وبالمثل، استغلت روسيا الوضع لانتقاد الغرب وتحويل الانتباه العالمي عن الحرب في أوكرانيا.
إن وجهة النظر السائدة في بكين تجاه الجنوب العالمي تنظر إلى العالم من منظور متعدد الأقطاب، مع مراعاة مصالح كل من الشمال والجنوب، على عكس النهج الصفري الذي غالبا ما يُنظر إليه من واشنطن.
علاوة على ذلك، تسعى دول الجنوب العالمي إلى تحقيق الاستقلال الاستراتيجي من خلال تنويع الشراكات الاقتصادية والعسكرية.
إن القرار المحوري الذي اتخذته المملكة العربية السعودية في حزيران/ يونيو 2024 بعدم تجديد اتفاقية البترودولار التي مضى عليها 50 عاما مع الولايات المتحدة؛ أشار إلى نيتها في تأمين رهاناتها وتقليل الاعتماد على واشنطن، بما يتماشى مع علاقاتها المتنامية مع تحالف البريكس للاقتصادات الناشئة.
تمثل هذه الخطوة نهاية حقبة حددتها اتفاقية النفط مقابل الحماية بين الولايات المتحدة والسعودية، وقد تمهد الطريق لإعادة تنظيم اقتصادي وسياسي عالمي جديد.
لقد ألحقت حرب غزة ضررا كبيرا بمصداقية الشمال العالمي، وحطمت "الوهم الضروري" المتمثل في وجود إنسانية مشتركة قائمة على احترام حقوق الإنسان والمعايير القانونية التي نشأت بعد عام 1945.
إن السمة المميزة للعلاقة المعاد تشكيلها بين الشمال والجنوب هي التصور السائد لدى دول الجنوب العالمي للنفاق الغربي والمعايير المزدوجة.
لقد سلطت الأحداث في غزة الضوء بشكل واضح على التناقض بين الإدانة السريعة والعنيفة من جانب الغرب لأفعال روسيا في أوكرانيا، ودعمها الثابت وغير المشروط -العسكري والمالي والدبلوماسي- لإسرائيل أثناء تدمير غزة.
واتُّهمت الحكومات ووسائل الإعلام الغربية بالتعتيم الصريح والإنكار وحتى تبرير قتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، وكان أغلبهم من النساء والأطفال.
إن هذا التواطؤ الملحوظ فيما يصفه الكثيرون في الجنوب العالمي بالإبادة الجماعية، أظهر خيانة عميقة لقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان التي دافع عنها الغرب لفترة طويلة.
كشفت الحرب أن الغرب يعمل وفق سياسة تطبيق القانون الدولي الانتقائي، حيث تتفوق الجغرافيا السياسية والتحالفات على المبادئ العالمية.
لقد خلقت هذه الخسارة في رأس المال الأخلاقي "جرحا داخليا" وصدمة نفسية لملايين الأشخاص في جميع أنحاء العالم الذين شهدوا لا مبالاة الأقوياء، على حد قول المفكر الهندي بانكاج ميشرا في كتابه القيم: "العالم بعد غزة".
بالنسبة للجنوب العالمي، يُنظر إلى الصراع الإسرائيلي الفلسطيني بشكل أساسي من خلال العدسة التاريخية لإنهاء الاستعمار و"خط اللون"، الذي نشأ وتطور عالميا بين البيض والملونين، حيث إلى أي مدى سيتم اتخاذ اختلافات العرق أساسا لحرمان أكثر من نصف العالم من حقهم في المشاركة بأقصى قدر من قدرتهم في فرص وامتيازات الحضارة الحديثة؟
هذا المفهوم لا يزال ذا أهمية في تحليل التفاوتات العالمية المستمرة، والمساعدات الإنسانية، والعلاقات بين الشمال والجنوب العالميين، وكيف أن العرق والعنصرية لا تزال تشكل القضايا الدولية.
إن معاناة الفلسطينيين تُعتبر امتدادا للجرائم الجماعية التاريخية -بما في ذلك العبودية والإبادة الجماعية والإمبريالية العنصرية- التي ارتكبتها القوى الغربية ضد الشعوب غير البيضاء.
أشعلت الحرب ثورة عالمية مدفوعة بالاقتناع بأن الامتياز العنصري لم يعد ينبغي أن يشكل أساس النظام العالمي.
