وعلى نطاق أوسع، امتد الرد العسكري الإسرائيلي إلى الجبهات الإقليمية، مما أدى فعليا إلى تعطيل شبكة وكلاء إيران.
وعلى الرغم من هذه النجاحات، فإن المجتمع الإسرائيلي منهك ومنقسم بشدة ويعاني من ركود اقتصادي طويل الأمد بعد عامين من الحرب المستمرة.
لا تزال الثقة في الحكومة التي يقودها رئيس الوزراء نتنياهو منخفضة للغاية، حيث تتراوح بين 20% و30%، على الرغم من أن الثقة في الجيش الإسرائيلي لا تزال مرتفعة (70% إلى 82%).
لقد ارتبط بقاء نتنياهو السياسي ارتباطا وثيقا بالحفاظ على حالة حرب مستمرة، مما يسمح له بتأجيل المساءلة عن الإخفاقات الأمنية الكارثية التي وقعت في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وتأخير محاكمات الفساد.
إن قبول خطة ترامب، التي تتطلب انسحابا تدريجيا وتقدم أفقا سياسيا غامضا، يمثل هزيمة إستراتيجية عميقة لعناصر اليمين المتطرف المسيحاني في ائتلافه الذين سعوا إلى ضم الضفة الغربية والسيطرة الدائمة على غزة.
ومن المتوقع أن يؤدي انتهاء الحرب، بالتالي، إلى إثارة ضغوط محلية مكثفة ومطالبات بالمساءلة والانتخابات.
ولعل النتيجة الأكثر أهمية على المدى الطويل بالنسبة لإسرائيل هي تراجعها الحاد في مكانتها الدبلوماسية والرمزية العالمية.
في حين فازت إسرائيل بالمعارك العسكرية، إلا أنها خسرت المعركة الأخلاقية والصورة؛ بسبب الإبادة في غزة.
لقد تضررت صورتها في جميع أنحاء العالم، ويظهر الدعم التقليدي لها في أوروبا وبين الرأي العام الأميركي تصدعات عميقة.
وتتجلى هذه العزلة في التهديدات بالمقاطعة والإجراءات الدولية.
وقد أقر نتنياهو بهذه العزلة الدولية، وتوقع استمرارها لعدة سنوات.
تشكل الحرب ومفاوضات وقف إطلاق النار الناتجة عنها والتي أشرف عليها الرئيس ترامب، نقطة تحول في الديناميكيات الإقليمية، التي تحددها التحولات في القوة، والنشاط الدبلوماسي المتجدد، وعودة القضية الفلسطينية.
أكدت الولايات المتحدة دورها المتفرد في إدارة العملية العسكرية والسياسية في المنطقة.
لقد نجحت قدرة ترامب على ممارسة الضغط على كل من حماس وإسرائيل، حيث فشلت الإدارات السابقة.
والأمر الحاسم هو أن العملية تأثرت بشدة بجبهة متحدة من القوى الإقليمية، بما في ذلك مصر، وقطر، وتركيا، التي لعبت "دورا حاسما" في إقناع حماس بقبول الصفقة.
لقد أدركت الدول العربية، ولا سيما في الخليج، أن التهديد الإسرائيلي يقترب ويهدد أمنها القومي.
وقد تبلور هذا الإدراك من خلال الضربة الإسرائيلية على قيادة حماس في الدوحة بقطر، والتي فشلت عسكريا، ولكنها أثارت غضبا شديدا ووحدت المشاعر العربية والإسلامية ضد الممارسات الإسرائيلية.
وقد خلقت هذه الوحدة نفوذا كبيرا، مما أجبر ترامب على ممارسة الضغط على نتنياهو، ومعالجة القضايا السياسية الأساسية للصراع.
أصبحت اتفاقيات إبراهام، الاتفاقيات الدبلوماسية التي أدت إلى تطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، الآن مهددة بالتجميد أو التراجع؛ بسبب أن التكامل الإقليمي المتجدد، وخاصة انضمام المملكة العربية السعودية إلى الاتفاقيات، يتوقف على استقرار غزة وإيجاد طريق نحو حل سياسي للفلسطينيين.
