أثار الظهور المفاجئ لما يُعرف بـ"السلاطين" في واجهة الأحداث بجنوب اليمن تساؤلات واسعة حول الدوافع الكامنة وراء هذه العودة بعد عقود من الغياب. وتأتي هذه التحركات في ظل تعقيدات سياسية وأمنية تشهدها المناطق الجنوبية، مما أثار مخاوف من محاولات إعادة إحياء كيانات ما قبل الاستقلال عن الاستعمار البريطاني عام 1967.
وشهدت مديرية يافع بمحافظة لحج مؤخراً ظهوراً لافتاً لأحفاد سلاطين يافع خلال فعاليات شعبية، وهو ما اعتبره مراقبون محاولة لاستثمار النفوذ القبلي في سياق الصراع الحالي. وتتمتع شخصيات من هذه المناطق بنفوذ واسع داخل مؤسسات السلطة التابعة لمجلس القيادة الرئاسي، مما يعزز فرضية التوظيف السياسي لهذا الظهور.
من جانبه، أكد رئيس مركز اليمن لدراسات حقوق الإنسان، محمد قاسم نعمان أن عودة أسر السلاطين إلى وطنهم تعد حقاً إنسانياً ووطنياً مكفولاً كبقية المواطنين اليمنيين. وأوضح أن الدولة ملزمة بتوفير الأمن والاستقرار لهم، شريطة أن تكون هذه العودة ضمن إطار المواطنة المتساوية بعيداً عن الامتيازات الطبقية السابقة.
وشدد نعمان في تصريحاته على ضرورة عدم خضوع هذه العودة للتميز الاجتماعي الذي كان سائداً إبان عهد السلطنات والمشيخات. وأشار إلى أن واقع اليمن اليوم يختلف جذرياً عما كان عليه في فترة الوجود الاستعماري، مؤكداً أن البلاد لا تحتمل مزيداً من التمزق الاجتماعي القائم على أسس فئوية.
كما لفت الحقوقي اليمني إلى أن الدستور والقوانين النافذة هي المرجعية الوحيدة للحكم والسلطة، وهي تحظر عودة أي فئة بوصفها طبقة حاكمة خارج الآليات الديمقراطية. وحذر من وجود مساعٍ لخلق تمردات جديدة عبر استغلال هذه الرموز التاريخية في ظل الظروف الحساسة التي تمر بها البلاد.
وفي سياق متصل، اعتبر الناشط السياسي فيصل البطاطي أن الألقاب السلطانية هي في الأصل أدوار اجتماعية انتهت بانتهاء مسبباتها التاريخية. وأوضح أن اختيار تلك الشخصيات قديماً كان يهدف للإصلاح بين القبائل المتنازعة في غياب مؤسسات الدولة، وهو ما لم يعد مبرراً في الوقت الراهن.
وأكد البطاطي أن الشعب اليمني هو صاحب السيادة الوحيد، وأن محاولات إعادة إحياء الألقاب القديمة تعد "خزعبلات" لا تساهم في بناء دولة حديثة. ودعا الشخصيات الاجتماعية إلى خدمة المجتمع عبر العمل والمواقف الوطنية بدلاً من التمسك بمظاهر وألقاب وصفها بـ"الفارغة".
لا سلطان على يافع ولا على غيرها من قبائل اليمن إلا سلطة الدولة والنظام والقانون، ولا سلطان على الشعب إلا الشعب نفسه.
على الطرف الآخر، يرى الصحفي ياسر اليافعي أن عودة أبناء السلاطين أمر طبيعي باعتبارهم جزءاً أصيلاً من النسيج الاجتماعي والتاريخي للجنوب. واعتبر أن الهويات المحلية الجنوبية تعرضت للطمس خلال العقود الماضية، وأن استعادتها تمثل حائط صد أمام المشاريع السياسية المناوئة.
ودافع اليافعي عن الدور القبلي والاجتماعي التقليدي لهذه الشخصيات، مشيراً إلى أن المشيخات والسلطنات كان لها تاريخ طويل في الدفاع عن مناطقها. ودعا إلى استيعاب هذه الرموز بما ينسجم مع تطلعات الشارع في الجنوب وإرادته السياسية الحالية.
وفي قراءة للمهرجانات التراثية، قال الكاتب أحمد حميدان إن الفعاليات الثقافية مثل مهرجان "القارة" في يافع يجب أن تظل مساحة جامعة للهوية اليمنية. وأبدى أسفه لتحول بعض هذه المهرجانات إلى منصات للخطاب السياسي المنحاز، مما يفقدها قيمتها الثقافية والإنسانية.
وأشار حميدان إلى أن التراث ملك للجميع ولا ينبغي اختزاله في مشاريع سياسية ضيقة تساهم في تعميق الانقسامات. وأعرب عن خيبته من تحويل الموروث التاريخي إلى ساحة للفرز والتمزيق المجتمعي، مؤكداً أن التاريخ أبقى من المشاريع السياسية العابرة.
وكان مهرجان القارة التاريخي قد تضمن فعاليات تهدف لترسيخ قيم التلاحم والحفاظ على العادات القبلية المتوارثة عبر الأجيال. إلا أن حضور الأعلام الانفصالية والشعارات السياسية طغى على الطابع الثقافي للحدث، مما أثار حفيظة القوى المتمسكة بالوحدة الوطنية.
ويرى مراقبون أن استغلال الرموز السلطانية يأتي في وقت تعاني فيه البلاد من انهيار اقتصادي وخدمي شبه كامل. ويحذر هؤلاء من أن الهروب نحو الماضي قد يكون وسيلة للتغطية على الفشل في إدارة الحاضر وتلبية احتياجات المواطنين الأساسية.
ختاماً، تبقى عودة "السلاطين" إلى المشهد اليمني محل جدل واسع بين من يراها حقاً طبيعياً ومن يراها مشروعاً سياسياً بعباءة تاريخية. وتظل الأيام القادمة كفيلة بكشف مدى قدرة هذه الشخصيات على الاندماج في الدولة المدنية أو التحول إلى أدوات في صراع النفوذ المستمر.




