يعدّ دخول وقف إطلاق النار في غزة حيز التنفيذ حدثا مفصليا في المنطقة والعالم، ويمكن قراءته من عدة زوايا، أهمها واقع قطاع غزة وسكانه في المشهد الحالي ومستقبلا، وفق التصريحات والتطورات المتسارعة منذ إعلان الخطة ثم وقف إطلاق النار.
وقف إطلاق النار لم تأتِ "خطة السلام" التي أعلنها ترامب من فراغ، وإنما نتاج تقييم للأوضاع الميدانية والسياسية، وقد أتى الإعلان عنها بعد تعديلات أجريت عليها بناء على حوارات متتالية مع رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو.
في المقام الأول أتت الخطة لتمنح نتنياهو سُلما للنزول عن الشجرة وتخفيف الضغوط عليه، وفي مقدمتها مقاطعة خطابه في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وازدياد أعداد أعضائها المعترفين بالدولة الفلسطينية، والعقوبات التي أوقعتها بعض الدول على إسرائيل بخصوص التجارة والتسليح، والمظاهرات الحاشدة في العواصم العالمية، وخصوصا الأوروبية، وأسطول الصمود، فضلا عن القضايا المرفوعة على إسرائيل وقياداتها أمام محكمة العدل الدولية، والمحكمة الجنائية الدولية.
بيد أن المَعْلم الرئيس في خطة الرئيس ترامب أنه حاول منح نتنياهو -من خلالها- النصر الذي لم يستطع تحقيقه بالقوة المفرطة خلال سنتين من الإبادة والحصار والتجويع ومحاولات التهجير، حيث تضمنت بنودها إلى حد بعيد الشروط الخمسة التي كان نتنياهو يحاول فرضها على الفلسطينيين.
وبالتالي، كان صمود غزة، مقاومة وشعبا، مدخلا رئيسا لتدخل ترامب بخطته لفرض وقف لإطلاق النار.
فلم يحقق نتنياهو ما توعد به وسعى له من استعادة الأسرى بالقوة، وتهجير أهل غزة، وتدمير المقاومة ودفعها للاستسلام، بل بقيت الأخيرة حتى اللحظات الأخيرة توجه ضربات الاستنزاف لجيش الاحتلال، بما في ذلك محاولات أسر جنود جدد.
إضافة لذلك، يُسجل لأهل غزة أنهم لم يشكلوا حالة ضغط سلبية على المقاومة خلال السنتين- باستثناءات بسيطة وحالات هامشية- رغم كل ما عانوا وما يزالون من قتل وتدمير ونزوح وفقد وجوع وحصار.
فكان صمودهم رغم الإبادة مؤشرا واضحا على حالة الوعي من جهة، وعلى دورهم في الوصول لوقف إطلاق النار من موقع قوة لا ضعف واستسلام من جهة ثانية.
بعد الإعلان عن التوصل لاتفاق وقبل إعلانه رسميا، ومع بدء تراجع قوات الاحتلال من بعض محاور القطاع، كانت عودة مئات الآلاف من الغزيين لبيوتهم ومناطقهم مشهدا ملحميا بارز الدلالة على التمسك بالأرض، وإفشال مشاريع التهجير، استخلاصا لدروس النكبة التي لا يريدون لها أن تتكرر.
حصل هذا الزخم الكبير في العودة رغم المخاطر الكبيرة التي تكتنفها، حيث سقط سابقا شهداء كثر في مواقف شبيهة، ورغم الدمار الكبير والبنية التحتية غير الملائمة للحياة، ورافقها تصريحات زاخرة بالرسائل من العائدين.
كما كان وقف إطلاق النار وعودة الناس فرصة لإدراك مدى الدمار الكبير في القطاع، وتم انتشال عشرات الشهداء من تحت الأنقاض في الساعات الأولى فقط، بما ينذر بأن التضحيات والخسائر في غزة لم تكتمل صورتها بعد، وأن وقف إطلاق النار إن ثبت سيكون عاملا مساهما في توضيح حجم الكارثة.
تصريحات ونوايا من جهة أخرى، تعاملت المقاومة الفلسطينية بإيجابية مع الشق الميداني في خطة ترامب، أي ما يتعلق بوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى وانسحاب قوات الاحتلال ودخول المساعدات، لكن الشق السياسي المرتبط بإدارة قطاع غزة ومستقبل القضية الفلسطينية ومسألة الدولة وسلاح المقاومة، ما زال يمثل عامل قلق كبير لدى الفلسطينيين.
زاد من هذا التوجس تلاعب الاحتلال بملف تبادل الأسرى، حيث عمد إلى تغيير قوائم الأسرى والاحتيال على المعايير، فأصر على استبعاد عدد من رموز الحركة الأسيرة من مختلف الفصائل، ومقاتلي النخبة الذين شاركوا في عملية السابع من أكتوبر/تشرين الأول، فضلا عن تفسيره الذاتي لمصطلح "المؤبد"؛ ليستبعد أكبر عدد ممكن من ذوي المؤبدات.
كما أن الاحتلال عمد منذ الساعات الأولى إلى تثبيت أمر واقع وبث شائعات وأخبار لزيادة الضغط على المقاومة الفلسطينية، فأعلن قوائم الذين سيفرج عنهم من طرف واحد قبل التوافق مع الجانب الفلسطيني عبر الوسطاء، وبدأت قواته بالانسحاب الميداني قبل التوصل للاتفاق بشكله النهائي، بحيث يضع المفاوض الفلسطيني أمام خيارين، إما الموافقة على هذا التنصل، أو تصويره وكأنه طرف معرقل للاتفاق مع التهديد باستئناف العدوان.
أضيف لذلك تصريحات مباشرة عن نوايا بالانقلاب على مسار الصفقة بعد الحصول على أسرى الاحتلال، حيث قال نتنياهو إن حكومته "ستواصل العمل لتحقيق أهداف الحرب.. لإعادة جميع الرهائن، والقضاء على نظام حماس، وضمان عدم عودة غزة لتهديد إسرائيل".
بينما قال وزير الحرب يسرائيل كاتس إنه أصدر تعليماته للجيش "بالاستعداد لتدمير الأنفاق بعد تسلم الأسرى"، فيما أكد رئيس أركان الجيش إيال زامير أن "الحرب لم تنتهِ بعد، ما انتهى هو المرحلة الأولى منها فقط".