ومن المفارقات، أن من نتائج طوفان الأقصى وما ترتب عليه أعاد القضية الفلسطينية وحل الدولتين إلى صدارة الأجندة العالمية، على الرغم من التشاؤم العام واسع النطاق بشأن جدواه بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
أظهرت استطلاعات غالوب التي أجريت في منتصف عام 2025 أن 21% فقط من الإسرائيليين، و23% من الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس الشرقية يعتقدون أن السلام الدائم قابل للتحقيق، وأن الدعم لحل الدولتين لا يزال محدودا في كلا الشعبين (27% في إسرائيل، و33% في المناطق الفلسطينية التي شملها الاستطلاع).
ومع ذلك، يتسارع الدفع الدبلوماسي نحو إقامة الدولة.
فقد ارتفع عدد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة التي تعترف بفلسطين من 139 دولة عام 2023 إلى 157 دولة عام 2025.
تشمل هذه الموجة دولا غربية مؤثرة مثل فرنسا، والمملكة المتحدة، وكندا، وأستراليا.
هذا الزخم، المدعوم من المبادرات السعودية- الأوروبية المشتركة، يشير إلى التآكل التدريجي للإجماع الغربي الذي كان يحمي إسرائيل دبلوماسيا في السابق.
وفي حين أن الاعتراف في حد ذاته لا ينهي الاحتلال، إلا إنه يعزز الرواية الفلسطينية، ويعزز إمكانية المساءلة القانونية ضد إسرائيل.
وفي الختام، فإن الشرق الأوسط، بعد عامين من السابع من أكتوبر/تشرين الأول، يمر بفترة من السيولة غير المسبوقة، والتي اتسمت بوقف إطلاق النار الذي أوقف كارثة إنسانية، لكنه فشل في حل الهوة السياسية العميقة.
إن انتهاء القتال هو إنجاز يُعزى إلى حد كبير إلى الدبلوماسية القسرية التي مارسها الرئيس ترامب، بدعم من جبهة عربية وإسلامية موحدة حديثا.
ومع ذلك، فإن الطبيعة التدريجية لخطة ترامب، على الرغم من أهميتها في بناء الثقة، تشكل مخاطر شديدة.
إن إسرائيل، بعد أن ضمنت عودة رهائنها، قد تختار التراجع عن المراحل اللاحقة التي تتطلب الانسحاب الكامل أو التنازلات السياسية، خاصة في ظل المعارضة القوية من حلفاء نتنياهو من أقصى اليمين.
وحماس، التي تسعى جاهدة للبقاء سياسيا وعسكريا، سوف تعمل على إعادة بناء قدراتها، مما يجعل نزع السلاح المستدام صعبا للغاية.
إن تحويل هذا التوقف المؤقت إلى سلام دائم يتطلب رعاية دولية وإقليمية مستدامة.
يجب على الجهات الفاعلة الدولية، بما في ذلك الولايات المتحدة، ومصر، وقطر، وتركيا، أن تتجاوز الآن الإيماءات الرمزية نحو إنشاء آليات قوية وملزمة- بما في ذلك قوات استقرار دولية، وجداول زمنية مفصلة للتنفيذ، وحوافز وعقوبات واضحة- لضمان الامتثال للمراحل اللاحقة من الاتفاق.
وفي نهاية المطاف، فإن الاستقرار المستقبلي في الشرق الأوسط يتوقف على معالجة المظلمة الأساسية: تقرير المصير الفلسطيني، فبدون أفق سياسي واضح يزيل نهائيا خطر الضم الإسرائيلي في الضفة الغربية ويسمح للفلسطينيين بممارسة السيادة، فإن الشعور السائد بالمرارة وانعدام الثقة سيستمر، وستظل المنطقة على مسار حتمي نحو صراع متجدد.
لا يزال السلام والمصالحة احتمالات "بعيدة" والتحدي المباشر الآن هو ضمان ألا ينحدر "الفجر التاريخي" الذي تم الاحتفال والتبشير به بسرعة في القدس وشرم الشيخ، إلى ظلام دائم.
إن نجاح هذه اللحظة، ومنع العودة إلى "أبواب الجحيم"، يعتمد على ترجمة الضرورة إلى عمل مسؤول ومستدام.