لا يُنظر إلى الصراع على أنه مجرد نزاع محلي، بل باعتباره مواجهة بين الشمال العالمي والجنوب العالمي، وبين الشعوب البيضاء وغير البيضاء.
وقد تردد صدى هذا الإطار بعمق مع تجارب الدول التي كانت مستعمرة سابقا، والتي ترى أن إنكار الحقوق الفلسطينية هو استمرار للظلم التاريخي.
لذلك فإن الانتقادات الدولية الواسعة النطاق لإسرائيل ليست هوسا منافقا، كما يدعي بعض النقاد، بل هي انعكاس للصدى العميق لرواية إنهاء الاستعمار.
من أهم العوامل التي تُعيد تشكيل العلاقة هو التباعد المتزايد داخل دول الشمال العالمي نفسها.
فبينما حافظت الحكومات الغربية على دعمها لإسرائيل، أطلقت شرائح واسعة من شعوبها، وخاصة الشباب والطلاب والأكاديميين والجماعات اليسارية، احتجاجات حاشدة ومستمرة تندد بسياسات حكوماتها.
هذا "الانقسام الحاد" بين النخب الغربية ومواطنيها الساخطين يضفي مصداقية قوية على رواية الجنوب العالمي حول الفشل والنفاق الغربي.
شملت حركات التضامن المكثفة والشاملة مجموعات متنوعة مثل حركة حياة السود مهمة، والمجتمعات اليهودية التقدمية (المناهضة للصهيونية)، ونشطاء مجتمع الميم، والنسويات، مما أدى إلى خلق خطاب عابر للحدود الوطنية يهدف إلى توجيه اتهام أخلاقي شامل للنخب الغربية.
إن هذه التعبئة الشعبية ضد الظلم الذي يدعمه الشمال تعمل كنقطة ضغط داخلية حاسمة، مما يحد من الخيارات السياسية للحكومات الغربية.
تشكل حرب غزة عام 2023 نقطة تحول حاسمة بالنسبة للجنوب، لكن السؤال الذي يجب التوقف أمامه طويلا لأنه يحتاج إلى مزيد من المتابعة؛ هو: هل سيتحول الجنوب العالمي من مجموعة من الدول غير المترابطة إلى كتلة متماسكة، تكون لاعبا واعيا بذاته، شديد الوضوح، ومؤثرا، يطالب بتغييرات جذرية في النظام العالمي، أم يظل منقسما على ذاته؟
شهد الموقف من مناصرة الفلسطينيين انقساما يعكس مصالح بعض الدول وانحياز نخبتها الحاكمة أيديولوجيا وسياسيا.
الهند، وهي تمثل كتلة كبيرة في الجنوب تاريخيا؛ انحازت إلى دعم إسرائيل، وهي في طبعتها اليمينية مع رئيس الوزراء مودي تتقارب مع اليمين الصهيوني في إسرائيل.
وتظل الحكومات في الجنوب العالمي عرضة للتقلبات السياسية والانحيازات، وهو ما يجعل موقف دول الجنوب تجاه فلسطين والموقف من الغرب غير مستقر.
ومع ذلك، فلقد عززت الحرب مكانة فلسطين على قمة الوعي السياسي العالمي؛ فهي بمثابة حافز لنشاط الجنوب العالمي، مع التركيز على إنهاء الإفلات من العقاب وإعادة تعريف القانون الدولي.
لقد تضررت العلاقة بين الشمال والجنوب بشكل لا يمكن إصلاحه بسبب التواطؤ الغربي الملحوظ في تدمير غزة والإبادة الجماعية لسكانها، مما يؤكد الاستياء العنصري والاستعماري الذي طال أمده.
السلطة الأخلاقية للشمال العالمي تتضاءل، مما يغذي مسارا متسارعا نحو عالم متعدد الأقطاب حيث يتمتع الجنوب العالمي، بدعم من الشراكات الاستراتيجية الجديدة (على سبيل المثال، مع الصين وروسيا) والاستقلال الاقتصادي المتزايد، بنفوذ أكبر.
لا يزال التحدي الذي يواجه الجنوب العالمي هو ترجمة انتصاره الأخلاقي وغضبه إلى قوة سياسية وبنيوية مستدامة وموحدة، مما يضمن أن تؤدي العواقب المدمرة للحرب إلى مستقبل أكثر عدلا وتقيدا بالقواعد.
ومن المرجّح بقوة أن تاريخ القرن الحادي والعشرين سوف يتشكل من خلال النتائج التي تم صياغتها في بوتقة غزة.