت لوحات معرض "ألوان مهجرة"، الذي نفذه طلاب قسم التصميم والفنون التطبيقية في جامعة خضوري- فرع العروب، في أروقة مدرسة الحسين بن علي الثانوية، بالخليل، مكانها في الروح بعدما مزجت الذاكرة الجمعية عن الهجرة والاقتلاع من الجذور والغرس في تربة جديدة، والحنين إلى أماكن وشوارع حملت ذكريات جميلة، بالوسائل التعبيرية التقليدية، وعندما تنقلت في رحلة بين القرى الفلسطينية المهجرة عام 1948م، بفكرة التقنيات التكنولوجية "الواقع الافتراضي"، بأحاسيس الشوق والفقد والاغتراب إلى زمن أيام البلاد التي لا تغيب عن الذاكرة.
سردية قصصية
وحاكت الفنانة سلسبيل الحروب، بمشروعها الواقع الافتراضي ( VR) معاناة أهل غزة، من خلال قصة طفل يحاول النجاة، والمقارنة بين معيشته قبل الحرب وبعد الحرب، حيث يحاول النجاة من القصف في رحلة تفاعلية، توضح جميع المعاناة عبر المشي بين الأنقاض جراء العدوان الإسرائيلي وقصفه، وعندما حاول هذا الطفل الهروب لم يستطع وبقيه بهذا الواقع.
وترجمت الفنانتان هيا الشرحة والقواسمي، رواية الطنطوريه، للكاتبة الراحلة رضوى عاشور، والتي روت فيها احداث المجزرة، عبر بطلة القصة " رقيه"، مع تحويل الرواية الى لوحات سردية قصصية بتقنية الواقع المعزز، بتعزيز فكرة اللوحات والواقع التي حصلت لترسخ بذهن المتلقي.
وقالت الفنانة الشرحة إن مشروعها "صدى" ترجمة سردية قصيصة لرواية الطنطورية، التي تروي معاناة التهجير والمجزرة التي حصلت في الطنطورية عام 1948م، مع عرض لوحات باستخدام تقنية الواقع المعزز، مشيرة إلى أنها بذلك تسترجع استذكار الأثر الأدبي الذي نفتقده في ظل عصر التكنولوجيا، معتبرة ذلك وسيلة تعبير مادية تقليدية مع التكنولوجيا الحديثة، حتى يستذكر الجيل الحاضر ما حصل في الماضي ويربطه بما يحصل حالياً في فلسطين، لافتة لوحتها التي تشمل ثلاثة محاور، يوم الأرض، ويوم الأسير، ويوم النكبة، تتوسطها بتصميم خاص كلمة حرية.
وبينت الفنانة القواسمي أن عملها توثيق لمجزرة الطنطورية خطوة بخطوة، من شرح حياة " رقيه" بطلة القصة من صغرها وحتى كبرها، مثلت بست لوحات، اللقاء الفلسطيني مع ابنها، وأمل العودة، بوجود حفيدتها رقية الصغيرة، ومنحها مفتاح العودة لبنتها التي بدورها تعطيه لابنها يحتفظ به ويبقى ذكرى حتى العودة.
طمس المعالم
ورسمت الفنانة ملاك محمد أبو حرب، قرية مجدل صادق او مجدل يابا، قضاء الرملة، وهي من الاثار والقرى الفلسطينية المهجرة عام 1948م، مشيرة ان موقعها الاستراتيجي الهام منحها دورا رئيسيا في ربط شمال وجنوب فلسطين، بما في ذلك مدينتي يافا ونابلس، عبر طريق قديم كان يسير من شمال فلسطين الى الجنوب، وكانت مركزاً تاريخياً وحضارياً، ولا تزال آثارها تشهد على ذلك حتى اليوم، ومنها ضمنها قلعة استولى عليها الاحتلال وحولها الى كنيست وبنى حولها مستوطنات لإخفاء معالمها الفلسطينية.
وتحدثت لوحة الفنانة هبه حمد، عن قرية عين كارم، التي تقع غرب مدينة القدس، وتم قتل وتهجير سكانها البالغ عددهم (3000 ) نسمه سنة 1948م، في عملية اطلق عليها اسمها " داني".
وسردت لوحة الفنانة براءة ابو فاره، نزوح اهالي قرية "عين حوض"، الفلسطينية المهجرة، قضاء حيفا، ولجوئهم الى قرية مجاورة سميت "عين حوض الجديد"، بعد استولى عليها المستوطنون، وارتادها الفنانون الاسرائيليون واستخدموا فنهم كأداة لطمس معالم القرية.
وعنونت الفنانة روان، لوحتها بعنوان "من لم يمت من عتليت"، وهي قرية فلسطينية مهجرة، رسمت فيها البحر واسعا كأحلامها والحجارة للتعبير عن صمود المباني القديمة لتكون شاهد حي على ما حصل للشعب الفلسطيني من قتل وتشريد عام 48م.
واختارت الفنانة شهد الحيح، قرية الذيب المهجر في عكا، من خلال بيت استولى عليه المستوطنين عام 1948وتهجير سكانه.
ودللت لوحة الفنانة ندى العواودة، على قوة المرأة الفلسطينية وقوة تحملها وجمالها، والتركيز على روحها الحلوة رغم المشقة والتعب.
