تتصدر مسارات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران المشهد السياسي الدولي، في ظل إشارات متناقضة تصدر عن العاصمتين بشأن فرص التوصل إلى اتفاق نهائي. وتبرز ملفات شائكة تعيق إتمام مذكرة التفاهم المحتملة، حيث تتباين الروايات حول البنود الأساسية والالتزامات المتبادلة بين الطرفين.
يعد ملف مضيق هرمز أحد أكثر القضايا إثارة للجدل في الوقت الراهن، خاصة بعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب التي أكد فيها ضرورة فتح المضيق أمام الملاحة الدولية دون قيود. وأشار ترمب إلى أن الحصار البحري المفروض على طهران سيرفع فوراً، وهو ما اعتبرته واشنطن بادرة لتخفيف التوتر.
في المقابل، سارعت طهران إلى نفي الرواية الأمريكية، مؤكدة أن الإجراءات التقييدية المفروضة على سفنها لا تزال قائمة على أرض الواقع. وترى القيادة الإيرانية أن المعادلات الأمنية التي كانت تحكم الملاحة في المضيق قد تغيرت جذرياً بعد التطورات العسكرية الأخيرة في المنطقة.
وتعمل السلطات الإيرانية حالياً على صياغة إطار قانوني جديد يهدف إلى تنظيم إدارة مضيق هرمز بشكل يضمن مصالحها القومية. وتعكس هذه الخطوة رغبة طهران في تحويل موقعها الجغرافي الفريد إلى ورقة ضغط سياسية واقتصادية لمواجهة العقوبات الغربية المستمرة.
من جانبه، أصدر مقر 'خاتم الأنبياء' التابع للقوات المسلحة الإيرانية تحذيراً شديد اللهجة ضد أي تدخل عسكري أجنبي في إدارة الممر المائي. وشدد البيان على أن أي محاولة لتعطيل الملاحة أو التدخل في شؤون المضيق ستواجه برداً حازماً من قبل القوات الإيرانية.
وألزمت طهران السفن التجارية وناقلات النفط بضرورة اتباع المسارات المحددة والحصول على التصاريح اللازمة من الجهات المختصة. وأفادت مصادر إعلامية بأن حركة العبور مستمرة بشكل منتظم، حيث سجل عبور نحو 20 سفينة خلال الأربع وعشرين ساعة الماضية بعد استيفاء الإجراءات.
وبعيداً عن البحار، يبرز ملف الأصول الإيرانية المجمدة كعقبة مالية كبرى تهدد بانهيار التفاهمات الأولية بين الجانبين. وتطالب طهران باستعادة نحو 12 مليار دولار بشكل فوري كجزء من أي اتفاق مقبل، معتبرة ذلك حقاً سيادياً لا يقبل التفاوض أو التأجيل.
إيران ترى أن الحرب الأخيرة غيّرت المعادلات التي كانت تحكم أمن الملاحة في مضيق هرمز، وتعمل على إطار قانوني جديد لإدارته.
وعلى النقيض من ذلك، يرفض البيت الأبيض فكرة الإفراج الفوري عن الأموال في الوقت الحالي، مفضلاً اتباع آلية تدريجية للتحرير المالي. وتربط واشنطن كل خطوة في هذا المسار بمدى التزام طهران الفعلي ببنود الاتفاق، خاصة فيما يتعلق بالبرنامج النووي والأنشطة الإقليمية.
وتشير مسودات الاتفاق المسربة إلى وجود مقترحات لإنشاء صندوق استثماري دولي مخصص لإيران كحل وسط للأزمة المالية. ومع ذلك، لا يزال الخلاف قائماً حول الجدول الزمني للتنفيذ وآليات الرقابة التي ستضمن عدم توجيه هذه الأموال نحو التصنيع العسكري.
ويرى مراقبون أن انعدام الثقة يظل السمة الغالبة على العلاقة بين واشنطن وطهران، مما يجعل من الصعب التوصل إلى حلول وسط. وتصر الولايات المتحدة على فرض آليات تحقق صارمة، بينما تعتبر إيران أن هذه المطالب تمس سيادتها الوطنية وتتجاوز الأطر المتفق عليها.
وفي هذا السياق، اعتبر أكاديميون إيرانيون أن طهران باتت تنظر للمضيق كأداة ردع استراتيجية بعد استخدامه لدعم عمليات عسكرية معادية. وأوضحوا أن الهدف ليس مجرد تحصيل رسوم مالية، بل تعزيز الموقع التفاوضي لإيران في مواجهة الضغوط الأمريكية المستمرة.
من جهة أخرى، يرى دبلوماسيون سابقون أن الملفات المالية هي المعضلة الحقيقية التي تفوق في تعقيدها الملف النووي أو الملاحة البحرية. وأشاروا إلى أن الإدارة الأمريكية تسعى للحفاظ على أدوات الضغط الاقتصادي كبديل أقل كلفة من المواجهات العسكرية المباشرة.
وتبقى مسألة الرقابة الدولية نقطة تباين حساسة، حيث تطالب واشنطن بضمانات تتيح مراقبة دقيقة للالتزامات الإيرانية في كافة المجالات. وترد طهران بأن أي ترتيبات رقابية يجب أن تلتزم بالاتفاقيات الدولية السابقة وألا تتحول إلى أداة للتدخل في شؤونها الداخلية.
بين أوراق الضغط الاقتصادية الأمريكية والأهمية الجيوسياسية لمضيق هرمز، تبدو المفاوضات الجارية بمثابة إعادة رسم لموازين القوى. ويواصل الطرفان التأكيد على امتلاك أوراق قوة كافية، مما قد يؤدي إلى إطالة أمد الحوار قبل الوصول إلى صيغة نهائية ترضي طموحات الطرفين.