وعبرت الفنانة نور غياضة، في لوحتها شظايا الوطن في قرية زكريا قضاء الخليل، التي هجرت عام 48 واخلاء بشكل تام وكامل عام 50، بكسر الزجاج في تعبير رمزي للتهجير والفقد، ودمجت بين الماضي والحاضر بيد طفل مكسورة، ترمز عن بتر اليدين كتعبير للذي يحصل حاليا في قطاع غزة.
لن ننسى
وقالت الدكتورة أسماء العبد، المتخصصة في التصميم الجرافيكي في جامعة فلسطين التقنية- فرع العروب، إن معرض (ألوان مهجرة) معرض فني كان امتداداً لفعالية رسم في الشوارع، وكانت فعالية مختلفة رسم الطلاب القرى المهجرة غير معروفة أو مألوفة للجيل الجديد، من ضمنها لوحات اضافية بتقنيات جديدة في فلسطين، مثل تقنية " AR" وتنقية " PR"، بسرد بصري كامل لقصة الطنطورية، حيث مثلت الرواية من خلال الرسم الحر، ثم انتقل الرسم الى مرحلة "الانيميشن"، حيث يمكن لمشاهد اللوحة مشاهدتها بواقع مختلف عن الواقع الحقيقي وتعزز ما يشاهده من خلال عناصر تمكنه من سرد القصة.
وأضافت: إن تقنية الواقع المعزز باستخدام ثلاثية الأبعاد وتقنية ثنائية الأبعاد، تحدثت عن طفل فلسطيني من غزة يستيقظ صباحا يجد الوضع كله قد اختلف والدنيا تغيرات ويبقى وحيداً بدون أُم أو أب أو أي أحد حوله في بيئة مهجرة كاملاً، مشيرة إلى أن المشاهد ينغمس على مدار ثلاث دقائق بوضع النظارات ليرى ما حوله على درجة ( 360)، لافتة إلى أن هذا الفيلم فاز على مستوى الوطن العربي في مسابقة الإبداع الطلابي السادس والعشرين.
وبيّن بلال الحرباوي، المحاضر في قسم التصميم في جامعة خضوري- فرع العروب، أن معرض ألوان مهجرة عبارة عن جزئيين، الجزء الأول تم باختيار 20 طالباً من طلاب قسم التصميم في الجامعة رسموا في ميدان ابن رشد، وسط الخليل، القرى المهجرة، موضحاً أن منهم من اختار قريته التي هُجر أجداده منها وأصله يعود إليها، رسموا بعض الآثار الباقية من هذه القرى، من بيوت مهجورة أو مساجد، مشيراً إلى أن المعرض إعادة إحياء لقرى لا يسلط الضوء عليها والتركيز عليها، وحصل نقاش تفاعلي حول كل لوحة.
وأضاف: تم استخدام تقنية الواقع المعزز التي تفاعل معها زوار المعرض، حيث تحركت اللوحة أمام أعينهم، والفيديو يعرض القصة التي شاهدوها ثابتة، القصة من 7 لوحات.
وسيلة مقاومة
وقال رشاد أبو حميد، مدير وزارة الثقافة في الخليل: إن لوحات (ألوان مهجرة) جسدت قضايا التهجير والذاكرة الفلسطينية، من خلال رؤى إبداعية شبابية، عكست ارتباط الجيل الجديد بجذوره وتراثه وهويته الوطنية، مشيراً إلى أن الفنون التشكيلية تعد وسيلة مقاومة ثقافية مهمة، تحمل رسائل الهوية والانتماء، مشيدًا بجهود الطلبة والفنانين الشباب الذين استخدموا ريشاتهم وألوانهم لتجسيد معاناة الشعب الفلسطيني وآماله.
سيمائية جميلة
واعتبر عباس مجاهد، مدير عام في وزارة الثقافة، أن "معرض ألوان مهجرة يحمل سيميائية جميلة جداً، ويجسد الرواية الحقيقية الفلسطينية، وأحقيتنا على هذه الأرض"، مشيراً إلى أن ما لفت انتباهه توظيف الرواية من خلال ريشة الطلبة الفنانين في دحض رواية الاحتلال.
ويختلف المعرض حسب الحاج عيد حسونة، عضو مجلس أولياء الأمور، في سرد رواية تغني عن الكتب والفيلم، بإدخال شيء جديد في المعارض الفنية بربط التكنولوجيا بالفن اليدوي أو بالريشة أو بالقلم.
رسالة فنية
وترى الفنانة التشكيلية أماني الفاخوري أن المعرض كان رحلة بين القرى المهجرة الموجودة في ذاكرتنا وفي أعماقنا وتراثنا، وتجولنا بين بيت جبرين، ولفتا، ويافا، وصفد وقراها، وكانت كل لوحة تعبر عن التراث عن البيوت القديمة الفلسطينية، وكانت لوحات المعرض رسالة فنية بألوان واضحة ونقاء خطوط معبرة جداً، رسمتها اللوحات، بأن فلسطين باقية ما بقي الزعتر والزيتون.
وتفاجأ فواز الفاهوم، الباحث في القرى الفلسطينية المهجرة، الذي حضر خصيصاً من القدس، بمقدار جمال لوحات المعرض التي كان ينقضها فقط تدوين اسم القرى عليها، مشيراً إلى أن الفكرة عن القرى المهجرة بداية جديد، وكانت مباني القرى المهجرة وشوارعها ومعالمها وآثارها، التي هي شاهد على ما ارتُكب بحق هذا الشعب، تبعث الحنين والذكريات لدي رؤيتها، مؤكداً أن المعرض لم يخيب أمله.